وقد أردتُ أن أكتبَ جملةً من الشعر الذي أنتَ ترى الشاعرَيْن فيه قد قالا في معنىً واحدٍ، وهو ينقسم قسمين:
قَسمٌ أنت ترَى أحدَ الشاعرَين فيه قد أتى بالمعنى غُفْلًا ساذَجًا، وترى الآخَرَ قد أخرجَه في صورةٍ تَروقُ وتُعْجِبُ.
وقسمٌ أنتَ ترى كلَّ واحدٍ من الشاعرَين قد صَنعَ في المعنى وَصَوَّرَ.
القسم الأول
وأبدأُ بالقسم الأول الذي يكون المعنى في أحدِ البَيْتين غُفلًا وفي الآخَرِ مصوَّرًا مَصْنوعًا، ويكونُ ذلك إمَّا لأنَّ متأَخِّرًا قصَّر عن مُتقدِّم، وإمَّا لأن هُدى متأخرٍ لشيءٍ لم يَهْتدِ إليه المتقدِّمُ، ومثال ذلك قولُ المتنبي [من المنسرح]:
بِئْسَ اللَّيالي سَهِرْتُ مِنْ طَرَبي شَوْقًا إِلى مَنْ يَبيتُ يَرْقُدُها
مع قولِ البحتري [من الكامل]:
لَيلٌ يُصَادِفُنِي ومَرْهَفَةَ الحَشَا ضِدَّيْنِ أَسْهَرُهُ لَهَا وَتَنامُه
وقولُ البحتري [من البسيط]:
وَلو ملَكتُ زَماعًا ظَلَّ يَجْذِبُني قَوْدًا لَكَانَ نَدى كَفيَّكَ منْ عُقُلي
مع قولِ المتنبي [من الطويل]:
وَقَيَّدْتُ نفْسِي في ذُرَاكَ مَحَبَّةً وَمَنْ وَجَدَ الإِحْسانَ قَيْدًا تَقَيَّدَا
وقولُ المتنبي [من الطويل]:
إذَا اعْتَلَّ سَيْفُ الدَّوْلَةِ اعْتَلَّتِ الأَرضُ وَمَنْ فَوْقَهَا وَالْبَأسُ وَالْكَرَمُ الْمَحْضُ
مع قول البحتري [من الطويل]:
ظَلِلْنَا نَعُودُ الْجُودَ منْ وَعْكِكَ الّذِي وَجَدْتَ وَقلْنَا اعْتَلَّ عُضْوٌ منَ الْمَجْدِ
وقولُ المتنبي [من الكامل]:
يُعْطِيكَ مُبْتَدِئًا فَإِنْ أَعْجَلْتَهُ أَعْطَاكَ مُعْتَذِرًا كَمَنْ قَدْ أَجْرَما
مع قول أبي تمام [من الطويل]:
أخو عَزماتٍ فِعْلُهُ فِعلُ مُحْسِنٍ إلَيْنَا وَلكنْ عُذْرُهُ عُذْرُ مُذْنبِ
وقولُ المتنبي [من الطويل]:
كَرِيمٌ مَتَى اسْتُوهِبْتَ ما أَنتَ رَاكِبٌ وَقَدْ لقِحَتْ حَرْبٌ فإِنَّكَ نَازِلُ
مع قول البحتري [من البسيط]:
مَاضٍ عَلَى عَزْمِهِ في الْجُودِ لَوْ وَهَبَ الشـ ـبَابَ يَوْمَ لِقَاءِ الْبِيضِ مَا نَدِمَا
وقولُ المتنبي [من الخفيف]:
وَالَّذِي يَشْهَدُ الوَغَى سَاكِنُ الْقَلْـ ـبِ كَأَنَّ القِتَالَ فيها ذِمامُ
مع قولِ البحتريِّ [من الطويل]:
لَقَدْ كَانَ ذَاكَ الجَأْشُ جَأْشَ مُسَالمٍ عَلَى أَنَّ ذَاكَ الزّيَّ زِيُّ مُحَارِبِ
وقولُ أبي تمام [من الكامل]:
الصُّبْحُ مَشْهُورٌ بِغَيْرِ دَلاَئِلِ مِنْ غَيْرِهِ ابتْغِيَتْ وَلا أَعْلاَمِ
مع قول المتنبي [من الوافر]:
وَلَيْسَ يَصحُّ في الأَذْهَانِ شَيْءٌ إذَا احْتَاجَ النَّهَارُ إِلَى دَلِيلِ
وقولُ أبي تمام [من الوافر]:
وَفِي شَرَفِ الْحَدِيثِ دَلِيلُ صِدْق لِمُخْتَبِرٍ عَلَى شَرَفِ الْقَدِيمِ
مع قول المتنبي [من البسيط]:
[ ٤٠٢ ]
أَفْعَالُه نَسَبٌ لوْ لمْ يقُلْ مَعَهَا جَدِّي الْخصِيبُ عَرَفْنَا الْعِرْقَ بالْغُصُنِ
وقولُ البحتري [من الكامل]:
وَأَحَبُّ آفاقِ البِلاَدِ إِلى فتًى أَرْضٌ يَنَالُ بِهَا كَرِيمَ المطْلَبِ
مع قول المتنبي [من الطويل]:
وَكلُّ امْرِىءٍ يُولِي الْجَمِيلَ مُحَبَّبٌ وَكلُّ مكَانٍ يُنْبِتُ العِزَّ طَيِّبُ
وقولُ المتنبي [من الطويل]:
يُقِرُّ لَهُ بالْفَضْلِ مَنْ لاَ يَوَدُّهُ وَيقْضِي لَهُ بِالسَّعْدِ مَنْ لاَ يُنَجِّمُ
مع قولِ البحتريِّ [من الكامل]:
لاَ أَدَّعِي لأَبِي العَلاَءِ فَضِيلَةً حَتَّى يُسَلِّمَهَا إِلْيهِ عِدَاهُ
وقولُ خالدٍ الكاتبِ [من المتقارب]:
رَقَدْتَ وَلَمْ تَرْثِ للِسَّاهِرِ وَلَيلُ الْمُحِبِّ بِلاَ آخِرِ
مع قولِ بشار [من الطويل]:
لِخديكَ مِنْ كَفَّيكَ فِي كُلِّ لَيلةٍ إلى أنْ تَرَى ضَوْءَ الصبَّاحِ وِسادُ
تبِيتُ تُرَاعي اللَّيلَ تَرْجُو نفَادَهُ وَليْسَ لِلَيلِ العَاشِقينَ نفَادُ
وقولُ أبي تمام [من الوافر]:
ثَوَى بالمشرقَيْنِ لهُمْ ضَجَاجٌ أطارَ قُلوبَ أَهْلِ المَغْرِبَيْنِ
وقولُ البحتري [من الطويل]:
تَناذَرَ أهلُ الشرقِ منه وقائعًا أطاعاَ لها العاصُونَ في بلدِ الغَرْبِ
مع قولِ مسلم [من البسيط]:
لمَّا نزلتُ على أَدْنى ديارِهم أَلْقَى إليكَ الأَقاصي بالمقَاليدِ
وقولُ محمد بن بشير [من البسيط]:
أُفْرُغْ لحاجتنا ما دمتَ مشغولًا فلو فَرَغْتَ لكنت الدهرَ مبذولا
مع قول أبي علي البصير [من الطويل]:
فقل لسعيد أسعدَ الله جَدَّه لقد رَثَّ حتى كاد ينصرمُ الحبْلُ
فلا تعتذر بالشغل عنا فإنما تُناطُ بك الآمالُ ما اتَّصل الشغْلُ
وقولُ البحتري [من الكامل]:
مِنْ غادةٍ مُنِعَتْ وتَمْنَعُ وَصْلَها فَلَوَ أنْها بُذِلَتْ لنا لم تَبْذُلِ
مع قولِ ابنِ الرومي [من مجزوء الكامل]:
ومن البلية أنني عُلّقتُ ممنوعًا منوعا
وقولُ أبي تمام [من الطويل]:
لئنْ كان ذنبي أنَّ أحْسَنَ مَطْلبي أساءَ ففي سُوءِ القضاءِ ليَ العُذْرُ
مع قولِ البحتري [من البسيط]:
[ ٤٠٣ ]
إذا محاسنيَ اللاتي أُدِلُّ بها كانت ذنوبي فقل لي: كيف أَعتذرُ؟
وقولُ أبي تمام [من البسيط]:
قد يُقدِمُ الْعَيْرُ من ذُعر على الأسدِ
مع قولِ البحتري [من الطويل]:
فجاءَ مجيءَ العَيْرِ قادتْه حَيْرةٌ إلى أهْرَتِ الشِّدْقَينِ تَدْمَى أظافِرُهُ
وقول معن بن أوس [من الطويل]:
إذا انصرَفَتْ نفسي عن الشيءِ لم تَكَدْ إليه بوجهِ، آخِرَ الدهرِ، تُقْبِلُ
مع قولِ العباسِ بْنِ الأَحنف [من البسيط]:
نَقْلُ الجبالِ الرواسيِ مِنْ أَماكِنها أَخَفُّ من ردِّ قلبٍ حينَ يَنْصرِفُ
وقولُ أمية بن أبي الصلت [من الطويل]:
عطاؤُك زيْنٌ لامرىءٍ إنّ أصبتَهُ بخيرٍ وما كلُّ العطاءِ يزينُ
مع قولِ أبي تمّام [من البسيط]:
تُدْعى عطاياه وَفرًا وهي إنْ شُهرتْ كانت فخارًا لمن يَعْفوه مؤْتَنِفا
ما زلتُ منتظرًا أعجوبة عَنَنًا حتى رأيت سؤالًا يجتنى شرفا
وقولُ جرير [من الطويل]:
بعَثْنَ الهوى ثم ارتَمَيْنَ قلوبنَا بأَسْهُمِ أعداءِ وهنَّ صديقُ
مع قولِ أبي نواس [من الطويل]:
إذا امتَحَنَ الدنيا لبيبٌ تكَشَّفَتْ لهُ عنْ عَدُوٍّ في ثيابِ صَديقِ
وقولُ كثيرٌ [من الطويل]:
إذا ما أرَادتْ خُلَّةٌ أنْ تُزيلَنا أَبَيْنا وقُلْنا الحاجِبيَّةُ أَوَّلُ
مع قولِ أبي تمام [من الكامل]:
نَقّلْ فؤادَك حيثُ شِئْتَ مِنَ الهوى ما الحبُّ إلاَّ لِلْحَبيبِ الأَوّلِ
وقولُ المتنبي [من الطويل]:
وعندَ مَنِ اليومَ الوفاءُ لصاحبٍ شَبيبٌ وأَوْفى مَنْ تَرى أخَوانِ
مع قولِ أبي تمام [من الطويل]:
فلا تَحْسبَا هِندًا لها الغَدْرُ وحدَها سَجيَّةُ نفسٍ: كلُّ غانيةٍ هِندُ
وقولُ البحتري [من الطويل]:
ولم أَرَ في رَنْقِ الصَّرى ليَ مَوْرِدًا فحاولتُ وِرْدَ النيلِ عندَ احتفالِهِ
مع قولِ المتنبي [من الطويل]:
قَواصِدُ كافورٍ تَوارِكُ غَيْرِهِ ومَنْ قَصَدَ البحرَ استقلَّ السَّواقيا
وقولُ المتنبي [من المنسرح]:
كأنمَّا يُولَدُ النَّدى مَعَهُمْ لا صِغَرٌ عاذِرٌ ولا هَرَمُ
مع قولِ البحتري [من الطويل]:
[ ٤٠٤ ]
عَرِيقونَ في الإفضالِ يؤْتَنَفُ النَّدى لِناشِئهِمْ مِنْ حيثُ يُؤْتنَفُ العُمْرُ
وقولُ البحتري [من الطويل]:
فلا تُغْلِيَنْ بالسيفِ كلَّ غَلائِهِ لِيمضي فإنَّ الكَفَّ لا السيفَ تقَطْعُ
مع قولِ المتنبي [من الطويل]:
إذا الهِندُ سَوَّتْ بينَ سَيْفيْ كَريهةٍ فسَيفُكَ في كَفِّ تُزيلُ التساوِيا
وقولُ البحتري [من الطويل]:
سامَوْكَ من حَسَدٍ فأفضلَ منهمُ غيرُ الجَوادِ وجادَ غيرُ المُفْضِلِ
فبَذلتَ فينا ما بذَلْتَ سَماحةً وتَكَرُّمًا وبذَلْتَ ما لم تَبْدُلِ
مع قولِ أبي تمام [من الطويل]:
أَرى الناسَ مِنهاجَ الندى بعدَ ما عَفَتْ مَهايِعُهُ المُثْلى ومحَّتْ لوَاحِبُهْ
ففي كلِّ نَجَدِ في البلاد وغائرٍ مواهبُ ليسَتْ منهُ وهْيَ مَوَاهِبُهْ
وقولُ المتنبي [من البسيط]:
بيضاءُ تُطمِعُ فيما تَحْتَ حُلَّتِها وعزَّ ذلكَ مَطْلوبًا إذا طُلِبا
مع قولِ البحتري [من الكامل]:
تبدو بعَطْفةِ مُطْمِعٍ حتى إذا شُغِلَ الخَلِيُّ ثنَتْ بصَدْفَةِ مُؤْيِسِ
وقولُ المتنبي [من الكامل]:
إذْكارُ مِثْلِكَ تَرْكُ إذكاري لهُ إذْ لا تُريدُ لِمَا أُريدُ مُتَرجِما
مع قولِ أبي تمام [من الخفيف]:
وإذا المَجْدُ كان عَوْني على المَرْ ءِ تَقَاضَيْتهُ بِتَرْكِ التقاضي
وقولُ أبي تمام [من الكامل]:
فنَعِمْتِ من شمسِ إذا حُجبت بَدتْ مِنْ خِدرِها فكأَنها لم تُحْجَبِ
مع قولِ قيس بن الخطيم [من المنسرح]:
قضى لها اللهُ حينَ صَوَّرها (م) الخَالِقُ ألاَّ تُكِنَّها سُدُفُ
وقولُ المتنبي [من الخفيف]:
رامياتٍ بأسْهُمِ ريشُها الهُدْ بُ تشُقُّ القُلوبَ قبلَ الجُلودِ
مع قولِ كُثيرِّ [من الطويل]:
رمتني بسهمٍ ريشُهُ الكُحْلُ لم يجُزْ ظواهرَ جلدي وهْوُ في القلبِ جارحُ
وقولُ بعضِ شعراء الجاهلية ويعْزى إلى لبيد [من الكامل]:
ودَعوتُ رَبي بالسلامةِ جاهِدًا ليُصِحَّني فإذا السَّلامةُ داءُ
مع قولِ أبي العتاهية [من الرجز]:
أسرَع في نقصِ أمرىءٍ تمامُهُ تُدْبرُ في إقبالها أيامهُ
وقولُه [من مجزوء الكامل]:
أقلِلْ زيارتَك الجبيـ ـبَ تكونُ كالثوبِ استجدَّهْ
[ ٤٠٥ ]
إنَّ الصديقَ يُمِلُّهُ أنْ لا يزالَ يَراكَ عندَهْ
مع قولِ أبي تمام [من الطويل]:
وطولُ مُقامِ المرءِ في الحيِّ مُخْلقٌ لديباجَتيْهِ فاغتربْ تَتَجدَّدِ
وقولُ الخريمي [من الطويل]:
زادَ مَعْروفَك عندي عِظَما أَنَّه عندَك محقورُ صَغيرُ
تَتناساهُ كأَنْ لم تَأتِهِ وهُوَ عند الناسِ مشهورٌ كَبيرُ
مع قولِ المتنبي [من المنسرح]:
تَظْنُّ مِن فقْدِكَ اعتدادَهَمُ أَنَّهُم أَنْعَموا وما عَلِموا
وقولُ البحتري [من الوافر]:
ألم تَرَ للنوائبِ كيفَ تَسْمُو إلى أهْلِ النوافلِ والفُضولِ
مع قولِ المتنبي [من البسيط]:
أَفاضلُ الناسِ أَغراضٌ لِذا الزَّمنِ يخْلُو مِن الهَمِّ أَخْلاهُمْ من الفِطَنِ
وقولُ المتنبي [من الطويل]:
تَذَلَّلْ لها واخضَعْ على القربِ والنوى فما عاشِقٌ مَنْ لا يَذِلُّ ويَخْضَعُ
مع قولِ بعض المحدثين [من مجزوء الرمل]:
كُنْ إذا أَخببتَ عَبْدًا للذي تَهوى مُطِيعا
لن تَنالَ الوصْلَ حتى تُلْزِمَ النفسَ الخُضوعا
وقولُ مضرِّس بن رِبْعِيّ [من الطويل]:
لَعمرُكَ إني بالخليلِ الذي لَهُ عليَّ دلالٌ واجبٌ لمُفَجَّعُ
وإنيَ بالمولى الذي ليسَ نافعي ولا ضائري فُقدانُهُ لمُمَتَّعُ
مع قول المتنبي [من الطويل]:
أَمَا تَغْلَطُ الأَيامُ فيَّ بأَنْ أَرى بَغيضًا تُنائي أوْ حَبيبًا تُقرِّبُ؟
وقولُ المتنبي [من البسيط]:
مظلومةُ القَدّ في تشبيهِهِ غُصُنًا مظلومةُ الريقِ في تشبيهِهِ ضَرَبا
مع قولهِ [من الطويل]:
إذ نحنُ شبَّهنْاكَ بالبدْرِ طالعًا بَخَسْناك حَظًّا أنتَ أَبْهى وأَجمَلُ
ونَظْلِمُ إنْ قِسْناك بالليثِ في الوغى لأَِنكَ أحْمى للحريمِ وأَبسَلُ
القسم الثاني
ذكر ما أنتَ ترى فيه في كل واحدٍ من البيتين صنعةً وتصويرًا واستاذيةً على الجملة. فمن ذلك وهو من النادر قول لبيد [من الرمل]:
واكذِبِ النفسَ إذا حدَّثْتَها إنَّ صدْقَ النفسِ يُزري بالأَمَلْ
مع قولِ نافع بنِ لَقيط [من الكامل]:
وإذا صدقتَ النفسَ لم تَتركْ لها أَملاَ ويأمُلُ ما اشتهى المكذوبُ
[ ٤٠٦ ]
وقولُ رجلٍ من الخوارج أُوتِيَ الحجاجَ في جماعة من أصحاب قَطَرِيٍّ فقلتهم، ومنَّ عليه لِيَدٍ كانت عنده؛ وعاد إلى قَطَرِيٍّ فقال له قطريٌ: عاودْ قتال عدوِّ الله الحجاج: فأبى وقال [من الكامل]:
أَأُقاتِل الحجَّاجَ عَنْ سُلْطانه بِيدٍ تُقِرُّ بأَنها مَولاتُهُ
ماذا أقولُ إذا وقفتُ إزاءَهُ في الصفِّ واحتجَّتْ له فَعَلاتُهُ
وتحدَّثَ الأَقوامُ أنَّ صَنائعًا غُرِسَتْ لديّ فَحَنْظَلَتْ نَخلاتُهُ
مع قول أبي تمام [من الطويل]:
أُسَرْبِل هُجْرَ القولِ مَنْ لو هَجَوْتُهُ إذَنْ لَهجَاني عنه معروفُهُ عندي
وقولُ النابغة [من الطويل]:
إذا ما غَدَا بالجيشِ حلَّقَ فَوْقَهُ عَصائِبُ طيرٍ تَهْتَدي بعَصَائبِ
جَوانحُ قد أَيْقَنَّ قَبِيلَهُ إذا ما التقى الصفَّانِ أولُ غالِبِ
مع قولِ أبي نواس [من المديد]:
وإذامجَّ القَنا عَلَقَا وتراءَى الموتُ في صُوَرِهُ
راحَ في ثِنْيَيْ مُفاضَتِهِ أَسَدٌ يَدمى شَبا ظفُرهْ
يتأبْى الطيرُ غُدْوَته ثِقةً بالشِبْع من جَزَرِهُ
المقصود البيتُ الأخير. وحكى المرزباني، قال حدثني عمرو الورَّاقُ: رأيتُ أبا نواس يُنْشد قصيدتَه التي أولها:
أيها المنتابُ من عُفُرِهُ
فحسدْتُه. فلما بلغ إلى قوله:
يتأَبى الطيرُ غدوتَهُ ثقةً بالشِّبْع من جَزَرِهُ
[ ٤٠٧ ]
قلتُ له: ما تركتَ للنابغة شيئًا حيث يقولُ: "إذا ما غدَا بالجيش: البيتين - فقال: اسكُتْ! فلئن كان سَبَقَ فما أسأْتُ الاتِّباعَ". وهذا الكلامُ من أبي نواس دليلٌ بيِّنٌ في أنَّ المعنى يُنْقَل من صورة إلى صورة؛ ذاك لأنه لو كان لا يكونُ قد صنَعَ بالمعنى شيئًا، لكان قوله: "فما أسأتُ الاتِّباع": مُحالًا، لأنه على كل حالٍ لم يَتْبَعْه في اللفظ. ثم إنَّ الأَمر ظاهرٌ لِمَن نظَر في أنه قد نَقَل المعنى عن صورته التي هو عليها، في شعر النابغة، إلى صورة أُخرى، وذلك أنَّ هاهنا معنيَيْنِ أحدُهما أصْلٌ، وهو عِلْمُ الطير بأنَّ الممدوحَ إذا غزا عَدُوًّا كان الظفَرُ له وكان هو الغالبَ، والآخرُ فرْعٌ، وهو طمَعُ الطيرِ في أن تتَّسع عليها المطاعِمُ من لْحومِ القتلى. وقد عَمَد النابغةُ إلى الأَصْل الذي هو علْمُ الطير بِأنَّ الممدوحَ يكونُ الغالبَ، فذَكَره صريحًا وكشَفَ عنه وجهه، واعتمَدَ في الفرع الذي هو طمَعُها في لحوم القتلى، وأَنها لذلك تُحَلِّقُ فوقه، على دلالةِ الفَحْوى. وعكَسَ أبو نواس القصَّة، فذكَر الفرْعَ الذي هو طمَعُها في لحوم القتلى صريحًا، فقال كما ترى:
ثقة بالشِّبْعِ من جزرهُ
وعوَّلَ في الأَصْل الذي هو علْمُها بأن الظَّفرَ يكون للممدوح، على الفحوى؛ ودلالةُ الفحوى على عِلْمِها أن الظفر يكون للممدوح، هي في أَنْ قال "من جزره". وهي لا تثق بأنَّ شِبَعَها يكون من جَزَر الممدوح، حتى تعلم أَنَّ الظَّفر يكونُ له، أفيكونُ شيءٌ أظهرَ من هذا في النقل عن صورة إلى صورة؟
الموازنة بين الشعرين، الإجادة فيهما من الجانبين
أرجِعُ إلى النَّسق. ومن ذلك قول أبي العتاهية [من الخفيف]:
شِيمٌ فَتَّحَتْ من المدْحِ ما قَدْ كانَ مُسْتَغلَقًا على المُدَّاحِ
مع قولِ أبي تمام [من الكامل]:
نظمتْ له خرَز المديحِ مَواهِبٌ يَنْفُثْنَ في عُقد اللسانِ المفْحَمِ
وقولُ أبي وجزة [من الوافر]:
أتاكَ المَجْدُ منْ هَنَّا وهَنَّا وكنتَ له كمجتَمَعِ السُّيولِ
مع قولِ منصور النمري [من البسيط]:
إنَّ المكارِمَ والمعروفَ أَوديةٌ أَحلَّكَ اللهُ منها حيثُ تَجْتمِعُ
وقولُ بشار [من البسيط]:
[ ٤٠٨ ]
الشيب كُرْهٌ وكُرْهٌ أن يُفارِقَني أَعْجِبْ بشيءٍ على البغضاءِ مَوْدودِ
مع قولِ البحتري [من الوافر]:
تَعيبُ الغانياتُ عليَّ شَيْبي ومَنْ لي أَنْ أُمَتَّعَ المعِيبِ؟
وقولُ أبي تمام [من المنسرح]:
يشتاقُهُ مِنْ كمَالِهِ غدُهُ ويُكْثِرُ الوَجْدَ نحوهُ الأمسُ
مع قولِ ابن الرومي [من الطويل]:
إمامٌ يَظَلُّ الأمسُ يُعمِلُ نَحْوهُ تَلَفُّتَ ملْهوفٍ ويَشْتاقُهُ الغَدُ
لا تنظرْ إلى أنه قال: "يشتاقُه الغَدُ". فأعادَ لفظ أبي تمام، ولكن انْظُرْ إلى قوله: "يعمل نحوه تلفتَ ملهوفٍ".
وقولُ أبي تمام [من الطويل]:
لئنْ ذَمَّتِ الأعداءُ سوءَ صَباحِها فليس يؤدِّي شُكْرَها الذئبُ والنَّسرُ
مع قول المتنبي [من المتقارب]:
وأثْبَتَّ مِنْهُمْ ربيعَ السِّباعِ فأَثْنَتْ بإحسانِكَ الشاملِ
وقولُ أبي تمام [من البسيط]:
ورب نائي المغاني رُوحُهُ أبدًا لَصِيقُ رُوحي وَدانٍ ليس بالداني
مع قولِ المتنبي [من الوافر]:
لنا ولأَهْلِهِ أبدًا قُلوبٌ تلاَقى في جسومٍ ما تَلاقى
وقولُ أبي هِفَّان [من الرمل]:
أصبحَ الدهرُ مُسيئًا كلُّهُ مالَهُ إلاَّ ابنَ يَحْيى حَسنَهْ
مع قولِ المتنبي [من الطويل]:
أزالتْ بِكَ الأيامُ عَتْبي كأنما بَنُوها لَها ذَنْبٌ وأنتَ لها عذْرُ
وقولُ علي بن جبلة [من الكامل]:
وأَرى الليالي ما طوَتْ مِنْ قُوَّتي رَدَّته في عِظتي وفي أفهامي
مع قولِ ابن المعتز [من المتقارب]:
وما يُنتقَصْ من شَبابِ الرِّجال يَزِدْ في نُهاها وألبَابِها
وقولُ بكر بن النطاح [من الطويل]:
ولوْ لم يكنْ في كفّه غيرُ روحِهِ لجَاد بِها فلْيتَّقِ اللهَ سائِلُهْ
مع قول المتنبي [من المنسرح]:
إِنكَ مِنْ مَعْشَرٍ إذا وَهَبوا ما دُونَ أَعمارِهِمْ فَقد بَخِلُوا
وقولُ البحتري [من الطويل]:
وَمَنْ ذَا يَلُومُ البْحرَ إنْ باتَ زاخِرًا بفيضِ وصوبَ المزْنِ إن راحَ يَهْطِلُ
مع قولِ المتنبي [من البسيط]:
وما ثَناكَ كلامُ الناسِ عَنْ كَرَمٍ ومَنْ يَسدُّ طريقَ العارضِ الهَطِلِ
وقولُ الكندي [من الكامل]:
[ ٤٠٩ ]
عَزُّوا وعَزَّ بِعزِّهمْ مَنْ جَاوَرُوا فهُمُ الذُّرى وجَماجِمُ الهاماتِ
إنْ يَطلبُوا بِتِراتِهِمْ يُعطَوا بها أو يُطلَبوا لا يُدْرَكوا بتِراتِ
مع قول المتنبي [من الطويل]:
تُفيتُ الليالي كلَّ شيءٍ أخذْتَه وهنَّ لِمَا يأْخُذْنَ منِكَ غَوارِمُ
وقولُ أبي تمام [من الطويل]:
إذا سَيْفُه أضْحَى على الهامِ حاكِمًا غدا العَفْوُ منهُ وهْوَ في السيفِ حاكِمُ
مع قولِ المتنبي [من الطويل]:
لهُ مِنْ كريم الطَّبْع في الحرْبِ مُنْتَضٍ ومِن عادةِ الإحسانِ والصَّفْحِ غامِدُ
فانظرْ الآنَ مَنْ نَفَى الغفْلةَ عن نفسِه، فإنكَ ترَى عِيانًا أنَّ لِلْمعنى في كلِّ واحدٍ من البيتين، من جميع ذلكَ، صورةً وصفةً غيرَ صورتِه وصِفَتِه في البيتِ الآخَر، وأنَّ العلماءَ لم يُريدوا حيثُ قالوا: إنَّ المعنى في هذا هو المعنى في ذاك: أنَّ الذي تَعقَّل مِنْ هذا، لا يُخالِف الذي تعقَّل مِن ذاك؛ وأنَّ المعنى عائدٌ عليكَ في البيت الثاني على هيئَتهِ وصِفَتهِ التي كان عليها في البيت الأول: وأنْ لا فرْقَ ولا فصْلَ ولا تبايُنَ بوجهٍ من الوجوه؛ وإنَّ حكْم البيتينِ مثَلًا حكْمُ الاسمينِ قد وُضِعا في اللغة لشيءٍ واحد، كالليثِ والأَسد. ولكنْ قالوا ذلك على حَسَبِ ما يقوله العُقَلاء في الشيئينِ يَجْمَعهما جنسٌ واحدٌ ثم يفترقانِ بخواصَّ ومَزايا وصفاتٍ كالخاتمَم والخاتَم، والشَّنْف والشَّنْف، والسِّوارِ والسوار، وسائرِ أصنافِ الحِلَى التي يَجْمعها جنسٌ واحدٌ، ثم يكونُ بينها الاختلافُ الشديدُ في الصَّنْعة والعَمَل. ومَنْ هذا الذي يَنظُر إلى بيتِ الخارجِي، وبيتِ أبي تمام، فلا يَعْلَمُ أنَّ صورةَ المعنى في ذلك، غيرُ صورتِه في هذا، كيفَ والخارجيُّ يقول: (واحتجَّتْ له فَعْلاتُه). ويقولُ أبو تمام:
إذن لهجاني عنه معروفه عندي
ومتى كان "احتج" و"هجا" واحدًا في المعنى؟ وكذلك الحكْمُ في جميع ما ذكرْناه: فليس يُتَصوَّرُ في نفس عاقلِ أن يكونَ قولُ البحتري [من الكامل]:
وأَحَبُّ آفاقِ البلادِ إلى الفتى أرضٌ يَنالُ بها كريمَ المطلبِ
وقولُ المتنبي [من الطويل]
وكلُّ مكانٍ يُنبِتُ العزَّ طيِّبُ
سواءً.
[ ٤١٠ ]
واعلمْ أنَّ قولَنا (الصورةُ) إنما هو تمثيلٌ وقياسٌ لِمَا نَعْلمه بعقلونا على الذي نرَاه بأبصارنا؛ فلما رأَينْا البَيْنونة بين آحاد الأجناسِ تكونُ مِنْ جِهةَ الصورةِ، فكان بين إنسانٍ من أنسانٍ وفرَسٍ من فرسٍ بخصوصيةٍ تكونُ في صورةِ هذا لا تكون في صورة ذلك. وكذلك كانَ الأمرُ في المصنوعات: فكان بين خاتَمٍ من خاتمٍ، وسِوَارٍ من سِوَارٍ بذلك. ثم وجَدْنا بين المعنى في أحد البيتين وبينه في الآخر بينونةً في عقولِنا وفَرْقًا عَبَّرْنا عن ذلك الفرقِ وتلكَ البينونةِ بأَنْ قلْنا: لِلمعنى فيِ هذا صورةٌ غيرُ صورتهِ في ذلك: وليس العبارةُ عن ذلك بالصورةِ شيئًا نحن ابتدأناه، فيُنْكِرَهُ مُنْكِرٌ، بل هو مُستعمَلُ مشهورٌ في كلام العلماءِ، ويكفيك قولُ الجاحظ: وإنما الشعر صناعة وضرب من التصوير!
واعلمْ أنه لو كان المعنى في أَحدِ البيتين يكونُ على هيئتِه وصِفَته في البيت الآخَر، وكان التالي من الشاعرين يَجيئُك به مُعَادًا على وجهه، لم يُحدِثْ فيه شيئًا ولم يُغيِّر له صِفةً، لكان قولُ العلماء في شاعر: إنه أَخَذَ المعنى من صاحبه فأحْسَنَ وأجاد: وفي آخَرَ: إنه أسَاءَ وقصَّر: لغوًْا من القولِ من حيثُ كان مُحالًا أن يُحْسِنَ أو يسيءَ في شيءٍ لا يَصْنع به شيئًا. وكذلك كان يكونُ جَعْلُهم البيتَ نظيرًا للبيتِ ومناسِبًا له، خطأً منهم، لأنه مُحال أن يُناسِبَ الشيءُ نفسَه وأن يكون نَظيرًا لنفسه. وأمرٌ ثالث وهو أنهم يقولون في واحد: إنه أخَذ المعْنى فظَهَرَ أَخْذُه: وفي آخر: إنه أَخذَه فأخفى أخْذَه. ولو كان المعنى يكونُ مُعادًا على صورته وهيئته وكان الأَخْذ له من صاحِبه لا يَصْنع شيئًا غيرَ أن يُبدِّل لفظًا مكانِ لفظٍ، لكان الإخفاءُ فيه مُحالًا لأن اللفظ لا يُخْفى المعنى وإنما يُخْفيه إخراجُه في صورةٍ غيرِ التي كان عليها. مثالُ ذلك: إن القاضي أبا الحسن ذكَر فيما ذكرَ فيه تناسُبَ المعاني، بيتَ أب نواس [من المديد]،
خُلِّيَتْ والحُسْنَ تَأخذُهُ تَنْتقي منهُ وتَنْتخِبُ
وبيتَ عبدالله بنِ مُصعب [من الوافر]:
كأنك جئت محتكمًا عليهم تَخيَّرُ في الأبوَّةِ ما تشاءُ
[ ٤١١ ]
وذكَر أنهما معًا مِن بيت بشار [من الطويل]:
خُلِقتُ على ما فيَّ غيرَ مُخَيَّرٍ هوايَ ولو خُيِّرْتُ كنتُ المهذَّبا
والأمرُ في تناسب هذه الثلاثةِ ظاهرٌ. ثم إنه ذكَرَ أنَّ أبا تمام قد تناولَه فأخفاه وقال [من الوافر]:
فلو صوَّرْتَ نفسَك لم تَزِدْها على ما فيكَ من كَرمِ الطِّباعِ
ومن العجَب في ذلك ما تراه إذا أنتَ تأملْتَ قولَ أبي العتاهية [من الكامل]:
جُزِيَ البخيلُ عليَّ صالِحةً عنِّي لِخفَّتهِ على ظَهْري
أعلى وأَكْرمَ عن يديه يدي فَعلَتْ ونزَّه قدْرُه قدْري
وُرزِقتُ مِن جَدْواهُ عافيةً أنْ لا يَضيقَ بشكْرهِ صَدْري
وغَنِيتُ خِلْوًا من تَفضُّلِهِ أحْنُو عليه بأحْسَنِ العُذْرِ
ما فاتَني خيرُ امرىءٍ وَضَعتْ عني يَداهُ مؤونةَ الشكْرِ
ثم نظرتَ إلى قولِ الذي يقولُ [من المنسرح]:
أعتقَني سوءُ ما صنعْتَ من الرِّ (م) قِّ فيابَرْدَها على كَبدي
فصِرتُ عبْدًا للسوء فيكِ وما أَحْسَنَ سُوءٌ قَبْلي إلى أَحَدِ
ومما هو في غاية النُّدرة من هذا الباب، ما صنَعه الجاحظُ بقول نصَيبٍ [من الطويل]:
ولو سكتوا أثنتْ عليكَ الحقائبُ
حين نثرَه فقال وكتبَ به إلى ابن الزيات: نحنُ، أَعزك اللهُ، نَسْحَرُ بالبيان، ونُموِّه بالقول، والناسُ ينظرون إلى الحال، ويقْضُونَ بالعِيان، فأَثِّرْ في أَمرنا أَثرًا ينطِقُ إذا سكَتْنا، فإنَّ المدَّعي بغير بيِّنةٍ متعرِّض للتكذيب.
وصف الشعر والإدلال به
وهذه جملة منْ وَصْفهم الشعرَ وعملِه وإدلالهِمْ بهِ.
أبو حيَّة النّمَيْري [من الكامل]:
إنَّ القصائدَ قد عَلِمْنَ بأنني صنَعُ اللسانِ بهن لا أَتَنحَّلُ
وإذا ابتدأتُ عروضَ نسج ريِّضٍ جعلَتْ تَذِلُّ لِمَا أُريد وتَسْهُلُ
حتى تُطاوِعَني ولو يَرْتاضُها غَيْري لحاوَلَ صَعْبةً لا تُقْبَلُ
تميم بن مقبل [من الطويل]:
إذا مُتُّ عن ذكْر القوافي فلن ترى لها قائلًا بَعْدي أَطبَّ وأشْعَرا
وأكثرَ بيتًا سائرًا ضُرِبَتْ له حُزونُ جبالِ الشعرِ حتى تَيَسَّرا
أغرَّ غريبًا يَمْسَحُ الناسُ وجْهَهُ كما تَمْسَحُ الأيدي الأَغَرَّ المُشَهَّرا
عدي بن الرِّقاع [من الكامل]:
[ ٤١٢ ]
وقصيدةِ قد بِتُّ أجْمَعُ بَينها حتى أُقوِّمَ ميلَها وسِنادَها
نظرَ المُثَقِّفُ في كعوبِ قنَاتِهِ حتى يُقيمَ ثِقَافهُ مُنْآدَها
كعب بن زهير [من لطويل]:
فَمَنْ للقوافي شَانَها مَن يَحُوكُها إذا ما تَوى كَعْبٌ وفوَّزَ جَرْوَلُ
يُقَوِّمُها حتى تَلِينَ مُتُونُها فَيقْصُرُ عنها كلُّ ما يُتَمثَّلُ
بشار [من الطويل]:
عَمِيتُ جَنِينًا والذكاءُ مِنَ العَمَى فجئتُ عجيبَ الظَّنِّ لِلْعِلْم مَوئِلا
وغاضَ ضياءُ العين لِلْعِلْم رافدًا لِقَلْبٍ إذا ما ضَيِّع الناسُ حَصِّلا
وشعر كنَورِ الروْضِ لاءمْتُ بَيْنَهُ بقولٍ إذا ما أحزنَ الشعرُ أَسْهَلا
وله [من المنسرح]:
زَوْرُ ملوكٍ عليه أُبَّهةٌ يُغرَفُ مِن شِعْره ومن خُطَبِهُ
للهِ ما راحَ في جوانحِهِ مِن لؤلؤٍ لا يُنَامُ عن طَلَبهْ
يَخرجُ مِن فيهِ للنديِّ كما يَخْرجُ ضوءُ النهارِ من لَهَبِهْ
أبو شريح العمير [من الوافر]:
فإنْ أَهلِكْ فقد أَبقَيْتُ بَعْدي قوافيَ تُعْجِبُ المتمثِّلينا
لَذِيذاتِ المَقَاطعِ محْكَماتٍ لوَ أنَّ الشِّعْرَ يُلبَسُ لارتُدِينا
الفرزدق [من الوافر]:
بَلغْنَ الشمسَ حين تكون شَرْقا ومسقَطَ قَرنِها من حيثُ غابا
بِكلِّ ثنِيَّةٍ وبكلِّ ثَغرٍ غرائبهُنَّ تَنتَسِبُ انْتِسابا
ابن ميادة [من الطويل]:
فَجَرْنا ينابيعَ الكَلامِ وبَحْرَهُ فأصْبَحَ فيه ذو الروايةِ يَسْبَحُ
وما الشعرُ إلا شعرُ قيسٍ وخِنْدِفٍ وشِعْرُ سواهُمْ كُلْفَةٌ وتَملُّحُ
وقال عقالُ بن هشام القَيْنيّ يرَدُّ عليه [من الطويل]:
ألاَ بلّغِ الرَّمَّاحَ نقضَ مقالةٍ بها خَطِل الرَّمَّاحُ أوكان يَمْزَحُ
لقد خَرَّقَ الحيُّ اليمانون قَبْلَهم بُحورَ الكلام تُسْتقَى وهي طفَّحُ
وهم عَلَّموا مَنْ بَعْدَهُمْ فتعلَّموا وهم أَعْرَبوا هذا الكَلامَ وأَوْضَحوا
فلِلسَّابقينَ الفضْلُ لا تَجْحدونه وليس لِمَسْبوقٍ عليهمْ تَبَجُّحُ
أبو تمام [من الطويل]:
كَشَفْتُ قِناعَ الشّعرِ عن حُرِّ وجْهِهِ وطيَّرتُه عن وَكْرهِ وهو واقِعُ
[ ٤١٣ ]
بِغُرِّ يَراها مَن يَراها بَسمْعِه ويدنو إليها ذو الحِجى وهو شاسِعُ
يَودُّ ودادًا أنَّ أَعضاءَ جِسْمِهِ إذا أُنشِدَتْ شوقًا إليها مَسامِعُ
وله [من الكامل]:
حذّاءَ تَملأُ كلَّ أُذْنٍ حكْمةً وبَلاغةً وتُدِرُّ كلُّ وريدِ
كالدرِّ والمرجانِ أُلّف نَظْمُهُ بالشَّذْر في عُنُقِ الفتاةِ الرُّود
كَشقَيقةِ الُبْردِ الْمُنَمنمِ وَشْبُهُ في أرضِ مَهرةَ أو بلادِ تَزِيد
يُعطَى بها البُشرى الكريمُ ويَرْتدي بردِائها في المحفِلِ المَشْهودِ
بُشْرَى الغَنيِّ أَبي البَنَاتِ تتعابَعتْ بُشَرَاؤهُ بالفارسِ المولودِ
وله [من الطويل]:
جاءتْكَ من نَظْمِ اللسانِ قِلاَدَةٌ سِمْطانِ فيها اللؤلؤُ والمكنونُ
أَخْذاكها صَنَعُ الضميرِ يَمُدُّهُ جَفْرٌ إذاك نَضَبَ الكلامُ مَعِين
أخذ لفْظَ "الصَّنَع" من قولِ أَبي حية [من الكامل]:
بأنني صنَعُ اللسانِ بهنَّ لا أتنحل
ونقله إلى الضمير وقد جعل حسَّانُ أيضًا اللسانَ صنَعًا، وذلك في قوله [من البسيط]:
أَهْدَى لهم مِدَحًا قَلبٌ مُؤازِرُهُ فيما أحبَّ لسَانٌ حائكٌ صنَعُ
ولأبي تمام [من الطويل]:
إليكَ أرَحْنا عازِبَ الشِّعرِ بَعْدَما تمهَّل في روضِ المعاني العجَائِبِ
غرائبُ لاقتْ في فنائكَ أُنسَها مِن المَجْدِ فَهْيَ الآنَ غيرُ غَرائبِ
ولو كان يفنَى الشعرُ أفناهُ ما قَرَتْ حياضُكَ منه في السنين الذواهب
ولكنه صَوْبُ العقولِ إذا انْجَلَتْ سحائبُ منه أُعْقِبَتْ بِسَحَائِبِ
البحتري [من الطويل]:
ألستُ المُوالِي فيكَ نَظْمَ قصائدٍ هي الأنجُم اقْتَادَتْ مع الليلِ أَنْجُمَا
ثناءٌ كأَنَّ الروضَ منهُ مُنوِّرا ضُحَى وكأَنَّ الوشْيَ منهُ منَمْنما
وله [من البسيط]:
أحْسِنْ "أَبا حَسَنٍ" بالشعرِ إذْ جَعلَتْ عليكَ أنجمُهُ بالمدحِ تنتشرُ
فقد أتتكَ القوافي غِبَّ فائدةِ كما تَفَتَّحَ غِبَّ الوابلِ الزَّهرُ
وله [من الطويل]:
إليك القوافي نازعاتٌ قواصِدُ يُسَيَّرُ ضاحي وَشْيها ويُنَمْنَمُ
ومُشْرِقَةٌ في النظْمِ غُرٍّ يَزِينُها بهاءً وحُسْنَا أنها لكَ تُنَظَمُ
وله [من الطويل]:
[ ٤١٤ ]
بمنقوشةٍ نقْشَ الدنانيرِ يُنْتقى لها اللفظُ مختارًا كما يُنْتقى التِّبْرُ
وله [من الطويل]:
أيذهَبُ هذا الدهرُ لم يُرَ مَوْضِعي ولم يُدْرَ ما مِقدارُ حَلّي ولا عَقْدِي
ويَكْسِدُ مثلي وهْوَ تاجرُ سؤددٍ يَبيعُ ثميناتِ المكارِمِ والمَجْدِ
سوائرُ شِعرٍ جامعٍ بِدَدَ العُلى تعلَّقنَ من قَبلي وأتعبْنَ مَن بَعْدي
يقدِّرُ فيها صانعٌ مُتعمِّلٌ لأحكامِها تقديرَ "داودَ" في السَّرْدِ
وله [من الكامل]:
للهِ يَسهرُ في مديحِكَ ليلَهُ مُتَمَلْمِلًا، وتَنامُ دونَ ثَوابِهِ
يَقْظانَ يَنْتحِلُ الكلامَ كأنهُ جيشٌ لديهِ يُريدُ أَنْ يَلْقَى بِهِ
فأتى بهِ كالسيفِ رَقَرَقَ صَيْقَلٌ ما بَيْنَ قائمٍ سِنْخِهِ وذُبابِهِ
ومن نادر وصفه للبلاغة قوله [من الخفيف]:
في نظامٍ من البلاغةِ ما شَكَّ (م) أمْرُؤٌ أنه نظامُ فَريدِ
وبَديعٍ كأنه الزَّهَرُ الضاحكُ (م) في رَوْنَقِ الربيعِ الجَديدِ
مُشْرِقٌ في جوانب السمع ما يُخْـ ـلِقُهُ عَوْدُهُ على المُسْتَعيدِ
حُجَجٌ تُخْرِسُ الألدَّ بألفا ظِ فُرادى كالجوهرِ المعْدودِ
ومَعانٍ لو فصَّلَتْها القوافي هجَّنَتْ شعر "جَروَلٍ" و"لَبيدِ"
حُزْنَ مستعمَلَ الكلام اختيارًا وتجَنَّيْنَ ظلمةَ التعقيدِ
وركبن اللفظ القريبَ فأَدْرَكْـ ـنَ بهِ غايةَ المرادِ البَعيدِ
كالعَذارَى غَدَوْنَ في الحُلَلِ الصُّفْـ ـرِ إِذا رُحْنَ في الخطوط السودِ
[ ٤١٥ ]
الغرضُ من كَتْبِ هذه الأبياتِ، الاستظهارُ حتى إنْ حَمَل حاملٌ نَفْسَه على الغَرَرِ والتقحُّم على غيرِ بصيرةٍ، فَزَعَمَ أنَّ الإعجازَ في مذاقةِ الحروف، وفي سلامَتِها مما يَثقُل على اللسان، علِمَ بالنظر فيها، فَسادَ ظنِّه وقبْحَ غَلَطِه، من حيثُ يَرى عيانًا أنْ ليس كلامُهم كلامَ مَن خَطَرَ ذلك منهُ بِبالٍ، ولا صفاتُهم صفاتٍ تَصْلُحُ له على حالٍ، إذْ لا يَخْفَى على عاقلٍ أنْ لم يكُنْ ضربُ تميمٍ لحُزونِ جبالِ الشعر لأن تسْلَم ألفاظُه من حروفٍ تثقُل على اللسان، ولا كان تقويمُ عَدِيِّ لِشعرِه، ولا تشبيهُهُ نظرَه فيه بنَظَر المثقِّفِ في كُعوبِ قناتِهِ لذلك، وأنه مُحالٌ أنْ يكون له جعلَ بشار نورَ العينِ قد غاضَ فصار إلى قلبه، وأنْ يكون اللؤلؤُ الذي كان لا ينامُ عن طلبهِ، وأنْ ليس هو صَوْبَ العقولِ الذي إذا انجلَتْ سحائبُ منه أعقبتْ بسحائب، وأن ليس هو الدرَّ والمرجانَ مؤلَّفًا بالشذْرِ في العَقْد، ولا الذي له كان البحتريُّ مقدِّرًا تقديرَ داودَ في السرد. كيف وهذه كلُّها عباراتٌ عما يدرَكُ بالعقل ويستنبطُ بالفكر، وليس الفكرُ الطريقَ إلى تمييزِ ما يَثْقُلُ على اللسان مما لا يَثْقُل، إنما الطريقُ إلى ذلك الحسُّ.
ولولا أنَّ البلوى قد عظُمَتْ بهذا الرأي الفاسدِ وأنَّ الذين استهلكوا فيه قد صاروا من فرْطِ شغَفهم به يُصْغون إلى كلّ شيء يَسْمعونه، حتى لو أن إنسانًا قال: (باقِلَّى حار): يُريهم أنه يُريد نُصرة مذهبهم، لأقْبلوا بأوجُههِم عليه، فأَلْقوا أسماعَهم إليه، لكان اطَّراحُه وترْكُ الاشتغالِ به أصْوبَ، لأنه قولٌ لا يتصلُ منه جانبٌ بالصواب البتة.
[ ٤١٦ ]
ذلك لأنه أولُ شيء يؤدِّي إلى أن يكون القرآنُ مُعْجِزًا، لا بما به كان قرآنًا وكلامَ اللهِ ﷿، لأنه على كل حال إنما كان قرآنًا وكلامَ اللهِ ﷿: بالنظْمِ الذي هو عليه. ومعلومٌ أن ليس النظْمُ مِن مذاقة الحروفِ وسلامَتِها مما يَثْقلُ على اللسان في شيء. ثم إنه اتفاقٌ من العقلاء أنَّ الوصْفَ الذي به تناهى القرآن إلى حدٍّ عجزَ عنه المَخلُوقونَ هو الفصاحةُ والبلاغةُ. وما رأيْنا عاقلًا جعلَ القرآن فصيحًا أو بليغًا بأنْ لا يكونَ في حروفِه ما يَثْقُل على اللسان، لأنه لو كان يَصِحُّ ذلك، لكان يَجبُ أن يكونَ السوقيُّ الساقِطُ من الكلامِ والسَّفسَافُ الرديء من الشعر، فصيحًا إذا خفَّت حروفُه، وأعْجَبُ من هذا أَنه يَلْزمُ منه أنه لو عَمَد عامِدٌ إلى حرَكاتِ الإعراب فجعَل مكانَ كلِّ ضَمَّةٍ وكَسْرةٍ فتحةً فقال: الحمدَ للهَ (بفتح الدالِ واللام والهاءِ) وجرَى على هذا في القرآن كلِّه أنْ لا يَسْلُبَه ذلك الوصفَ الذي هو معْجِزٌ به بل كان يَنْبغي أن يزيد فيه لأنَّ الفتحة - كما لا يَخْفَى - أخفُّ من كل واحدةٍ من الضَّمةِ والكَسْرة، فإن قال إنَّ ذلك يُحيل المعنى، قيلَ له: إذا كان المعنى والعلةُ في كونهِ معجزًا، خفةَ اللفظِ وسهولَتَه، فينبغي أنْ يكونَ مع إحالةِ المعنى مُعْجِزًا، لأنه إذا كان معجزَ الوصف يخصُّ لفظَه دون معناهُ، كان مُحالًا أن يَخْرجَ عن كونه معجِزًا مع قيام ذلك الوصفِ فيه.
[ ٤١٧ ]
ودعْ هذا وهَبْ أنه لا يَلزَمُ شيءٌ منه؛ فإنه يكْفي في الدلالةِ على سقوطهِ وقلَّةِ تمييز القائل به، أنه يَقْتضي إسقاطُ الكنايةِ والاستعارةِ والتمثيلِ والمجازِ والإيجازِ جملةٌ، واطِّراحُ جميعها رأسًا، مع أنها الأقطابُ التي تَدورُ البلاغةُ عليها، والأعضادُ التي تَسْتَنِدُ الفصاحةُ إليها، والطَّلِبةُ التي يتنازَعُها المُحْسِنونَ، والرِّهانُ الذي تُجرَّبُ فيه الجيادُ، والنضالُ الذي تُعْرَفُ به الأيدي الشِّدَادُ، وهي التي نَوَّهَ بذكْرِها البلغاءُ، ورفَعَ من أقدارِها العلماءُ وصنَّفوا فيها الكُتُبَ، ووكَّلوا بها الهِمَمَ، وصرَفوا إليها الخواطِرَ، حتى صارَ الكلامُ فيها نوعًا من العِلْم مفْرَدًا، وصناعةً على حدة، ولم يَتَعاطَ أحَدٌ من الناس القولَ في الإعجازِ إلاَّ ذكَرَها وجعَلَها العُمُدَ والأركانَ فيما يُوجِبُ الفضْلَ والمزيَّةَ، وخصوصًا الاستعارةَ والإيجاز، فإنك تَراهُمْ يجعلونَهُما عنوانَ ما يَذكُرونَ وأولَ ما يُورِدون. وتَراهُم يَذْكرون من الاستعارةِ قولَه ﷿: ﴿واشتعل الرأس شَيْبًا﴾ [مريم: ٤] وقولَه: ﴿وَأُشْرِبُواْ فِي قُلُوبِهِمُ العجل﴾ [البقرة: ٩٣] وقوله ﷿ ﴿وَآيَةٌ لَّهُمُ الليل نَسْلَخُ مِنْهُ النهار﴾ [يس: ٣٧] وقوله ﷿ ﴿فاصدع بِمَا تُؤْمَرُ﴾ [الحجر: ٩٤] وقولَه ﴿فَلَمَّا استيأسوا مِنْهُ خَلَصُواْ نَجِيًّا﴾ [يوسف: ٨٠] وقولَه تعالى: ﴿حتى تَضَعَ الحرب أَوْزَارَهَا﴾ [محمد: ٤] وقولَه ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِّجَارَتُهُمْ﴾ [البقرة: ١٦]، ومن الإيجازِ قولَه تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فانبذ إِلَيْهِمْ على سَوَآءٍ﴾ [الأنفال: ٥٨]، وقولَه تعالى: ﴿وَلاَ يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر: ١٤] وقوله: ﴿فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ﴾ [الأنفال: ٥٧] تراهم على لسان واحدٍ في أنَّ المجازَ والإيجاز، من الأركان في أمْر الإعجاز.
[ ٤١٨ ]
وإذا كان الأمرُ كذلك عند كافَّةِ العلماءِ الذينَ تكلَّموا في المزايا التي للقرآن، فينبغي أن يُنْظَر في أمْر الذي يُسَلَّمُ نفسَه إلى الغرور فَيزعُم أنَّ الوصفَ الذي كان له القرآنُ معجزًا، وهو سلامةُ حروفِه مما يَثْقُلُ على اللسان. أيصِحُّ له القولُ بذلك إلاَّ من بَعْد أنْ يدَّعي الغَلطَ على العقلاء قاطبةً فيما قالوه، والخطأ فيما أجْمعوا عليه؟ وإذا نظَرْنا وجْدَناه لا يَصِحُّ له ذلك إلاَّ بأن يَقْتَحِمَ هذه الجهالةَ، اللهُمَّ إلاَّ أنْ يَخْرُجَ إلى الضُّكْحةِ فيَزعُمَ مَثلًا أنَّ من شأن الاستعارةِ والإيجازِ، إذا دَخلا الكَلامَ، أنْ يَحْدُثَ بهما في حروفه خِفَّةٌ، ويتجَّدَ فيها سهولةٌ، ونسألُ الله تعالى العِصْمَةَ والتوفيق!.
واعلمْ أنَّا لا نأبى أن تكونَ مذاقةُ الحروفِ وسلامتُها مما يَثْقُل على اللسان، داخِلًا فيما يُوجِبُ الفضيلةَ، وأنْ تكونَ مما يُؤكِّدُ أمرَ الإعجاز، وإنما الذي تُنكِرُه ونُفَيِّلُ رأي مَنْ يَذْهَبُ إليه، أن يَجْعَلَه معجِزًا به وَحْدَه ويَجعلَه الأصْلَ والعُمْدةَ فيَخرجَ إلى ما ذكَرْنا من الشَّناعات.
[ ٤١٩ ]
ثم إنَّ العجَبَ كلَّ العجَبِ، ممَّنْ يَجعَلُ كلَّ الفضيلةِ في شيءٍ هو إذا انْفَرَد لم يَجِبْ به فضْلٌ البتَّةَ، ولم يَدْخُل في اعتدادٍ بحالٍ، وذلك أنه لا يَخْفى على عاقلٍ أنه لا يكونُ بسهولةِ الألفاظِ وسلامَتِها مما يثْقُل على اللسانِ، اعتدادٌ، حتى يكونَ قد أُلِّفَ منها كلامٌ، ثم كان ذلك الكلامُ صحيحًا في نَظْمه والغرضِ الذي أُريدَ به، وأنه لو عَمد عامدٌ إلى ألفاظٍ فجَمعها مِن غير أن يُراعيَ فيها معنىً ويُؤلِّف منها كلامًا، لم ترَ عاقلًا يعتدُّ السهولةَ فيما فضيلةً، لأنَّ الألفاظَ لا تُرادُ لأنفسها وإنما تُرادُ لتُجعَلَ أدلَّةَ على المعاني؛ فإذا عَدِمَتِ الذي لهُ تُرادُ أو اختَلَّ أمرُها فيه، لم يُعْتَدَّ بالأوصافِ التي تكون في أنفُسها عليها، وكانت السهولةُ وغيرُ السهولةِ فيها واحدًا، ومن هاهنا رأيتَ العلماء يَذمُّون مضنْ يَحْمِلُه تَطَلُّبُ السجعِ والتجنيسِ على أن يَضُمَّ لهما المعنى ويُدخِلَ الخلَلَ عليه مِن أجْلِهما، وعلى أَنْ يتعسَّف في الاستعارة بسَبَبهما، ويَرْكَبَ الوعورةَ، ويسلُكُ المسالِكَ المجهولةَ، كالذي صنَع أبو تمام في قوله [من البسيط]:
سيفُ الإمام الذي سمَّتْهُ هَيْبَتُهُ لمَّا تَخَرَّم أهلَ الأرضِ مخْترِما
قَرَّت بِقُرَّانَ عينُ الدينِ وانشترَتْ بالأشْتَرَيْنِ عيونُ الشِّرْكِ فاصطُلما
وقوله [من الكامل]:
ذهبَتْ بمَذْهَبهِ السماحةُ والْتَوَتْ فيه الظنونُ أمَذهَبُ أم مُذْهَبُ
ويَصْنعه المتكلفونَ في الأسجاعِ، وذلك أنه لا يُتصوَّر أن يَجِبَ بهما ومن حيثُ هما فضلٌ، ويقعَ بهما، مع الخُلوِّ من المعنى، اعتدادٌ. وإذا نظرتَ إلى تجنيس أبي تمام: (أمَذْهب أم مُذْهبَ) فاستضعتَه، وإلى تجنيس القائل [من الرجز]:
حتى نجا من خوفه وما نجا
وقول المحدث [من الخفيف]:
ناظِراهُ فيما جَنى ناظِراهُ أَوْدَعاني أمُتْ بما أودعاني
[ ٤٢٠ ]
فاستحسنْتَه، لم تَشُكَّ بحالِ أنَّ ذلك لم يَكُنْ لأمرٍ يرجعُ إلى اللفظِ، ولكنْ لأنَّكَ رأيتَ الفائدة ضعفَتْ في الأول وقويَتْ في الثاني، وذلك أنك رأيتَ أبا تمام ليم يَزِدْكَ (بمذهب ومذهب) على أنْ أسْمَعَكَ حُروفًا مكررةً لا تجد لها فائدةً - إن وُجدتْ - إلا متكلَّفة ممتحَّلة، ورأيتَ الآخَر قد أعادَ عليك اللفظةَ كأنه يَخدَعُكَ عن الفائدة وقد أعطاها، ويُوهِمُكَ أنه لم يَزِدْك وقد أحْسَن الزيادةَ ووفَّاها. ولهذه النكتة كان التجنيسُ، وخصوصًا المستوفى منه مثلَ "نَجا ونَجا" من حِلى الشعر. والقولُ فيما يَحْسنُ وفيما لا يَحْسُن من التجنس والسجع يَطولُ، ولم يكنْ غَرضُنا من ذكْرِهما شَرْحَ أمرهما، ولكن توكيدَ ما انتهى بنا القولُ إليه من استحالةِ أن يكونَ الإعجازُ في مجرَّد السهولةِ وسلامةِ الألفاظِ مما يَثقُلُ على اللسان.
وجملةُ الأمرِ أنَّا ما رأينا في الدنيا عاقلًا اطَّرَحَ النظْمَ والمحاسِنَ التي هو السببُ فيها من الاستعارة والكنايةِ والتمثيلِ وضروبِ المَجاز والإيجازِ، وصدَّ بوجهه عنْ جَميعِها وجعلَ الفَضْلَ كلَّه والمزيةَ أجمَعها في سلامة الحروفِ مما يَثْقُلُ. كيف وهو يؤدي إلى السُّخْفِ والخُروجِ من العقْلِ كما بيَّنَّا؟
واعلمْ أنه قد آنَ لنا أن نعودَ إلى ما هو الأمْرُ الأعظَمُ والغَرضُ الأهَمُ والذي كأنه هو الطَّلِبة، وكلُّ ما عَداهُ ذرائعُ إليه، وهو المَرامُ وما سواهُ أسبابٌ للتسلُّق عليه، وهو بيانُ العِلل التي لها وَجَبَ أن يكونَ لِنظْمٍ مزيةٌ على نَظْم، وأنْ يعمَّ أمرُ التفاضُلِ فيه، وتناهى إلى الغايات البعيدة، ونحنُ نسألُ الله تعالى العونَ على ذلك والتوفيقَ له والهداية إليه.
[ ٤٢١ ]