أجاب ردى" وطبع الشعر" لم تجب إذ كان ما قلته في غاية العجب
يشتم منه نسيم المسك قارئه ويتحلى كوكب العلياء والحسب
أبدى الأنام من الأشعار رغوتها وأنت أخرجت منها زبدة الحقب
وقد وردت عبارة " طبع الشعر" التي في أول الأبيات في أسرار البلاغة ثلاث مرات (١).
والآخر: هو أن الثعالبي لم يأت بترجمة أخرى لعبد القاهر في تتمة اليتيمة مع أنها قد صنفت في سنة ٤٢٨ هـ وكان "الأسرار" قد صنف في سنة ٤٢٢ - كما سيأتي - وكان عبد القاهر قد اشتهر في جرجان، فكان - كما يقول الباخرزي -قد اتفقت على إمامته الألسنه، وتجملت بمكانه وزمانه الأمكنة والأزمنة وأثنى عليه طيب العناصر، وثنيت به عقود الخناصر، فهو فرد في علمه الغزير، لا بل هو العلم في الأئمة المشاهير" (٢).
وأما لماذا أسقط الثعالبي ذكر أبيه (عبد الرحمن) فإننا نرجع أن يكون ذلك لأمور هي كما يلي:
أولًا: أنه ربما يكون عدم ذكر أبيه قد أسقط سهوا من الناسخ.
ثانيًا: أن الثعالبي كان من الكتاب المشغوفين بالصنعة اللفظية والاستكثار من ألوان البديع، في زمان عبد القاهر، وقد شنع عبد القاهر - في مقدمة الأسرار - على الكتاب من أهل زمانه الذين يشغفون بالصناعة اللفظية، إذ يقول: " وقد تجد - في كلام المتأخرين الآن - كلامًا حمل
[ ٢١ ]
صاحبه فرط شغفه بأمور ترجع إلى ماله اسم في البديع إلى أن ينسى أنه يتكلم ليفهم، ويقول ليبين، ويخيل إليه أنه إذا جمع بين أقسام البديع في بيت فلا ضير أن يقع ما عناه في عمياه، وأن يوقع السامع من طلبه في خبط عشواه (١).
ثانيا أنه لم يكن في استطاعته مجاراة النقاد من البلاغيين في صناعة النقد؛ فلم يذكرهم في كتابه هذا بأي تقدير؛ ولهذا فإنه لم يذكر لعبد القاهر سوى الأبيات الثلاثة السابقة دون تعريف بمكانة صاحبها؛ كما أنه صنع نفس الصنيع مع أبى هلال العسكري؛ إذ يقول عنه: " ابن هلال العسكري (٢) "، ولم يورد غير بيتين من الشعر.
ويرجع أن عبد القاهر قد ولد في أوائل القرن الخامس الهجري، وقد نشأ ولوعا بالعلم، محبا للآداب، متأثرا بأستاذين هما: أبو الحسين محمد بن الحسن بن عبد الوارث الفارسي النحوي نزيل جرجان المتوفي سنة ٤٢١ هـ وأبو الحسن على بن عبد العزيز الجرجاني المتوفي سنة ٣٩٢ هـ.
فعلى الرغم من أن عبد القاهر لم يخرج من جرجان في طلب العلم، فإن الله تعالى أرسل إليه أبا الحسين هذا، الذي كان قد أخذ العلم عن خاله أبى على الفارسي صاحب كتاب (الإيضاح) في النحو، ولعل أبا الحسين قرأ كتاب خاله لتلميذه، فقد رأينا عبد القاهر يعنى بهذا الكتاب عناية بالغة فيضع عليه شرحا كبيرا يبلغ ثلاثين مجلدا، ويسميه: " المغنى" ثم يختصر هذا الشرح في نحو ثلاثة مجلدات، ويسمى هذا الشرح الصغير " بالمقتصد".
وأما أبو الحسن على بن عبد العزيز الجرجاني، فقد كان أديبا ممتازًا، واشتهر بكتابه" الوساطة بين المتنبي وخصومه" وقد قال ياقوت عنه:
[ ٢٢ ]
"وكان الشيخ عبد القاهر الجرجاني قد قرأ عليه، واغترف من بحره، وكان إذا ذكره في كتبه تبخبخ به وشمخ بأنفه بالانتماء إليه" ولكن يبدو أن أخذ عبد القاهر عن القاضي كان أخذا عن كتبه، لا عن شخصه (١)، وذلك لأن الفارق الزمني بين القاضي الجرجاني المتوفى سنة ٣٩٢ هـ وولادة عبد القاهر التي يرجع أنها كانت في أوائل القرن الخامس الهجري لا يسمح لعبد القاهر بالأخذ عن القاضي الجرجاني مشافهة، أضف إلى هذا أن عبد القاهر، إذا تحدث عن القاضي الجرجاني ذكره بصفته، او بكنيته، أو بهما معا، كأن يقول" وعليه يدل كلام القاضي في الوساطة" أو يقول: " قال الشيخ أبو الحسن" أو يقول: " قال القاضي أبو الحسن - رحمة الله -" ولكنه إذا تحدث عن أستاذه أبى الحسين بن عبد الوارث النحوي قال: " قال شيخنا - ﵀ -" فعبارة: " قال شيخنا" تدل على أنه قد قرأ عليه، وقد كرر التعيين بقوله" شيخنا" في الأسرار والدلائل كليمهما، ولو كان له شيخ سوى ابن عبد الوارث لحدد المقصود منه. على أن عبد القاهر نفسه قد علق على قوله - في الدلائل -: " قال شيخنا -رحمة الله -" بقوله: " يعني الشيخ أبا الحسن الفارسي ابن أخت الشيخ أبى على الفارسي (٢).
وإلى جانب هذين الأستاذين تتلمذ عبد القاهر على الكتب يقرؤها بفكر واع، وعقل مستنير، إذ نراه ينقل عن سيبويه، والجاحظ، والسيرافي، وأبى على الفارسي، وابن قتيبة، وقدامة، والآمدى، والقاضي الجرجاني، وأبى هلال العسكري، وأبى أحمد العسكري، وابن سنان الخفاجي، وعبد الرحمن بن عيسى الهمذاني، والمرزباني، والزجاج، وأبى الحسين إسحق بن إبراهيم بن سليمان بن وهب، وعبد الجبار الأسد أبادى.
[ ٢٣ ]
وقد كان شافعي المذهب متكلما على طريقة الأشعري، بيد أن المادة التي غلبت عليه هي: النحو، فقد كان يلقب بالنحوي.
وتصدر بجرجان، وذاع صيته في الافاق، وشدت إليه الرحال، وقصده التلاميذ من جميع الجهات، وظل مقيمًا بجرجان، يفيد الراحلين إليه، والوافدين عليه إلى أن توفى بها سنة ٤٧١ هـ.
ومع علمه الغزير، ونتاجه الوفير، فإنه لم يكن سعيدًا في حياته، فقد كان فقيرًا عليه في الرزق، يعيش على هبات بعض الأثرياء الذين ألف لهم كتبه (١)، كما أنه كان أشعريًا، وكان الأشاعرة يلعنون من فوق المنابر فقد كانت الأشعرية في زمانه تهمة يهمل صاحبها وينبذ من أجلها، حتى إن ياقوتا قال عن بديع الزمان الهمذاني إنه كان متهمًا بمذهب الأشعرية (٢) " وقد حسن الوزير عميد الملك السكندري، وزير السلاجفة للسلطان طغرل بك أن يلعن الأشاعرة من فوق المنابر فلعنوا حتى جاء نظام الملك أبو على الحسن بن على وزير السلاجفة، فأزال لعنهم في سنة ٤٥٨ هـ وظهر ذلك على نفسية عبد القاهر في مقدمة " دلائل الاعجاز" (٣).