واعلمْ أنه، وإنْ كانت الصورةُ في الذي أعَدْنا وأبْدأْنا فيه، من أنَّه لا معنى للنظم غيرُ توخِّي معاني النحوِ فيما بين الكَلم، قد بلغَتْ في الوضوح والظهورِ والانكشافِ إلى أقصى الغايةِ، وإلى أنْ تكونَ الزيادَةُ عليه كالتكلُّف لِمَا لا يُحْتاجُ إليه، فإن النفْسَ تنازعُ إلى تتبُّعِ كلِّ ضربٍ من الشبْهَةِ يُرَى أنه يعرضُ للمُسلمِ نفسِه عند اعتراض الشكِّ؛ وإنَّا لنرَى أنَّ في الناس مَنْ إذا رأى أنَّه يجري في القياس وضرب المثل أن تشبّه الكلم في ضمِّ بعضِها إلى بعض بضَمِّ غَزَل الإبْرَيْسم بعضِه إلى بعضٍ، ورأى أنَّ الذي يَنْسِجُ الديباجَ ويَعمَلُ النقْشَ والوشْيَ لا يَصْنَعُ بالإبريسم الذي يَنْسِجُ منه شيئًا غيرَ أنْ يَضُمَّ بعضَه إلى بعضٍ ويتخيَّر للأصباغ المختلفةِ، المواقعَ التي يعلمُ أنه إذا أوْقَعَها فيها، حدثَ له في نَسْجه ما يُريد من النَقْش والصورةِ - جرى في ظنَّه أنَّ حالَ الكلمِ في ضَمِّ بعضِها إلى بعضٍ وفي تخيُّر المواقع لها، حالُ خيوطِ الإبريسم سواءٌ، ورأيَتَ كلامَه كلامَ مَنْ لا يعَلم أنه لا يَكونُ الضمُّ فيها ضمًّا، ولا المَوْقِعُ مَوْقعًا حتى يكونَ قد توخَّى فيها معانيَ النحوِ، وأنك إنْ عمَدْتَ إلى ألفاظ فجعلتَ تُتْبعُ بعضَها بعضًا من غيرْ أنْ تتوخَّى فيها معانيَ النحوِ، لم تكن صنَعْتَ شيئًا تُدْعى به مؤلِّفًا، وتُشَبَّهُ معه بِمَنْ عَمِلَ نَسْجًا أو صنَعَ على الجملةِ صَنيعًا، ولم يُتصوَّر أنْ تكون قد تخيَّرتَ لها المواقعَ.
وفسادُ هذا وشَبيهُه من الظنِّ، وإنْ كان معلومًا ظاهرًا، فإنَّ ههنا استدلالًا لطيفًا تكثُر بسببه الفائدةُ، أنه يُتصَوَّر أنْ يعمَدَ عامِدٌ إلى نظْم كلامٍ بعينه، فيُزيلَه عن الصورةِ التي أرادَها الناظمُ له، ويُفْسِدَها عليه، من غير أن يُحَوِّلَ منه لفظًا عن موضِعه أو يُبَدِّلَه بغيره، أو يُغيِّر شيئًا من ظاهر أمره على حالٍ، مثالُ ذلك أنَّكَ إنْ قدَّرْتَ في بيت أبي تمام [من الطويل]:
لُعَابُ الأفاعي القاتلاتِ، لُعَابُه وأَرْيُ الجَنى اشتارَتْه أيْدٍ عواسِلُ
[ ٣١٠ ]
أن "لعابَ الأفاعي" مبتدأٌ و"لعابُه" خبر، كما يُوهِمُه الظاهر، أفسدْتَ عليه كلامَه وأبطلْتَ الصورةَ التي أرادها فيه؛ وذلك أنَّ الغرضَ أنْ يُشَبِّه مِدادَهُ بأرْي الجنى على معنى أنه إذا كتَبَ في العطايا والصِلاتِ، أوصَلَ به إلى النفوس ما تَحْلو مذاقَتُه عندها، وأدْخَل السرور واللذة عليها؛ وهذا المعنى إنما يكونُ إذا كان (لعابُه) مبتدأ و(لعابُ الأفاعي) خبرًا. فأمَّا تقديرُك أن يكون "لعابُ الأفاعي" مبتدأ و"لعابُه" خبرًا، فيُبْطِل ذلك ويَمْنَع منه البتة، ويَخْرجُ بالكلام إلى ما لا يجوز أن يكونَ مُرادًا في مثل غَرَض أبي تمام، وهو أنْ يكون أرادَ أن يُشَبِّه لعابَ الأفاعي بالمِداد، ويشبِّه كذلك الأرْيَ به. فلو كان حالُ الكلم في ضمِّ بعضها إلى بعضٍ، كحالِ غَزْل الإبرَيْسَم، لكانَ ينْبغي أن لا تتغيَّر الصورةُ الحاصلةُ من نَظْمِ كلمٍ حتى تُزالَ عن مواقِعها؛ كما لا تتغير الصورةُ الحادِثةُ عن ضَمِّ غزْلِ الإبريسم بعضِه إلى بعضٍ حتى تُزال الخيوطُ عن مواضِعها.
واعلمْ أنَّه لا يَجوزُ أن يكونَ سبيلُ قوله: (لعابُ الأفاعي القاتلاتِ لعابُه). سبيلَ قولِهم: (عتابك السيفُ)؛ وذلك أن المعنى في بيت أبي تمام على أنك تُشَبِّهُ شيئًا بشيء، لِجامعٍ بينهما في وصفٍ وليس المعنى في: (عتابُكَ السيفُ): على أنك تُشَبِّه عتابَه بالسيف، ولكنْ على أنْ تَزْعُم أنه يَجْعَلُ السيفَ بدلًا من العتاب. أفلا تَرَى أنه يصحُّ أنْ تقولَ: (مدادُ قلمِه قاتلٌ كسمِّ الأفاعي)، ولا يَصِحُّ أن تقولَ: (عتابك كالسيف)، اللَّهمَّ إلاَّ أنْ تَخْرجَ إلى بابٍ آخرَ، وشيءٍ ليس هو غرضَهم بهذا الكلام، فتُريد أنه قد عاتَب عتابًا خَشِنًا مؤلمًا. ثم إنك إنْ قلتَ: (السيفُ عتابُك): خرجْتَ به إلى معنى ثالثٍ وهو أن تزْعُم أنَّ عتابَه قد بلغَ في إيلامه وشدةِ تأثيرهِ مبلغًا صارَ له السيفُ كأنه ليس بسيفٍ.
[ ٣١١ ]
واعلمْ أنه إنْ نظَر ناظرٌ في شأن المعاني والألفاظ إلى حالِ السامع، فإذا رأي المعانيَ تقع في نفْسِه من بَعْد وقوعِ الألفاظِ في سَمْعِه، ظنَّ لذلك أنَّ المعانيَ تِبْعٌ للألفاظِ في ترتيبها. فإنَّ هذا الذي بيَّنَّاهُ يُريه فسادَ هذا الظنِّ. وذلك أنه لو كانتْ المعاني تكونُ تِبْعًا للألفاظ في ترتيبها، لكان مُحالًا أن تتغيَّر المعاني والألفاظُ بحالها لم تَزُلْ عن تَرْتيبها. فلمَّا رأينا المعانيَ قد جازَ فيها التغيُّر مِن غَيْر أنْ تتغيَّرَ الألفاظُ وتزولَ عن أماكِنِها، عَلِمْنا أنَّ الألفاظَ هي التابعةُ والمعاني هي المتبوعةُ.
واعلمْ أنه ليس مِن كلام يعمد واضِعُه فيه إلى معرِفَتَيْنِ فيجعلُهما مبتدأً وخبرًا، ثم يقدِّمُ الذي هو الخبرُ، إلاَّ أشكلَ الأمرُ عليكَ فيه، فلَمْ تَعْلَمْ أنَّ المقدَّمَ خبرٌ، حتى ترجِعَ إلى المعنى وتُحْسِن التدبُّرَ. أنشد الشيخ أبو علي في التذكرة [من الخفيف]:
نَمْ وإن لم أنَمْ كرايَ كَراكا
ثم قال: ينبغي أن يكون "كرايَ" خبرًا مقدَّمًا، ويكون الأصْلُ "كراكَ كرايَ" أي: نَمْ لم أَنَمْ فنومُكَ نومي، كما تقول: (قُمْ، وإنْ جلسَتَ فقيامُكَ قيامي). هذا هو عُرْفُ الاستعمال في نحوه. (ثم قال) وإذا كان كذلك فقد قُدِّم الخبرُ وهو معرفةٌ وهو يُنْوى به التأخيرُ من حيث كان خَبَرًا، (قال) فهو كبيتِ الحماسة [من الطويل]:
بَنُونا بَنُو أبنائِنا وبَنَاتُنا بَنوهُنَّ أبناءُ الرجالِ الأَباعدِ
فقدَّمَ خبرَ المبتدأ وهو معرفةٌ. وإنما دلَّ على أنه ينوي التأخير، المعنى. ولولا ذلك لكانتِ المعرفةُ إذا قُدّمتْ، هي المبتدأ - لتقدُّمها، فافهم ذلك: - هذا كلُّه لفظُه.
[ ٣١٢ ]
واعلمْ أنَّ الفائدةَ تَعْظُم في هذا الضربِ من الكلامِ، إذا أنتَ أحسنْتَ النظَرَ فيما ذكرتُ لك من أنكَ تستَطيعُ أنْ تَنقُلَ الكلامَ في معناه عن صورةٍ إلى صورةٍ، مِنْ غيْر أنْ تُغيِّر من لفظِه شيئًا، وتُحوِّل كلمةً عن مكانها إلى مكانٍ آخر وهو الذي وَسَّعَ مجالَ التأويلِ والتفسيرِ، حتى صاروا يتأوَّلونَ في الكلام الواحدِ تأويلَيْنِ أوْ أكثر، ويُفَسِّرون البيتَ الواحدَ عدَّةَ تفاسيرَ. وهو على ذاك الطريقُ المزلَّةُ الذي ورَّط كثيرًا من الناس في الهَلَكة؛ وهو مما يَعْلم به العاقلُ شدَّةَ الحاجةِ إلى هذا العِلْم وينْكشِفُ معه عُوَارُ الجاهل به، ويُفتضَحُ عنده المُظْهِرُ الغِنى عنه. ذاك لأنه قد يَدْفع إلى الشيء لا يَصحُّ إلاَّ بتقدير غَير ما يُريه الظاهرُ، ثم لا يكونُ له سبيلٌ إلى معرفةِ ذلك التقديرِ إذا كان جاهلًا بهذا العلم، فيتسكَّع عند ذلك في العمى، ويقع في الضلال. مثالُ ذلك أنَّ مَنْ نظَر إلى قوله تعالى: ﴿قُلِ ادعوا الله أَوِ ادعوا الرحمان أَيًّا مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الأسمآء الحسنى﴾ [الإِسراء: ١١٠]؛ ثم لم يَعْلمْ أنْ ليسَ المعنى في (ادعوا) الدعاءَ، ولكن الذكْرَ بالاسمِ، كقولك: (هو يُدْعَى زيدًا ويدعى الأمير): وأنَّ في الكلام محذوفًا، وأنَّ التقدير: (قل ادعوهُ الله أو ادعوهُ الرحمن أيًَّا ما تدْعوا فلهُ الأسماءُ الحسنى)، كان بعُرْضِ أنْ يقعَ في الشركِ من حيثُ إنه إنْ جرى في خاطره أنَّ الكلامَ على ظاهره، خرجَ ذلك به، والعياذُ باللهِ تعالى، إلى إثبات مَدْعُوَّيْنَ، تعالى اللهُ عن أنْ يكونَ له شريكٌ. وذلك مِن حيثُ كان مُحالًا أن تَعْمِدَ إلى اسمَيْن كلاهما اسمُ شيءٍ واحدٍ فتعطِفَ أحدَهما على الآخَر فتقولَ مثلًا: (اُدْعُ لي زيدًا أو الأمير) - والأميرُ هو زيدٌ - وكذلك محالٌ أنْ تقول: "أيًّا ما تَدْعو"، وليس هناك إلاَّ مَدْعوٌّ واحدٌ لأن مِنْ شأن (أي) أنْ تكونَ أبدًا واحدًا من اثنين أو جماعةٍ ومِن ثَمَّ لم يكن له بدٌّ من الإضافةِ إما لفظًا وإما تقديرًا.
[ ٣١٣ ]
وهناك بابٌ واسعٌ ومِن المُشْكِلِ فيه قراءةُ مَن قرأ ﴿وَقَالَتِ اليهود عُزَيْرٌ ابن الله﴾ [التوبة: ٣٠] (بغير تنوينٍ) وذلك أنهم قد حملوها على وجْهَين:
أحدُهما أنْ يكون القارئ له أرادَ التنوينَ ثم حذفَه لالْتقاءِ الساكنَيْن ولم يحرِّكْهُ كقراءةِ مَنْ قرأ ﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ * الله الصمد﴾ [الإخلاص: ١ـ٢] (بترك التنوين) مِنْ (أحَد). وكما حُكيَ عن عمارةَ بن عَقيل أنه قرأ ﴿وَلاَ الليل سَابِقُ النهار﴾ [يس: ٤٠] (بالنْصب) فقيل له: ما تُريد؟ فقال: أريد: سابقٌ النهارَ: قيل: فهلاَّ قلْتَه؟ فقال: فلو قلْتُه لكان أوزن. وكما جاء في الشعر من قوله [من المتقارب]:
فأَلْفَيْتُهُ غيرَ مستعتِبٍ ولاَ ذاكِرَ اللهَ إلاَّ قليلا
إلى نظائرِ ذلك. فيكونُ المعنى في هذه القراءةِ مثْلَه في القراءة الأُخرى سواء. والوجهُ الثاني أنْ يكونَ الابنُ صفةً، ويكونَ التنوينُ قد سقَط على حدِّ سقوطِهِ في قولنا: (جاءَني زيدُ بنُ عمروٍ)، ويكون في الكلام محذوفٌ ثم اختَلَفوا في المحذوف. فمنهم من جعله مبتدأً فقدَّرَ "وقالتِ اليهودُ هو عُزَيرُ ابنُ الله" ومنهم من جَعَلَه خبرًا فقدَّر "وقالتِ اليهودُ عزيرُ ابنُ اللهِ معبودُنا". وفي هذا أمرٌ عظيم، وذلك أنك إذا حكَيْتَ عن قائلٍ كلامًا أنتَ تُريد أن تُكَذِّبه فيه، فإنَّ التكذيبَ ينصرفُ إلى ما كان فيه خبرًا دون ما كان صفةً. تفسيرُ هذا أَنَّك إذا حكيتَ عن إنسانٍ أنه قال: (زيدُ بنُ عمروٍ سيِّدٌ)، ثم كذَّبْتَه فيه، لم تكُنْ قد أنكرْتَ بذلك أن يكون زيدَ بْنَ عمروٍ، ولكنْ أنْ يكون سيِّدًا. وكذلك إذا قال: (زيد الفقيهُ قد قَدِم) فقلتَ له: كَذَبْتَ أو غَلِطْتَ، لم تَكُن قد أنكرْتَ أن يكونَ زيدٌ فقيهًا، ولكنْ أن يكون قد قَدِم، هذا ما لا شُبهةَ فيه. وذلك أنك إذا كذَّبْتَ قائلًاَ في كلامٍ أو صدَّقْته، فإنما يَنْصرِف التكذيبُ منك والتصديق، إلى إثباته ونَفْيه.
[ ٣١٤ ]
والإثباتُ والنفيُ يتناولان الخبرَ دون الصفةِ. يدلُّكَ على ذلك أنَّكَ تَجِدُ الصفة ثابتةً في حالِ النفي كثُبوتها في حالِ الإثبات. فإذا قلتَ: (ما جاءني زيدٌ الظريفُ): كانَ الظَّرْفُ ثابتًا لزيدٍ كثبوته إذا قلتَ: (جاءني زيدٌ الظريفُ): وذلك أنْ ليس ثُبوتُ الصفةِ لِلذي هي صفةٌ له بالمتكلِّم وبإثباته لها فتنتفي بنَفْيه، وإنما ثُبوتُها بنفسها. ويتقرَّرُ الوجودُ فيها عند المخاطَب مثلَه عند المتكلِّم، لأنه إذا وقعتِ الحاجةُ في العلم إلى الصفةِ، كان الاحتياجُ إليها من أجْل خِيفةِ اللَّبْس على المخاطَبِ.
تفسير ذلك أنكَ إذا قلتَ (جاءني زيدٌ الظريفُ) فإنك إنما تحتاج إلى أنْ تصِفَه بالظريف، إذا كان فيمن يجيء إليكَ واحدٌ آخرُ يُسمَّى زيدًا. فأنتَ تخشى إن قلْتَ: (جاءني زيدٌ) ولم تَقُل (الظريفُ) أن يَلْتَبِس على المخاطَبِ فلا يَدْرِي: أهذا عنيتَ أم ذاك؟ وإذا كان الغرضُ من ذكْرِ الصفة إزالةَ اللَّبس والتبيين، كان مُحالًا أن تكونَ غيرَ معلومةٍ عند المخاطَب، وغيرَ ثابتةٍ، لأنه يؤدي إلى أن تَرُومَ تبيينًَا لشيء للمخاطَب، بوصفٍ هو لا يَعلَمُه في ذلك الشيء. وذلكَ ما لا غايةَ وراءه في الفساد.
وإذا كان الأمرُ كذلك، كان جعْلُ الابنِ صفةً في الآية مؤديًا إلى الأمْرِ العظيم، وهو إخراجه عن موضعِ النفي والإنكارِ، إلى موضع الثبوت والاستقرار، جلَّ الله وتعالى عن شَبَهِ المخلوقين، وعن جَميع ما يقولُ الظالمونَ، علوًّا كبيرًا.
[ ٣١٥ ]
فإن قيل: إنَّ هذه قراءةٌ معروفةٌ، والقولُ بجواز الوصفيَّةِ في (الابن) كذلك معروفٌ ومدوَّنٌ في الكتب؛ وذلك يَقْتضي أن يكونوا قد عرَفوا في الآية تأويلًا يَدخُل به (الابْن) في الإنكار مع تقدير الوصفيَّة فيه، قيل: إنَّ القراءةَ كما ذكرتُ، معروفةٌ، والقولُ بجَواز أن يكون (الابْنُ) صفةً، مثْبَتٌ مسطورٌ في الكتب كما قلتُ: ولكنَّ الأصلَ الذي قدَّمناه منْ أنَّ الإنكار إذا لَحِقَ، لَحِقَ الخبرَ دون الصفة، ليس بالشيءِ الذي يَعْترضُ فيه شكٌّ أو تتسلَّطُ فيه شبْهَةٌ. فليس يَتَّجه أن يكون (الابنُ) صفةً، ثم يَلْحقُهُ الإنكارُ مع ذلك، إلاَّ على تأويلٍ غامضٍ، وهو أن يقال: إن الغرضَ: الدلالةُ على أنَّ اليهودَ قد كان بلغَ من جَهْلهم ورُسوخِهم في هذا الشِّرْكِ، أنهم كانوا يَذْكُرون عُزيرًا هذا الذكْرَ، كما تقول في قوم، تريد أن تصفَهم بأنهم قد استُهلِكوا في أمرِ صاحبِهم، وغَلَوْا في تعظيمه: (إني أراهُمْ قد اعتقَدوا أمْرًا عظيمًا). فهم يقولون أبدًا، زيدٌ الأميرُ. تريد أنه كذلك يكون ذكْرُهُم إذا ذكَروهُ، إلاَّ أنَّه إنما يستقيمُ هذا التأويلُ فيه إذ أنتَ لم تقدِّر له خبَرًا معينًا ولكنْ تريدُ أنهم كانوا لا يُخْبرون عنه بِخبرٍ إلاَّ كانَ ذكْرُهُمْ له هكذا.
[ ٣١٦ ]
ومما هو من هذا الذي نحنُ فيه، قولُه تعالى: ﴿وَلاَ تَقُولُواْ ثَلاَثَةٌ انتهوا خَيْرًا لَّكُمْ﴾ [النساء: ١٧١]. وذلك أنهم قد ذَهبوا في رفْع "ثلاثة" إلى أنها خبرُ مبتدأ محذوفٍ. وقالوا: إنَّ التقديرَ "ولا تقولوا آلهتُنا ثلاثةٌ". وليس ذلك بمستقيمٍ، وذلك أنَّا إذا قلْنا: (ولا تقولوا آلهتُنا ثلاثة): كان ذلك، والعياذُ بالله شبْهَ الإثباتِ أنَّ ههنا آلهةً من حيثُ إنَّكَ إذا نفيْتَ، فإنما تَنفي المعنى المستفادَ من الخَبر عن المبتدأ، ولا تنفي معنى المبتدأ. فإذا قلتَ: (ما زيدٌ منطلقًا)، كنتَ نفيْتَ الانطلاقَ الذي هو معنى الخبرِ عن زيد، ولم تَنْفِ معنى (زيد) ولم تُوجِبْ عدَمَه. وإذا كان ذلك، فإذا قُلْنَا (ولا تقولوا آلهتُنا ثلاثةٌ) كنَّا قد نفَيْنا أن تكونَ عِدَّةُ الآلهة ثلاثةً ولم نَنْفِ أن تكونَ آلهةً - جلَّ الله تعالى عن الشريكِ والنظيرِ - كما أنك إذا قلتَ: (ليس أُمراؤنا ثلاثةً): كنتَ قد نفَيْتَ أن تكون عِدَّةُ الأمراءِ ثلاثةً، ولم تَنْفِ أن يكون لكُمْ أمراءُ؛ هذا ما لا شبْهةَ فيه. وإذا أدَّى هذا التقديرُ إلى هذا الفسادِ، وَجَبَ أنْ يَعْدِل عنه إلى غيره. والوجهُ - واللهُ أعلمُ - أن تكون (ثلاثة) صفةَ مبتدإٍ ويكونَ التقديرُ: (ولا تقولوا لنا آلهة ثلاثة أو في الوجود آلهة ثلاثة) ثم حُذِفَ الخبرُ الذي هو لنا أو في الوجود، كما حُذِفَ من (لا إله إلاَّ الله) و(ما مِنْ إله إلاَّ اللهُ) فبقي: (ولا تقولوا: آلهةٌ ثلاثةٌ) ثم حُذِف الموصوفُ الذي هو "آلهة" فبقي (ولا تقولوا ثلاثةٌ). وليس في حذْف ما قدَّرْنا حذْفَه ما يتوقّفُ في صحَّته. أما حذفُ الخبر الذي قلْنا إنه (لنا) أو (في الوجود) فمطَّردٌ في كل ما معناه التوحيدُ، ونفيّ أن يكون معَ الله - تعالى عن ذلك - إلهٌ.
[ ٣١٧ ]
وأما حذْفُ الموصوفِ بالعدد، فكذلك شائعٌ، وذلك أَنه كما يَسوغُ أن تقول: (عندي ثلاثة)، وأنتَ تريد: ثلاثةَ أثوابٍ، ثم تَحذفُ لعِلْمكَ أنَّ السامعَ يَعْلمُ ما تُريد، كذلك يسَوغُ أنْ تَقولَ: (عندي ثلاثةٌ)؛ وأنت تُريد (أثوابٌ ثلاثة) لأنه لا فَصْلَ بين أن تَجْعَل المقصودَ بالعددِ مميَّزًا، وبين أنْ تَجعلَهُ موصوفًا بالعدد، في أَنه يَحْسُنُ حذْفُه إِذا عُلِمَ المرادُ. ويُبيِّنُ ذلك أنكَ تَرى المقصودَ بالعددِ قد تُرِكَ ذكرُهُ، ثم لا تستطيعُ أن تُقدِّرَه إِلا موصوفًا، وذلك في قولك: (عندي اثنان وعندي واحد). يكونُ المحذوفُ ههنا موصوفًا لا محالةَ، نحو: (عندي رجلانِ اثنانِ وعندي درهمٌ واحد). ولا يكونُ مميَّزًا البتةَ من حيث كانوا قدْ رَفضوا إضافةَ الواحدِ والاثنينِ إلى الجِنْس، فتركوا أن يقولوا: (واحدُ رجالٍ واثنانِ رجال) على حدِّ "ثلاثةُ رجالٍ" ولذلك كان قولُ الشاعر:
ظَرْفُ عجوزٍ فيه ثِنْتَا حَنْظَلِ
شاذًّا.
هذا ولا يَمتنِعُ أنْ تَجْعلَ المحذوفَ من الآية في موضع التمييز، دون موضعِ الموصوفِ، فتجعلَ التقديرَ "ولا تقولوا ثلاثة آلهة"، ثم يكونُ الحكْمُ في الخبر على ما مضى، ويكون المعنى، واللهُ أَعلمُ "ولا تقولوا لنا أو في الوجود ثلاثةُ آلهة".
[ ٣١٨ ]
فإنْ قلتَ: فلِمَ صار لا يَلْزمُ على هذا التقديرِ ما لَزِمَ عَلَى قولِ مَنْ قدَّر "ولا تَقولوا آلهتنا ثلاثةٌ"؟ فذاكَ لأنَّا إذا جعَلْنا التقديرَ: ولا تقولوا لنا أو في الوجود آلهةٌ ثلاثةٌ أو ثلاثةُ آلهةٍ، كنَّا قد نَفَيْنا الوجودَ عن الآلهةِ كما نفَيْناه في "لا إله إلا الله، وما مِنْ اله إلاَّ الله". وإذا زعَموا أنَّ التقديرَ "ولا تقولوا آلهتُنا ثلاثةٌ" كانوا قد نَفَوْا أَنْ تكونَ عِدَّةُ الآلهةِ ثلاثةً، ولم يَنْفُوا وُجودَ الآلهة. فإنْ قيل: فإنَّه يَلزَمُ على تقديركَ الفسادُ من وجْهٍ آخرَ، وذاكَ أنه يَجوزُ إذا قلتَ "ليس لنا أمراءُ ثلاثةٌ" أنْ يكونَ المعنى: (ليس لنا أمراءُ ثلاثةٌ ولكنْ لنا أميرانِ اثنانِ) وإذا كان كذلكَ، كان تقديرُكَ وتقديرُهُمْ جميعًا، خطأً. قيل إنَّ ههنا أمرًا قد أغْفَلْتَه، وهو أنَّ قولَهم: آلهتُنا: يُوجِبُ ثُبوتَ آلهةٍ، جلَّ اللهُ وتعالى عَمَّا يقولُ الظالمونَ عُلوًّا كبيرًا. وقولُنا: (ليس لنا آلهةٌ ثلاثةٌ)، لا يُوجبُ ثبوتَ اثنينِ البتةَ. فإنْ قلتَ: إن كان لا يُوجبُه، فإنَّه لا يَنْفِيه، قيل: يَنْفيهِ ما بَعْدَهُ مِنْ قولِه تعالى: ﴿إِنَّمَا الله إلاه وَاحِدٌ﴾ [النساء: ١٧١].
[ ٣١٩ ]
فإنْ قيلَ: فإنَّه كما يَنْفي الإلهَيْن، كذلك ينفي الآلهةَ؛ وإذا كان كذلك وجَبَ أنْ يكونَ تقديرُهم صحيحًا، كتقديركَ: قيل هو كما قلتَ: ينفي الآلهةَ. ولكنَّهم إذا زَعموا أنَّ التقديرَ "ولا تقولوا آلهتُنا ثلاثةٌ" وكان ذلك، والعياذُ باللهِ من الشِّرْك، يَقْتضي إثباتَ آلهةٍ كانوا قد دفَعوا هذا النفيَ وخالفُوه وأَخْرجُوه إلى المناقَضَة. فإذا كان كذلك، كان مُحالًا أن يكونَ للصحة سبيلٌ إلى ما قالوه، وليس كذلك الحالُ فيما قدَّرْناه، لأنَّا لم نُقَدِّرْ شيئًا يقتضي إثباتَ إلهيَنْ - تعالَى اللهُ - حتى يكونَ حالُنا حالَ مَنْ يَدفَعُ ما يُوجِبُه هذا الكلامُ من نَفْيهِما. يُبيِّنُ لك ذلِكَ أَنه يَصِحُّ لنا أَنْ نَتَّبعَ ما قدَّرناه نفْي الاثنينِ ولا يَصِحُّ لهم. تفسيرُ ذلك أنَّه يصِحُّ أن تقولَ: (ولا تَقولوا لنا آلهةٌ ثلاثةٌ ولا إلهان)؛ لأنَّ ذلك يَجْري مَجرْى أَنْ تقولَ: (ليس لنا آلهةٌ ثلاثةٌ ولا إلهان). هذا صحيح. ولا يصِحُّ لهم أَنْ يقولوا: (ولا تقولوا آلهتُنا ثلاثةٌ ولا إلهانِ)، لأنَّ ذلك يجري مجرى أنّ يقولوا: (ولا تقولوا آلهتُنا إلهَانِ): وذلك فاسدٌ فاعرفْه وأَحْسِنْ تأمُّلَهُ!
ثم إنَّ ههنا طريقًا آخَرَ وهو أَنْ تُقَدِّر: (ولا تقولوا اللهُ والمسيحُ وأُمُّه ثلاثةٌ) أي نَعْبدُهما كما نَعبدُ اللهَ. يُبيِّنُ ذلك قولُه تعالى: ﴿لَّقَدْ كَفَرَ الذين قالوا إِنَّ الله ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ﴾ [المائدة: ٧٤]. وقد استقرَّ في العُرْفِ أنَّهم إذا أرادوا إلحاقَ اثنينِ بواحدٍ في وصفٍ منَ الأوصافِ، وأنْ يَجْعلوهُما شَبيهَيْن له، قالوا: هُمْ ثلاثةٌ: كما يقولونَ، إذا أرادوا إلحاقَ واحدٍ بآخرَ وجَعْلَه في معناه: هما اثنانِ. وعلى هذا السبيل كأنَّهم يقولون: هُم يُعَدُّونَ معَدًا واحدًا ويُوجِبُ لهم التساويَ والتشارُكَ في الصفةِ والرتبةِ وما شاكَل ذلكَ.
[ ٣٢٠ ]
واعلمْ أنه لا معنى لأن يقالَ: إنَّ القولَ حكايةٌ وإنَّه إذا كان حكايةً، لم يلزَمْ منه إثبات الآلهةِ، لأنه يَجْري مَجْرى أنْ تقولَ: (إنَّ مِنْ دين الكفَّارِ أنْ يقولوا: الآلهةُ ثلاثةٌ): وذلك لأنَّ الخطابَ في الآية للنصارى أَنفسِهم. أَلا تَرى إلى قوله تعالى ﴿ياأهل الكتاب لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى الله إِلاَّ الحق إِنَّمَا المسيح عِيسَى ابن مَرْيَمَ رَسُولُ الله وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ فَآمِنُواْ بالله وَرُسُلِهِ وَلاَ تَقُولُواْ ثَلاَثَةٌ انتهوا خَيْرًا لَّكُمْ﴾ [النساء: ١٧١]. وإذا كان الخطابُ للنصارى، كان تقديرُ الحكايةِ مُحالًا. فـ (لا تَقولوا) إذنْ، في معنى: (لا تعْتَقِدوا). وإذا كان في معنى الاعتقادِ، لَزِمَ إذا قدَّرَ (ولا تقولوا آلهتُنا ثلاثةٌ) ما قُلْنا إنَّه يَلْزمُ مِن إثباتِ الآلهةِ، وذلك لأن الاعتقادَ يَتعلَّق بالخبر لا بالمُخْبَرِ عَنْه. فإذا قلتَ: لا تعتقدْ أنَّ الأمراءَ ثلاثةٌ: كنتَ نهَيْتَه عن أنْ يعتقدَ كونَ الأُمراءِ على هذه العِدَّة، لا عنْ أَنْ يَعْتَقِدَ أنَّ ههنا أُمراءَ، هذا ما لا يَشُكُّ فيه عاقلٌ؛ وإنما يكونُ النهْيُ عن ذلك إذا قلتَ: لا تَعْتقِدْ أَنَّ ههنا أُمراءَ. لأنَّك حينئذٍ تَصيرُ كأنَّك قلَْتَ: لا تعتقِدْ وجودَ أمراءَ. هذا ولو كان الخطابُ مع المؤمنينَ، لكانَ تَقديرُ الحكايةِ لا يَصِحُّ أيضًا. ذاكَ لأنه لا يجوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ المؤمنينَ نُهُوا عن أنْ يَحْكُوا عن النصارى مقالَتَهم ويُخْبروا عنْهم بأنهم يقولون: كَيْتَ وكيْتَ: كيفَ وقد قال اللهُ تعالى: ﴿وَقَالَتِ اليهود عُزَيْرٌ ابن الله وَقَالَتْ النصارى المسيح ابن الله﴾ [التوبة: ٣٠]. ومِنْ أين يَصِحُّ النهْيُ عن حكايةِ قولِ المُبْطِل، وفي تَرْك حكايتهِ تركٌ له وكفره وامتناعٌ من النعْي عليه والإنكارِ لِقَوْلِه والاحتجاج عليه، وإقامةِ الدليل على بُطْلانه، لأنه لا سبيلَ إلى شيءٍ من ذلك إلاَّ مِنْ بَعْدِ حكايةِ القولِ والإفصاح به، فاعرفْهُ!
[ ٣٢١ ]