في الكلام على من زَهِد في رواية الشعر وحفظه، وذمَّ الاشتغال بعلمه وتتبعه
لا يخلو مَن كان هذا رأيَهُ من أمور:
أحدها أنْ يكون رفضُه له وذَمُّه إياه، من أجل ما يَجده فيه من هَزْلٍ أو سُخْف، وهجاءٍ وسَبٍّ وكَذِبٍ وباطلٍ على الجملة.
والثاني: أنَ يذمَّه لأنه موزون مُقفَّى. ويرى هذا بمجرده، عيبًا يقتضي الزهدَ فيه والتنزه عنه.
والثالث أن يتعلق بأحوال الشعراء، وأنها غير جميلة في الأكثر ويقول: قد ذُمُّوا في التنزيل.
وأيٌّ كان من هذا رأيًا له، فهو في ذلك على خطأ ظاهر، وغَلَط فاحش، وعلى خلاف ما يُوجِبه القياسُ والنظر، وبالضدِّ مما جاء به الأَثرُ، وصَحَّ به الخبر.
أما من زعم أنَّ ذمَّه له من أجْل ما يَجدُ فيه من هزل وسُخف وكذب وباطل، فينبغي أن يذمَّ الكلامَ كلَّه، وأن يُفَضِّل الخرَسَ على النطق، والعيَّ على البيان فمنثور كلام الناس على كل حال، أكثر من منظومه. والذي زعمَ أنه ذمَّ الشعرَ بسببه، وعاداه بنسبته إليه، أكثرَ، لأن الشعراء في كل عصر وزمانٍ، معدودون، والعامَّة ومَنْ لا يقول الشعرَ من الخاصة عديدُ الرمل؛ ونحن نَعْلم أنْ لو كان منثورُ الكلام يُجْمَع المنظومُ، ثم عمدَ عامدٌ فجمعَ ما قيل من جنْس الهَزْل والسخف نثرًا في عصرٍ واحد، لأَرْبى على جميع ما قاله الشعراءُ نَظْمًا في الأزمان الكثيرة، ولغَمره حتى لا يظهر فيه. ثم إنك لو لم تَرْو من هذا الضرب شيئًا قطُّ، ولم تَحْفَظْ إلاَّ الجِدَّ المحضَ، وإلاَّ ما لا مَعابَ عليك في روايته، وفي المحاضرة به، وفي نَسْخه وتدوينه، لَكانَ في ذلك غِنًى ومندوحةٌ؛ ولوَجدْتَ طِلْبتَك ونِلْتَ مُرادك، وحصَل لك ما نحن ندعوك إليه من علم الفصاحة، فاخترْ لنفسكَ ودَعْ ما تَكْره إلى ما تُحب.
هذا وراوي الشعر حاكٍ، وليس على الحاكي عيب، ولا عليه تَبعةٌ، إذا هو لم يقصد بحكايته أن يَنْصر باطلًا، أو يَسُوء مسْلِمًا. وقد حكى اللهُ تعالى كلامَ الكفار؛ فانظر إلى الغرض الذي له رُويَ الشعرُ، ومِن أَجْلهِ أُريد، وله دُوِّن، تَعلمْ أنك قد زُغْت عن المنهج، وأنك مُسيءٌ في هذه العَداوة. وهي العصبية منك على الشعر. وقد استشهد العلماءُ لغريب القرآن وإعرابه، بالأبيات فيها الفحشُ وفيها ذكْرُ الفعل القبيح، ثم لم يَعِبْهم ذلك إذ كانوا لم يَقصدوا إلى ذلك الفحش، ولم يُريدوه ولم يَرْوُوا الشعرَ من أجله.
قالوا: وكان الحسن البصري ﵀، يتمثل في مواعظه بالأبيات من الشعر، وكان من أوجعها عنده [من الكامل]:
اليومَ عندك دَلُّها وحديثُها وغدًا لِغيرك كَفُّها والمِعْصمُ
[ ٦٧ ]
وفي الحديث عن عمر بن الخطاب ﵁ - ذكره المرزباني في كتابه، بإسناد عن عبد الملك بن عمير - أنه قال: "أُتي عمرُ، رضوانُ الله عليه، بحُلَلٍ من اليمن، فأتاه محمد بن جعفر بن أبي طالب، ومحمد بن أبي بكر الصديق، ومحمد بن طلحة بن عبيد الله، ومحمد بن حاطب، فدخل عليه زيد بن ثابت ﵁، فقال: يا أمير المؤمنين، هؤلاء المحمَّدون بالباب يطلبون الكُسْوة. فقال: ائْذِنْ لهم يا غلام! فدَعا بحُللٍ، فأخذ زيدٌ أجودَها، هذه لمحمد بن حاطب، وكانت أمه عنده، وهو من بني لؤي؛ فقال عمر ﵁: أيهات أيهات وتمثل بشعر عمارة بن الوليد [من الطويل]:
أَسرَّكِ لما صُرِّع القومُ نشوةً خروجيَ منها سالمًا غير غارم
بريئًا كأني قبلُ لم أكُ منهمُ وليس الخداعُ مرتضىً في التنادم
رُدَّها. ثم قال: ائْتني بثوبٍ، فألقِهِ على هذه الحُلل. وقال: أدخلْ يدَكَ فخُذْ حُلَّة، وأنتَ لا تراها فأَعْطِهمْ. قال عبد الملك: "فلم أر قسمةً أعدلَ منها".
وعُمارة هذا: هو عمارةُ بن الوليد بن المغيرة، خطبَ امرأةً من قومه، فقالت: لا أتزوجُك أو تترك الشرابَ، فأبى، ثم اشتد وَجْدُه بها، فحلَفَ لها أنْ لا يشَرْبَ؛ ثم مرَّ بخمَّارٍ عنده شَرْبٌ يشربون، فدعَوْه فدخَلَ عليهم، وقد أنْفَدوا ما عندهم، فنَحَر لهم ناقتَه، وسَقاهم بِبُرْدَيْه، ومكَثوا أَيامًا، ثم خرجَ، فأتى أَهْلَه، فلمَّا رأتْه امرأتُه قالت: أَلم تَحْلِفْ أَنْ لا تَشْرب؟ فقال:
ولسنا بشَرْب أمَّ عمرو إذا انْتَشَوْا ثيابُ الندامى عِنْدَهُمْ كالغنائم
ولكننا يا أمَّ عمروٍ نَديمُنا بمنزلةٍ الريَّانِ ليس بعائم
أَسَّرك - البيتين.
فإذنْ: رُبَّ هَزْلٍ صار أَداةً في جِدّ، وكلام جَرى في باطل، ثم استُعينَ به على حَقّ؛ كما أنه رُبَّ شيءٍ خَسيس، تُوصِّلَ به إلى شريف، بأنْ ضُرِبَ مَثلًا فيه، وجُعل مثالًا له: كما قال أبو تمام [من الكامل]:
واللهُ قد ضَربَ الأَقلَّ لنورِه مَثَلًا من المِشْكاة والنبراسِ
[ ٦٨ ]
وعلى العكس: فربَّ كلمةِ حَقٍّ أُريدَ بها باطلٌ فاسْتُحِقَّ عليها الذمُّ، كما عرفتَ من خبر الخارجي مع علي رضوانُ الله عليه. ورُبَّ قولٍ حَسَنٍ لم يَحْسُنْ من قائله، حين تَسبَّبَ به إلى قبيح، كالذي حكى الجاحظُ قال: رجعَ طاووس يومًا عن مجلس محمد بن يوسف - وهو يومئذ والي اليمن - فقال: ما ظَننتُ أنَّ قولَ "سبحانَ الله" يكونُ معصيةً لله حتى كان اليومُ؛ سمعتُ رجلًا أَبلغَ ابنَ يوسف عن رجلٍ كلامًا، فقال رجلٌ من أهل المجلس: سبحانَ الله! كالمستعظمِ لذلك الكلام، ليُغضِبَ ابنَ يوسف.
فبهذا ونحوه فاعتبرْ، واجْعلْهُ حُكْمًا بينك وبين الشعر.
(وبعد) فكيف وَضعَ من الشعر عندك، وكسبَهُ المقتَ منك: أنَّك وجدتَ فيه الباطلَ والكذب، وبعضَ ما لا يَحْسنُ، ولم يرفعه في نفسك ولم يُوجِب له المحبة من قلبك: أنْ كان فيه الحقُّ والصدقُ والحكمةُ وفصْلُ الخطاب؟ وأنْ كان مَجْنى ثمرِ العقول والألباب، ومجتمَعَ فِرَقِ الآداب، والذي قيَّد على الناس المعاني الشريفةَ، وأفادهم الفوائد الجليلة، وترسَّل بين الماضي والغابر، يَنقل مكارمَ الأخلاق إلى الولد عن الوالد، ويؤدِّي ودائعَ الشرف عن الغائب إلى الشاهد، حتى تَرى به آثارَ الماضين، مخلَّدةً في الباقين، وعقول الأَوَّلين، مردودةً في الآخرين، وتَرى لكل مَن رام الأدبَ وابتغى الشرفَ، وطلبَ محاسنَ القولِ والفعل، منارًا مرفوعًا، وعِلْمًا منصوبًا، وهاديًا مُرْشدًا، ومُعلمًا مسدِّدًا، وتجد فيه للنائي عن طلب المآثر، والزاهد في اكتساب المَحامد، داعيًا ومُحرِّضًا، وباعثًا ومُخصِّصًا، ومذكِّرًا ومعرِّفًا، وواعظًا ومثقَّفًا؟ فلو كنتَ ممن يُنْصِف كان في بعض ذلك ما يُغيِّرُ هذا الرأيَ منك، وما يَحْدوكَ على رواية الشعر وطَلَبه، ويَمنعُكَ أن تَعيبَه أو تَعيبَ به. ولكنك أَبَيْتَ إلاَّ ظنًا سبَقَ إليك، وإلا بادىءَ رأي عُنَّ لك، فأقفلْتَ عليه قلْبَكَ، وسدَدْتَ عما سواه سَمْعَك، فَعيَّ الناصحُ بك، وعَسُرَ على الصديق الخليطِ تَنْبيهُك.
[ ٦٩ ]
نعم، وكَيف رَويْتَ "لأَنْ يمتلئَ جوفُ أَحدِكم قيحًا فيَرِيَهُ، خيرٌ له من أَن يمتلئ شِعْرًا" ولهجتَ به، وترِكتَ قولَه ﷺ: "إنَّ مِن الشعر لَحِكْمةً، وإنَّ مِن البيان لَسِحْرا"، وكيف نَسِيتَ أَمرَه ﷺ بقول الشعر، ووَعْدَه عليه الجنَّةَ؟ وقوله لحسَّان: "قُلْ وروحُ القُدُس معك" وسماعَه له، واستنشادَهُ إياه، وعِلْمهُ ﷺ به، واستحسانَه له، وارتياحَه عند سماعه؟
أما أَمرُهُ به فمن المعلوم ضرورةً، وكذلك سَماعُه إياه؛ فقد كان حسان وعبد الله بن رواحة وكعب بن زهير يمدحونه، ويَسْمعُ منهم، ويُصغي إليهم، ويأمرهم بالردِّ على المشركين، فيقولون في ذلك ويَعْرِضون عليه؛ وكان ﵇ يَذكرُ لهم بعضَ ذلك، كالذي رُوي من أنه ﷺ قال لكعب: "ما نَسِيَ ربُّك، وما كان ربُّكَ نَسِيًّا، شعرًا قلْتَه". قال وما هو يا رسول الله؟ قال: "أَنْشِدْه يا أبا بكر"، فأنشدَ أبو بكر رضوانُ الله عليه [من الكامل]:
زعَمتْ سَخينةُ أنْ سَتَغلِبُ رَبَّها ولَيُغْلَبَنَّ مُغَالِبُ الغَلاَّبِ
(وأما) استنشاده إياه فكثير. من ذلك: الخبر المعروف في استنشاده حين استسقى فسقى، قولَ أبي طالب [من الطويل]:
وأبيضَ يُسْتَسْقى الغمامَ بوجههِ ثِمَالُ اليتامى عصمةٌ للأراملِ
يُطِيفُ به الهُلاَّكُ مِن آل هاشمٍ فهمْ عندَهُ في نعمةٍ وفواضلِ
الأبيات. وعن الشعبي ﵁، عن مسروق، عن عبد الله، قال: "لمَّا نظرَ رسولُ الله ﷺ، إلى القَتْلى يومَ بَدْر مصرَّعين، قال ﷺ، لأَبي بَكْر ﵁: "لو أَنَّ طالبٍ حَيٌّ لَعِلمَ أنَّ أَسْيافَنا قد أخذتْ بالأنامل". قال: وذلك لِقولِ أبي طالب [من الطويل]:
كَذَبتُمْ، وبيتِ الله إِنْ جَدَّ ما أَرى لَتَلتبسَنْ أَسيافُنا بالأنامل
ويَنهضُ قومٌ في الدروعِ إِليهمُ نُهوضَ الرَّوايا في طريق حُلاحِل
[ ٧٠ ]
ومن المحفوظ في ذلك حديث محمد بن مسلمة الأنصاريّ: جمعَهُ وابنَ أبي حَدْرد الأسلميّ، الطريقُ. قال: فتذاكَرْنا الشكرَ والمعروفَ: قال، فقال محمد: كنَّا يومًا عند النبيّ ﷺ، فقال لحسَّان بن ثابت: "أَنْشِدْني قصيدةً من شعر الجاهلية، فإِنَّ الله تعالى قد وَضعَ عنَا آثَامها في شعرها وروايته"! فأنْشدَه قصيدةً للأعشى، هجا بها علقمةَ بْنَ عُلاثَة [من السريع]:
عَلْقَمَ، ما أنتَ إلى عامر الناقضِ الأوتارَ والواترِ
فقال النبيُّ ﷺ: "يا حسان لا تَعُدْ تُنْشِدني هذه القصيدةَ بعد مجلسك هذا"! فقال: يا رسول الله تَنْهاني عن رَجُلٍ مُشْركٍ مقيم عند قيصر؟ فقال النبيُّ ﷺ: "يا حسان أَشْكَرُ الناسِ للناسِ، أَشكَرُهم للهِ تعالى وإن قيصر سأل أبا سفيانَ بن حرب عنّي، فتناول مني. - وفي خبر آخر فشَعَثَ منّي - وأنه سأل هذا عني فأَحْسَنَ القولَ"؛ فشَكرَهُ رسولُ الله ﷺ، على ذلك. ورُويَ مِنْ وجهٍ آخر: أَنَّ حسان قال: يا رسول الله! من نالَتْكَ يَدُه وَجَبَ علينا شُكْرُه. ومِن المعروف في ذلك خَبرُ عائشة، رضوانُ الله عليها، أَنَّها قالت: كان رسولُ الله ﷺ، كثيرًا ما يقول: "أبياتَك" فأقول [من الكامل]:
إِرفعْ ضعيفك لا يَحُر بكَ ضَعْفُهُ يومًا، فتُدرِكَه العواقبُ قد نَمى
يَجْزيك أو يُثْني عليكَ، وإنَّ مَنْ أثّنى عليكَ بما فَعلْتَ، فقد جَزى
قالت، فيقول ﵇: "يقول الله ﵎، لعَبْدٍ من عبيده: صنَعَ إليك عَبْدي معروفًا، فهل شَكرْتَه عليه؟ فيقول: يا ربِّ عَلمتُ أنه منكَ فشكرتُكَ عليه. قال: فيقول الله ﷿: لَمْ تَشْكرْني إذْ لم تَشكرْ من أَجْرَيْتُه على يَدهِ".
وأمَّا عِلْمُه، ﵇، بالشعر، فكَما رُويَ أن سَوْدة أَنشدتْ:
عديٌّ وتيمٌ تبتغي مَن تحالف
[ ٧١ ]
فظنَّتْ عائشةُ وحَفْصةُ ﵄، أنها عرَّضَتْ بهما. وجَرى بينهنَّ كلامٌ في هذا المعنى، فأُخبرَ النبيُّ ﷺ، فدخلَ عليهنَّ وقال: "يا وَيْلَكنَّ! ليس في عَدِيِّكنَّ ولا َتَيْمِكنَّ قيلَ هذا. وإنَّما قيل هذا في عديِّ تميم وتَيْمِ وتَميم"! وتمامُ هذا الشعر [من الطويل]:
فحالِفْ ولا واللهِ تَهْبِطُ تَلْعةَ من الأرض إلاَّ أَنتَ للِذلِّ عارِفُ
ألاَ منْ رأى العَبْدًَين أوْ ذُكِرا لهُ عدَيٌّ وتَيمٌ تَبْتَغي مَنْ تُحالِفُ
وروَى الزبيرُ بن بكار قال: "مرَّ رسولُ الله ﷺ، ومعه أبو بكر ﵁، برجلٍ يقول في بعضِ أزقَّة مكة [من الكامل]:
يا أيها الرجلُ المُحوِّلُ رَحْلَهُ هلاّ نزلْتَ بآلِ عبد الدارِ؟
فقال النبيُّ ﷺ: "يا أبا بكر هكذا قال الشاعر؟ قال: لا يا رسول الله، ولكنه قال:
يا أيها الرجلُ المحوِّلُ رَحلَهُ * هلاَّ سألْتَ عن آلِ عَبْد منافِ؟
فقال رسول الله ﷺ: "هكذا كُنَّا نَسْمعها".
وأمَّا ارتياحُه ﷺ، للشعر واستحسانُه له، فقد جاء فيه الخبرُ من وجوهٍ، من ذلك: حديثُ النابغة الجَعْديِّ قال: أَنشدتُ رسولَ الله ﷺ، قولي [من الطويل]:
بلَغْنا السماءَ مَجْدُنَا وجدودُنا وإنَّا لنَرجو فوقَ ذلك مَظْهَرا
فقال النبيُّ ﷺ: "أَينَ المظهرُ يا أبا ليلى؟ "، فقلتُ: الجنةُ، يا رسولَ الله! قال: "أَجَلْ إن شاء الله". ثم قال: "أَنْشِدْني"! فأنْشَدْتُه من قولي:
ولا خيرَ في حِلْم إذا لم تَكنْ له * بَوادِرُ تَحْمي صفْوَه أنْ يُكَدَّرا
ولا خيرَ في جَهلٍ إذا لم يَكنْ له * حَليمٌ إذا ما أَوْردَ الأمرَ أَصْدَرا
فقال ﷺ: "أَجَدْتَ، لا يَفْضُضِ اللهُ فاكَ"! قال الراوي: فنظَرتُ إليه فكأَنَّ فاهُ الْبَرَدُ المُنْهَلُّ، ما سقطت له سن ولا انفلَّتْ تَرِفُّ غَروبُه.
[ ٧٢ ]
ومِنْ ذلك حديثُ كعب بن زهير: رُويَ أنَّ كعبًا وأخاه بُجيرًا خرجا إلى رسول الله ﷺ، حتى بلَغَا أَبْرَقَ العزَّاف، فقال كعب لبجير: إلْقَ هذا الرجلَ، وأنا مقيمٌ هاهنا، فانظرْ ما يقول! وقَدم بجير على رسول الله ﷺ، فعرَضَ عليه الإسلامَ، فأَسْلمَ وبلغ ذلك كعبًا، فقالَ في ذلك شعرًا، فأهْدَر النبيُّ ﷺ دمه، فكتبَ إليه بُجير يأمرُه أن يُسْلمِ ويُقْبلَ إلى النبي ﷺ ويقول: إنَّ مَنْ شَهِدَ أَنْ لا إله إلاَّ اللهُ وأَنَّ محمدًا رسولُ الله، قَبِلَ منه رسول الله ﷺ، وأسْقَطَ ما كان قَبْل ذلك. فقَدِمَ كعبٌ وأنشد النبيَّ ﷺ قصيدته المعروفة:
بانتْ سُعادُ فقلبي اليومَ مَتْبولُ مُتَيَّمٌ إثْرَها لم يُفْدَ مغلولُ
وما سُعادُ غَداةَ البينِ إذْ رحَلَتْ إلاَّ أغَنُّ غَضيضُ الطرف مَكْحولُ
تَجْلُو عوارضَ ذي ظَلْمٍ إذا ابْتَسمَتْ كأنَّه مُنْهلٌ بالراح مغلولُ
سحَّ السقاةُ عليها ماءَ مَحْنيةٍ من ماءِ أبطحَ أضحى وهو مَشْمولُ
أَكْرِمْ بها خُلَّةً لو أنها صدقَتْ موعودَها أوْ لَوَانَّ النضحَ مقبولُ
حتى أتى على آخِرِها فلمَّا بلغَ مديحَ رسول الله ﷺ:
إنَّ الرسولَ لَسيفٌ يُستَضاءُ به مهنَّدٌ مِن سيوف اللهِ مَسْلولُ
في فتيةٍ مِنْ قُريشِ قال قائلُهم بِبَطْنِ مكَّةَ لمَّا، أسْلموا: زُولوا
زالوا فما زال أنكاسٌ ولا كُشفٌ عند اللقاء ولا مِيلٌ مَعازيلُ
لا يَقَعُ الطعنُ إلاَّ في نُحورِهمُ وما بِهمْ عن حِياضِ الموتِ تَهليلُ
شُمُّ العرانينِ أبطالٌ، لَبُوسُهُمُ من نَسْجِ داودَ في الهَيجا سَرابِيلُ
أشارَ رسولُ الله ﷺ، إلى الخَلْق أَنِ اسْمعوا! قال: وكان رسولُ الله ﷺ، يكون من أصحابه مكانَ المائدة من القوم، يتحلقون حلْقةً دون حلقةٍ، فيلتفِتُ إلى هؤلاء وإلى هؤلاء.
والأخبارُ فيما يُشبه هذا كثيرةٌ، والأثَرُ به مُسْتَفيض.
[ ٧٣ ]
وإنْ زَعمَ أنه ذَمَّ الشعرَ من حيث هو موزونٌ مقفَّى، حتى كان الوزنُ عيبًا، وحتى كان الكلامُ إذا نُظمَ نَظْمَ الشعرِ، اتَّضَعَ في نفسه وتَغيَّرتْ حالُه، فقد أبعد وقال قولًا لا يُعرفُ له مَعنى، وخالف العلماءَ في قولهم: "إنما الشعرُ كلامٌ فحَسَنُه حَسَنٌ وقبيحُه قبيح"، وقد رُوي ذلك عن النبيِّ ﷺ مرفوعًا.
فإنْ زعمَ أنه إنما كَرِهَ الوزنَ لأنه سبَبٌ لأَنْ يُغنَّى في الشعر ويُتَلهَّى به، فإنَّا إذا كُنَّا لم نَدْعُه إلى الشعر من أجل ذلك، وإنما دَعوناه إلى اللفظ الجَزْل، والقولِ الفَصْل، والمنطق الحسَن، والكلام البيِّن، وإلى حُسْنِ التمثيل والاستعارة، وإلى التلويح والإشارة، وإلى صَنعةٍ تَعْمَدُ إلى المعنى الخسيس فتُشَرِّفُه، وإلى الضئيل فَتُفخِّمُه، وإلى النازل فترفَعُه، وإلى الخامل فَتُنوِّه به، وإلى العاطلِ فتُحَلِّيه، وإلى المشكل فتُحْليه، فلا مُتَعلَّقَ له علينا بما ذَكَر، ولا ضررَ علينا فيما أَنْكَر، فليَقُلْ في الوزنِ ما شاء، ولْيَضَعْه حيث أراد، فليس يعنينا أمره، ولا هو مُرادُنا من هذا الذي راجَعْنا القولَ فيه.
وهذا هو الجواب لمتُعلِّقٍ إنْ تَعَلَّق بقوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشعر وَمَا يَنبَغِي لَهُ﴾ [يس: ٦٩]، وأراد أن يَجْعله حُجةً في المنع مِن الشعر ومِنْ حِفْظه وروايته؛ وذاك أنَّا نَعْلم أنَّه ﷺ، لم يَمْنع الشعرَ من أجل أنْ كان قولًا فصلًا، وكلامًا جَزْلا، ومنطقًا حَسنًا، وبَيانًا بيِّنًا؛ كيفَ وذلك يقتضي أن يكون اللهُ تعالى قد مَنَعه البيانَ والبلاغةَ، وحماهُ الفصاحةَ والبراعةَ، وجَعلَه لا يَبْلُغ مَبْلغَ الشعراء في حُسْنِ العبارة وشَرَف اللفظ؟ وهذا جهلٌ عظيم، وخِلافٌ لما عَرفهُ العلماءُ، وأَجمعوا عليه من أنه ﷺ، كان أفصحَ العَرب؛ وإذا بطَلَ أن يكون المَنْعُ، من أجل هذه المعاني، وكنَّا قد أعلمناه أنَّا نَدْعو إلى الشعر من أجلها، ونَحْذُو بطلبه على طلبها، كان الاعتراض بالآية مُحالًا، والتعلُّق بها خَطلًا من الرأي وانحلالًا.
[ ٧٤ ]
فإنْ قال: إذا قال اللهُ تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمَنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنَبغِى لَهُ﴾ [يس: ٦٩] فقد كَرِهَ للنبيِّ ﷺ الشعرَ، ونَزَّهَه عنه بلا شُبْهة، وهذه الكراهةُ وإنْ كانت لا تَتوجَّهُ إليه مِنْ حيثُ هو كلامٌ ومن حيثُ إنه بليغٌ بَيِّنٌ، وفصيحٌ حَسَنٌ، ونحو ذلك، فإنها تتوجَّه إلى أمر لا بدَّ لك من التَّلَبُّس به في طَلبِ ما ذكرْتَ أنه مرادُك من الشعر؛ وذاك أنه لا سبيلَ لك إلى أن تَميزَ كونَه كلامًا عن كونه شعرًا، حتى إذا روَيْتَه التبَسْتَ به من حيث هو كلام ولم تَلْتبِسْ به من حيث هو شعر. هذا محال، وإذا كان لا بُدَّ لك من مُلاَبسة موضع الكراهةِ، فقد لَزِمَ العيبُ برواية الشعر وإعمال اللسان فيه.
قيل له: هذا منك كلامٌ لا يتحصَّل. وذلك أنه لو كان الكلام، إذا وُزِنَ حطَّ ذلك من قدره وأَزْرى به، وجلَبَ على المُفْرِغ له في ذلك القالَب إثْمًا، وكَسبه ذمَّا، لكان من حق العيب فيه أن يكون على واضع الشعر أو مَنْ يريده لمكانِ الوزن خصوصًا، دون مَنْ يريده لأمرٍ خارج عنه، ويطلبه لشيءٍ سواه.
فأما قولك: إنك لا تستطيع أن تَطْلُبَ من الشعر ما لا يُكْرَه حتى تَلْتبِسَ بما يُكرَه، فإني إذن لَمْ أَقصدْه من أجل ذلك المكروه، ولم أُرِدْه له، وأردْتُه لأَعرف به مكان بلاغةٍ، وأجعلَه مِثالًا في براعةٍ، أو أَحْتَجَّ به في تفسير كتابٍ وسُنَّة، وأَنظرَ إلى نَظْمه ونَظْم القرآن، فأرى موضع الإعجاز، وأقفَ على الجهة التي منها كان، وأتبين الفصْلَ والفرقان. فحقُّ هذا التلبسِ أن لا يُعتدَّ عليَّ ذنبًا، وأَنْ لا أُؤَاخَذَ به؛ إذْ لا تكون مؤاخذةٌ حتى يكون عَمْدٌ إلى أن تُواقِعَ المكروه، وقَصْدٌ إليه. وقد تَتَّبعَ العلماءُ الشعوذةَ والسِّحْر، وعُنُوا بالتوقف على حِيَل المُموِّهين، ليَعْرفوا فَرْقَ ما بين المعجزة والحِيلة. فكان ذلك منهم مِنْ أعظم البِرِّ، إذْ كان الغرض كريمًا والقَصْد شريفًا.
[ ٧٥ ]
"هذا" وإذا نحن رجَعْنا إلى ما قدمناه من الأخبار، وما صحَّ من الآثار، وجَدْنا الأمرَ على خلاف ما ظَنَّ هذا السائل، ورأَيْنا السبيلَ في منع النبي ﷺ، الوزنَ، وأنْ يَنْطلق لسانُه بالكلام الموزون، غيرَ ما ذهبوا إليه، وذاك أنه لو كان مَنْعَ تنزيهٍ وكراهةٍ، لكان يَنبغي أن يُكْرَه له سماعُ الكلام موزونًا، وأن يُنَزَّه سمْعهُ عنه كما يُنزَّه لسانُه، ولكان ﷺ، لا يأمر به ولا يَحثُّ عليه، وكان الشاعر لا يُعانُ على وزن الكلام وصياغته شعرًا، ولا يُؤيَّد فيه بروح القُدُس. وإذا كان هذا كذلك، فينبغي أن يَعْلم أَنْ ليس المَنْعُ في ذلك منْعَ تنزيهٍ وكراهة، بل سبيلُ الوزن في منعه ﵇ إياه، سبيلُ الخَطِّ، حين جُعل ﵇ لا يقرأُ ولا يَكُتب، في أَنْ لم يكن المَنْعُ منِ أجْل كراهةٍ كانت في الخَطِّ، بل لأَن تَكونَ الحُجةُ أَبهِرَ وأقهرَ، والدلالةُ أقوى وأظهر، ولتكون أَكْعَمَ للجاحد وأَقْمَعَ للمُعَانِد، وأَرَدَّ لِطالب الشُّبهة، وأَمْنَعَ في ارتفاع الرِّيبة.
[ ٧٦ ]
وأما التعلُّق بأحوال الشعراء: بأنهم قد ذُمُّوا في كتاب الله تعالى، فما أرى عاقلًا يَرْضى به أنْ يَجْعله حُجةً في ذَمِّ الشعر وتَهْجينه، والمَنْع مِن حِفْظه وروايته، والعِلْم بما فيه مِن بلاغة، وما يُختصُّ به من أَدب وحِكْمه. ذاك لأَنه يَلْزمُ على قَوَد هذا القولِ، أَن يَعيب العلماءَ في استشهادهم بشِعْر امْرئ القيسِ، وأَشعار أهل الجاهلية في تفسير القرآن، وفي غَريبهِ وغَريبِ الحديث؛ وكذلك يَلْزمه أنْ يَدْفع سائرَ ما تقدَّم ذكرُه من أَمْر النبي، ﷺ، بالشعر وإصغائه إليه واستحسانه له. هذا ولو كان يَسُوغُ ذَمُّ القولِ من أَجْل قائله، وأنْ يُحْمَل ذَمُّ الشاعر على الشعر، لكان يَنبغي أن يُخَصَّ ولا يُعَمَّ وأن يُسْتثنى. فقد قال الله ﷿: ﴿إِلاَّ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات وَذَكَرُواْ الله كَثِيرًا﴾ [الشعراء: ٢٢٧]. ولولا أَنَّ القولَ يَجُرَّ بَعْضُهُ بَعضًا، وأنَّ الشيءَ يُذكَرُ لدخوله في القِسْمة لكان حقُّ هذا ونحوِهِ، أَنْ لا يُتَشاغَلَ به، وأن لا يُعادَ ويُبْدأَ في ذكره.
[ ٧٧ ]