وإذْ قد عرَفْتَ هذه المسائلَ في الاستفهام.
فهذه مسائل في النفي: إذا قلْتَ: (ما فعلتُ). كنْتَ نَفَيْتَ عنك فِعْلًا لم يَثْبتْ أَنه مفعولٌ. وإذا قلتَ: (ما أنا فعلْتُ). كنتَ نفَيْتَ عنك فِعْلًا ثَبَت أَنه مفْعُولٌ. تفسيرُ ذلك أَنك إذا قلتَ: (ما قلتُ هذا): كنتَ نَفيتَ أن تكونَ قد قلْتَ ذاك، وكنتَ نُوظرْتَ في شيءٍ لم يَثْبُتْ أنه مَقُولٌ. وإِذا قلتَ: (ما أنا قلتُ هذا): كنتَ نفَيْتَ أن تكون القائلَ له، وكانتِ المناظرةُ في شيءٍ ثَبَتَ أنه مقُولٌ. وكذلك إذا قلت: (ما ضربتُ زيدًا). كنتَ نفيتَ عنكَ ضَرْبَه ولم يَجِبْ أن يكون قد ضُرِبَ، بل يَجوزُ أن يكونَ قد ضَرَبَه غَيرُك، وأنْ لا يكونَ قد ضُرِبَ أصْلًا. وإذا قلتَ: (ما أنا ضربْتُ زيدًا) لم تَقلْه إلاَّ وزَيدٌ مضروبٌ، وكان القصْدُ أن تَنْفي أن تكون أنتَ الضاربَ. ومن أَجْل ذلك، صَلُحَ في الوجه الأولِ أن يكون المَنْفيُّ عامًّا كقولك: (ما قلتُ شعرًا قطُّ، وما أكلتُ اليومَ شيئًا، وما رأيتُ أحدًا من الناس): ولم يَصْلُحْ في الوجه الثاني. فكان خَلْقًاَ أن تقولَ: (ما أنا قلتُ شِعرًا قطُّ، وما أنا أكَلتُ اليومَ شيئًا، وما أنا رأيتُ أحدًا من الناس): وذلك لأنه يقتضي المُحَال، وهو أن يكونَ هاهنا إنسانٌ قد قال كلَّ شعرٍ في الدنيا، وأكَل شيءٍ يؤكلُ، ورأى كلَّ أحدٍ من الناس، فنفيتَ أن تَكُونَه ومما هو مثالٌ بيِّن في أنَّ تقديمَ الاسمِ يَقْتضي وجودَ الفعل قولُه [من المتقارب]:
وما أنا أَسقَمْتُ جِسْمي بهِ ولا أنا أَضرمتُ في القلبِ نارًا
[ ١٤٨ ]
المَعنى، كما لا يَخْفى، على أنَّ القسْمَ ثابتٌ موجود، وليس القصدُ بالنفي إليه، ولكنْ إلى أن يكونَ هو الجالبَ له، ويكونَ قد جرَّه إلى نفسه. ومثله في الوضوح قوله [من الطويل]:
وما أنا وَحدي قلتُ ذا الشعرَ كلَّهُ
الشعرُ مَقولٌ على القَطْع والنفي، لأن يكونَ هوَ وحْدَه القائلَ له.
مواضع التقديم والتأخير - النفي
وهاهنا أَمران يَرتفعُ معهما الشكُّ في وجوب هذا الفَرْق، ويَصيرُ العِلمُ به كالضرورة.
(أحَدُهما) أنه يَصِحُّ لكَ أن تقول: (ما قلتُ هذا، ولا قاله أحدٌ من الناس)، (وما ضربتُ زيدًا ولا ضَرَبَه أحدٌ سوِاي): ولا يصحُّ ذلك في الوجه الآخر. فلو قلتَ: (ما أنا قلتُ هذا، ولا قاله أحدٌ من الناس، وما أنا ضَربتُ زيدًا ولا ضرَبَهُ أَحدٌ سواي)، كان خَلْفًا من القول، وكان في التناقض بمنزلة أن تقول: (لستُ الضاربَ زيدًا أمسِ): فتُثْبِتَ أنه قد ضُربَ؛ ثم تقولَ مِنْ بَعدهِ: (وما ضَرَبَه أحدٌ مِن الناس): ولستَ القائلَ ذلك: فتُثبِتَ أنه قد قيل، ثم تجيءَ فتقولَ. وما قاله أَحدٌ من الناس.
والثاني من الأمرين أَنك تقول: (ما ضربتُ إلاَّ زيدًا): فيكونُ كلامًا مسْتقيمًا، ولو قلت: (ما أنا ضربتُ إلاَّ زيدًا): كان لَغُوًا من القول، وذلك لأن نَقْضَ النفي "بإلاَّ"، يَقْتضي أن تكونَ ضربْتَ زيدًا؛ وتقديمُكَ ضميرَك وإيِلاؤه حَرْفَ النفْي، يقتضي نَفْي أن تكون ضَرَبْتَه، فهما يتدافعان، فاعرفْه!
المفعول المنفيّ
ويجيء لك هذا الفرقُ على وَجْهه في تقديمِ المفعول وتأخيره؛ فإذا قلت: (ما ضربتُ زيدًا): فقدَّمْتَ الفعلَ، كان المعنى أَنك قد نَفيْتَ أن يكونَ قد وقَع ضَرْبٌ منك على زيدٍ، ولم تَعرِضْ في أَمرٍ غَيرهِ لنفيٍ ولا إثبات، وتركْتَه مُبْهَمًا محتمَلًا. وإذا قلتَ: (ما زيدًا ضربتُ): فقدَّمْتَ المفعول، كان المعنى على أنَّ ضرْبًا وقعَ منكَ على إنسانٍ، وظُنَّ أنَّ ذلك الإنسانَ زيدٌ، فنفيتَ أَن يكون إياه. فلك أن تقول في الوجه الأول: (ما ضربتُ زيدًا ولا أحدًا من الناس) وليس لك في الوجه الثاني. فإنْ قلتَ: (ما زيدًا ضربتُ ولا أحدًا من الناس)، كان فاسدًا على ما مضى في الفاعل.
[ ١٤٩ ]
ومما ينبغي أن تَعلمه، أنه يَصحُّ لك أن تقول: (ما ضربت زيدًا ولكني أكْرمتُه)، فُتعْقِبَ الفعلَ المنفيَّ بإثباتِ فعلٍ هو ضدُّه. ولا يصحُّ أن تقول: (ما زيدًا ضربتُ ولكني أكرمتُه)؛ وذاك أنكَ لم تُرِد أن تقولَ: لم يكن الفعلُ هذا ولكنْ ذاك. ولكنك أردتَ أنه لم يكن المفعولُ هذا ولكنْ ذاك؛ فالواجب إذن أن تقول: (ما زيدًا ضربتُ ولكن عمرًا).
وحكْمُ الجارِّ مع المجرور في جميع ما ذكرنا، حكْم المنصوبِ. فإذا قلتَ: (ما أمَرْتُك بهذا)، كان المعنى على نفْيِ أن تكونَ قد أمرتَه بذلك، ولم يَجبْ أن تكونَ قد أمرتَه بذلك، ولم يَجبْ أن تكونَ قد أمرتَه بشيءٍ آخر، وإذا قلتَ: (ما بهذا أمرْتُك)، كنتَ قد أمرْتَهُ بشيءٍ غيرهِ.
واعلمْ أَن هذا الذي بان لك في الاستفهام، والنفي من المعنى، في التقديم، قائمٌ مثْلُه في الخبر المُثْبَت. فإذا عمدْتَ إلى الذي أردتَ أن تُحدِّثَ عنه بفعلٍ، فقدَّمْتَ ذِكرَه، ثم بنيتَ الفعلَ عليه، فقلت: (زيدٌ قد فَعل، وأنا فعلتُ، وأنتَ فعلْتَ)، اقتضى ذلك أن يكون القصدُ إلى الفاعل؛ إلاَّ أنَّ المعنى في هذا القصد ينقسم قسمين:
أَحدُهما جليٌّ لا يُشْكِلُ، وهو أن يكون الفعلُ فِعْلًا قد أردتَ أن تَنُصَّ فيه على واحدٍ، فتجعلَه له وتزعم أنه فاعلُه دون واحدٍ آخرَ أو دون كلِّ أحدٍ. ومثال ذلك أن تقولَ: (أنا كتبتُ في معنى فلانٍ، وأنا شفعتُ في بابه)، تُريد أن تَدَّعِيَ الانفرادَ بذلك، والاستبدادَ به، وتُزيلَ الاشتباهَ فيه وتردَّ على من زَعم أنَّ ذلك كان مِنْ غيرك، أو أَنَّ غيرَكَ قد كتَب فيه كما كتبتَ. ومن البيِّن في ذلك قولُهم في المثَل: "أَتُعْلِمُنِي بِضَبٍّ أنا حَرَشتُهُ؟ "
[ ١٥٠ ]
والقسم الثاني أن لا يكون القصْدُ إلى الفاعل، على هذا المعنى، ولكن على أنك أردتَ أن تُحقِّق على السامع أَنه قد فعَلَ، وتمنَعَه من الشك؛ فأنتَ لذلك تبدأ بذِكْره، وتَوَقُّعِه أوّلًا، ومِنْ قَبْلِ أن تَذكر الفعلَ في نفسه، لكي تُباعِدَه بذلك من الشهبة وتَمْنعَه من الإنكار، أَوْ مِنْ أن يُظَنَّ بك الغَلطُ أو التزيُّدُ. ومثالُه قولُك: (هو يُعطي الجزيلَ وهو يُحبُّ الثناء) لا تُريد أن تَزعم أنه ليس هاهنا مَنْ يُعطي الجزيلَ ويُحِبُّ الثناءَ غيرَهُ، ولا أن تُعرِّض بإنسانٍ وتحطَّه عنه، وتجعلَه لا يعطي كما يُعْطي ولا يَرْغَبُ كما يَرغب، ولكنكَ تريد أن تُحقِّق على السامع، أنَّ إعطاءَ الجزيل وحُبَّ الثناءِ دأْبُهُ، وأن تُمكِّن ذلك في نفسه. ومثالُه في الشعر [من الطويل]:
همُ يفْرِشُونَ اللِّبدَ كلَّ طمِرَّةٍ وأَجْردَ سَبَّاحٍ يَبُذُّ المُغَالِبَا
لم يُرِدْ أنْ يدَّعي لهم هذه الصفةَ، دَعْوى مَنْ يُفرِدُهم بها ويَنصُّ عليهم فيها، حتى كأنهُ يَعرِّضُ بقومٍ آخرين، فينْفي أن يكونوا أصحابَها. هذا مُحال! وإنما أراد أن يصِفَهم بأنهم فرسانٌ يَمتهِدون صَهَواتِ الخيلِ، وأنهم يَقْتعدون الجِيادَ منها وأنَّ ذلك دأبُهُم، من غير أن يَعْرض لِنفْيه عن غَيرهم؛ إلاَّ أنه بدأَ بذكرهم لِيُنبِّه السامعَ لهم، ويُعْلِمَ بَدِيًّا قصْدَه إليهم، بما في نَفْسه من الصفة، ليمنعه بذلك من الشك، ومِنْ توهُّم أن يكون قد وصفَهم بصفةٍ ليستْ هي لهم، أو أن يكون قد أراد غيرَهم فغَلِط إليهم.
التقديم والتأخير - الخبر
وعلى ذلك قول الآخر [من الطويل]:
هُمُ يضْربون الكَبْشَ بَبْرُق بَيْضُه على وَجْهِهِ من الدِّماءِ سَبَائِبُ
لم يُرد أن يدَّعيَ لهم الانفرادَ ويَجْعلَ هذا الضربَ لا يكونُ إلاَّ منهم، ولكنْ أراد الذي ذكرتُ لك، مِنْ تنبيه السامع لِقَصْدهم بالحديث، من قَبْل ذِكْر الحديث، ليُحقِّق الأَمرَ ويؤكِّدَه. ومن البَيِّنِ فيه قولُ عروةَ بنِ أُذَينَةَ [من مجزوء الوافر]:
سُليْمَى أَزمَعَتْ بَيْنا فأينَ تقُولُها أَينا
[ ١٥١ ]
وذلك أنه ظاهرٌ معلومٌ أَنه لم يُرد أن يجعلَ هذا الإزْماعَ لها خاصة، ويجعلَها من جماعةٍ لم يُزْمِع البينَ منهم أحدٌ سواها، هذا محال. ولكنه أراد أن يُحقِّق الأمرَ ويؤكدَه فأَوقَعَ ذِكرَها في سمع الذي كلّم ابتداءً ومِن أَول الأمر، ليعلَم قَبْل هذا الحديث أنه أرادها بالحديث، فيكون ذلك أبعدَ له من الشك.
ومثلهُ في الوضوح قولُه [من الطويل]:
هُمَا يلْبسان المجْدَ أَحْسَن لِبْسةٍ شَحيحانِ ما اسْطاعا عليهِ كلاهُما
لا شُبْهة في أنه لم يُرد أن يَقْصُر هذه الصفةَ عليهما، ولكن نَبَّه لهما قبْلَ الحديثِ عنهما. وأَبْيَنُ من الجميع قولُه تعالى: ﴿واتخذوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لاَّ يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ [الفرقان: ٣] وقوله ﷿: ﴿وَإِذَا جَآءُوكُمْ قالوا آمَنَّا وَقَدْ دَّخَلُواْ بالكفر وَهُمْ قَدْ خَرَجُواْ بِهِ﴾ [المائدة: ٦١]. وهذا الذي قد ذكرتُ من أنَّ تقديمَ ذكرِ المحدِّث عنه، يفيد التنبيهَ له، قد ذكَرَه صاحبُ "الكتاب" في المفعول، إذا قُدِّم فرُفِع بالابتداء وبُنيَ الفعلُ الناصبُ، كان له عليه، وعُدِّيَ إلى ضميره فشُغِلَ به، كقولنا في "ضربتُ عبدَ الله": (عبدُ الله، ضَرَبتُه)، فقال: وإنما قلتُ (عبدُ الله) فنبَّهْتُه له، ثم بَنيتُ عليه الفعلَ ورفعْتُه بالابتداء.
فإن قلتَ: فمِن أينَ وجَبَ أن يكون تقديمُ ذِكْر المحدِّثِ عنه بالفعل، آكَدَ، لإثبات ذلك الفعلِ له، وأن يكون قولُه "هما يلبسان المجْدَ" أبلغَ في جعلهما يلبسانه، من أين يقال: يلبسان المجد؟ فإنِّ ذلك من أَجْل أنه لا يُؤتى بالاسم مُعَرَّى من العوامل، إلاَّ لحديثٍ قد نُويَ إسنادُه إليه. وإذا كان كذلك، فإذا قلتَ "عبد الله"، فقد أشعرْتَ قلْبَه بذلك أنك قد أردتَ الحديثَ عنه. فإذا جئتَ بالحديث، فقلت مثلًا: قام، أو قلتَ: خرجَ، أو قلتَ: قَدِمَ، فقد عُلم ما جئتَ به، وقد وطَّأْتَ له وقدَّمتَ الإعلام فيه، فدخلَ على القلب دُخولَ المأنوسِ به، وقَبِله قَبولَ المتهيِّئ له المطمئنِ إليه؛ وذلك لا محالةَ، أَشدُّ لِثبُوته وأَنفْى للشبهة، وأَمنعُ للشك، وأَدْخَلُ في التحقيق.
[ ١٥٢ ]
تقديم ذكر المحدَّث عنه بالفعل يفيد تأكيد الخبر
وجملةُ الأمر أنه ليس إعلامُك الشيءَ بغتةً، مثْلَ إعلامك له بعْدَ التنبيهِ عليه والتقدمةِ له، لأن ذلك يَجْري مَجْرى تكريرِ الإعلام، في التأكيد الإحكام. ومِنْ هاهنا قالوا: إن الشيء إذا أُضْمِر ثم فُسِّر، كان ذلك أفخمَ له مِنْ أن يُذكَر، مِنْ غَير تقدُّم إضمار. ويَدلُّ على صحة ما قالوه، أنَّا نعلم ضرورةً في قوله تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأبصار﴾ [الحج: ٤٦] فخامةً وشرفًا وروعةً، لا نَجد منها شيئًا في قولنا: (فإن الأبصارَ لا تَعْمى). وكذلك السبيلُ أبدًا في كل كلام كان فيه ضميرُ قصة. فقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الكافرون﴾ [المؤمنون: ١١٧] يُفيد من القوةً في نفي الفلاح عن الكافرين، ما لو قيل: (إنَّ الكافرين لا يفلحون)، لم يُفِدْ ذلك. ولم يكن ذلك كذلك إلاَّ لأنك تُعلمه إياه مِنْ بعد تقدمةٍ وتنبيهٍ أنتَ به في حكْم مَنْ بدأَ وأعادَ ووطَّد، ثم بيَّنَ ولوَّح ثم صرَّح. ولا يَخفى مكانُ المزيةِ فيما طَريقُه هذا الطريقُ.
[ ١٥٣ ]
ويَشْهد لما قلنا، مِنْ أنَّ تقديمَ المحدَّثِ عنه يَقْتضي تأكيدَ الخبر وتحقيقَه له، أنَّا إذا تأَملْنا وجَدْنا هذا الضَّرْبَ من الكلام، يجيءُ فيما سبقَ فيه إنكارٌ من مُنْكِرٍ، نحو أنْ يقول الرجلُ: (ليس لي علمٌ بالذي تقول). فتقولُ له: (أنتَ تَعْلم أنَّ الأمرَ على ما أَقولُ ولكنك تَميل إلى خصمي). وكقول الناس: هو يَعلمُ ذاك وإنْ أَنْكَرَ، وهو يَعلمُ الكَذِبَ فيما قالَ، وإن حلفَ عليه. وكقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الكذب وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ٧٥]. فهذا من أَبْيَنِ شيءٍ؛ وذاكَ أنَّ الكاذبَ لا سيَّما في الدِّين، لا يَعْترف بأنه كاذبٌ، وإذا لم يعترفْ بأنه كاذبٌ، كان أبْعَدَ مِن ذلك أنْ يعترِفَ بالعِلْم بأنه كاذبٌ. أوْ يَجيء فيما اعترضَ فيه شكٌّ، نحو أَنْ يقول الرجلُ: (كأنَّك لا تعلم ما صَنعَ فلانٌ ولم يُبْلِغْك): فيقول: (أنا أعلمُ ولكني أُداريه). أوْ في تكذيبِ مُدَّعٍ، كقوله ﷿: ﴿وَإِذَا جَآءُوكُمْ قالوا آمَنَّا وَقَدْ دَّخَلُواْ بالكفر وَهُمْ قَدْ خَرَجُواْ بِهِ﴾ [المائدة: ٦١]. وذلك أنَّ قولَهم "آمنَّا": دعْوى منهم أَنَّهم لم يَخْرجوا بالكُفْر كما دخلوا به؛ فالمَوضعُ موضعُ تكذيب. أو فيما القياسُ في مِثْله أنْ لا يكونَ، كقوله تعالى: ﴿واتخذوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لاَّ يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ [الفرقان: ٣] وذلك أنَّ عبادتَهم لها، تَقْتضي أنْ لا تكون مَخْلوقةً، وذلك في كل شيءٍ كان خبَرًا على خلاف العادة، وعما يُسْتَغرب من الأمر، نحو أن نقول: (ألا تَعْجَبُ من فلان يَدَّعي العظيمَ، وهو يَعْيى باليسير، ويَزْعمُ أنه شُجاعٌ، وهو يَفْزَع من أدنى شيء؟).
إفادة تقديم المسند إليه التأكيد والقوة
[ ١٥٤ ]
ومما يَحْسنُ ذلك فيه ويَكْثُر: الوعدُ والضمانُ، كقول الرجل: (أنا أُعطيك، أنا أَكفيك، أنا أَقومُ بهذا الأمر). وذلك أنَّ مِن شأنِ مَنْ تَعِدُهُ وتَضْمَنُ له أن يَعْترضَه الشكُّ: في تمام الوعدِ وفي الوفاء به. فهو مِنْ أَحْوج شيءٍ إلى التأكيد. وكذلك يَكْثُر في المدح، كقولك: (أنت تُعطي الجزيلَ، أنتَ تَقْري في المَحْلِ، أنتَ تَجودُ حين لا يَجودُ أَحدٌ). وكما قال [من الكامل]:
ولأَنْتَ تَفْري ما خلَقْتَ وبَعْـ ـضُ القَومِ يَخْلُقُ ثُمَّ لا يفْري
وكقول الآخر:
نحْنُ في المَشتاة تَدْعو الجفَلى
[ ١٥٥ ]
وذلك أنَّ مِن شأنِ المادِح، أنْ يَمْنعَ السامعين من الشك فيما يَمدح به يُباعِدُهم مِن الشُّبهة، وكذلك المفتخِرُ: ويَزيدُكَ بَيانًا أَنه، إذا كان الفعلُ مما لا شَكٌّ فيه ولا يُنْكَر بحالٍ، لم يَكَدْ يجيءُ على هذا الوجه، ولكنْ يُؤتى به غيرَ مبنيٍّ على اسمٍ. فإذا أَخبرْتَ بالخروج مثلًا، عن رَجلٍ من عادته أَنْ يَخْرج في كل غداة قلتَ: (قد خرجَ). ولم تَحتَجْ إلى أن تقول: هو قد خرَجَ، ذاك لأنه ليس بشيء يَشُكُّ فيه السامعُ فتحتاجُ أن تُحقِّقه، وإلى أن تُقدِّم فيه ذكْرَ المحدَّثِ عنه. وكذلك إذا علمَ السامعُ من حالِ رجلٍ، أنه على نيَّة الركوبِ والمضيِّ إلى موضع، ولم يكن شَكٌّ وتردُّدٌ أنه يَرْكَب أو لا يَركَبُ، كان خَبَّركَ فيه أن تقول: (قد رَكِبَ). ولا تقول: هو قد ركبَ. فإن جئتَ بمثل هذا في صلة كلامٍ ووضعْتَه بَعْدَ (واو الحال) حسُنَ حينئذٍ. وذلك قولُك: (جئتُه وهو قد ركبَ). وذاك أنَّ الحكْم يتغيرُ إذا صارتِ الجملةُ في مثْل هذا المَوْضع، ويصيرُ الأمرُ بمعرضِ الشكِّ، وذاك أنه إنما يَقولُ هذا، مَنْ ظَنَّ أنه يصادِفُه في منزله، وأن يَصل إليه مِنْ قَبْل أنْ يَرْكَب. فإن قُلْتَ، فإنكَ قد تقولُ: (جئتُه وقد رَكبَ)، بهذا المعنى ومع هذا الشكِّ، فإنَّ الشكَّ لا يَقْوى حينئذٍ قوَّتَه في الوجه الأول. أَفلا تَرى أَنكَ إذا استبطأْتَ إنسانًا فقلْتَ: (أتانا والشمسُ قد طلعَتْ)، كان ذلك أبلغَ، في استبطائكَ له، من أن تقول: (أتانا وقد طلعتِ الشمسُ). وعكسُ هذا أَنكَ إذا قلتَ: (أتَى والشمسُ لم تَطْلعْ). كان أقوى، في وصفك له بالعَجَلة والمَجيء، قَبْل الوقتِ الذي ظُنَّ أنه يَجيءُ فيه، من أن تقول: (أَتى ولم تَطْلع الشمسُ بعدُ). هذا وهو كلامٌ لا يكاد يَجيءُ إلاَّ نابيًا؛ وإنما الكلامُ البليغُ هو أن تبدأ بالاسم وتَبْنيَ الفعلَ عليه، كقوله:
قد أعْتدي والطيرُ لم تَكَلَّمِ
فإذا كان الفعلُ، فيما بعْدَ هذهِ "الواوِ" التي يُراد بها الحالُ مضارِعًا، لم يَصْلحُ إلا مبنيًا على اسم، كقولك: (رأيتُه وهو يكْتُبُ)، و(دخلْتُ عليه وهو يُمْلي الحديثَ)، وكقوله [من الطويل]:
[ ١٥٦ ]
تمزّزْتُهَا والديكْ يدعو صَبَاحَهُ إذا ما بَنُو نَعْشٍ دَنَوْا تصَوَّبوا
ليس يَصلحُ شيء من ذلك إلاَّ على ما تَراه، لو قلتَ: (رأيتُه ويكتب، ودخلتُ عليه ويُملي الحديث، وتمزَّزْتها ويدْعو الديكُ صباحه)، لم يكن شيئًا.
ومما هو بهذه المنزلة في أنك تَجِدُ المعنى لا يستقيم، إلاَّ على ما جاء عليه من بناء الفعلِ على الاسم، قولُه تعالى: ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ الله الذي نَزَّلَ الكتاب وَهُوَ يَتَوَلَّى الصالحين﴾ [الأعراف: ١٩٦] وقولُه تعالى: ﴿وقالوا أَسَاطِيرُ الأولين اكتتبها فَهِيَ تملى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الفرقان: ٥] وقولُه تعالى: ﴿وَحُشِرَ لِسْلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الجن والإنس والطير فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ [النمل: ١٧]. فإنه لا يَخْفى على مَنْ له ذوقٌ، أَنه لو جيءَ في ذلك بالفعل غيْرَ مَبْنيِّ على الاسم، فقيل: (إن وَلِيِّيَ اللهُ الذي نزَّلَ الكتابَ ويَتَولَّى الصالحينَ، واكْتَتَبها فتُمْلى عليه وحشَر لسليمانَ جُنودَه من الجنِّ والإنسِ والطيرِ فَيُوزعونَ)، لوَجِدَ اللفظُ قد نَبَا عن المعنى، والمعنى قد زالَ عن صورته والحال التي ينبغي أن يكون عليها.
واعلمْ أَنَّ هذا الصنيعَ يقتضي في الفعل المنفيِّ، ما اقتضاهُ في المُثْبَت. فإذا قلت: أنتَ لا تُحْسِن هذا: كان أشَدَّ لنَفْي إحسانِ ذلك عنه، من أن تقول: لا تُحْسِنُ هذا: ويكونُ الكلامُ في الأول مع مَن هو أَشدُّ إعجابًا بنفسه وأَعرَضُ دَعْوى في أنه يُحْسنُ، حتى إنك لو أتيتَ بـ "أنْتَ" فيما بعد "تُحسِن" فقلتَ: (لا تُحسِنُ أنتَ)، لم يكن له تلك القوة. وكذلك قولُه تعالى: ﴿والذين هُم بِرَبِّهِمْ لاَ يُشْرِكُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٩]، يُفيدُ من التأكيد من نَفْي الإشراك عنهم، ما لو قيل: (والذين لا يُشْركون بربهم أو بربهم لا يشركون)، لم يُفِدْ ذلك. وكذا قولُه تعالى: ﴿لَقَدْ حَقَّ القول على أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لاَ يُؤمِنُونَ﴾ [يس: ٧]. وقولُه تعالى: ﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الأنبآء يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لاَ يَتَسَآءَلُونَ﴾ [القصص: ٦٦] و﴿إِنَّ شَرَّ الدواب عِندَ الله الذين كَفَرُواْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنفال: ٥٥].
[ ١٥٧ ]
نكتة تقديم "مثل" و"غير" مسند إليهما
ومما يُرى تقديمُ الاسم فيه كاللازم (مثْل) و(غيْر) في نَحْوِ قَولِهِ [من السريع]:
مِثْلُكَ يَثْني الْمُزْنَ عن صَوْبِه ويَسْتَرِدُّ الدَّمعَ عَنْ غَرْبِهِ
وقول الناس: (مِثْلُكَ رَعى الحقَّ والحُرْمَةَ. وكقول الذي قال له الحَجَّاجُ: (لأَحْمِلَنَّكَ على الأَدْهمِ). يريد القَيْد، فقال على سبيل المغالَطةِ: (ومِثْلُ الأميرِ يَحْمِلُ على الأَدهم والأشْهب)، وما أشبه ذلك، مما لا يُقْصَدُ فيه بـ "مثْل" إلى إنسانٍ سِوَى الذي أُضيفَ إليه، ولكنهم يَعْنون أَنَّ كلَّ مَنْ كان مِثْلَه في الحال والصفةِ، كان مِن مُقْتَضى القياس ومُوجِب العُرْفِ والعادة؛ أنْ يَفْعلَ ما ذكر أوْ أن لا يفعلَ. ومن أجْل أَنَّ المعنى كذلك، قال [من السريع]:
ولم أَقُلْ "مثْلُكَ" أَعني به سِوَاك يا فردًا بلا مُشْبِهِ
وكذلك حكم (غَيْر) إذا سُلِكَ به هذا المسْلَكَ فقيل: (غَيْري يفعل ذاك)، على معنى أني لا أفعلُه، لا أن يومئَ "بغير" إلى إنسانٍ فيُخبر عنه بأن يفعل، كما قال [من البسيط]:
غيري بأَكْثَرِ هذا الناسِ يَنْخَدِعُ
وذاك أنه معلومٌ أنه لم يُرد أن يُعرِّضَ بواحدٍ كان هناك، فيستنقصُه ويصفه بأنه مَضعوفٌ يُغَرُّ ويُخْدَع، بل لم يُردْ إلاَّ أن يقول: إني لَستُ ممن يَنْخَدِعُ وَيَغْتَرُّ.
وكذلك لم يُرِد أبو تمام بقوله [من الوافر]:
وغيري يَأكُلُ المعروف سُحْتًا وتَشْحُبُ عنده بِيضُ الأَيادي
أَنْ يُعَرِّضَ مثلًا، بشاعرٍ سِواه، فَيزعُم أنَّ الذي قرِفَ به عند الممدوح، من أنه هجاه، كان من ذلك الشاعر لا منه، هذا محال؛ بل ليس إلاَّ أَنه نَفى عن نفسه أن يكونَ ممن يَكْفُر النعمةَ ويَلْؤمُ.
[ ١٥٨ ]
واستعمال "مثل" و"غير" على هذا السبيل، شيءٌ مركوزٌ في الطباع، وهو جارٍ في عادة كلِّ قوم؛ فأنتَ الآن إذا تصفَّحْتَ الكلامَ، وجدْتَ هذين الاسمين يُقدِّمان أبدًا على الفعل، إذا نُحِيَ بهما هذا النحوُ الذي ذكرتُ لك، وترى هذا المعنى لا يَسْتقيم فيهما إذا لم يُقدَّما. أفلا تَرى أَنك لو قُلْتَ "يَثْني المزنَ عن صَوْبه مثلُك، ورعَى الحقَّ والحُرْمَة، مثْلُكَ، ويَحْمِلُ على الأدهم والأَشْهب مثْلُ الأميرِ، وينخدع غَيْري بأكثر هذا الناس، ويأكل غيري المعروف سُحْتًا"، رأيتَ كلامًا مقلوبًا عن جهته، ومُغيَّرًا عن صورته، ورأيتَ اللفظَ قد نَبَا عن معناه، ورأيتَ الطبْعَ يأبى أن يرضاه.
التقديم والتأخير في الخبر والاستفهام سواء
واعلمْ أنَّ معَكَ دستورًا لك فيه، إنْ تأمَّلْتَ غِنًى عن كلِّ ما سِواهُ؛ وهو أَنه لا يَجوز أن يكون لِنَظْم الكلام وتَرتيبِ أَجزائه في الاستفهام معنًى، لا يكونُ له ذلكَ المعنى في الخبر؛ وذاكَ أنَّ الاستفهامَ استخبارٌ، والاستخبارَ هوُ طَلبٌ من المُخاطَب أن يُخْبرك؛ فإذا كان كذلك، كان مُحالًا أن يَفْترِقَ الحالُ بين تقديمِ الاسمِ وتأخيره في الاستفهام. فيكونُ المعنى إذا قلتَ: (أزيد قام)، غيرَهُ إذا قلتَ: (أقام زيد؟) ثم لا يكون هذا الافتراقُ في الخَبر ويكونُ قولُك "زيدٌ قام" و"قامَ زيدٌ" سواءً؛ ذاكَ لأنه يؤدِّي إلى أَنْ تَسْتعلِمَهُ أمرًا لا سبيل فيه إلى جوابٍ، وأن تَسْتَثْبِتَه المعنى على وجهٍ، ليس عنده عبارةٌ يُثْبِتُهُ لكَ بها على ذلك الوجه.
وجملةُ الأَمر أنَّ المعنى في إدخالِكَ حرْفَ الاستفهام على الجملة من الكلام، هو أنك تَطْلُبُ أن يَقِفَكَ في معنى تلك الجملة ومؤداها على إثباتِ أو نَفْي. فإذا قلت: (أزيد منطلق)؟ فأنتَ تطلب أن يقول لك: (نَعمْ هو مُنطلِقٌ). أو يقول: (لا ما هو مُنْطَلِقٌ). وإذا كان ذلك كذلك، كان محالًا أن تكون الجملة إذا دخلَتْها همزةُ الاستفهام استخبارًا عن المعنى، على وجهٍ لا تكون هي، إذا نُزِعَتْ منها الهمزةُ إخبارًا به على ذلك الوجه، فاعرفْه!.
[ ١٥٩ ]