عندما قال أبو سعيد السيرافي لمتى بن يونس - وقد قال له: يكفيني من لغتكم هذه: الاسم والفعل والحرف -: "أخطأت، لأنك في هذا الاسم، والفعل، والحرف فقير إلى رصفها "أي الأسماء والأفعال، والحروف" وبنائها على الترتيب الواقع في غرائز أهلها" كان يقصد أن ترتيب الألفاظ ترتيب من نوع خاص بحيث لا يكون ترتيبًا ظاهريًا، أو شكليًا، وإنما يكون ترتيبًا تراعي فيه العلاقات النحوية، على حسب ترتيبها في طبائع أهلها، أو في نفوسهم، ومعنى هذا: أن عملية الترتيب كانت تتم في طبائع القوم، أو غرائزهم، أو نفوسهم، ثم تأتي عملية الترتيب في النطق على هذا الترتيب الواقع في النفس.
وقد قرأ عبد القاهر الجرجاني هذا القول - وهو الألمعي الذكي الفذ الذي تكشف له خبايا المعاني من خلال قراءته لكتب السابقين - فرأى هو الآخر: أن عملية النظم إنما هي في ترتيب الألفاظ في النطق على حسب ترتيب المعاني في النفس.
ولم يشأ أبو سعيد السيرافي أن يترك هذا المعنى الذي ألمح إليه؛ أي رصف الألفاظ وبناؤها على الترتيب الواقع في غرائز أهلها، دون أن يؤكده مرة أخرى، عندما قال لمتى بن يونس: "وإذا قال لك آخر، كن نحويًا، لغويًا، فصيحًا، فإنما يريد، افهم عن نفسك ما تقول، ثم رم أن يفهم عنك غيرك"، لأنه لا معنى لأن يفهم الإنسان عن نفسه ما يقول، إلا أن يريد قوله في نفسه أولًا، فإن كان ما قاله في نفسه مفهومًا ويمكن أن يفهمه الآخرون فإنه حينئذ يحاول أن يفهم غيره ممن يريد الإفضاء بحديث إليهم.
كما أنه لا معنى لقوله "ثم رم أن يفهم عنك غيرك، إلا أن يرتب
[ ١٢٠ ]
ألفاظه في النطق على حسب ترتيب معانيها في نفسه، وهو يفضي بحديثه إلى غيره.
على أن عملية النظم هذه، لا بد أن تسبقها مقدمات تجعل من النظم عملية نحوية، لغوية، تجعل المعنى في ذهن السامع واضحًا جليًا، مؤديًا للغرض من إنشائه، مبينًا عن الأغراض، والمقاصد، والمعاني التي يقصدها الشعراء والأدباء، على حد سواء؛ فما معنى أن تكون نحويًا، لغويًا، فصيحًا؟
ولئن كان أبو سعيد السيرافي قد أجمل في عبارته السالفة (أفهم عن نفسك ما تقول ثم رم أن يفهم عنك غيرك) فإن تفصيل ذلك يمكن أن يفهم من السؤال الذي افترض، أبو سعيد أن سائلًا قد سأله.
ذلك لأن معنى قوله "نحويًا" أن تجري في كلامك على حسب قواعد النحو، وبمعنى آخر: هو: أن تتوخى معاني النحو فيما بين الكلم على حسب الأغراض التي يساق لها الكلام.
ومعنى قوله: "لغويًا فصيحًا" أن تنتقي الكلمات الخالية من عيوب اللفظ، بأن تكون مألوفة الاستعمال خفيفة على النطق، ملائمة للمعنى الذي جاءت من أجله مشاكلة في معانيها لمعاني جاراتها مؤانسة لأخواتها، دالة على المعاني، والمقاصد والأعراض التي اجتلبت من أجل الإفصاح عنها، والإبانة عن خفاياها.