واعلم أنك كلَّما نظرتَ وجدْتَ سببَ الفسادِ واحدًا، وهو ظنُّهم الذي ظنُّوه في اللفظِ، وجعْلُهم الأوصافَ التي تجري عليه كلَّها، أوصافًا له في نفسه، ومن حيثُ هو لفظٌ، وترْكُهم أن يُميِّزوا بينَ ما كان وصْفًا لهُ في نفسِه، وبيْنَ ما كانوا قد أكْسَبوه إياه من أجْلِ أمرٍ عَرَضَ في معناه. ولمَّا كان هذا دأْبَهم، ثم رأَوْا الناسَ، وأظهرُ شيءٍ عندَهم في معنى الفصاحةِ تقويمُ الإعراب والتحفظُ من اللَّحْن، لم يَشُكُّوا أنه ينبغي أن يُعتَدَّ به في جملةِ المزايا التي يفاضَلُ بها بين كلامٍ وكلامٍ في الفصاحةِ، وذهبَ عنهم أنْ ليس هُو من الفصاحة التي يَعْنينا أمرُها في شيء، وأنَّ كلاَمنا في فصاحةٍ تجبُ للَّفظِ لا من أجْلِ شيء يدْخُلُ في النطقِ؛ ولكنْ من أجْل لطائفَ تُدْرَكُ بالفَهم؛ وإنا نعْتبرُ في شأننا هذا فضيلةً تَجبُ لأَحَدِ الكلامَيْنِ على الآخَر مِن بَعْد أن يكونا قد برِئا من اللَّحْن، وسَلِمَا في ألفاظِهما من الخَطَأ. ومن العَجَب أنَّا إذا نظَرْنا في الإعرابِ، وجَدْنَا التفاضُل فيه مُحالًا، لأنه لا يُتَصَوَّرُ أن يكونَ للرَّفْع والنصْبِ في كلامٍ مزيةٌ عليهما في كلام آخَر، وإنما الذي يُتَصَوَّرُ أنْ يكون ههنا كلامانِ قد وقع في إعرابهما خللٌ، ثم كان أحَدُهما أكْثَر صوابًا من الآخر، وكلامانِ قد استمرَّ أحدُهما على الصَّوابِ ولم يَسْتمرَّ الآخَرُ؛ ولا يكون هذا تفاضُلًا في الإعراب ولكنْ ترْكًا في شيءٍ واستعمالًا له في آخَرَ، فاعرفْ ذلك!
وجملةُ الأمرِ أنك لا تَرى ظنًَّا هو أَنْأَى بصاحبِه عن أن يصِحَّ له كلامٌ، أو يستمِرَّ له نظامٌ، أو تَثْبُتَ له قدَمٌ، أو يَنْطِقَ منه إلاَّ بالمُحال فمٌ، مِنْ ظَنِّهم هذا الذي حامَ بهم حَوْلَ اللفظِ وجعلهم لا يعُدُّونَه، ولا يرَوْنَ للمزيةِ مكانًا دُونه.
[ ٣٣٢ ]
واعلمْ أنه قد يجري في العبارة منَّا شيءٌ هو يُعيدُ الشبهة جَذَعة عليهم وهو أنه يقَعُ في كلامِنا أن الفصاحةَ تكونُ في المعنى دون اللفظ، فإذا سَمِعوا ذلك قالوا: كيف يكونُ هذا ونَحْنُ نَراها لا تَصْلُح صفةً إلاَّ لِلَّفظِ، ونراها لا تَدخلُ في صفة المعنى البتَّةَ؛ لأنَّا نرى الناسَ قاطبةً يقولون "هذا لفظٌ فصيحٌ وهذه ألفاظٌ فصيحةٌ: ولا نَرى عاقِلًا يقولُ: هذا معنى فصيحٌ وهذهِ معانٍ فِصاحٌ. ولو كانت الفصاحة تكونُ في المعنى، لكانَ ينبغي أن يقال ذاك. كما أنه لمَّا كان الحُسْنُ يكون فيهِ قيل "هذا معنى حَسَنٌ وهذه معانٍ حَسَنَةٌ"، وهذا شيء يَأخُذُ من الغِرِّ مأخذًا. والجوابُ عنه أنْ يُقالَ إنَّ غَرَضَنا مِن قولنا إنَّ الفصاحةَ تكونُ في المعنى، أنَّ المزيَّةَ التي مِنْ أجْلِها استَحَقَّ اللفظُ الوصفَ بأنه فصيحٌ، عائدةٌ في الحقيقةِ إلى معناه. ولو قيل إنها تكونُ فيه، دونَ معناهُ لكان ينبغي إذا قلنا في اللفظة إنها فصيحةٌ أن تكونَ تلك الفصاحةُ واجبةً لها بكلِّ حالٍ. ومعلومٌ أن الأمْرَ بخلافِ ذلك؛ فإنَّا نَرى اللفظةَ تكونُ في غاية الفصاحةِ في موضعٍ ونَراها بِعَيْنِها، فيما لا يُحْصى من المواضِع، وليس فيه مِن الفصاحةِ قليلٌ ولا كثيرٌ، وإنما كان كذلك، لأن المزيَّةَ التي مِنْ أجْلها نَصِفُ اللفظَ في شأننا هذا بأنه فصيحٌ، مزيةٌ تَحْدثُ مِن بعْدِ أنْ لا تكونَ، وتظهرُ في الكَلِم من بَعْدِ أنْ يَدخُلَها النظْمُ؛ وهذا شيءٌ إن أنتَ طلَبْتَه فيها وقد جئْتَ بها أفرادًا، لم تَرُمْ فيها نَظْمًا، ولم تُحْدِث لها تأليفًا، طلبْتَ مُحالًا!
[ ٣٣٣ ]
وإذا كان كذلك، وَجَبَ أن تعْلَمَ قَطْعًا وضرورةً، أنَّ تلك المزيةَ، في المعنى دونَ اللفظِ. وعبارةٌ أُخرى في هذا بعينِه وهي أن يُقال: قد علِمْنا عِلْمًا لا تَعْترِضُ معَه شُبْهةٌ: أنَّ الفصاحةَ فيما نحنُ فيه، عبارةٌ عن مزيَّةٍ هي بالمتكلِّم دون واضِع اللغةِ. وإذا كان كذلك، فينبغي لنا أنْ ننظُرَ إلى المتكلم: هل يستطيعُ أن يَزيد مِنْ عنْدِ نفْسِه في اللفظ شيئًا، ليس هو له في اللغة، حتى يَجعَلَ ذلك من صَنيعِه مزيةً يُعبَّر عنها بالفصاحة؟ وإذا نظَرْنا وجَدْناه لا يستطيعُ أن يصْنَعَ باللفظِ شيئًا أصْلًا، ولا أنْ يُحْدِثَ فيه وصْفًا. وكيفَ وهو إن فَعَلَ ذلك أفسَدَ على نفسِه وأبطلَ أن يكونَ متكلِّمًا، لأنه لا يكون متكلِّمًا حتى يَسْتَعمِل أوضاعَ لغةٍ على ما وُضِعتْ هي عليه. وإذا ثبتَ من حالِه أنه لا يستطيعُ أن يَصْنع بالألفاظِ شيئًا ليس هو لها في اللغة، وكنَّا قد اجتمعْنا على أنَّ الفصاحةَ فيما نحن فيه عبارةٌ عن مزيةٍ هي بالمتكلِّم البتَّةَ، وجَبَ أن نَعْلَم قطْعًا وضرورةً، أنهم وإن كانوا قد جَعَلوا الفصاحةَ في ظاهرِ الاستعمالِ مِنْ صفةِ اللفظِ، فإنهم لم يَجْعلوها وصْفًا له في نفسه، ومِن حيثُ هو صدى صوتٍ ونطقُ لسانٍ؛ ولكنهم جَعلُوها عبارةً عن مزيةٍ أفادَها المتكلِّمُ، ولمَّا لم تَزِدْ إفادتُه في اللفظِ شيئًا، لم يَبْقَ إلاّ أنْ تَكونَ عبارةً عن مزيةٍ في المعنى.
وجملةُ الأمر أنَّا لا نُوجِبُ الفصاحَة لِلْفَظةٍ مقطوعةٍ مرفوعةٍ من الكلام الذي هي فيه، ولكنَّا نُوجِبُها لها موصولةً بغيرها، ومعلَّقًا معناها بمعنى ما يَليها، فإذا قلنا في لفظه "اشتعل" مِنْ قولِه تعالى: ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأسُ شَيَبًْا﴾ [مريم: ٤]: إنها في أعلى المرتبةِ من الفصاحة، لم نُوجِبْ تلك الفصاحةَ لها وحَدْها، ولكِنْ موصولًا بها "الرأس" معرَّفًا (بالألف واللام) ومَقْرونًا إليهما (الشيبُ) منكَّرًا منصوبًا.
[ ٣٣٤ ]
هذا وإنما يقعُ ذلك في الوهم لِمَنْ يَقَعُ له - أعني أن تُوجَبَ الفصاحةُ للَّفظةِ وحدها - فيما كان استعارةً. فأمَّا ما خَلاَ من الاستعارةِ من الكلامِ الفصيح البليغ، فلا يَعْرِض توهُّمُ ذلك فيه لعاقلٍ أصْلًا. أفلا تَرَى أنه لا يقَعُ في نفس من يَعْقِلُ أدنى شيء إذا هو نظَرَ إلى قوله ﷿ ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ العدو فاحذرهم﴾ [المنافقون: ٤]، وإلى إكبار الناس شأنَ هذه الآيةِ في الفصاحة أن يضَعَ يدَهُ على كلمةٍ كلمةٍ منها، فيقولَ إنها فصيحة؟ كيفَ وسبَبُ الفصاحةِ فيها أمورٌ لا يَشُكُّ عاقلٌ في أنها معنويَّةٌ: (أوَّلُها) أنْ كانت "على" فيها متعلقةً بمحذوفٍ في موضِع المفعول الثاني. (والثاني) أنْ كانت الجملةُ التي هي "هُم العدوُّ" بعْدَها عاريةً من حرفِ عطفٍ. (والثالث) التعريفُ في (العدوِّ) وأنْ لم يقل: هُمْ عدوٌّ. ولو أنك علَّقْتَ "على" بظاهرٍ، وأدخلْتَ على الجملة التي هي "هم العدوُّ" حرفَ عطْفٍ، وأسقطْتَ (الألف واللام) من "العدو"، فَقُلْتَ: (يحسَبُون كلَّ صيحةٍ واقعةً عليه، وهُمْ عدوٌّ): لرأيتَ الفصاحةَ قد ذهبَتْ عنها بأسْرها. ولو أنك أخْطَرْتَ ببالِكَ أنْ يكونَ "عليهم" متعلِّقًا بنَفْس الصيحة، ويكونَ حالُه معها كحالِه إذا قلت: (صحْتُ عليه): لأخرجْتَه عن أنْ يكون كلامًا، فضْلًا عن أن يكونَ فصيحًا. وهذا هو الفَيْصَلُ لِمَنْ عَقَلَ.
ومِنَ العجيب في هذا ما رُويَ: عن أمير المؤمنين عليِّ رضوانُ اللهُ عليه أنه قال (ما سَمِعتُ كلمةً عربيةً مِن العَربِ إلاَّ وسمعْتُها من رَسولِ اللهِ ﷺ)، وسمِعْتُه يقول "مات حتْفَ أنفِهِ". وما سمعتها من عَربيٍّ قبله. لا شُبْهَةَ في أنَّ وصْفَ اللفظِ بالعربيّ في مثْلِ هذا، يكون في معنى الوصْف بأنه فصيحٌ. وإذا كانَ الأمرُ كذلك، فانظُرْ: هل يَقَعُ في وهْم مُتوهِّم أنْ يكونَ ﵁ قد جعَلَها عربيةً مِنْ أجْل ألفاظِها؟ وإذا نظرْتَ لم تَشُكَّ في ذلك.
[ ٣٣٥ ]
واعلمْ أنكَ تَجِدُ هؤلاء الذين يَشكُّون فيما قلْناهُ، تَجْري على ألسنتِهِمْ ألفاظٌ عباراتٌ لا يَصِحُّ لها معنى سِوى توخِّي معاني النحو وأحكامه فيما بَيْن معاني الكَلِم، ثم تَراهُمْ لا يَعْلَمون ذلك. فمِن ذلك ما يقولُه الناسُ قاطبةً من أنَّ العاقلَ يُرتِّبُ في نفسِه ما يُريد أن يَتكلَّم به. وإذا رجَعْنا إلى أنفُسِنا لم نَجِدْ لذلك معنىً سوى أنه يَقْصِدُ إلى قولِكَ (ضَرَبَ) فيجعله خبرًا عن "زيدٍ" ويجعلُ الضرْبَ الذي أخْبَرَ بوقوعِه منه، واقعًا على (عمروٍ) ويجعلُ (يومَ الجمعةِ) زمانَه الذي وقَعَ فيه، ويجعَلُ (التأديب) غرَضَه الذي فعَل الضَرْبَ من أجْله، فيقولُ: (ضَرَبَ زيدٌ عَمرًا يومَ الجمعةِ تأديبًا له). وهذا كما تَرى هُو تَوخِّي معاني النحو فيما بين معاني هذه الكَلِم. ولو أنك فرضْتَ أنْ لا تتوخَّى في (ضرَب) أن تَجْعَلَه خبرًا عن (زيد)، وفي (عمرو) أن تجعله مفعولًا به لـ - (ضَرَبَ)، وفي (يوم الجمعة) أن تَجْعله زمانًا لهذا الضرْب، وفي التأديبِ أنْ تَجعله غَرَض (زيدٍ) من فعلٍ الضرب، ما تصوِّرَ في عقلٍ ولا وَقَع في وهم أن تكونَ مرتِّبًا لهذه الكَلِم. وإذْ قد عرفْتَ ذلك، فهو العِبْرةُ في الكلام كلِّه؛ فمَنْ ظَنَّ ظنًا يؤدي إلى خِلافِه، ظَنَّ، ما يخرُج به عن المعقول.
ومِنْ ذلك إثباتُهم التعلُّقَ والاتِّصالَ فيما بين الكَلِم وصواحبها تارةً، ونَفْيُهم لها أُخْرى. ومعلومٌ علْمَ الضرورةِ أنْ لن يُتصوَّرَ أن يكون لِلَّفظِةِ تعلُّقٌ بلفظةٍ أُخرى، من غَيْر أنْ تُعتَبَرَ حالُ معنى هذِهِ معنى تِلكَ، ويُراعى هناك أمرٌ يصل إحداهما بالأُخرى، كمراعاةِ كون "نَبْكِ" جوابًا للأمر في قوله: (قِفَا نَبْكِ). وكيفَ بالشكِّ في ذلك؟ ولو كانت الألفاظُ يتَعلَّقُ بعضُها ببعضٍ من حيثُ هي ألفاظٌ ومع اطِّراح النظرِ في معانيها، لأدَّى ذلك أنْ يكون الناسُ حينَ ضَحِكوا مَّما يصنَعُه المُجَّانُ من قُرَّاءِ أنصافِ الكتب ضحكوا عن جهالة، وأن يكون أبو تمام قد أخطأ حين قال] من الكامل]:
عذلًا شَبيهًا بالجنونِ كأنما قرأتْ به الوَرْهاءُ شَطْرَ كتابِ
لأنهم لم يَضْحكوا إلاَّ من عَدمِ التعلُّقِ، ولم يجعلْهُ أبو تمام جنونًا إلاَّ لذلك، فانظرْ إلى ما يلزَمُ هؤلاءِ القومَ مِن طرائفِ الأمورِ!
[ ٣٣٦ ]