أولها: ما تضمنه القرآن من الأخبار عن الغيوب؛ وذلك مما لا يقدر عليه البشر؛ ولا سبيل إليه.
وثانيها: أنه أخبر عما وقع وحدث من عظيمات الأمور، ومهمات السير؛ من خلق آدم إلى مبعثه -ﷺ- مع أنه كان أميًا؛ لا يقرأ ولا يكتب؛ ولم يكن يعرف شيئًا من كتب المتقدمين وأقاصيصهم وأنبائهم وسيرهم.
وثالثها: أنه بديع النظم عجيب التأليف؛ متناه في البلاغة إلى الحد الذي يعلم عجز الخلق عنه.
ثم ذكر أن الذي أطلقه العلماء في هذا الوجه الأخير هو على الجملة؛ أما هو فقد كشف الجملة التي أطلقوها وفصلها؛ بأن الذي يشتمل عليه بديع نظمه المتضمن للإعجاز وجوه:
[ ٣٧ ]
١ - أن نظم القرآن -على تصرف وجوهه، وتباين مذاهبه- خارج عن المعهود من نظام جميع كلامهم ومباين للمألوف من ترتيب خطابهم، وله أسلوب يختص به، ويتميز في تصرفه عن أساليب الكلام المعتاد.
٢ - أنه ليس للعرب كلام مشتمل على هذه الفصاحة والغرابة، والتصرف البديع، والمعاني اللطيفة، والفوائد الغزيرة، والحكم الكثيرة، والتناسب في البلاغة، والتشابه في البراعة على هذا الطول، وعلى هذا القدر.
٣ - أن عجيب نظمه، وبديع تأليفه، لا يتفاوت ولا يتباين على ما يتصرف إليه فيها ويشتمل عليها؛ وإنما هو على حد واحد، في حسن النظم، وبديع التأليف والرصف لا تفاوت فيه؛ بينما يتفاوت كلام الفصحاء تفاوتًا بينًا.
٤ - أن نظم القرآن قد وقع موقعًا في البلاغة يخرج عن عادة كلام الجن كما يخرج عن عادة كلام الأنس فهم يعجزون عن الإتيان بمثله كعجزنا، ويقصرون دونه كقصورنا.
٥ - أن الذي ينقسم إليه الخطاب؛ من البسط والاقتصار؛ والجمع والتفريق، والاستعارة والتصريح، والتجوز والتحقيق، ونحو ذلك من الوجوه التي في كلامهم، موجود في القرآن، وكل ذلك مما يتجاوز كلامهم المعتاد في الفصاحة، والإبداع، والبلاغة.
٦ - أن المعاني التي تضمنها، في أصل وضع الشريعة والأحكام والاحتجاجات في أصل الدين، والرد على الملحدين على تلك الألفاظ البديعة، وموافقة بعضها بعضًا، في اللطف والبراعة، مما يتعذر على البشر ويمتنع.
[ ٣٨ ]
٧ - أن الكلام يتبين فضله، ورجحان فصاحته، بأن تذكر منه الكلمة في تضاعيف كلام. أو تقذف بين شعر، فتأخذها الأسماع، وتتشوف إليها النفوس، ويرى وجه رونقها باديًا .. وأنت ترى الكلمة من القرآن؛ يتمثل بها في تضاعيف كلام كثير؛ وهي غرة جميعه. وواسطة عقده، والمنادى على نفسه بتميزه، وتخصصه برونقه وجماله، واعتراضه في حسنه وجماله.
٨ - أن الحروف التي بنى عليها كلام العرب تسعة وعشرون جرفًا، وعدد السور التي افتتح فيها بذكر الحروف ثمانية وعشرون سورة، وجملة ما ذكر من هذه الحروف -في أوائل السور من حروف المعجم- تصف الجملة، وهو: أربعة عشر حرفًا، ليدل بذلك المذكور على غيره، ولعرفوا، أن هذا الكلام منتظم من الحروف التي ينظمون بها كلامهم.
٩ - أنه سهله ويسره، فهو خارج عن الوحشي المستكره، والغريب المستنكر، وعن الصنعة المتكلفة، وجعله قريبًا إلى الإفهام وهو -مع ذلك- ممتنع المطلب عسير المتناول، غير مطمع مع قربه في نفسه، ولا موهم مع دنوه في موقعه أن يقدر عليه، أو يظفر به.
أما كيفية الوقوف على إعجاز القرآن: فهي: أن إعجاز القرآن لا يخفى على العربي البليغ، الذي قد تناهى في معرفة اللسان العربي، ووقف على طرقها ومذاهبها.
وأما من لم يبلغ، في الفصاحة الحد الذي يتناهى إلى معرفة أساليب الكلام ووجوه اللغة فهو كالأعجمي في أنه لا يمكنه أن يعرف إعجاز القرآن، إلا بأن يعلم أن العرب قد عجزوا عنه، وإذا عجز هؤلاء، فهو عنه أعجز!
[ ٣٩ ]
وهكذا ترى أن الباقلاني قد حاول جاهدًا، أن يتبين معنى النظم، وأن يصل إلى أسراره. فلم يجيء إلا بكلام عام، لم يصل به إلى الدلائل الحقيقية للإعجاز، وهي خصائص النظم وفروقه، المتمثلة في تتبع معاني النحو فيما بين الكلم.
على أن هناك من النقاد من أسهم برأيه. في قضية الإعجاز، وأن القرآن الكريم معجز بنظمه الفريد، الذي لا يستطيع الخلق أن يأتوا بمثله، وساهم في إبراز نظرية النظم -وإن لم يصل إلى ما وصل إليه عبد القاهر من بعده- وهو، أبو هلال الحسن بن عبد الله بن سهل العسكري، المتوفى سنة ٣٩٥ هـ.
فقد بين في مقدمة كتابه (الصناعتين) أن الإنسان إذا أغفل علم البلاغة، وأخل بمعرفة الفصاحة، لم يقع علمه بإعجاز القرآن، من جهة ما خصه الله به من حسن التأليف، وبراعة التركيب وما شحنه به من الإيجاز البديع، والاختصار اللطيف، وضمنه من الحلاوة، وجلله من رونق الطلاوة، مع سهولة كلمة وجزالتها وعذوبتها وسهولتها، إلى غير ذلك من محاسنه التي عجز الخلق عنها. وتحيرت عقولهم فيها، وإنما يعرف إعجازه من جهة عجز العرب عنه،
وأنه يقبح بالفقيه المؤتم به، والقارئ المهتدى بهديه، والمتكلم المشار إليه في حسن مناظرته، وتمام آلته ومجادلته، وشدة شكيمته في لحاجه، والعربي الخالص، والقرشي الصريخ أن لا يعرف إعجاز كتاب الله تعالى، إلا من الجهة التي يعرفه منها الزنجي، والنبطي، وأن يستدل عليه بما استدل به الجاهل الغبي.
وأن علم البلاغة ينبغي أن يقدم التماسه على سائر العلوم الأخرى، بعد توحيد الله تعالى، لأن المعرفة بصحة النبوة تتلو المعرفة بالله تعالى.
[ ٤٠ ]
وقد فرق أبو هلال، بين الفصاحة والبلاغة بما لا يخرج عما قاله ابن سنان -في التفريق بينهما- من بعده من أن الفصاحة وصف للألفاظ، وأن البلاغة وصف للألفاظ مع المعاني.