واعلمْ أَنّ مما أَغمضَ الطريقَ إلى معرفة ما نحنُ بصدده، أَنَّ ههنا فروقًا خفيَّةً تَجهلُها العامَّةُ وكثيرٌ من الخاصة، ليس أَنَّهم يَجْهلونَها في موضعٍ ويَعْرفونها في آخرَ، بل لا يَدْرون أَنها هي، ولا يَعْلمونها في جملةٍ ولا تفْصيل. رُويَ عن ابن الأنباريِّ أَنه قال: ركبَ الكنْديُّ المتفلسِف إلى أبي العبّاس وقال له: إني لأَجِدُ في كلام العَرب حَشْوًا، فقال له أبو العباس: في أيِّ موضع وجَدْتَ ذلك؟ فقال: أَجدُ العربَ يقولون: (عبدُ الله قائم)، ثم يقولون: (إنَّ عبدَ الله قائم)، ثم يقولون: (إنَّ عبدَ الله لقائمٌ): فالألفاظُ متكررةٌ والمعنى واحد، فقال أبو العباس: بل المعاني مختلفةٌ لاختلافِ الألفاظِ؛ فقولُهم: (عبدُ الله قائمٌ): إخبارٌ عن قيامه؛ وقولُهم: (إنَّ عبدَ الله قائمٌ): جوابٌ عن سؤالِ سائلٍ؛ وقولُهم: (إنَّ عبدَ اللهِ لقائمٌ): جوابٌ عن إنكار مُنْكِرٍ قيامَهُ. فقد تَكرَرَّت الألفاظُ لتكرُّرِ المعاني. قال فما حارَ المتفلسِفُ جوابًا. وإِذا كان الكنديُّ يذَهْبُ هذا عليهِ حتى يَرْكَبَ فيه ركُوبَ مستفهِمٍ أو معْترِضٍ، فما ظنُّكَ بالعامَّة ومَنْ هو في عداد العامَّة ممَّنْ لا يَخْطُرُ شبْهُ هذا بِبالِهِ.
واعلمْ أنَّ ههنا دقائقَ لو أنَّ الكنديَّ استقرى وتصفَّحَ وتَتَبَّع مواقِعَ "إنَّ"، ثم ألْطَفَ النظرَ وأكثرَ التدبُّرَ، لعَلِمَ عِلْمَ ضرورةٍ أنْ ليس سواءً دخولُها وأن لا تَدْخُلَ. فأوَّلُ ذلك وأعْجَبُه ما قدَّمتُ لك ذكْرَه في بيت بشار:
بكِّرا صاحبيَّ قبلَ الهَجيرِ إنَّ ذاكَ النَّجاحَ في التبكيرِ
وما أنشدتُه معه من قول بعضِ العرب:
فغَنِّهَا وهْي لكَ الفِداءُ إنَّ غناءَ الإِبِلِ الحُداءُ
[ ٢٦٦ ]
وذلك أنه هل شيءٌ أَبْينُ في الفائدةِ وأَدلّ على أنْ ليس سواءً دخولُها وأنْ لا تَدْخُلَ، مِنْ أنكَ ترى الجملةَ إذا هي دخلَتْ تَرتبِطُ بما قبْلَها وتأتلف معه، وتَتَّحدُ به، حتى كأنَّ الكلامَيْنِ قد أُفرِغا إفراغًا واحدًا، وكأَن أحدَهُما قد سُبِكَ في الآخر؟ هذه هي الصورةُ، حتى إذا جئتَ إلى "إنَّ" فأسقطتَها، رأيتَ الثاني منهما قد نَبَا عن الأولِ وتجافى معناه عن معناه، ورأيْتَه لا يتَّصلُ به؛ ولا يكونُ منه بسبيلٍ حتى تجيءَ بـ (الفاء) فتقولَ: (بكِّرا صاحبيَّ قبل الهجيرِ فذاكَ النجاحُ في التبكير). و: (غنِّها وهي لك الفداءُ فغناء الإبل الحُداءُ). ثم لا ترَى (الفاء) تُعيد الجملتين إلى ما كانتا عليه من الألْفة وتَردُّ عليك الذي كنتَ تجِدُ بـ (إنَّ) من المعنى.
وهذا الضربُ كثيرٌ في التنزيل جدًا. من ذلك قوله تعالى: ﴿ياأيها الناس اتقوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ الساعة شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ [الحج: ١]. وقولُه عزَّ اسْمُه: ﴿يابني أَقِمِ الصلاة وَأْمُرْ بالمعروف وانه عَنِ المنكر واصبر على مَآ أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأمور﴾ [لقمان: ١٧]. وقوله سبحانه: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صلاوتك سَكَنٌ لَّهُمْ والله سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١٠٣] ومن أبْيَن ذلك قولُه تعالى: ﴿وَلاَ تُخَاطِبْنِي فِي الذين ظلموا إِنَّهُمْ مُّغْرَقُونَ﴾ [هود: ٣٧] وقد يتكرَّرَ في الآية الواحدة، كقوله عزَّ اسمُه: ﴿وَمَآ أُبَرِّىءُ نفسي إِنَّ النفس لأَمَّارَةٌ بالسواء إِلاَّ مَا رَحِمَ ربي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [يوسف: ٥٣]. وهي عَلَى الجملة من الكَثْرة بحيثُ لا يُدركها الإحصاءُ.
[ ٢٦٧ ]
ومِنْ خصائصها أَنك تَرى لِضميرِ الأمرِ والشأنِ معها، من الحُسْنِ واللطفِ، ما لا تَراه إذا هي لم تَدْخُل عليه، بل تراه لا يَصْلُحُ حيثُ يصْلُح إلاَّ بها، وذلك في مثل قوله تعالى: ﴿أَنَّهُ مَن يُحَادِدِ الله وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ﴾ [التوبة: ٦٣]، وقول: ﴿أَنَّهُ مَن عَمِلَ مِنكُمْ سواءا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ﴾ [الأَنعام: ٥٤]، وقوله: ﴿لاَ يُفْلِحُ الكافرون﴾ [المؤمنون: ١١٧] ومن ذلك قوله: ﴿فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأبصار﴾ [الحج: ٤٦].
وأجاز أبو الحسن فيها وجْهًا آخرَ، وهو أنْ يكون الضميرُ في "إنها" (للأَبصار) أُضْمِرَتْ قبْلَ الذكْرِ على شَريطة التفسير. والحاجةُ في هذا الوجْه أيضًا إلى "أنَّ" قائمةٌ كما كانت في الوجه الأولِ. فإنه لا يُقال: (هي لا تَعْمى الأَبصار)، كما لا يقال: (هو مَنْ يَتَّقِ ويَصْبِرُ فإنَّ الله لا يُضيع). فإن قلتَ: أوَ ليسَ قد جاء ضميرُ الأمرِ مبتدأً به مُعرًّى مِن العوامل في قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١]؟ قيل: "هو" وإنْ جاء ههنا، فإنه لا يكاد يُوجَدُ مع الجملة من الشَّرْط والجزاء، بل تَراه لا يجيءُ إلاَّ بـ (إنَّ). على أنهم قد أَجازوا في ﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] أنْ لا يكونَ الضميرُ للأَمر.
ومن لطيفِ ما جاء في هذا الباب ونادرِهِ، ما تَجدهُ في آخر هذه الأبياتِ التي أنْشدَها الجاحظُ لبعض الحجازيين [من الطويل]:
إذا طَمَعْ يومًا عرَاني قَرَيْتُهُ كتائبَ يأسٍ كرَّها وطِرادَها
أَكُدُّ ثِمَادي والمياهُ كثيرةٌ أُعالِجُ منها حفْرَها واكْتِدادَها
وأَرْضى بها من بحرِ آخرَ إنَّه هو الرّيُّ أن تَرْضَى النفوسُ ثِمادَها
المقصودُ قوله: إنه هو الرّيُّ؛ وذلك أن (الهاء) في (إنه) تحتمل أمرَيْن:
[ ٢٦٨ ]
أحدُهما أن تكونَ ضميرَ الأَمْرِ ويكونَ قولُه "هو" ضميرُ "أن ترضى" وقد أُضمِر قبل الذكْر على شريطة التفسير. الأصل: إنَّ الأمرَ أن ترضى النفوسُ ثِمادَها، الرِّيُّ. ثم أُضمِر قبل الذكْرِ كما أُضمرِت "الأبصارُ" في "فإنها لا تَعْمَى الأبصار" على مذهب أبي الحسن، ثم أُتيَ بالمُفْسَّر مصرَّحًا به في آخر الكلام فعُلِمَ بذلك أن الضميرَ السابق له وأنَّه المراد به.
والثاني أن تكون (الهاء) في "إنه" ضميرَ "أن تَرْضى" قبل الذكْرِ، ويكون "هو" فَصْلًا ويكونُ أصْلُ الكلام: (إنَّ أنْ تَرضى النفوسُ ثِمادها هو الرِّيُّ)، ثُم أُضمِر على شريطةِ التفسير. وأَيَّ الأمَرْينِ كان، فإنه لا بدَّ فيه من "إِنَّ" ولا سبيل إلى إِسقاطها لأنَّكَ إنْ أسقطْتَها، أَفْضَى ذلكَ بكَ إلى شيءٍ شنيعٍ وهو أن تقولَ: (وأَرْضى بها من بحرِ آخرَ هو هو الريُّ أن تَرْضى النفوسُ ثِمَادَها).
هذا وفي "إنَّ" هذه شيءٌ آخرُ يُوجِبُ الحاجةَ إليها، وهو أَنها تَتولَّى من ربط الجملةِ بما قبْلَها نحوًا مما ذكرتُ لك في بيت بشار. ألا ترى أَنك لو أَسقطْتَ "إنَّ" والضميرَيْنِ معًا، واقتصَرْتَ على ذكر ما يَبْقى من الكلام لم تَقلْهُ إلا (بالفاء) كقولك: (وأرضى بها من بحرِ آخرَ فالريُّ أن ترضَى النفوس ثِمادها)، فلو أنَّ الفيلسوفَ قد كان تَتَبَّع هذه المواضعَ لما ظن الذي ظنَّ.
هذا، وإذا كان خلَفُ الأحمرُ، وهو القدوةُ ومَنْ يُؤخذُ عنه، ومَن هُو بحيثُ يَقول الشعرَ فيَنْحَلُه الفحولَ الجاهليينَ، فيخَفْى ذلك له، يجوزُ أَنْ يَشْتبه ما نحن فيه عليه، حتى يقَعَ له أن يَنْتَقِد على بشَّار، فلا غرو أن تَدْخُلَ الشُّبهةُ في ذلك على الكندي.
ومما تَصنعُه "إنَّ" في الكلام، أنَّك تَراها تُهيِّيء النكِرةَ وتُصْلِحُها لأن يكونَ لها حكْمُ المبتدأ، أعنى أن تكونَ محدَّثًا عنها بحديثٍ من بعدها. ومثال ذلك قوله [من مخلَّع البسيط]:
إنَّ شِواءَ ونَشْوَةً وخَبَب البازلِ الأمُونِ
[ ٢٦٩ ]
قد ترى حُسْنَا وصحَّةَ المعنى معها، ثم إنَّك إنْ جئتَ بها من غير "إنَّ" فقلت: (شواءٌ ونشوةٌ وخبَبُ البازلِ الأمونِ)، لم يكنْ كلامًا. فإنْ كانت النكرةُ موصوفةً وكانت لذلك تَصْلحُ أن يُبْتَدأ بها، فإِنك تراها مع "إِنَّ" أحْسَنَ، وترى المعنى حينئذٍ أَوْلى بالصحة وأمْكَنَ؛ أفلاَ تَرى إلى قوله [من الخفيف]:
إنًَّ دهْر يلفُّ شَملي بسُعدى لَزَمانٌ يَهُمُّ بالإحسانِ
ليس بخفيٍّ - وإنْ كان يستقيم أنْ تقول: (دهرٌ يلف شملي بسُعدى دهرٌ صالح) - أنْ ليسَ الحالانِ على سواء. وكذلك ليس بِخَفيِّ أَنَّك لو عمدت إِلى قولِه [من مجزوء الرمل]:
إِنَّ أمرًا فادِحًا عن جَوابي شَغَلَكْ
فأسقطتَ منه "إِن"، لَعدِمْتَ منه الحسْنَ والطلاوةَ والتمكُّنَ الذي أنتَ واجِدُهُ الآنَ، ووجَدْتَ ضعفًا وفتورًا.
ومن تأثير "إنَّ" في الجملة، أنها تُغْني إذا كانت فيها، عن الخَبر في بعض الكلامِ؛ ووَضَعَ صاحبُ "الكتاب" في ذلك بابًا فقال: هذا بابُ ما يَحْسُنُ عليه السكوتُ في الأحرُفِ الخمسة لإضمارِكَ ما يكونُ مستقرًّا لها وموضعًا لو أَظهرتَه. وليس هذا المُضْمَرُ بنفسِ المُظْهَر، وذلك "إنَّ مالًا وإنَّ ولدًا وإنَّ عددًا" أي: إنَّ لَهُمْ مالًا؛ فالذي أضمرتَ هو: "لهم" ويقولُ الرجلُ للرَّجل: هلْ لكُم أَحدٌ، إنَّ الناسَ ألْبٌ عليكم؟ فتقول: إنَّ زيدًا وإِنَّ عَمرًا: أَي لنا. وقال [من المنسرح]:
إنَّ مَحَلًاّ وإنَّ مُرْتَحلًا وإنَّ في النفس إِنْ مَضَوْا مَهَلا
ويقول: (إنَّ غيرَها إبلًا وشاءً)، كأنه قال: (إنَّ لنا أو عندَنا غيرَها).
(قال) وانتصبَ (الإبلُ والشاءُ) كانتصاب الفارسِ إذا قلتَ: ما في الناس مثلَه فارسًا. و(قال) ومثلُ ذلك قوله [من الرجز]:
يا ليت أيَّام الصِّبَا رواجعا
(قال) فهذا كقولهم: أَلاَ ماءً باردًا: كأنه قال: ألا ماءً لنا باردًا! وكأنه قال: "يا ليتَ أيام الصِّبا أقبلَتْ رَواجعا".
[ ٢٧٠ ]
فقد أراك في هذا كلِّه أنَّ الخبرَ محذوف؛ وقد تَرى حُسْنَ الكلامِ وصحَّتَه مع حذفِه وترْكِ النطقِ به؛ ثم إنَّك إِنْ عمَدْتَ إلى "إِنَّ" فأسقطتَها وجدْتَ الذي كان حسُنَ من حذف الخبرِ، لا يَحْسُنُ أو لا يَسوغُ. فلو قلتَ: (مالٌ وعددٌ ومحلٌّ ومرتحلٌ وغيرُها إبلًا وشاءً): لم يكنْ شيئًا. وذلك أنَّ "إِنَّ" كانت السَّببَ في أنْ حَسُنَ حذفُ الذي حُذِفَ من الخَبر، وأنها حاضِنتُهُ والمترجِمُ عنه والمتكفِّلُ بشأنه.
واعلمْ أنَّ الذي قلنا في "إنَّ" من أنها تدخلُ على الجملة، من شأنها إذا هي أُسقطتْ منها أن يُحتاجَ فيها إلى (الفاء)، لا يَطِّردُ في كلِّ شيءٍ وكلِّ موضعٍ، بل يكونُ في موضعٍ دونَ موضعٍ، وفي حالٍ دون حالٍ، فإنك قد تَراها قد دَخَلتْ على الجملة ليستْ هي مما يقتضي (الفاء)، وذلك فيما لا يُحصى، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ المتقين فِي مَقَامٍ أَمِينٍ * فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ [الدخان: ٥١ـ٥٢] وذاك أنَّ قبلَه: ﴿إِنَّ هاذا مَا كُنتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ﴾ [الدخان: ٥٠] ومعلومٌ أنَّك لو قلتَ: (إنَّ هذا ما كنتُم به تمترون، فالمتَّقون في جناتٍ وعيون) لم يكنْ كلامًا. وكذلك قوله: ﴿إِنَّ الذين سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا الحسنى أولائك عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ [الأَنبياء: ١٠١] لأنَّك لو قلتَ: (لهمْ فيها زَفِيرٌ وهم فيها لا يسمعون، فالذين سبقت لهم من الحسنى): لم تَجِدْ لإدخالك (الفاء) فيه وجهًا. وكذا قولُه: ﴿إِنَّ الذين آمَنُواْ والذين هَادُواْ والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا إِنَّ الله يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ القيامة﴾ [الحج: ١٧] جملة في موضع الخبر، ودخولُ (الفاء) فيها محالٌ، لأنَّ الخبر لا يُعطَف على المبتدأ. ومثلُه سواءٌ ﴿إِنَّ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٣٠].
[ ٢٧١ ]
فإذنْ إنما يكونُ الذي ذكَرْنا في الجملة، من حديث اقتضاءِ (الفاء) إذا كان مصدرُها مصدرَ الكلام يُصحَّحُ به ما قبلَه ويُحْتَجُ له ويُبَيَّنُ وجهُ الفائدة فيه. ألاَ ترى أنَّ الغرضَ من قوله: (إنَّ ذاك النجاح في التبكير): جُلُّه أن يُبيِّن المعنى في قوله لصاحبيه "بَكِّرا" وأن يحْتجَّ لنفسه الأمر بالتكبير ويُبيَّنَ وَجْهَ الفائدة فيه. وكذلك الحكْم في الآي التي تَلَوْناها. فقولُه: ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيءٌ عَظِيمٌ﴾ [الحج: ١] بيانٌ للمعنى في قوله تعالى: ﴿يا أيُّها النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمْ﴾ [الحج: ١] ولِمَ أُمروا بأن يتقوا؛ وكذلك قولُه: ﴿إِنَّ صَلَواتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣] بيانٌ للمعنى في أمر النبي ﷺ بالصلاة، أي بالدعاء لهم. وهذا سبيلُ كلِّ ما أنتَ تَرى فيه الجملةَ يُحتاجُ فيها إلى (الفاء). فاعرفْ ذلك!
[ ٢٧٢ ]
فأمَّا الذي ذُكر عن أبي العباس مِنْ جَعْله لها جوابَ سائلٍ، إذا كانتْ وحدَها، وجوابَ مُنْكِر إذا كان معها (اللام)، فالذي يدلُّ على أنَّ لها أصْلًا في الجواب، أنَّا رأيناهُمْ قد ألزمُوها الجملةَ من المبتدأ والخبر، إذا كانت جوابًا للقَسَم نحو (والله إِنَّ زيدًا مُنْطلِقٌ) وامتنعوا مِنْ أن يقولوا: (والله زيدٌ منطلق) ثم إنَّا إذا استقرَيْنا الكلامَ وجَدْنا الأمرَ بيِّنًا في الكثير من مواقِعها أنه يُقصَدُ بها إلى الجواب، كقوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي القرنين قُلْ سَأَتْلُواْ عَلَيْكُم مِّنْهُ ذِكْرًا * إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الأرض﴾ [الكهف: ٨٣ـ٨٤] وكقوله ﷿ في أول السورة ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نبَأَهُم بالحق إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُواْ بِرَبِّهِمْ﴾ [الكهف: ١٣] وكقوله تعالى: ﴿فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي برياء مِّمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٦] وقولِه تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الذين تَدْعُونَ مِن دُونِ الله﴾ [الأَنعام: ٥٦] وقوله: ﴿وَقُلْ إني أَنَا النذير المبين﴾ [الحجر: ٨٩] وأشباهِ ذلك مما يُعْلَم به أنَّه كلامٌ أُمِرَ النَّبيُّ ﷺ بأن يُجيبَ به الكفارَ في بعض ما جادَلوا وناظَروا فيه، وعلى ذلك قولُه تعالى: ﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فقولا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ العالمين﴾ [الشعراء: ١٦] وذاك أنه يَعْلم أنَّ المعنى: فأتياهُ، فإذا قال لكما: ما شأْنُكُما وما جاءَ بكُما وما تقولانِ؟ فقُولا: إنَّا رسولُ رَبِّ العالمين. وكذا قولُه: ﴿وَقَالَ موسى يافرعون إِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ العالمين﴾ [الأعراف: ١٠٤]، هذا سبيلُهُ.
ومن البيِّن في ذلك قولُه تعالى في قصة السَّحَرة ﴿قالوا إِنَّآ إلى رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ﴾ [الأعراف: ١٢٥]. وذلك لأنه عِيَانٌ أنه جوابُ فرعونَ عن قولِه ﴿آمَنتُمْ بِهِ قَبْلَ أَن آذَنَ لَكُمْ﴾ [الأعراف: ١٢٣]. فهذا هو وجْهُ القول في نُصْرة هذه الحكايةِ.
[ ٢٧٣ ]
ثم إنَّ الأصْلَ الذي ينبغي أنْ يكونَ عليه البناءُ، هو الذي دُوِّن في الكتبِ من أنها للتأكيد، وإذا كان قد ثَبَت ذلكَ، فإذا كان الخبرُ بأمْرٍ ليس للمخاطَبِ ظنٌّ في خلافه البتَّةَ، ولا يكونُ قد عقَدَ في نفسه أنَّ الذي تزعُم أَنه كائن، غيرُ كائنٍ، وأنَّ الذي تزعُم أنه لم يكن، كائنٌ، فأنتَ لا تحتاج هناك إلى "إنَّ" وإنما تحتاج إليها إذا كان له ظَنُّ في الخلاف، وعقْدُ قلبٍ على نَفْى ما تُثْبِتُ أو إثباتِ ما تَنْفي. ولذلك تَراها تزدادُ حُسْنًا إذا كان الخبرُ بأمر يَبْعُدُ مثْلُه في الظنِّ وبشيءٍ قد جرتْ عادةُ الناسِ بخلافِهِ، كقول أبي نُوَاس [من الرجز]: عليكَ باليأسِ منَ الناسِ إنَّ غِنى نَفْسِك في الياسِ
فقد تَرى حُسْنَ موقعِها، وكيف قبولُ النفس لها؛ وليس ذلك إلاَّ لأنَّ الغالِبَ على الناس أنهم لا يَحمِلون أنفسَهم على اليأس، ولا يدَعُونَ الرجاءَ والطمَعَ، ولا يعترفُ كلُّ أحدٍ ولا يُسلِّمُ أنَّ الغِنى في اليأس. فلمَّا كان كذلك، كان الموضعُ مَوْضعَ فقرٍ إلى التأكيدِ، فلذلك كان من حُسْنها ما تَرى. ومثلُه سواءٌ قولُ محمد بن وهيب [من الطويل]:
أجارَتَنا إنَّ التعفُّفَ بالياسِ وصَبْرٌ على استذرارِ دُنْيا بإبْساسِ
حَرِيَّانِ أنْ لا يَقْذِفا بمذلَّةٍ كريمًا وأن لا يُخوجاه إلى الناسِ
أجارَتنا إنَّ القِداحَ كواذبٌ وأكْثرُ أسبابِ النجاحِ مع الياسِ
هو كما لا يخفى كلامٌ معَ مَنْ لا يَرى أنَ الأمْرَ كما قال، بل يُنْكِرهُ ويَعْتقد خلافَه. ومعلومٌ أنه لم يقلْه إلا والمرأةُ تَحْدوهُ وتبعثُه على التعرُّضِ للناس وعلى الطَّلبِ.
ومن لطيفِ مواقعِها، أنْ يُدَّعى على المخاطَب ظَنَّ لم يظنَّه، ولكنْ يُرادُ التهكُّم به وأنْ يقال: إنَ حالَكَ والذي صنَعْتَ، يَقْتضي أن تكون قد ظننْتَ ذلك ومثالُ ذلك قولُ الأول [من السريع]:
جاءَ شقيقٌ عارضًا رُمْحَه إنَّ بَني عَمِّكَ فيهمْ رِماحْ
[ ٢٧٤ ]
يقول: إنَّ مجيئَه هكذا مُدِلًا بنَفْسِه وبشجاعَتِهِ، قد وضعَ رمْحَه عرضًا، دليلٌ على إعجابٍ شديدٍ، وعلى اعتقاد منه أنَّه لا يقومُ له أحدٌ، حتى كأنْ ليس مع أحدٍ منَّا رمحٌ يدفَعَهُ به، وكأنَّا كلَّنا عُزْلٌ. وإذا كان كذلك وَجَبَ إذا قيل إنها جوابُ سائلٍ، أنْ يُشْتَرَطَ فيه أنْ يكونَ للسائل ظنٌّ في المسؤولِ عنه، على خلاف ما أنتَ تُجيبُهُ به. فأمَّا أَنْ يُجْعل مجرَّدُ الجوابِ أصْلًا فيه فلا، لأنه يؤدي أن لا يَسْتقيم لنا إذا قال الرجل: (كيف زيد؟) أنْ تقولَ: (صالح). وإذا قال: (أين هو؟ أن تقول: في الدار). وأنْ لا يصحَّ حتى تقولَ: إنه صالحٌ وإنه في الدار. وذلك ما لا يقولُه أحَد. وأمَّا جعْلُها إذا جُمِعَ بينها وبين (اللام) نحو: (إنَّ عبدَ الله لقائم): الكلام مع المنكَّر، فجيِّدٌ، لأنه إذا كان الكلام مع المُنَكَّر، كانت الحاجةُ إلى التأكيد أشدَّ. وذلك أنَّك أحوجُ ما تكون إلى الزيادة في تثبيت خَبَرِك إذا كان هناك مَنْ يَدْفعُه ويُنْكِر صحَّتَه. إلاَّ أنه يَنبغي أن يُعْلَم أنه، كما يكونُ للإنكارِ قد كان مِن السامعِ، فإنه يكونُ للإنكارِ يُعلمُ أو يُرَى أنه يَكونُ مِن السامعين.
وجملةُ الأمر أنك لا تقول: (إنه لكذلك)، حتى تُريدَ أن تَضَعَ كلامَكَ وضْعَ مَنْ يزَعُ فيه عن الإنكار.
[ ٢٧٥ ]
واعْلَمْ أنها قد تَدْخلُ للدلالة على أنَّ الظنَّ قد كان منكَ أيها المتكلِّمُ في الذي كان، أنَّه لا يكون. وذلك قولُكَ لِلشيءِ، هو بمرأى من المُخاطَبِ ومَسْمع: (إنه كان من الأمْر ما تَرى وكان منِّي إلى فلانٍ إحسانٌ ومعروفٌ، ثم إنه جَعلً جَزائي ما رأيْت)، فتجعلُكَ كأنك تَردُّ على نفْسِك ظَنَّكَ الذي ظنَنْتَ، وتُبيِّنُ الخطأ الذي توهَّمْتَ؛ وعلى ذلك، واللهُ أعلمُ، قولُه تعالى حكايةً عن أُمِّ مريمَ ﵂ ﴿قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَآ أنثى والله أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾ [آل عمران: ٣٦]. وكذلك قولُه ﷿، حكايةً عن نوحٍ ﵇ ﴿قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ﴾ [الشعراء: ١١٧]. وليس الذي يَعْرِضُ بسببِ هذا الحرفِ من الدقائق والأُمور الخفيَّةِ بالشيء يُدْرَك بالهوينا. ونحن نَقْتصِر الآن على ما ذكَرْنا، ونأخذُ في القول عليها إذا اتصلت بها (ما).
[ ٢٧٦ ]