* إسهامه المعجب الأول: النظم: نظريةً وطبيعةً
النظم في اللغة، التأليف، وأصله: جمعُ الخَرز بعضِه إلى بعض في سِلْكٍ واحد. ويدعى النظام. وكل شيء قرنْتَه بآخر أو ضممتَ بعضَه إلى بعض، فقد نظمتَه. ومنه نظمُ الشعر وتنظيمُه.
النظم إذن، تأليف، أو جمعٌ وإضافة بمثل الاقتران، في نمط أو نسَقٍ معين يبعث على الرضى والارتياح، كنظم اللؤلؤ، والخرز، والكلام ومنه الشعر. ذاك هو منطلق الجرجاني ومرتكزه: تأليفٌ بطريقة محكمة العرى، متناسقة الشَّكل. لكنه أضاف مادة نظمية أخرى، هي آي القرآن الكريم التي رأى فيها النموذج المثالي لأي نظم لغوي، دفعه، كما دفع كل المشتغلين ببلاغة التعبير العربي، إلى عجز الإنسان العربي، بله الأعجمي عن مجاراة هذا النظم أو جزء يسير منه.
أمَّا وقد اقتنع الجميع بذلك، فقد عمدوا لا إلى الاقتداء والمحاكاة أو المجاوزة .. بل إلى درس الحقيقة التي تكتنفه والطبيعة التي تؤلفه .. فكان لنا إرث لغوي فنِّي جمٌّ. منبعه ومصبُّه: القرآن المحكم، ووجوهُه: علومُ العربية المختلفة، بينها البلاغة بفروعها، وأفانينها اللامحدودة.
واحد من البلغاء الأجلاَّء هو عبد القاهر الجرجاني أُعطي من القدرة والعبقرية ما جعله ينكبُّ على تراث العربية ونتاج شعرائها فيستخرج منه البنى اللفظية والمعنوية والتصويرية التي جرى بها اللسان وفقًا لأصول وأساليب مرسومة ومبتدعة، ويضعها في مقابل النتاج اللغوي الإلهي، فيرى عبقرية العربية التي وُضع فيها أجمل الصنائع، وأنَّ ذلك ناشئ عن قانون قديم تفجَّر بين حرور الرمال المحرقة، وظلال النخيل والواحات الوارفة؛ جعلهم يُبدعون قصائد شعرية لا نزال حتى اليوم عاجزين عن الإتيان بمثلها، وأُنزل القرآن بهذه اللغة وقانونها فزاد الألَقُ ورقيَ بهم النسقُ التعبيري إلى المرتبة التي اقتضتْ وضْعَ ما سمَّاه الجرجاني: "النظم" استنادًا إلى الأصل اللغوي، وإلى القسمات الفنية المتسقة المتقنة التي استجلاها من قرائح الشعراء وعلماء النحو والبلاغة، ووشَّجها بالمثال القرآني المعْجز، وهذه حقيقته التي شرحها غير مرة في كتابه الخالد قائلًا:
"إعلم أن ليس النظمُ إلا أن تضعَ كلامكَ الوضع الذي يقتضيه علم النحو، وتعملَ على قوانينه وأصوله، وتعرفَ مناهجَه التي نُهِجتْ فلا تزيغَ عنها، وتحفظ الرسوم التي رُسمتْ لكَ فلا تُخلَّ بشىء منها.
() فلا ترى كلامًا قد وُصف بصحة نظم أو فساده، أو وُصف بمزيةٍ وفضل فيه، إلاَّ وأنت تجد مرجع تلك الصحة، وذلك الفساد وتلك المزية وذلك الفضل، إلى معاني النحو وأحكامه".
ثم يختم كلامه بما أصبح لازمة ومنطلقًا لكل شرح وتحليل، ومحطَّ رحالٍ لدى كل جولة وكل محاضرة:
"وإذا ثبتَ جميع ذلك، ثبتَ أن ليس [النظم] شيئًا غير توخِّي معاني هذا العلم [النحو] وأحكامه فيما بين الكَلِم".
[ ٢٦ ]
ولدينا في كتاب "الدلائل" نوعان من "النظم"، الأول إبداعي إنشائي مصدرُهُ الشواهد القرآنية والشعرية، والثاني، وصفي نقدي، مصدره الخطاب الأدبي البليغ الذي يصدر عن صاحبه صدورَ الشهد عن النحل، ولنا الكتاب كلُّه مثالًا غير محدود. ولكنني أقتطف مثالين صغيرين سريعين، مُحيلًا إلى فِقَرٍ لاحقة في هذه المقدمة، موقوفة على مقتطفات من صنيعه الجميل.
المثال الأول: "وأمَّا زهدُهم في النحو، واحتقارهم له، وإصغارهم أمره، وتهاونُهم به: فصنيعُهم في ذلك أشنعُ من صَنيعهم في الذي تقدم () إذْ كان قد عُلم أنَّ الألفاظ مغلقةٌ على معانيها، حتى يكون الإعرابُ هو الذي يَفتحها، وأنَّ الأغراضَ كامنة فيها حتى يكونَ هو المستخرِجَ لها، وأنه المعيارُ الذي لا يتبيَّن نقصانُ كلام ورجحانُه حتى يعرضَ عليه، والمقياس الذي لا يُعرفُ صحيحٌ من سَقيمٍ حتى يُرجع إليه".
المثال الثاني: يتعلق بشرح شاهد قرآني، يعتمده لتأكيد علاقة اللفظ بالنظم: "وشبيهٌ بتنكير الحياة في هذه الآية، تنكيرها في قوله ﷿: ﴿وَلَكُمْ فِى القِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩] وذلك أنَّ السبب في حسن التنكير وأنْ لم يَحْسُن التعريفُ، أنْ ليس المعنى على الحياة نفسها، ولكنْ على أنه لمَّا كان الإنسانُ إذا عَلمَ أنه إذا قتلَ قُتِل، ارتدعَ بذلك عن القتل فسلم صاحبُه، صارتْ حياةُ هذا المهموم بقتله، في مستأنفِ الوقت، مستفادةً بالقصاص، وصار كأنه قد حَييَ في باقي عُمره، أي بالقصاص".
نعْمَ الشرحُ والتحليل، ونعْمَ العقلُ النَّيرُ الذي مدَّ صاحبَه بهذه الحَزْمة الضوئية نفذَتْ ببصره إلى ما وراء الألفاظ والمعاني، فأطْلع لنا حكمة الآية المحكمة، وجعلتْنا نقرأ في (القصاص) حياة على الرغم من كونه قد يكون قتلًا آخر ..
ونُدهش من جديد، وهو يستقصي الحكمة من ورود كلمة "حياة" منكَّرة، ليقرِّر مسألة دقيقة لا يلحظها إلاَّ العارف المتأمل، وهي وقْفُ (الحياة) على مرتكب القتل الذي اقتُصَّ منه، وليس على أي إنسان:
[ ٢٧ ]
"لا يكون ارتداعٌ حتى يكونَ همٌّ وإرادةٌ، وليس بواجبٍ أن لا يكون إنسانٌ في الدنيا إلاَّ وله عَدوٌّ يَهمُّ بقتله ثم يردَعُه خوفُ القصاص، وإذا لم يجب ذلك، فمن لم يَهُمَّ بقتله فكُفيَ ذلك الهَمَّ لخوفِ القصاص، فليس هو ممن حَيَّ بالقصاص".
من خلال هذه الأمثلة، لا بد من الاعتراف بأن النص المحكم الذي يستخدمه المؤلف هو "نظم" من النسق الرفيع، له جمالُ وقعه ونكهة تتبُّعه وتحسس مجرى المعاني في سرِّه وإظهار ذلك للعيان بطريقة أو بأخرى.
ومن شروط النظم وطبيعته، قيامه على الكلمات، لا الحروف، باعتبار مكانها، وحسْن ملاءمة معناها لمعاني جاراتها، وفضل مؤانستها لأخَواتها. وهذا يعني أن تكون الكلمة فصيحة لا بحُروفها ولكن بما ينجم عنها وعن موقعها من أسباب الجمال والتأثير، بحيث لو حدثَ لها أي خلل مهما صغر، انعكس ذلك سلبًا على واقع النص.
"وهل تجد أحدًا يقول: هذه اللفظة فصيحة، إلاَّ وهو يعتبر مكانها من النظم، وحسْنَ ملاءمة معناها لمعنى جاراتها وفضل مؤانستها لجاراتها؟ وهل قالوا: لفظةٌ متمكنة ومقبولة، وفي خلافه؛ قلقلة ونابية، ومستكرهة، إلا وغرَضُهم أن يعبِّروا بالتمكن عن حسن الاتفاق بين هذه وتلك من جهة معناها، وبالقلق والنبوِّ عن سوء التلاؤم، وأنَّ الأولى لم تَلِقْ بالثانية في معناها، وأن السابقة لم تصلح أن تكون لِفْقًا للتالية في مؤدَّاها".
ولم يكتف المؤلف بهذا التوضيح الدقيق، بل عمد إلى التفريق بين "الحروف المنظومة" و"الكلم المنظومة" فقال:
"إنَّ نظم الحروف هو تواليها في النطق فقط، وليس نظمها بمقتضىً عن معنى .. () فلو أن واضع اللغة كان قد قال: (ربض) مكان (ضرب) لما كان في ذلك ما يؤدي إلى فَسَاد. وأما نظم الكَلِم فليس الأمر فيه كذلك، لأنك تقتضي في نظمها آثار المعاني وتُرتِّبها على حسب ترتيب المعاني في النفس، فهو إذن نظمٌ يعتبر فيه حال المنظوم بعضه مع بعضٍ، وليس هو النظم الذي معناه ضمُّ الشيء إلى الشيء كيف جاء واتفق".
[ ٢٨ ]
إنَّ الذين يذهبون إلى جعل الحروف متلائمة في تعادلها مع المعاني، يقعون في صعوبة تحقيق التلاؤم المعنوي مع الألفاظ، فإنَّ المعنى لا يُدرَك بسبب اللفظ، وإنما بسبب التوفيق بين معاني تلك الألفاظ المسجَّعة، وبين معاني الفصول التي جُعلتْ أردافًا لها. ولم يتحقق ذلك إلاَّ بعد أن دخلت في ضروب من المجاز والاتساع والتلطُّف.
* الإبداع الشعري بمعزل عن علوم النحو
حرص أبو بكر الجرجاني في أثناء تأسيسه لموضوعة النظم ونظريته - القائمة على توخِّي معاني النحو وأحكامه بين الكلمات - أن لا يجعل النحو وقواعده أساسًا جوهريًا للإبداع الفني، فأظهر تسامحًا في هذا الجانب، ووافق منتقديه على عدم الخوض فيه، اقتناعًا منه بأن طريق الإبداع لا تبدأ بصرف اللغة ونحوها وقواعدها، بل بما هو أعمق وأبعد؛ وهو البعد النفسي الذهني المتكون من عناصر شتى لا تدخل في حصر أو إحاطة .. وقد سبقه إلى ذلك مُواطنُه القاضي الجرجاني (ت ٣٩٢هـ) الذي اقتفى بدوره خط سلَفه قدامة بن جعفر (ت ٣٣٧هـ) وكانا قد رأيا أن جمال الصورة الفنية ليس وليد الصناعة الشعرية الحسنة التقسيم، المتكاملة الأوصاف، المتمِّمة لشروط الحسن، بقدر ما هو في القَبول النفسي والتجاوب الروحى، أو ما سمَّيتُه غير مرة بالارتياح الغامض والقبول العفوي الذاتي.
وَرَدَ رأيُ عبد القاهر المعنيُّ هنا، في معرض ردِّه على المتذمرين من التكثُّر والتكلف في البحث ومراعاة مسائل التصريف الموضوعة للرياضة وتمكين المقاييس، وتتبُّعهم [في ذلك] الألفاظ الوحشية، وأن ذلك لا يُجدي إلاَّ كدَّ الفكر وإضاعة الوقت قائلًا:
"أمَّا هذا الجنسُ فلسنا نعيبُكم إنْ تنظروا فيه ولم تُعنوا به، وليس يهمُّنا أمره، فقولوا فيه ما شئتم، وضعوه حيث أردتم .. "
ويعرض لمختلف العلل النحوية المشْكُوِّ منها: كالمعتلِّ، وحروف العلة، والإبدال والحذف والإسكان والتثنية وجمع السلامة وإعرابهما والنصب بالجر .. الخ .. فيقول بكثير من المسامحة والتقبل:
إنَّا نسكتُ عنكم في هذا الضرب أيضًا، ونَعْذركم فيه ونسامحكم، على علم منَّا بأنْ قد أسأتم الاختيار، ومنعْتُم أنفسكم ما فيه الحظ لكم، ومنَعتموها الاطلاع على مدارج الحكمة ".
[ ٢٩ ]
وقد يستغرق الجرجاني، للقبض على هنيهة إبداع ورشفة حُسْن، فيقضي لصاحبها "بالحِذق والأستاذية وسعة الذَّرع وشدَّة المنَّة". "حتى تعرف من البيت الواحد، مكان الرجل من الفضل، وموضعه من الحذق، وحتى تشهد له بفضل المنَّة وطول الباع ثم إنك تحتاج إلى أن تستقريَ عدَّة قصائد، بل أن تَفْليَ ديوانًا من الشعر حتى تجمع منه عدة أبيات .. ".
ويعرض بضعة شواهد، بينها شاهد لعبد الله بن الدمينة، من ثلاثة أبيات هي:
أبِيني، أفي يُمْنَى يَديْكِ جَعلْتِني فأفرحَ، أم صيَّزتنِي في شِمالِكِ
أبيتُ كأني بينَ شِقَّيْنِ من عَصَا حِذارَ الردى أو خيفة من زيالِكِ
تَعَالَلْتِ كي أشْجى وما بكِ علَّةٌ تُريدينَ قتلي، قد ظفْرتِ بذلكِ
انظر إلى الفصْل والاستئناف في قوله: "تُريدين قتلي قد ظفرتِ بذلك".
وأرقى أنواع النظم البديع لدى أبي بكر، ما اتحدتْ فيه الأجزاء حتى وُضعتْ وضعًا واحدًا. ويسوق بضعة أبيات شعرية دالَّة، لعدد من الشعراء بينهم بشار بن برد وزياد الأعجم، ويتوقف مليًا عند بيتٍ لأحد الأعراب، وجد فيه المثال الذي يجمع بين طياته براعة استخدام النحو ولطف التقاط الصورة الشعرية من غسَق المعنى إلى صبح البيان المتشقق بهاءً وخُيَلاء::
الليل داجٍ كَنَفا جِلْبابِهِ والبَيْنُ مَحْجورٌ على غرابه
علَّقَ المؤلف على البيت بقوله:
"ليس كلُّ ما ترى من الملاحة لأن جعلَ لِلَّيل جلبابًا، وحَجَر على الغراب، ولكنْ في أن وضعَ الكلام الذي ترى: فَجعلَ "الليلَ" مبتدأ، وجعل "داج" خبرًا له وفعلًا لما بعده، وهو (الكنفانُ)، وأضاف (الجلباب) إلى ضمير الليل، ولأن جعلَ كذلك "البين" مبتدأ، وأجرى "محْجورًا" خبرًا عنه، وأن أخرج اللفظَ على مفعول".
* معاناة المؤلف من غباء أهل عصره من علماء البلاغة، وجدالُه الطويل معهم
[ ٣٠ ]
من أهم ما توصل إليه القارئ، وهو يتابع الجرجاني أن هذا الأخير، قد عانى من الجهل المنتشر في بيئته وعصره، بجمال العربية وبلاغة أفانين القول فيها. فرأيناه دائمًا يخاطب قارئًا مجهولًا ويحثه على العلم والمعرفة والدراية والتأمل .. حتى إذا أحس بدوام الغباء والجهل، وكمَّ كبير من سوقيَّة الذوقِ وغفلةٍ مترامية الأطراف، اعتراه الشعور الشديد بالحزن والنقمة، وصل حدَّ التقريع والتألم.
فهو منذ الصفحات الأولى من كتابه الخارق، الذي وُضع لغاية كبرى هي تبيان عظمة النظم القرآني، قد استهلَّ الكتاب بتصدير الفضل والشرف للعلم بعامة، ثم لعلم البيان بخاصة، كما لو أراد أن يدخل في معالجة موضوعه، من أجمل الأبواب وأشرفها. علمًا بأن البيان قد استخدمه بدلالته العامة التي حضَّ عليها وشرحها القرآنُ المجيد لا بمدلوله الاصطلاحي.
ونبدأ معه قراءة سفْر المعاناة، من هذه التوطئة فنجده، في الصفحة الأولى قد شكا من الإهمال الشديد الذي لقيه هذا العلْم، والحيْفِ والضيم اللذين مُنيَ بهما؛ أضف إلى ذلك (الاعتقادات الفاسدة، والظنون الرديئة، والجهل العظيم المتفشِّي والخطأ الفاحش المرتكب)، من جراء اقتصار الناس منه على حفظ المبادئ العامة والمعلومات العريضة وبعض القواعد الصرفية والنحوية الإعرابية التي تحفظ اللسان من اللحن .. غير عابئين بما هو خَلْقٌ وإبداع منظَّم، يتخطى العلوم النظرية المرسومة في الكتب والمعاجم، إلى "دقائق وأسرارٍ طريقُ العلم بها الرؤيَّةُ والفكرُ، ولطائفَ مستقاها العلمُ، وخصائصِ معانِ ينفردُ بها قومٌ قد هُدُوا إليها، ودُلُّوا عليها، وكُشِف لهم عنها، ورفعت الحُجُب بينهم وبينها، وأنها السبب في أن عرضت المزية في الكلام، ووجبَ أن يفضُلَ بعضه بعضًا، وأن يبعدَ الشأوُ في ذلك، وتمتدَّ الغاية، ويعلو المرتقى ويعزَّ المطلبُ. حتى ينتهي الأمرُ إلى الإعجاز، وإلى أن يخرج من طوق البشر".
[ ٣١ ]
ولئن ابتدأ بعلم البيان، فلأنه محطة رئيسة للارتقاء إلى بديع البدائع ورائعة الروائع: عنيت: النظم القرآني، الذي تنوعت السُّبلُ الموصلةُ إليه وشُحذت الذائقةُ الأدبية في استجلاء منارات الإبداع الشعري ومحارات لطائف العربية، حيث أمكن الغوص إليها والتقاطها، حتى في أبسط الأمثلة النحوية المبثوثة في أعطاف هذا الكتاب.
ومن علم البيان وتخبُّطِ الناس، إلى ما سمَّاه القرآن "عمى القلوب" وقد اعتمده الجرجاني في ذمِّ الناس الذين يفهمون الكلام على ظاهره ولا ينفذون إلى ما وراء ذلك، ولا سيما أصحاب التفسير الذين وقفوا أمام بعض الألفاظ والجمل وقوف من لا يفقه بقلبه ويرى ببصيرته؛ كأن ليس لهم قلب ولا بصر ولا عقل يتدبرون به ويتفكرون في حقيقة الأشياء، فاستحقوا وصفه لهم "بأهل الحشْو ومن لا يعرف مخارج الكلام".
لقد تمادى بعض المفسِّرين في غيِّهم وجهالتهم، فوقفوا عند حدود المعنى الظاهرِ لكلِم الآي الحكيم، فوقعوا وأوقعوا قراءهم بمفاهيم بدائية تخطتها الأديان السماوية بأشواط بعيدة، فأفسدوا المعنى، وأبطلوا الغرض الذي من أجله نزل الوحي الإلهي. فكان له معهم هذه الوقفة الزاجرة:
"ومن عادة قومٍ ممن يتعاطى التفسير بغير علم، أن توهموا أبدًا في الألفاظ الموضوّعة على المجاز والتمثيل أنها على ظواهرها، فُيُفسدوا المعنى بذلك، ويُبطلوا الغرض، ويمنعوا أنفسَهم والسامعَ منهم العلمَ بموضع البلاغة وبمكان الشرف. وناهيكَ بهم إذا هم أخذوا في ذكر الوجوه، وجعلوا يكثرون في غير طائل! هناكَ تَرى ما شئتَ من باب جهلٍ قد فتحوه، وزنْدِ ضلالةٍ قد قدحوا به".
[ ٣٢ ]
وبعد أن يُطوِّف مع القارئ عشرات الشواهد الشعرية التي تعبق بأريحية الوجدان ونجيع الإحساس المتوهج، لعله يفتح ثُقْبةً ينفذُ منها نَظَرُ من ضلَّتْ به باصرتُه، فينحسرُ الديجور وتنقشع الغيوم السوداء، يقف عند مفترق طرق، هو إلى اليأس أقربُ منه إلى الأمل، لأن أبناء جيله وجمهرة العلماء المعاصرين، لا يمتلكون الأداة التي تمكنهم من تصور "أمور خفيَّة ومعانٍ روحانية" كما أنهم لا يمتلكون الطبيعة القابلة والذوق والقريحة التي تتيح لهم الإحساس بالفروق الطفيفة بين معاني الألفاظ ومسار الجمل المتشابهة.
"إنَّ هذا الإحساس قليل في الناس، حتى إنه ليكون أن يقع للرجل الشيءُ من هذه الفروق والوجوه في شعر يقوله أو رسالة يكتُبها، الموقعَ الحسَن؛ ثم لا يعلم أنه قد أَحْسنَ - أما الجهل بمكان الإساءة فلا تعدمه. فلستَ تملكُ إذًا من أمرِكَ شيئًا حتى تظفر بمن له طبعٌ إذا قدحْتَه ورى، وقلبٌ إذا أرْيتَهُ رأى. فأمَّا وصاحبُك من لا يرى ما تُريه، ولا يهتدي للذي تهديه، فأنتَ رامٍ معه في غير مرمىً، مُعَنِّ نفسَك في غير جدوى. وكما لا تقيم الشعرَ في نفس مَن لا ذوق له. كذلك لا تُفهِمُ هذا الشأنَ مَنْ لم يؤْتَ الآلة التي بها يفهم؛ إلاَّ أنه إنما يكون البلاءُ، إذا ظنَّ العادِمُ لها أنه أُوتيَها، وأنه ممن يكملُ للحكْم، ويصح منه القضاء، فجعَل يقول القولَ: لو علِمَ غيَّة لاستَحْيى منه. فأما الذي يحسُّ بالنقص من نفسه، ويعلم أنه قد علِمَ علمًا قد أُوتيَهُ مِنْ سِواه، فأنت منه في راحة، وهو رجل عاقل قد حماه عقلُه أن يعْدُو طورَه، أن يتكلَّف ما ليس بأهلٍ له".
ومن جميل ما وقع لي، وأنا أطالع كتاب الأغاني، أنِ "اصْطحَبَ شيخٌ وشبابٌ في سفينة من الكوفة، فقال بعض الشباب للشيخ: إنَّ معنا قَيْنةً لنا، ونحن نُجِلُّك ونُحِبُّ أن نَسْمع غناءها. قال: الله المستعان؛ فأنا أَرْقَى على الأطلال وشأنكم، فغنَّتْ:
حتى إذا الصبحُ بدا ضوؤهُ وغارتِ الجوزاءُ والمِرزمُ
أقبلْتُ والوطْءُ خفيٌّ كما يَنْسابُ من مكمنه الأرْقَمُ
[ ٣٣ ]
قال: فألقى الشيخ بنفسه في الفرات، وجعل يخبط بيديه ويقول: أنا الأرقَم! أنا الأرقم! فأدركوه وقد كاد يغرق؛ فقالوا: ما صنعتَ بنفسك؟ فقال: إني واللهِ أعلمُ من معاني الشعر ما لا تعملون".
إلى هذا النوع من الإحساس الخفيّ قد قصد الجرجاني، يأْنَقُ لها القارئ أو السامع، وتأخذهما الأريحية والانسلاخ من واقع قلق مضطرب إلى حيث الخفقان الملائكي.
لا أظن أن هذا الواقع، خاص بعصر الجرجاني، وذيَّاك الإحساس الفردوسيَّ قد اعترى المؤلف وحده، فقد عانتْ منه مختلف العصور والأزمان، وشكا منه عباقرةُ الأدب واللغة، فعبَّروا عن ذلك بكثير من المرارة .. ألم يشِعْ مثل ذلك في زمن أبي نؤاس، فقال بيته الشهير:
فقلْ لمن يدْعي في العِلْمِ فلسفةً حفِظْت شيئًا وغابتْ عنكَ أشياء
وقال الجاحظ خطبته الشهيرة مفتتحًا بها كتابه النفيس "الحيوان" مخاطبًا قارئًا جاهلًا أدار عليه أفكاره وآراءه في مقدمة أدبيه فكرية من أغنى ما كتب في موضوعها وكذلك فعل أبو الطيب المتنبي الذي اضطرمت فيه نار الغربة في موطنه بسبب شيوع داء الجهل والغباء مع الادِّعاء الباغي فقال، من جملة أشعار كثيرة معبِّرة:
أَذُمُّ إلى هذا الزمانِ أُهيْلَه فأعلمُهُمْ فَدْمٌ وأحْزَمُهم وَغْدُ
وأكرمُهم كلبٌ وأبصرُهُمْ عَمٍ وأسهَدُهمْ فَهْدٌ وأشجعهُمْ قِرْدُ
وستبقى الحال على ما هي، وما كانت عليه، في كل زمان ومكان، لأن هناك دائمًا أفرادًا أُوتوا من قوة الفهم والذكاء وبعد النظر واستشراف الآفاق واختراق الحجب، ما يجعلهم يثورون على واقعهم ويدعون إلى تغيير المفاهيم السائدة بما يوافق تطلعاتهم ودعواتهم، فتستجيب فئة ويُحجم الباقي، وهكذا إلى ما لا نهاية.
[ ٣٤ ]