بسم الله الرحمن الرحيم
إعلمْ أَنه لمَّا كان الغلَطُ الذي دخَل على الناس ِ في حديثِ اللفظِ، كالداءِ الذي يَسْري في العروقِ، ويُفْسِد مِزاجَ البدنِ، وجَبَ أن يُتوخَّى دائبًا فيهم ما يتَواخَّاه الطبيبُ في الناقة من تعهُّدهِ بما يزَيد في مُنَّته، ويُبَقِّيه على صحَّتِه، ويؤمّنُهُ النُّكْسَ في علَّتهِ؛ وقد علِمْنا أنَّ أصْل الفسادِ وسبَبَ الآفةِ هو ذَهابهُم عن أنَّ مِن شأنِ المعاني أن تَختلِفَ عليها الصورُ، وتَحدُثَ فيها خواصُّ ومَزايا بَعْد أنْ لا تكونَ؛ فإنك ترَى الشاعرَ قد عَمدَ إلى معنىً مبتذَلٍ، فصنَعَ فيه ما يَصْنَعُ الصانِعُ الحاذِقُ إذا هو أَغْرَبَ في صَنْعة خاتمٍ وعَمَلِ شَنْفٍ وغيرهما من أصناف الحِلى. فإنَّ جهْلَهم بذلك من حالِها هو الذي أَغواهُم واسْتَهواهم، وورَّطهم فيما توَرَّطوا فيه من الجهَالات، وأَدَّاهُم إلى التعلق بالمُحالات. وذلك أَنهم لمَّا جَهِلوا شأنَ الصورةِ وضَعُوا لأَنفُسِهم أساسًا وبنَوْا على قاعدة؛ فقالوا إنه ليسَ إلا المعنى واللفظُ ولا ثالثَ، وإنه إذا كان كذلكَ وجَبَ إذا كان لأحدِ الكلامَيْنِ فضيلةٌ لا تَكون للآخَر، ثم كان الغرَضُ مِنْ أحدِهما هو الغَرَضَ من صاحبهِ أنَ يكونَ مَرْجِعُ تلك - زَعموا - يُؤدِّي إلى التناقض، وأنْ يكونَ معناهُما مُتَغايِرًا وغيرَ متغايرٍ معًا. ولمَّا أَقَرُّوا هذا في نُفوسِهِم، حَمَلوا كلامَ العلماءِ في كل ما نَسَبوا فيه الفضيلةَ إلى اللفظِ على ظاهرِه وأَبَوْا أن ينظُروا في الأوصاف التي أَتْبعوها نسبتَهم الفضيلةَ إلى اللفظِ مثلَ قولهم: "لفظٌ متمكِّنٌ غيرُ قَلِقٍ ولا نابٍ به موضِعُه).
[ ٣٩٦ ]
إلى سائر ما ذكرْناه قبْلُ، فيَعْلمَوا أَنهم لم يُوجِبوا لِلَّفظ ما أوجَبُوه من الفضيلةِ وهُمْ يَعْنُونَ نُطْقَ اللسانِ وأجراسَ الحرُوف، ولكنْ جعَلوا كالمواضَعَة فيما بينهم، أَنْ يقولوا وهُم يُريدون الصورةَ التي تَحْدُثُ في المعنى والخاصَّة التي حَدثَتْ فيه؛ ويَعْنونَ الذي عناه الجاحظُ حيث قال: وذهبَ الشيخُ إلى استحسانِ المعاني، والمعاني مطروحةٌ وسطَ الطريقِ يَعْرِفُها العربيُّ والعجميُّ والحضريُّ والبدويُّ، وإنما الشعرُ صياغةٌ وضرْبٌ من التصوير: وما يعَنونه إذا قالوا إنه يأخُذُ الحديثَ فيُشنِّفُه ويقرِّطُه، ويأْخذُ المعنى خرْزَةً فيردُّه جوهرةً، وعباءةً فيجعلُه ديباجة، ويأخذُه عاطِلًا فيردُّهُ حاليًا، وليس كونُ هذا مرادَهم بحيثُ كان ينبغي أن يَخْفى هذا الخَفاءَ ويَشْتبِهَ هذا الاشتباهَ؛ ولكنْ إذا تعاطى الشيءَ غيرُ أهله، وتولَّى الأمرَ غيرُ البصير به، أَعْضَلَ الداءُ، واشتدَّ البلاءُ. ولو لم يكن مِنَ الدليلِ على أنهم لم يَنْحَلُوا اللفظَ الفضيلةَ وهم يُريدونه نَفْسَه، وعلى الحقيقة، إلا واحدٌ وهو وصْفُهم له بأنه يُزَيِّنُ المعنى، وأنه حُلى له، لكان فيه الكفايةُ، وذاك أنَّ الألفاظَ أدلَّةٌ على المعاني، وليس للدليل إلاَّ أنْ يُعْلِمَكَ الشيءَ على ما يكونُ عليه. فأَما أن يصيرَ الشيء بالدليل على صفةٍ لم يكُنْ عليها، فما لا يقوم في عقل، ولا يُتصوَّرُ في وَهْم.
الشبهة بأخذ المعنى وسرقته على فصاحة الألفاظ
[ ٣٩٧ ]
وممَّا إذا تفكَّرَ فيه العاقلُ، أطالَ التعجُّبَ من أمر الناس، ومن شدَّةِ غَفْلتهم، قولُ العلماءِ حيثُ ذكَروا الأَخذَ والسَّرِقة: إنَّ مَنْ أخذَ معنًى عاريًا فكَساه لفظًا مِنْ عندِه كانَ أحقَّ به. وهو كلامٌ مشهورٌ متداولٌ يقرأُه الصبيانُ في أول كتاب عبد الرحمن ثم لا ترى أحدًا من هؤلاء الذين لهَجُوا بجعل الفضيلةِ في اللفظ يفكِّرُ في ذلك فيقول: من أَين يُتصوَّر أن يكونَ هاهنا معنىً عارٍ من لفظٍ يَدلُّ عليه؟ ثم من أين يُعْقَلُ أن يجيءَ الواحدُ منا لِمعنىً من المعانيِ، بلفظٍ من عنده إنْ كان المرادُ باللفظ نُطْقَ اللسان؟ ثم هبْ أنه يصِحُّ له أن يَفْعلَ ذلك، فمن أَينَ يَجِبُ إذا وَضَع لفظًا على معنىً، أن يصيرَ أَحقَّ به من صاحبه الذي أخذه منه، إن كان هو لا يَصْنَع بالمعنى شيئًا، ولا يُحْدِثُ فيه صفةً، ولا يَكْسِبُه فضيلةً؟ وإذا كان كذلك، فهل يكونُ لكلامهِم هذا وجهٌ سِوى أنْ يكونَ اللفظُ في قولهم: (فكَساهُ لفظًا من عنده) عبارةً عن صورةٍ يُحْدِثها الشاعرُ أو غيرُ الشاعر للمعنى؟ فإن قالوا: (بلى يكونُ! وهو أن يستعيرَ لِلمعنى لفظًا)، قيل: الشأنُ في أنهم قالوا "إذا أَخذ معنىً عاريًا فكَساه لفظًا من عِنده كان أحقَّ به" والاستعارةُ عندكم مقصورةٌ على مجرَّد اللفظِ ولا ترَوْنَ المستعيرَ يَصْنَع بالمعنى شيئًا، وتَرونَ أنه لا يحدثُ فيه مزيَّةٌ على وجهٍ من الوجوه؛ وإذا كان كذلك فمِنْ أَين - ليت شعري - يكون أحقَّ به؟ فاعرفه!
ثُمَّ إنْ أردْتَ مثالًا في ذلك، فإنَّ مِن أَحسنِ شيءٍ فيه، ما صنَع أبو تمام في بيت أَبي نُخَيْلة، وذلك أن أَبا نخيلة قال في مسلمَةَ بنِ عبد الملك [من الطويل]:
أَمَسْلَمَ إني يابْنَ كلِّ خَليفةٍ ويا جَبَل الدنيا ويا واحِدَ الأرضِ
شكرتُكَ إنَّ الشكْرَ حبْلٌ من التُّقى وما كلُّ مَنْ أولَيْتَهُ صالحًا يَقْضي
وأَنْبَهْتَ لي ذِكرى وما كان خاملًا ولكنَّ بعضَ الذكْرِ أَنبهُ من بَعْضِ
فعمد أبو تمام إلى هذا البيت الأخير فقال [من الطويل]:
لقد زِدْتَ أوْضاحي امتدادًا ولم أَكُنْ بهيمًا ولا أَرْضي مِنَ الأرض مَجهلا
[ ٣٩٨ ]
ولكنْ أيادٍ صادفَتْني جِسَامُها أغرَّ فأَوفَتْ بي أغرَّ مُحجَّلا
وفي كتاب "الشعر والشعراء" للمرزُباني فصلٌ في هذا المعنى حسَنٌ قال: "ومن الأَمثال القديمة قولهم "حَرًّا أخافُ على جاني كَمأَةٍ لا قُرًّا" يُضرَب مثلًا للذي يَخافُ مِن شيءٍ فيَسْلمُ منه، ويُصِيبهُ غيرهُ مما لم يَخَفْهُ، فأخذَ هذا المعنى بعضُ الشعراء فقال [من الكامل]:
وحَذِرْتُ مِنْ أَمْرٍ فمرَّ بِجانبي لم يُنْكِني ولَقِيتُ ما لَمْ أَحْذَرِ
وقال لبيد [من المنسرح]:
أَخْشى على أَرْبَدَ الحتُوفَ ولا أرْهَبُ نَوْءَ السّماكِ والأَسدِ
قال: وأخذَه البحتريُّ فأحسن، وطغى اقتدارًا على العبارة واتِّساعًا في المعنى فقال [من الكامل]:
لو أنني أُوفي التجاربَ حَقَّها فيما أرَتْ لَرجَوْتُ ما أَخْشاهُ
وشبيهُ بهذا الفصْلِ فصلٌ آخر من هذا الكتاب أيضًا. أنشد لإبراهيم ابن المهدي [من السريع]:
يا مَنْ لِقَلْبِ صِيغَ من صَخْرةٍ في جَسَدٍ من لؤلؤٍ رطْبِ
جرحتُ خدَّيْه بلحْظي فَمَا بَرِحْتُ حتى اقتصَّ مِنْ قلبي
ثم قال: قال علي بن هارون أخذه أحمد بن أبي فَنَن معنىً ولفظًا فقال [من الكامل]:
أَدْمَيْتُ باللحظاتِ وجْنَتَهُ فاقتصَّ ناظرُهُ من القَلْبِ
قال: ولكنه بنقاء عبارته وحُسْنِ مأخذه قد صار أَوْلى به: ففي هذا دليل لِمن عقَلَ أَنهم لا يَعْنونَ بحُسْنِ العبارة مجَّردَ اللفظِ ولكنْ صورةً وصِفةً وخصوصيةً في المعنى، وشيئًا طريقُ معرفتِه على الجملة، العقلُ دون السمْع؛ فإنه على كلِّ حالٍ لم يَقُلْ في البحتري إنه أحْسَن فطغى اقتدارًا على العبارةِ من أَجْلِ حروف:
لو أنني أوفي التجاربَ حقها
وكذلك لم يصِفْ ابنَ أبي فَنن بنقاء العبارة من أجْل حروف:
أَدْمَيْتُ باللحظاتِ وجْنَتَهُ
غلط قياس الكلام على الكلم في الفصاحة
[ ٣٩٩ ]
واعلمْ أَنَّكَ إذا سبرْتَ أَحوالَ هولاءِ الذين زَعَموا أنه إذا كان المعبَّرُ عَنهُ واحدًا والعبارةُ اثنتَيْن، ثم كانت إحدى العبارتَيْن أَفْصَحَ من الأخرى وأحْسَنَ، فإنه يَنبغي أن يكونَ السببُ في كونها أَفْصَحَ وأحسَنَ، اللفظَ نفسَه، وجدتَهم قد قالوا ذلك من حيثُ قاسوا الكلامَيْن على الكلمتَيْن، فلما رأَوْا أَنه إذا قيل في الكلمتين إن معناهما واحدٌ، لم يكنْ بينهما تفاوتٌ ولم يكنْ للمعنى في أحدِهما حالٌ لا يكون له في الأخرى، ظَنُّوا أنَّ سبيلَ الكلامين في هذا السبيلُ. ولقد غَلِطوا فأَفْحَشوا، لأنه لا يُتصوَّرُ أنْ تكونَ صورةُ المعنى في أحد الكلامين أو البيتين، مثْلَ صورتِه في الآخَر البتَّةَ، اللَّهُمَّ إلاَّ أنْ يَعْمدَ عامِدٌ إلى بيتٍ فيضَعَ مكانَ كلِّ لفظةٍ من لفظةً في معناها، ولا يَعْرِضُ لنظْمهِ وتأليفه، كمِثلِ أن يقول في بيت الحُطَيْئَة [من البسيط]:
دَعِ المكارِمَ لا تَرْحَلْ لبُغْيتها واقعُدْ فإنك أنتَ الطاعِمُ الكاسي
ذَرِ المفَاخِرَ لاتذْهَبْ لِمَطْلبها واجلسْ فإنك أنتَ الآكِل اللابسُ
وما كان هذا سبيلَه، كان بمعزلٍ من أنْ يكونَ به اعتدادٌ، وأنْ يَدخُلَ في قبيلِ ما يفاضَلُ فيه بين عبارتين؛ بل لا يصِحُّ أنْ يُجعلَ ذلك عبارةً ثانيةً، ولا أنْ يُجعلَ الذي يتعاطاه بِمَحَلِّ مَنْ يوصَف بأنه أخذَ معنىً. ذلك لأنه لا يكونُ بذلك صانعًا شيئًا يَستحقُّ أنْ يُدْعى من أجْلهِ واضعَ كلامٍ ومستأنِفَ عبارةٍ وقائلَ شعرٍ. ذاك لأنَّ بيتَ الحطيئةِ لم يكُن كلامًا وشعرًا مِن أجْل معاني الألفاظ المفردة التي تراها فيه مجرَّدةً معرَّاةً من معاني النظْمِ والتأليفِ، بل منها مُتَوخىًّ فيها ما ترَى من كَوْن (المكارِم) مفعولًا لـ (دعْ) وكونِ قوله: (لا ترحل لبغيتها)؛ جملةً أكَّدتْ الجملةَ قبلَها، وكون "اقْعد" معطوفًا بـ (الواو) على مجموع ما مضى، وكون جملة: أنتَ الطاعمُ الكاسى: معطوفةً بـ (الفاء) على "اقعد"، فالذي يجيء، فلا يُغيِّر شيئًا من هذا الذي به كان كلامًا وشعرًا، لا يكونُ قد أتى بكلامٍ ثانٍ وعبارةٍ ثانية، بل لا يكون قد قال من عندِ نفْسِه شيئًا البتةَ.
[ ٤٠٠ ]
وجملة الأمر أَنه، كما لا تكونُ الفِضَّةُ خاتَما أو الذهَبُ خاتمًا أو سوارًا أوغيرهما، من أصناف الحِلَى بأنفُسِهما، ولكنْ بما يحدُثُ فيهما من الصورة، كذلك لا تكونُ الكَلِمُ المفردةُ التي هي أسماءٌ وأفعالٌ وحروفٌ، كلامًا وشعرًا، من غير أن يحدُثَ فيها النظْمُ الذي حقيقَتُه توَخِّي معاني النحو وأَحكامِه. فإذنْ ليس لمن يتصدَّى لمَا ذكَرْنا مِن أَنْ يَعْمَد إلى بيتٍ فيضَعُ مكانَ كلِّ لفظةٍ منها لفظةً في معناها، إِلاَّ أن يُسْتَرَكَّ عقلُه ويُسْتَخفَّ، ويُعدَّ معدَّ الذي حُكي أنه قال: إني قلتُ بيتًا هو أَشعَرُ من بيتِ حسَّان، قال حسان [من الكامل]:
يُغْشَوْن حتى ما تَهِرُّ كلابُهُمْ لا يَسْأَلون عَنِ السوادِ المُقْبِلِ
وقلتُ:
يُغْشَون حتى ما تَهِرُّ كلابهُم أبدًا ولا يَسْألون من ذا المُقبِلُ
فقيلَ هو بيتُ حسان، ولكنَّك قد أفسَدْتَه.
واعلمْ أنه إنما أُتِيَ القومُ مِنْ قلة نظَرِهم في الكُتُبِ التي وضعَها العلماءُ في اختلاف العبارتَين على المعنى الواحد، وفي كلامهم في أَخْذ الشاعر من الشاعرِ، وفي أنْ يقول الشاعرانِ على الجملة في معنى واحدٍ وفي الأشعار التي دونوها في هذا المعنى، ولو أنهم كانوا أخَذُوا أنفُسَهم بالنظرِ في تلك الكتبِ وتدبَّروا ما فيها حقَّ التدَبُّر، لكان يكونُ ذلك قد أيقظَهم مِن غفْلَتهم، وكشفَ الغِطاء عَنْ أعينهم.
[ ٤٠١ ]