وبيانٌ آخرُ، وهو أنَّ القارئ إذا قرأ قولَه تعالى: ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيَبًْا﴾ [مريم: ٤] فإنَّه لا يَجِدُ الفصاحة التي يَجِدُها إلاَّ مِنْ بَعْد أن ينتهي الكلامُ إلى آخِرِه. فلو كانت الفصاحَةُ صِفَةً لِلَفْظِ "اشْتَعَلَ" لكانَ ينبغي أنْ يُحِسَّها القارئُ فيه، حالَ نُطْقِه به؛ فمُحالٌ أن تكون للشيءِ صفةٌ ثمَّ لا يَصِحُّ العِلْمُ بتلك الصفة إلاَّ مِنْ بَعْد عَدَمِهِ. ومَنْ ذا رأى صفةً يَعْرى موصوفُها عنها في حال وجودهِ، حتى إذا عُدِمَ صارتْ موجودة فيه؟ وهل سمِعَ السامعون في قديم الدهرِ وحديثهِ، بصفةٍ شرْطُ حصولِها لمَوْصوفِها، أن يُعْدَمَ الموصوف؟ فإنْ قالوا إنَّ الفصاحةَ التي ادَّعينا لِلَفْظِ "اشتعَل" تكونُ فيه في حالِ نُطْقنا به إلاَّ أنَّا لا نَعْلم في تلك الحال أنَّها فيه، فإذا بلَغْنا آخِرَ الكلام علِمْنا حينئذٍ أنها كانت فيه حين نُطْقِنا: قيل: هذا فنٌّ آخر من العَجَب وهو أن تكون ههنا صفةٌ "موجودة" في شيءٍ ثمَّ لا يكون في الإمكانِ ولا يَسَعُ في الجوازِ أنْ نَعْلَم وجودَ تلكَ الصفةِ في ذلك الشيءِ إلاَّ بعْدَ أن يُعْدَم ويكونَ العلمُ بها وبكوْنِها فيه محجوبًا عنَّا حتى يُعْدَم، فإذا عُدِم عَلِمْنا حينئذٍ أنها كانتْ فيهِ حينَ كان.
[ ٣٣٨ ]
ثم إنه لا شُبْهةَ في أنَّ هذه الفصاحةَ التي يَدَّعونها لِلَّفْظِ هي مُدَّعاةٌ لمجموعِ الكلمةِ دون آحادِ حروفِها، إذْ ليس يَبْلغُ بهم تهافُتُ الرأي إلى أَن يَدَّعوا لِكلِّ واحدٍ من حروفِ (اشتعلَ) فَصَاحةً، فَيَجْعَلُوا (الشِّين) على حِدَتهِ فَصيحًا، وكذلك (التاءُ والعينُ واللام)، وإذا كانت الفصاحةُ مدَّعاةً لِمَجموعِ الكلمةِ لم يُتصوَّرْ حصولُها لها إلاَّ من بعْدِ أن تُعْدَم كلُّها ويَنْقضي أمرُ النطْق بها. ذلك لأنه لا يُتصوَّر أن تدخُلَ الحروفُ بجملتها في النطقِ دفعةً واحدةً، حتى تُجعلَ الفصاحةُ موجودةً فيها في حال وجودها. وما بعْد هذا إلاَّ أن نسألَ الله تَعالى العصمةَ والتوفيق؛ فقد بلغَ الأمرُ في الشناعةِ إلى حدٍّ إذا انتَبَه العاقلُ لَفَّ رأسَهُ حياءً من العقلِ حين يراه قد قال قولًا هذا مؤدَّاه، وسلك مسْلكًا إلى هذا مُفْضاه. وما مَثَلُ مَنْ يَزعُمُ أنَّ الفصاحة صفةٌ لِلَّفْظِ من حيثُ هو لفظٌ، ونطْقُ لسانٍ يَزْعُم أنَّه يَدِّعيها لمجموعِ حُروفِه دونَ آحادِها، إلاَّ مثَلُ مَنْ يزعُمُ أنَّ ههنا غَزْلًا إذا نُسِجَ منه ثوبٌ كان أحْمَر وإذا فُرِّقَ ونُظر إليه خَيْطًا خيطًا لم تكنْ فيه حُمْرةٌ أصْلًا.
ومن طريف أمْرهِم، أنَّك تَرى كافَّتَهم لا يُنكِرون أنَّ اللفظَ المستعارَ، إذا كان فصيحًا، كانتْ فصاحتُه تلك، من أجْل استعارتهِ ومن أجْل لطفٍ وغرابةٍ كانا فيها؛ وتَراهم مع ذلك لا يَشُكُّون في أن الاستعارةَ لا تُحْدِثُ في حروف اللفظِ صفةً ولا تُغيِّرُ أجْراسَها عمَّا تكونُ عليه، إذا لم يكن مستعارًا وكان متروكًا على حقيقته، وأنَّ التأثيرَ من الاستعارةِ إنَّما يكونُ في المعنى. كيفَ وهُمْ يعتَقِدونَ أنَّ اللفظَ إذا استُعيرَ لِشيءٍ، نُقِلَ عن معناه الذي وُضع له بالكُلِّية، وإذا كان الأمرُ كذلك، فلولا إهمالُهُمْ أنفُسَهم وتركُهُم النظَرَ، لقد كان يكون في هذا ما يُوقِظُهم من غَفْلتِهم، ويَكْشِف الغِطاء عن أعينِهم.
[ ٣٣٩ ]