ولا يجوزُ أَن يكون هَذا الوصفُ في تركيب الحَركاتِ والسَّكَناتِ. حتى كأَنهم تُحُدُّوا إلى أن يأتوا بكلاَمٍ تَكونُ كلماتُه على توَاليها في زِنَةِ كلماتِ القرآنِ، وحتى كأنَّ الذي بانَ به القرآنُ مِن الوَصْف، في سبيلِ بَيْنُونَة بِحُور الشِّعْر بعضِها مِنْ بَعضٍ، لأنه يَخْرجُ إلى ما تعاطاهُ مُسَيْلمة من الحمامة في: (إنا أعطيناكَ الجماهر، فَصَل لِربِّك وجاهِرْ، - والطاحنات طحنًا ).
وكذلك الحكْمُ إنْ زَعم زِاعمٌ أنَّ الوصْفَ الذي تُحُدُّوا إليه، هو أَن يَأْتوا بكلامٍ يَجعلونَ له مَقاطعَ وفواصلَ، كالذي تَراهُ في القرآن. لأنه أيضًا ليس بأكثرَ مِن التعويل على مراعاة وزْنٍ، وإنَّما الفواصلُ في الآي كالقوافي في الشِّعر. وقد عَلِمْنا اقتدارَهم على القوافي كيف هو. فلَوْ لم يكنِ التحدِّي إلا إلى فُصولٍ من الكلامِ يكونُ لها أواخرُ أشباهِ القوافي، لم يُعْوِزْهُم ذلك ولم يتعذَّرْ عليهم. وقد خُيِّل إلى بَعْضهم - إنْ كانت الحكايةُ صحيحةً - شيءٌ من هذا؛ حتى وَضعَ - على ما زَعموا - فصولَ الكلام: أواخرُها كأواخرِ الآي مثْلَ "يعلمون" و"يؤمنون" وأشباهِ ذلك. ولا يَجوزُ أَن يكونَ الإعجاز بأن لم يُلْتَقَ في حُروفه ما يَثْقُلُ على اللسانِ.
[ ٣٢٦ ]
وجملةُ الأمرِ أَنه لَن يَعرِضَ هذا وشَبهُهُ من الظنونِ لِمَنْ يَعرِضُ لهُ، إلاَّ مِن سوءِ المعرفةِ بهذا الشأنِ، أوْ للخذلانِ أو لِشهوةِ الإِغرابِ في القولِ. ومَنْ هذا الذي يَرْضى مِنْ نَفْسه أنْ يَزعمَ أنَّ البرهانَ الذي بانَ لهم، والأمرَ الذي بهَرَهُم، والهيئةَ التي ملأتْ صدُورَهم، والروعةَ التي دخلتْ عليهم فأزعَجَتْهم، حتى قالوا "إنَّ له لحلاوةً، وإنَّ عليه لطلاوةً، وإنَّ أسفَلَه لَمُغْدِقٌ، وإنَّ أعلاه لَمْثْمِرٌ"، إنما كان لِشيءٍ راعَهُم من مَواقعِ حركاتِه، ومِن تَرتيبٍ بيْنَها وبَيْنَ سكَنَاتِه، أو لِفَواصلَ في أواخر آياته؟ مِنْ أَيْنَ تَليقُ هذه الصفةُ وهذا التشبيهُ بذلك؟ أم ترَى أنَّ ابنَ مَسْعود حين قال في صفة القرآن: لا يَتْفَه ولا يَتَشَانُّ: وقال: إذا وقعتُ في آل حم وقعتُ في روضاتٍ دَمِثاتٍ أتأنَّق فيهنَّ: - أي أَتتبَّع محاسنَهنَّ - قال ذلك من أجْل أوزانِ الكلماتِ، ومن أجْل الفواصِلِ في أواخر الآيات؟ أم تَرى أنَّهم لذلك قالوا لا تَفْنى عجائِبُه، ولا يَخْلُقُ على كثرة الرد؟ أم تَرى الجاحظ، حينَ قال في كتاب النبوة: ولو أَنَّ رجلًا قرأَ على رجُل مِن خطبائهم وبُلغائهم سورةً واحدةً، لتبيَّن له في نظامها ومَخْرجها من لَفْظها وطابَعها، أَنه عاجزٌ عن مثلها. ولو تُحدِّيَ بها أبلغُ العَربِ لأَظْهَر عجْزَهُ عنها لغًا ولفظًا، نظرَ إلى مثْلِ ذلك؛ فليسَ كلامُه هذا مما ذهَبوا إليه في شيء. وَينبغي أن تكونَ موازَنَتُهم بيْنَ بعضِ الآي وبيْنَ ما قاله الناسُ في معناها، كموازنَتِهِمْ بيْن ﴿وَلَكُمْ فِي القصاص حَيَاةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩] وبَيْن: (قَتْلُ البعضِ إحياءٌ للجميع): خطأً منهم، لأنَّا لا نَعْلم لحديثِ التحريكِ والتسْكينِ، وحديث الفاصِلةِ مذهبًا في هذه الموازنة، ولن نَعْلمهُم أرادوا غيرَ ما يُريده الناسُ إذا وازَنُوا بين كلامٍ وكلامٍ في الفصاحة والبلاغة، ودقة النظمِ وزيادةِ الفائدة.
[ ٣٢٧ ]
ولولا أَنَّ الشيطان قد استحوذَ على كثيرٍ من الناس في هذه الشأنَ، وأنهم بِتَرْك النظرِ وإهمالِ التدبُّر وَضعفِ النيَّةِ وقِصَر الهِمَّة، قد طرَّقوا له حتى جعَل يُلْقي في نفوسهم كلَّ محالٍ وكلَّ باطلٍ، وجَعَلوا هُمْ يعطون الذي يُلْقيه حَظَّا الذي يُلْقيه حَظَّا من قَبولهم، ويُبَوئونَه مكانًا مِن قلوبهم، لمَا بلغَ من قَدْر هذه الأقوالِ الفاسدةِ أنْ تدخُلَ في تصنيفٍ، ويعادَ ويُبْدأَ في تبيينٍ لوجهِ الفسادِ فيها، وتعريف.
ثُم إنَّ هذه الشناعاتِ التي تقدَّمَ ذِكْرُها تَلزَمُ أصحابَ الصَّرْفة أيضًا. وذاكَ أَنه لو لم يكنْ عجْزُهم عن مُعَارضةِ القرآن، وعن أنْ يأتوا بمثلِه لأنه مُعْجِزٌ في نفسه، لكنْ لأن أُدخِلَ عليهمُ العَجزُ عنه، وصُرفَتْ هِمَمهُمُ وخَواطرُهم عن تأليف كلامٍ مثْلهِ، وكان حالُهم على الجملة حالَ مَن أُعْدِمَ العلمَ بشيءٍ قد كان يَعلَمُه، وحيل بينَه وبينَ أمرٍ قد كان يَتَّسِعُ له، لكانَ ينبغي أنْ لا يتعاظَمَهُمْ: ولا يكون منهم ما يَدلُّ على إكبارهم أمرَه وتعجُّبهم منه، وعلى أَنه قد بَهَرَهُم، وعظُمَ كلَّ العِظَم عندَهم؛ ولَكانَ التعجُّبُ، للذي دَخَلَ من العجزِ عليهم، ولِمَا رأَوْه مِن تَغيُّرِ حالِهم، ومِنْ أَن حِيلَ بينَهم وبينَ شيء قد كان عليهِمْ سَهْلًا، وأن سُدَّ دونَه بابٌ كان لهُم مفتوحا. أرأيتَ لو أنَّ نبيًا قال لقومه: "إنَّ آيتي أنْ أَضعَ يدي على رأسي هذه الساعةَ وتُمْنَعون كلُّكُم من أَن تستطيعوا وَضْعَ أَيديكُمْ على رُؤوسِكُم"، وكان الأمرُ كما قال - مِمَّ يكونُ تعجُّبُ القومِ؟ أَمِنْ وضعِه يدَه على رأسهِ، أمْ مِنْ عَجْزِهم أن يضَعَوا أيديَهم على رؤُوسهم؟
[ ٣٢٨ ]