باختصار شديد نقول: إن الكتاب صورة لعصره. أو مرآة لزمنه:
١ - فأسرار البلاغة: قد نقل فيه عبد القاهر ما يقرب من ستين شاهدًا من الشعر، من كتاب "يتيمة الدهر" للثعالبي المتوفى سنة ٤٢٩ هـ، والذي انتهى منه في سنة ٤٠٣ هـ، وليس في أسرار البلاغة شيء من كتاب "تتمة اليتيمة" الذي يعطى الجزء الخامس لليتيمة، والذي صنفه الثعالبي في سنة ٤٢٨ هـ.
ومعنى ذلك أن عبد القاهر قد ألف الأسرار قبل سنة ٤٢٨ هـ، ولكنه يقول عن شيخه -في الأسرار- (﵀) مما يدل عل أنه قد ألف الأسرار بعد وفاة شيخه، وقد كانت وفاة شيخه أبي الحسين بن
[ ٥٩ ]
محمد بن الحسين بن عبد الوارث النحوي سنة ٤٢١ هـ -كما ذكر ياقوت- فقد ألف الأسرار- إذن بعد سنة ٤٢١ هـ.
فإذا ما عرفنا أن عبد القاهر قد أتم كتابه "المقتصد" في النحو سنة ٤٥٤ هـ، وأن هذا الكتاب في ثلاثة أجزاء، وهو بدوره تلخيص لكتاب قبله هو "المغنى" الذي شرح به عبد القاهر "الإيضاح" لأبي علي الفارسي في ثلاثين جزءًا وأن كتاب "المقتصد"، لكونه تلخيصًا للمغنى قد أخذ منه سنة واحدة، وأن المغنى قد أخذ منه ثلاثين عامًا، فإنه يكون قد بدأ تصنيف المغنى في سنة ٤٢٣ هـ، وتكون سنة ٤٢٢ هـ -وهي السنة التي تلت وفاة شيخه أبي الحسين- هي السنة التي صنفت فيها "أسرار البلاغة".
٢ - وأما "دلائل الإعجاز": فإن عبد القاهر -في مقدمته- يشكو من أنه يصنفه في زمان ليس للعلماء فيه إلا الشر والأذى، وقد كان عبد القاهر أشعريًا، وكان الأشاعرة في عهد الوزير "عميد الملك" -أي من سنة ٤٣٣ هـ إلى سنة ٤٥٥ هـ -يلعنون من فوق المنابر، إلى أن أزال ذلك "نظام الملك" وأنشأ المدارس النظامية في أنحاء البلاد سنة ٤٥٨ هـ، فمدحه عبد القاهر بقصيدة منها:
لو جاود الغيث غدا بالجود منه أجدرا
أو قيس عرف عرفه بالمسك كان أعطرا
ذو شيم، لو أنها في الماء ما تغيرا
وهمة لو أنها النجم، ما تغورا ..
لو مس عودًا يابسًا أورق ثم أثمرا
وقال فيه الحسين بن جعفر بن محمد الفارسي:
أحيا البلاد بعدله، وأسهامهم من ظله في الروح والريحان.
[ ٦٠ ]
وبنى القبات بأرض فارس مغرمًا بحماية اللاجى، وفك المعاني
فالناس في أمن بعز ظلاله والشاة في ورد مع السرحان
ولحب دين الله يكرم أهله ويخصهم بالعدل والإحسان
ومعنى ذلك أن عبد القاهر قد ألف الدلائل بعد سنة ٤٥٤ هـ، وهي السنة التي انتهى فيها من التأليف في النحو؛ بإتمام كتابه "المقتصد" وقبل سنة ٤٥٨ هـ؛ وهي السنة التي أزال فيها "نظام الملك" لعن الأشاعرة من فوق المنابر؛ وأنشأ المدارس النظامية لتدريس المذهب السني بها.
أضف إلى هذا: أن عبد القاهر قد رد على ابن سنان في فهمه للاحتذاء كتابه (سر الفصاحة) وقد ألف ابن سنان كتابه هذا سنة ٤٦٤ هـ؛ أي أن عبد القاهر قد ألف "الدلائل" بعد سنة ٤٥٤ بالتأكيد.
٣ - فالفارق الزمني بين "الأسرار" و"الدلائلي" هو من سنة ٤٢٢ هـ -وهي سنة تأليف "الأسرار"- إلى سنة ٤٥٥ هـ- وهي سنة تأليف "الدلائل"؛ أي بداية التأليف فيها؛ وهذا الفارق الزمني مقداره: واحد وثلاثون عامًا.
وهذا تفسير لقول عبد القاهر -في الدلائل-: "وهذه مسألة كنت قد عملتها قديمًا .. " (١) وقوله: "ومن ذلك: أنك ترى من العلماء من قد تأول في الشيء تأويلًا، وقضى فيه بأمر؛ فتعتقده إتباعا له،
_________________
(١) الدلائل ٢٣٥ والأسرار ٣٣٦
[ ٦١ ]
وتبقى على ذلك الاعتقاد الزمان الطويل، ثم يلوح لك ما تعلم به أن الأمر على خلاف ما قدر .. " (١).
وقوله: "وإنك لتنظر في البيت دهرًا طويلًا، وتفسره؛ ثم يبدو لك فيه أمر خفي " (٢).
فالمقصود بقول عبد القاهر: قديمًا" و"الزمان الطويل" و"الدهر الطويل" هو ذلك الفارق الزمني الذي ذكرته وهو: واحد وثلاثون عامًا.
وقد بحثت عن معنى قولهم: "قديمًا" فوجدت: أن القديم عند العرب هو: زمان مجهول المبدأ؛ لطول العهد به -كما يفهم من قول أبي سعيد السيرافي، في كتاب: "الإمتاع والمؤانسة" (١/ ٢٥)؛ وهذا المعنى منطبق تمامًا على الفارق الزمني الذي رأيته بين الكتابين.
٤ - وإذا كان "أسرار البلاغة" لم يعلق به أثر من آثار كتاب "تتمة اليتيمة"، لأنه صنف قبلها؛ فإن كتاب "دلائل الإعجاز" لأنه صنف بعدها -به أثران منها؛ وهما:
(أ) قول عبد القاهر -في الدلائل- "فإذا رأيتهم يجعلون الألفاظ زينة المعاني، وحلية عليها؛ أو يجعلون المعاني كالجواري، والألفاظ كالمعارض لها (الدلائل ١٧١، ١٧٢)
فهو إشارة: إلى ما قاله الثعالبي -في تتمة اليتيمة- عن أبي محمد
_________________
(١) الدلائل ٤٢٥ والأسرار ٢٥٢ (هـ- ريتر).
(٢) الأسرار ٢٦١ والدلائل ٤٢٣.
[ ٦٢ ]
عبد الله بن محمد: "وجرى في طريق المفلقين المبدعين، وكسا المعاني البديعة الخفية، معارض الألفاظ الرشيقة الجلية " (تتمة اليتيمة ١٣٧).
(ب) قول عبد القاهر -في الدلائل-: "ومن الصفات التي تجدهم يجرونها على اللفظ قولهم: "يدخل في الأذن بلا إذن" (الدلائل ١٧٤) (١):
ولقد كان لهذا الفارق الزمني الكبير -وهو واحد وثلاثون عامًا- بين الأسرار، والدلائل، أثر كبير ف تطور أفكار عبد القاهر بين الأسرار والدلائل؛ فقد كانت الملابسات التي صاحبت تأليف كل من الكتابين مختلفة عن الملابسات التي صاحبت تأليف الآخر؛ وقد اعتمد في الدلائل على كتب لم تتح له وهو يؤلف الأسرار؛ كنقد الشعر؛ لقدامة بن جعفر، ومناظرة أبي سعيد السيرافي، التي أوردها أبو حيان التوحيدي في كتابيه: الإمتاع والمؤانسة، والمقابسات.
وإذا كان أبو سعيد السيرافي، قد غمط حفه من البلاغيين؛ لأنهم لم يعترفوا، له بالفضل في إبراز نظرية النظم التي أداروا عليها كتبهم؛ فإن قدامة بن جعفر؛ الذي كان معاصرًا، لأبي سعيد، وحضر مناظرته في مجلس الوزير أبي الفتح الفضل بن الفرات، لم يكن أسعد حظًا منه؛ فقد ظل كتابه، نقد الشعر موردًا، لكل من أطلع عليه من البلاغيين؛ دون أن يشير إليه أحد، وقد نقل منه عبد القاهر "المعاني العقل" التي رددها في الدلائل. وقال: إن البصير بشأن البلاغة
_________________
(١) نقد الشعر ١٤، والدلائل ٣٢٤.
[ ٦٣ ]
وإحداث الصور فيها، يعمد إليها؛ فيصنع فيها ما يصنع الصانع الحاذق؛ كما نقل منه "الإرداف" الذي أعطاه في الدلائل اسم الكناية؛ وكذلك "التمثيل على حد الاستعارة؛ ولم يشر إليه، كما لم يشر إلى أبي سعيد السيرافي، الذي بنى الدلائل على مناظرته!
يقول الدكتور طه حسين عن قدامة وكتابه "نقد الشعر": "وقد استغل كتابه (نقد الشعر) كل مؤلف جاء بعده، دون أن يقول كلمة واحدة، يقر له فيها بالفضل" (١).
وههنا أمران على درجة كبيرة من الأهمية، يظهر أن تطور أفكار عبد القاهر من الأسرار إلى الدلائل ولهما صلة وثيقة بمناظرة أبي سعيد السيرافي، "ونقد الشعر" لقدامة، وهما:
أولًا: أن نظرية النظم لم تكن في الأسرار -إلا ضربا خاصا من التأليف، يعمد فيه إلى وجه دون وجه من التركيب والترتيب، وهذا الاختصاص في الترتيب، يقع في الألفاظ مرتبًا على المعاني المرتبة في النفس، وقد وقفت عند هذا الحد الذي لم تتجاوزه إلى: (معاني النحو) بل إن مصطلحات (النظم) و(معاني النحو) بل و(الفصاحة) و(البلاغة) تكاد لا توجد أصلًا في أسرار البلاغة -إذا استثنينا عنوان الكتاب!
ولهذا فإن الأبيات التي شرحها عبد القاهر -في الأسرار- قبل أن يعرف أن النظم هو توخي معاني النحو، قد أعادها -في الدلائل- ليطبق عليها (توخي معاني النحو فيما بين الكلمة)
ثانيًا: أن نظرية البيان -في الأسرار- كان ينقصا، إحدى
_________________
(١) نقد النثر ١٧ (ط دار الكتب ١٩٣٣)
[ ٦٤ ]
صور البيان الكبرى، وهي (الكناية) فلما اطلع عبد القاهر على مناظرة أبي سعيد، ونقد الشعر لقدامة، أخذ الأرداف الذي شرحه قدامة، وأزاح عنه رداء الإرداف، وألبسه ثوب الكناية، لتكمل بها نظرية البيان.
كما أنه -في الأسرار- كان يعد الأمثال من قبيل التشبيه التمثيلي، ولكنه -في الدلائل- جعلها من قبيل التمثيل على حد الاستعارة، وهو الذي أسماه البلاغيون من بعده: الاستعارة التمثيلية.
[ ٦٥ ]