ولا نقصد به الغموض الذي يتحول فيه الكلام إلى التورية والتعقيد، وما يشبه الأساليب الملتوية التي شاعت لدى فريق كبير من شعراء زمانه وكتّابه .. إنما هو استغراب لأشياء لم تجد لديَّ القبول التام والرضى الكلِّي، شأنه في ذلك شأن كل من ترك أثرًا كبير الأهمية لا يسلم من النقد والتجريح أو التبخيس أحيانًا ممن لم يصادف هوىً في نفوسهم وذوائقهم. ولا أرى سبيلًا لنقد أو تجريح، فدلائل الإعجاز صرْح شامخ في تاريخ الكتابة والعربية.
إن هي إلاَّ نظرات تقديرية تبحث عن مستقرٍّ لها فلا تجد، وهي التي امتلأتْ برغد الطمأنينة والاستقرار، في طول الكتاب وعرضه، من كثرة ما واجهها من بديع الصنع وجليل التصور .. وإليك ما دوَّنه القلم في هذا الجانب ..
* التطرق إلى كل عناصر الكلام لإثبات حكم أو رد حكم.
يسلك الجرجاني في كثير من الأحيان، نحو عرض كل العناصر والأجزاء لإقرار جمال النظم وإثباته فيتطرق إلى كل ما في الشاهد الشعري أو القرآني، من ألفاظ، وتقديم وتأخير، ووجوه إعرابية مختلفة لدرجة يصبح كلُّ ما في البيت أو الآية - بلا استثناء - مدار كلام وإعجاب .. وهذا نوع من لزوم ما يلزم. فهو بغنى عن ذلك كله، وباستطاعته التخير والانتقاء وترك التفاصيل الصغيرة المتعلقة بتقنية التركيب والأداء، وأكتفي بمثال واحد: وقوفُه عند بيت ابن المعتز، لتأكيده مزيَّة الحسن في النظم لا اللفظ. "مثال ذلك أن تنظر إلى قول ابن المعتز:
وإني على إشفاق عيني من العِدى لتَجْمحُ مني نظرةٌ ثمَّ أُطْرقُ
فترى أن هذه الطلاوة وهذا الظَّرْفَ - إنما هو لأنْ جعل النظرَ يجمحُ، وليس هو لذلك، بل لأن قال في أول البيت "وإنِّي" حتى دخل (اللام) في قوله "لتجمحُ"، ثم قوله "مني"، ثم لأن قال: "نظرة" ولم يقل (النظر) مثلًا، ثم لمكان "ثم" في قوله: "ثم أُطرق" وللطيفةِ أخرى نصرتْ هذه اللطائف وهي اعتراضه بين اسم (إنَّ) وخبرها، بقوله: "على إشفاق عيني من العدي" .. ".
[ ٣٥ ]
وهكذا في عرض شامل لجميع ما في البيتِ من ألفاظ وتقديم وتأخير واعتراض وانتقاء كلام مكان كلام .. ولا أراه ملْزمًا بعرض كل ما عرض، وأن يجد سببًا لجمال النظم في هذا البيت في التفاتات أخرى، كلفتتِه الأولى عند (جموح النظر) وشَبيهه، لأننا سنجد هذا النسق من التحليل والمراجعة في أي بيت آخر له عناصره وجمله وصوره. ورويُّه وأشياء أخرى لا يمكن حصرها. وقد تكرر هذا النمط كثيرًا ولا سيما في تقليبات الوجوه الإعرابية ولبعض الآيات القرآنية التي أغدق عليها من المراجعة والتصور المتعدد الوجوه، بما يشبه التبذُّل، وهو الخبير بمواضع الجمال وبلاغة القول.
* صعوبة تشكيل النص بسبب التطويل وتشعيب الجمل والمعاني
سبقت الإشارة إلى هذا الأمر، في معرض الكلام على أساليب المؤلف، وأعود إليها الآن لإبداء قلقٍ في ضبط النص الذي خلا من التشكيل وتنقيط الياء، وكثير من علامات الترقيم، وليس ذلك وقفًا على نصِّ الجرجاني .. كل النصوص القديمة كذلك، ولكن المشكلة هي في طول الجمل والعبارات التي تبدأ بفعل، وتطوي سطورًا عديدة لتعثر على مفعوله، أو مبتدأ، فصل عن خبره بجمل معترضة واستدراكات وتحوُّلات كلام، حتى صارت الإعادة والمراجعة واجبة لمعرفة الجواب أو الخبر، وغير ذلك، فيلتبس إعراب الكلام ويصعب الضبط الدقيق. وكثيرًا ما كان يتدخل الشارح الشيخُ رضا ويعيِّن فاعلًا أو خبرًا أو جواب شرط أو عطفًا. والأمثلة كثيرة يسهل الوقوف عليها، ولا سيما توضيحات الشارحين وإضاءاتهم.
* إطناب في القول يشبه الحشو
الإطناب في اللغة: المبالغة في مدح أوْ ذمِّ والإكثار فيه، وهذا ما نقصد إليه هاهنا، لا الإطناب البلاغي الذي يتداخل مع التطويل والإسهاب والتكرير والإيغال والتكميل وغيره مما شرحته في بحث خاص.
وأكثر مظاهر هذا الإطناب تتبدَّى في (إنَّ وإنَّما وعلى أن الخ) حروف يستخدمها المؤلف لا يكاد يتخلى عنها في معظم جمله وتراكيبه، كقوله متحدثًا عن الاستعارة:
"إنَّا إذا نظرنا إلى الاستعارة وجدناها إنما كانت أبلغ من أجل أنها تدل على قوة الشَّبه".
والأسلوب الذي أفضله في هذا المضمار قوله:
[ ٣٦ ]
(إنَّا إذا نظرنا إلى الاستعارة وجدناها أبلغ، لأنها تدل على قوة الشبه، أو لدلالتها على قوة الشبه).
فتتخلَّص من "إنما كانت" و"من أجْل".
وقوله في كلام على شرف الاستعارة والمجاز:
"ثم إنَّ ههنا معنىً شريفًا قد كان ينبغي أن نكون قد ذكرناه في أثناء ما مضى من كلامنا ".
لو كتبه طالب جامعي عندي، لأشرتُ بالأحمر: (حشْو، ومن نافل القول) لأنني أفضل لو قال: (إن هاهنا معنى شريفًا كان ينبغي ذكره في كلامنا السابق ..) فأتخلص من حرف "قد" المتكرر مرتين ومن "أن نكون" و"أثناء ما مضى".
كل هذه الأمور من زيادات التأكيد والدقة التي لا يسوغها القارئ الحديث ولا ينسخ على منوالها. وقد اعتدنا أو تنكَّبْنا عن لغة التطويل إلى ما يدخل في المفيد، ما لم يكن الموضوع وصفيًَّا تأمّليًا. أو خطابيًا منبريًا تكثر فيه المترادفات والأوصاف المتشابهة.
[ ٣٧ ]