في مناظرة أبي سعيد السيرافي: (ثم أقبل أبو سعيد على متى، فقال أما تعرف يا أبا بشر، أن الكلام اسم واقع على أشياء، قد ائتلفت بمراتب؟ وتقول بالمثل: هذا ثوب؛ والثوب اسم يقع على أشياء بها صادر ثوبًا، لأنه نسج بعد أن غزل، فسداته لا تكفي دون لحمته، ولحمته لاتكفي دون سداته، ثم تأليفه كنسجه، وبلاغته كقصارته، ورقة سلكه كرقة لفظه، وغلظ غزله ككثافة حروفه، ومجموع هذا كله ثوب، ولكن بعد تقدمة كل ما يحتاج إليه فيه).
وتلك العبارة قد جاءت عقب العبارة السابقة عليها، على لسان أبي سعيد السيرافي، والتي أجمل بها نظرية النظم، وكأن أبا سعيد أراد أن يبين لمتى بن يونس أن النظم ليس عملًا لفظيًا صرفًا، ولا نحويًا خالصًا، وإنما هو عمل معتمد على المعنى بقدر ما هو معتمد على اللفظ، فلا اللفظ يصلح دون المعنى: ولا المعنى يصلح دون اللفظ، وتأليفه يحتاج إلى أعمال الفكر، وحسن الاختيار، للمعاني المناسبة للأغراض التي يقصدها الشاعر أو الأديب.
وكذلك صنع عبد القاهر الجرجاني؛ فبعد أن أكمل النظرية بما وجده في (سر الفصاحة) لابن سنان، من أن توخى معاني النحو ليس مقصودًا في ذاته، ولا المزايا الناشئة عنه مطلوبة لذاتها، وإنما المقصود هو أن تأتي هذه المزايا، من توخى معاني النحو فيما بين الكلم على حسب الأغراض التي تكون مقصد للشاعر أو الأديب أقول: بعد أن أكمل عبد القاهر النظرية، صنع صنيع أبي سعيد السيرافي، فأتى بمثيل للنظم من
[ ١٥١ ]
الألوان التي تعمل بها الصور، والنقوش في الثوب، فقال: وإنما سبيل هذه المعاني سبيل الأصباغ التي تعمل منها الصور والنقوش، فكما أنك ترى الرجل قد تهدى في الأصباغ التي عمل منها الصورة، والنقش فكما أنك ترى الرجل قد تهدى في الأصباغ التي عمل منها الصورة، والنقش في ثوبه الذي نسج إلى ضرب من التخير والتدبر في أنفس الأصباغ، وفي مواقعها، ومقاديرها، وكيفية مزجه لها، وترتيبه إياها، إلى ما لم يتهد إليه صاحبه، فجاء نقشه من أجل ذلك أعجب، وصورته أغرب، كذلك حال الشاعر والشاعر في توخيهما معاني النحو، ووجوهه التي علمت أنها محصول النظم" (١).
ولم يقف عبد القاهر عند هذا الحد، في الانتفاع بفكرة السيرافي، في تشبيهه الكلام بالثوب، والنظم بالنسج، والمعنى بالسدى، واللفظ باللحمة، ورقة اللفظ برقة السلك، وغلظه، بغلظه وإنما انتفع بها في كل موضع احتاج فيه إلى تقريب عملية النظم من القارئ:
١ - ففي الرد على من عرف الفصاحة، والبلاغة، والبراعة من العلماء. ولم يسبر غوزها، ولم يصل إلى كنهها، وحقيقة معناها، ولم يزد على: أن المعول عليه هو: أن ههنا نظمًا وترتيبًا، وتأليفًا وتركيبًا، وصياغة وتصويرًا ونسجًا وتحبيرًا، وأن سبيل هذه المعاني في الكلام الذي هي مجاز فيه سبيلها في الأشياء التي هي حقيقة فيها، وأنه كما يفضل - هناك - النظم النظم، والتأليف التأليف، والنسج النسج والصياغة الصياغة، ثم يعظم الفضل، وتكثر المزية، حتى يفوق الشيء نظيره، والمجانس له درجات كثيرة، وحتى تتفاوت القيم التفاوت الشديد، كذلك يفضل الكلام بعضه بعضًا، ويتقدم الشيء الشيء ثم يزداد فضله ذلك ويترقى منزلة بعد منزلة، ويعلو مرقبًا بعد مرقب، وتستأنف له غاية بعد غاية،
_________________
(١) الدلائل ٧٠.
[ ١٥٢ ]
حتى ينتهي إلى حيث تنقطع الأطماع، وتحسر الظنون، وتسقط القوى، وتستوي الأقدام في العجز.
يرد عبد القاهر على هذا القائل بقوله: مازدتم على أن قستم قياسًا، فقلتم نظم ونظم، وترتيب وترتيب ونسج ونسج، ثم ينيتم عليه: أنه ينبغي أن تظهر المزية في هذه المعاني ههنا حسب ظهورها هناك، وأن يعظم الأمر في ذلك كما عظم ثم؛ وهذا صحيح كما قلتم، ولكن: بقى أن تعلمونا مكان المزية في الكلام وتصفوها لنا، وتذكروها ذكرًا، كما ينص الشيء ويعين، ويكشف وجهه ويبين، ولا يكفي أن تقولوا، إنه خصوصية في كيفية النظم، وطريقة مخصوصة في نسق الكلم بعضها على بعض، حتى تصفوا تلك الخصوصية وتبينوها، وتذكروا لها أمثلة، وتقولوا: مثل كيت، وكيت، كما يذكر لك من تستوصفه عمل الديباج المنقش ما تعلم به وجه دقة الصنعة، أو يعمله بين يديك، حتى ترى عيانًا، كيف تذهب تلك الخيوط وتجئ، وماذا يذهب منها طولًا، وماذا يذهب منها عرضًا، وبم يبدأ، وبم يثنى، وبم يثلث، وتبصر من الحساب الدقيق ومن عجيب تصرف اليد ما تعلم منه مكان الحذق، وموضع الأستاذية" (١).
٢ - كما يرد على القاضي عبد الجبار، الذي عرف الفصاحة بأنها خصوصية في نظم الكلم، وضم بعضها إلى بعض على طريق مخصوصة - بأن هذا القول منه - في تعريف الفصاحة - لو كان كافيًا - في معرفتها - ومغنيًا في العلم بها، لكفى مثله في معرفة الصناعات كلها، فكان يكفي - في معرفة نسج الديباج الكثير التصاوير - أن تعلم: أنه ترتيب للغزل على وجه مخصوص، وضم لطاقات الإبريسم، بعضها إلى بعض على طرق شتى، وذلك ما لا يقوله عاقل.
_________________
(١) الدلائل ٣٠.
[ ١٥٣ ]
ولهذا فإنه لا يكفي - في علم الفصاحة - أن تنصب لها قياسًا ما: وأن تصفها وصفًا مجملًا، وتقول فيها قولًا مرسلًا؛ بل لا تكون من معرفتها شيء حتى تفصل القول وتحضل، وتضع اليد على الخصائص التي تعرض في نظم الكلم، وتعدها واحدة واحدة. وتسميها شيئًا شيئًا، وتكون معرفتك معرفة الصنع الحاذق الذي يعلم كل خيط من الإبريسم الذي في الديباج، وكل قطعة من القطع المنجورة في الباب المقطع، وكل آجرة من الآجر الذي في البناء البديع (١).
٣ - وفي محاولته الوصول إلى حقيقة معنى المعارضة، وأن قياسهم الكلام في معنى المعارضة على الأعمال الصناعية لم يكن دقيقًا يقول: "إنا لنراهم يقيسون الكلام في معنى المعارضة - على الأعمال الصناعية، كنسج الديباج، وصوغ الشنف والسوار، وأنواع ما يصاغ وكل ما هو صنعة وعمل يد، بعد أن يبلغ مبلغًا يقع التفاضل فيه، ثم يعظم حتى يزيد فيه الصانع على الصانع زيادة يكون له بها صيت، ويدخل في حد ما يعجز عنه الأكثرون. ثم يقول: "إن هذا القياس - وإن كان قياسًا ظاهرًا معلومًا، وكالشيء المركوز في الطباع حتى ترى العامة فيه كالخاصة - إلا أن فيه أمرًا يجب العلم به، وهو أنه من الممكن أن يتصور أن يبدأ هذا فيعمل ويبدع في نقشه وتصويره. فيجئ آخر، ويعمل ديباجا آخر مثله في نقشه وهيئته، وجملة صفته حتى لا يفصل الرائي بينهما، ولم يقع لمن لم يعرف القصة. ولم يخبر الحال إلا أنهما صنعة رجل واحد، وخارجان من تحت يد واحدة. ولكن: ليس من الممكن أن تتصور مثل ذلك في الكلام، لأنه لا سبيل إلى أن تجئ إلى معنى
_________________
(١) الدلائل ٣١.
[ ١٥٤ ]
بيت من الشعر، أو فصل من النثر، فتؤديه بعينه، وعلى خاصيته وصنعته بعبارة أخرى حتى يكون المفهوم من هذه هو المفهوم من تلك لا يخالفه في صفة، ولا وجه، ولا أمر من الأمور.
ولهذا كان قولهم: قد أتى بالمعنى بعينه، وأخذ معنى كلامه، فأداه على وجهه تسامح منهم. والمراد: أنه أدى الغرض، لا أنه أدى المعنى بعينه.
وكذلك قولهم - في قوله تعالى: "ولكم في القصاص حياة" وقول الناس: (قتل البعض إحياء للجميع): إنهما عبارتان معبرهما واحد، ولا يمكن الأخذ بظاهره، إذ ليس المفهوم من أحد الكلامين هو المفهوم من الآخر" (١).
وقد سبق أبو هلال العسكري، وابن سنان الخفاجى إلى بيان الفروق بين قوله تعالى: "ولكم في القصاص حياة" وقول العرب: (القتل أنفى للقتل" فأفاد عبد القاهر منهما" (٢).
٤ - وقد اكتشف عبد القاهر بذكائه. والمعينة أن تشبيه الكلام بالثوب، والنظم بالنسج - وإن كان شائعًا بين النقاد - إلا أنه ليس مؤديًا للغرض المنشود لهم كما ينبغي الأداء، لأنه قد يكون لنظم معنى" ويمكن تأويله تأويلا آخر فيؤدي معنى آخر، دون أن يتغير النظم، ولكنك إذا أردت من النسج صورة أخرى فلابد أن تغير النسج:
_________________
(١) الدلائل ٢٠١، ٢٠٢.
(٢) الصناعتين ١٦٨: وسر الفصاحة) ٢٠٠، ٢٠١.
[ ١٥٥ ]
"ففي الناس من إذا رأى أنه يجري في القياس وضرب المثل أن تشبه الكلم - في ضم بعضها إلى بعض - ورأى أن الذي ينسج الديباج، ويعمل النقش والوشى، لا يصنع بالابريسم الذي ينسح منه شيئًا غير أنه يضم بعضه إلى بعض، ويتخير للإصباغ المختلفة المواقع التي يعلم أنه إذا أوقعها فيها حدث له في نسجه ما يريد من النقش والصورة - جرى في ظنه أن حال الكلم - في ضم بعضها إلى بعض، وفي تخير المواقع لها - وحال خيوط الأبريسم سواء. ورأيت كلامه كلام من لا يعلم أنه لا يكون الضم فيها ضما، ولا الموقع موقعا. حتى يكون قد توخى فيها معاني النحو، وأنك إن عمدت إلى ألفاظ "فجعلت تتبع بعضها بعضًا، من غير أن تتوخى فيها معاني النحو، لم تكن قد صنعت شيئًا تدعى به مؤلفًا وتشبه معه بمن عمل نسجا، أو صنع على الجملة صنيعا، ولم يتصور أن تكون قد تخيرت لها المواقع.
ويستدل عبد القاهر على صحة مقولته هذه باستدلال لطيف، وهو: أنه قد يتصور أن يعمد عامد إلى نظم كلام بعينه، فيزيله عن الصورة التي أرادها الناظم له أو يفسدها عليه من غير أن يحول منه لفظًا عن موضعه أو يبدله بغيره، دون أن يغير شيئًا من صاهر أمره.
ومثال ذلك أنك إن قدرت في بيت أبي تمام:
لعاب الأفاعي القاتلات لعابه وأرى الجنى اشتارته أيد عوامل
أن "لعاب الأفاعي" مبتدأ "ولعابه" خبر - كما يوهمه الظاهر - أفسدت عليه كلامه، وأبطلت الصورة التي أرادها فيه، وذلك لأن غرض
[ ١٥٦ ]
الشاعر هو: أن يشبه مداده بأرى الجنى، بمعنى أنه إذا كتب في العطايا والصلات أوصل به إلى النفوس ما تحلو مذاقته عندها، وأدخل السرور واللذة عليها، وهذا المعنى إنما يكون، إذا كان (لعابه) مبتدأ، و(لعاب الأفاعي) خبرًا، فأما تقديرك: أن يكون (لعاب الأفاعي) مبتدأ، و(لعابه) خبرًا، وذلك يخرج عن غرض أبي تمام، إذ ليس غرضه أن يشبه (لعاب الأفاعي) بالمداد، وأن يشبه الأري به، ولو كان حال الكلم في ضم بعضها إلى بعض كحال غزل الإبريسم، لكان ينبغي أن لا تتغير الصورة الحاصلة من نظم كلم، إلا بعد أن تزال عن مواقعها، كما لا تتغير الصورة الحادثة عن ضم غزل الإبريسم بعضه إلى بعض إلا بعد أن تزال الجيوط عن مواضعها (١).
وقد فرع عبد القاهر على ذلك فتراض الافترضًا آخر، في قولهم: (عتابك السيف)، منبهًا إلى ما يلي:
أولًا: أنه لا يجوز أن يكون سبيل قوله: (لعاب الأفاعي القاتلات لعابه) سبيل قولهم: (عتابك السيف)، لأن المعنى - في بيت أبي تمام - على أنك تشبه شيئًا بشيء، لجامع بينهما وليس المعنى في قولهم: (عتابك السيف) على أنك تشبه عتابه بالسيف، ولكن على أن تزعم أنه يجعل السيف بدلًا من العتاب.
ثانيًا: إذا أردت من قولهم: (عتابك السيف) - وهو ليس مرادهم - التشبيه، كنت قد أردت أنه عاتب عتابًا خشنًا مؤلمًا.
ثالثًا: إذا قلت: (السيف عتابك) خرجت بهذا القول إلى معنى ثالث، وهو: أن تزعم أن عتابه قد بلغ - في إيلامه وشدة تأثيره - مبلغًا، صار له السيف كأنه ليس بسيف.
_________________
(١) الدلائل ٢٨٤.
[ ١٥٧ ]
رابعًا: أنه ليس من كلام يعمد واضعه فيه إلى معرفتين، فيجعلهما مبتدأ وخبرًا، ثم يقدم الخبر، إلا أشكل الأمر عليك فيه، فلا تعلم أن المقدم خبر حتى ترجع إلى المعنى، وتحسن التدبر، وذلك كبيت الحماسة:
بنونا بنو أبنائنا، وبناتنا بنوهن أبناء الرجال الأباعد
فقدم خبر المبتدأ وهو معرفة، وإنما دل على أنه يتوى التأخير: المعنى.
خامسًا: أن الفائدة تعظم في هذا الضرب من الكلام، إذا أنت أحسنت النظر فيما ذكر، من أنك تستطيع أن تنقل الكلام في معناه عن صورة إلى صورة، من غير أن تغير من لفظه شيئًا، أو تحول كلمة عن مكانها إلى مكان آخر.
سادسًا: أن هذا الضرب من الكلام هو الذي وسع مجال التأويل والتفسير، حتى صاروا يتأولون في الكلام الواحد تأويلين أو أكثر، ويفسرون البيت الواحد عدة تفاسير.
سابعًا: أنه هو الطريق المزلة الذي ورد كثيرًا من الناس، فأوقعهم في الهلاك، لعدم معرفتهم بعلم النحو، فانكشف عوارهم، وافتضح أمر الذي أظهر الغنى عنه عندما تعرض لتفسير كلام الله تعالى (١).
_________________
(١) الدلائل ٢٨٦.
[ ١٥٨ ]