اعْلَمْ أنها تفيد في الكلام بَعْدَها، إيجابَ الفعلِ لشيءٍ ونَفْيَه عن غيرِه. فإذا قلْتَ: (إنما جاءني زيدٌ)، عُقِلَ منه أنكَ أرَدْتَ أن تنفيَ أن يكونَ الجائي غيرَه. فمعنى الكلام معَها شبيهٌ بالمعنى في قولك: (جاءني زيدٌ لا عمرو)؛ إلا أنَّ لها مزيَّةً وهي أنَّك تَعْقِلُ معها إيجابَ الفعلِ لشيء ونفْيَه عن غيره دفعةً واحدةً وفي حالٍ واحدةٍ، وليس كذلك الأمرُ في: (جاءني زيد لا عمرو)؛ فإنك تَعْقلُهما في حالين. ومزيةً ثانية وهي أنها تَجْعلُ الأمرَ ظاهرًا في أنَّ الجائي زيدٌ، ولا يكونُ هذا الظهورُ إذا جعلتَ الكلامَ بـ (لا) فقلْتَ: (جاءني زيدٌ لا عمرو).
"لا" العاطفة و"إنما"
ثم اعلمْ أنَّ قولَنا في (لا) العاطفةِ: إنها تنفي عن الثاني ما وَجَب للأولِ، ليس المرادُ به أنها تنفي عن الثاني أن يكون قد شاركَ الأوَّلَ في الفعل، بل أنها تنفي أن يكونَ الفعلُ الذي قلتَ إنه كان من الأول، قد كان مِن الثاني دون الأولِ، ألا تَرى أنْ ليس المعنى في قولك: (جاءني زيدٌ ولا عمرو)، أنه لم يكُنْ مِن عمرو مجيءٌ إليك مثلُ ما كان من زيدٍ، حتى كأنه عكسُ قولك: (جاءني زيدٌ وعمرو)؛ بل المعنى أنَّ الجائي هو زيدٌ لا عمرو. فهو كلامٌ تقولُه مع مَن يَغْلط في الفعل، قد كان من هذا، فيتوَهَّم أنه كان من ذلك. والنكتةُ أنه لا شُبْهةَ في أنْ ليس ههنا جائيان، وأنه ليس إلا جاءٍ واحدٌ. وإنما الشبهةُ في أنَّ ذلك الجائي زيدٌ أم عمرو، فأنتَ تُحقِّقُ على المخاطب بقولك: (جاءني زيد لا عمرو)، أنه زيدٌ وليس بعمروٍ. ونكتةٌ أخرى وهي أنك لا تقول: (جاءني زيدٌ لا عمرو)، حتى يكونَ قد بلغَ المخاطَبَ أنه كان مجيءٌ إليك من جاءٍ، إلاَّ أنه ظنَّ أنه كان مِنْ عمروٍ فأعلَمْتَه أنه لم يكْن مِنْ عمروٍ ولكنْ مِن زيدٍ.
[ ٢٨٣ ]
وإذْ قد عرفْتَ هذه المعاني في الكلام بـ (لا) العاطفةِ، فاعلمْ أنها بجُملتها، قائمةٌ لك في الكلام بـ (إنما). فإذا قلتَ: (إنما جاءني زيدٌ)، لم يكن غرَضُك أنْ تنفيَ أن يكون قد جاءَ مع زيد غيرُه، ولكنْ أن تنفيَ أن يكونَ المجيءُ الذي قلتَ إنه كان منه، كان من عمرو، وكذلك تكون الشبهةُ مرتفعةً في أنْ ليس ههنا جائيان، وأنْ ليس إلا جاءٍ واحد، وإنما تكون الشبهةُ في أنَّ ذلك الجائي زيدٌ أم عمرو. فإذا قلتَ: (إنما جاءني زيدٌ) حقَّقْتَ الأمرَ في أنه زيد. وكذلك لا تقول: (إنما جاءني زيد)، حتى يكونَ قد بلَغَ المخاطَب أنْ قد جاءك جاءٍ، ولكنَّه ظنَّ أنه عمرو مثلًا، فأعلَمْتَه أنه زيدٌ. فإن قلتَ: فإنه قد يصحُّ أنْ تقول: (إنما جاءني مِنْ بين القوم زيدٌ وحدَه وإنما أتاني مِنْ جملتهم عمروٌ فقط: فإنَّ ذلك شيءٌ كالتكلف، والكلامُ هو الأولُ. ثم الاعتبارُ به إذا أُطْلِقَ فَلَمْ يقيَّد بـ (وحده) وما في معناه. ومعلومٌ أنكَ إذا قلتَ: (إنما جاءني زيدٌ)، ولم تَزدِ عَلَى ذلك، أنَّه لا يَسبقُ إلى القلب مِن المعنى إلاَّ ما قدَّمْنا شرْحَه مِنْ أنك أردْتَ النصَّ على زيد أنه الجائي وأن تُبْطِلَ ظنَّ المخاطَبِ أنَّ المجيء لم يكن منه، ولكنْ كان مِن عمرو، حَسَبَ ما يكونُ إذا قلت: جاءني زيدٌ لا عمرو: فاعرفْه.
النفي والإثبات بما وإلا
وإذْ قد عرفْتَ هذه الجملة، فإنَّا نَذْكُر جملةً من القولِ في (ما) و(إلاَّ) وما يكونُ مِنْ حُكْمهما.
إِعلمْ أنك إذا قلتَ: (ما جاءني إلاَّ زيد). احتمل أمرين: أحدُهما أنْ تُريدَ اختصاصَ زيدٍ بالمجيء وأن تَنْفِيَه عمَّنْ عداه. وأنْ يكونَ كلامًا تقوله لا لأنَّ بالمخاطَب حاجةً إلى أن يعْلمَ أنَّ زيدًا قد جاءك ولكنْ، لأنَّ به حاجةً إلى أن يَعْلم أنه لم يَجِئْ إليكَ غيرُه.
[ ٢٨٤ ]
والثاني أن تُريد الذي ذكَرْناه في (إنما) ويكون كلامًا تقولُه ليُعْلَم أنَّ الجائي زيدٌ لا غيره. فمن ذلك قولُكَ للرجل يَدَّعي أنك قلت قولًا ثم قلتَ خلافَهُ: (ما قلتُ اليوم إلاَّ ما قلتُه أمسِ بعينه). ويقولُ: لم تَر زيدًا وإنما رأيتَ فلانًا: فتقول: (بلْ لم أرَ إلا زيدًا). وعلى ذلك قولُه تعالى: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَآ أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعبدوا الله رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ [المائدة: ١١٧]؛ لأنه ليس المعنى أني لم أزد على ما أمَرْتني به، شيئًا، ولكنَّ المعنى أني لم أدَّع ما أمَرْتَني به أن أقولَه لهم، وقلتُ خِلافَه، ومثالُ ما جاءَ في الشعر، مِنْ ذلك قوله [من السريع]:
قد عَلِمَتْ سَلْمى وجاراتُها ما قطَّر الفارسَ إلاَّ أنا
المعنى: أنا الذي قَطَّر الفارسَ، وليس المعنى على أنه يُريد أن يَزْعُم أنه انفردَ بأن قطَّره، وأنَّهُ لم يُشْركْهُ فيه غيرُه.
وههنا كلامٌ ينبغي أنْ تعلَمه، إلاَّ أنِّي أكتُبُ لكَ من قبلِه مسألةً لأنّ فيها عونًا عليه. قولُه تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى الله مِنْ عِبَادِهِ العلماء﴾ [فاطر: ٢٨]. في تقديم اسم الله ﷿ معنى، خلافُ ما يكونُ لو أُخِّرَ؛ وإنما يَبِينُ لك ذلك إذا اعتبرتَ الحُكْم في (ما وإلاَّ) وحصلْتَ الفرْقَ بين أن تقول: (ما ضَرَبَ زيدًا إلاَّ عمرو)، وبينَ قولِك: (ما ضرَبَ عمروٌ إلا زيدًا). والفرقُ بينهما أنك إذا قلتَ: (ما ضرَبَ زيدًا إلا عمرو) فقدَّمْتَ المنصوبَ، كان الغرَضُ بيانَ الضاربِ: مَنْ هُو، والإخبارُ بأنه عمرو خاصةً دون غيره. وإذا قلتَ: (ما ضرَب عمرو إلاَّ زيدًا)، فقدَّمتَ المرفوعَ، كان الغرضُ بيانَ المضروبِ: مَنْ هو والإخبار بأنه زيدٌ خاصَّةً دونَ غيرِه.
[ ٢٨٥ ]
وإذْ قد عرفْتَ ذلك فاعتبرْ به الآية؛ وإذا اعتبرْتَها بهِ، علمتَ أنَّ تقديمَ اسم الله تعالى إنما كان لأجْلِ أنَّ الغرضَ أن يبيَّن الخاشونَ مَنْ هُمْ، ويُخْبَر بأنهم العلماءُ خاصةً دون غيرهم؛ ولو أُخِّر ذكْرُ اسم الله، وقُدِّم العلماءُ فقيل: (إنما يخشَى العلماءُ الله)، لصارَ المعنى على ضدِّ ما هو عليه الآن، ولصار الغرَضُ بيانَ المَخْشيِّ مَنْ هو والإخبارُ بأنه الله تعالى دون غيرِه، ولم يَجِبْ حينئذٍ أن تكونَ الخَشْيَةُ مِنَ الله تعالى مقصورةً على العلماء، وأن يكونوا مَخْصوصين بها، كما هو الغرضُ في الآية، بل كان يكونُ المعنى أنَّ غيرَ العلماء يَخشَوْن الله تعالى أيضًا، إلاَّ أَنَّهم مع خَشْيتهم الله تعالى، يخشَوْنَ معه غيرَه. والعلماءُ لا يَخْشَونَ غيرَ الله تعالى. وهذا المعنى وإنْ كان قد جاءَ في التنزيل في غيرِ هذه الآية، كقوله تعالى: ﴿وَيَخْشَوْنَهُ وَلاَ يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلاَّ الله﴾ [الأحزاب: ٣٩]، فليس هو الغرضَ في الآية، ولا اللفظُ بمُحْتملِ له البتَّة. ومن أجازَ حَمْلَها عليه كان قد أبطَلَ فائدةَ التقديمِ، وسوَّى بين قولِه تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى الله مِنْ عِبَادِهِ العلماء﴾ [فاطر: ٢٨] وبينَ أنْ يُقالَ: (إنما يخشَى العلماءُ الله). وإذا سوَّى بينهما لَزمَه أن يسوِّيَ بين قولِنا: (ما ضَرَبَ زيدًا إلا عمرو). وبينَ: (ما ضرَب عمرو إلاَّ زيدًا). وذلك ما لا شُبْهةَ في امتناعه.
فهذه هي المسألةُ. وإذْ قد عرفْتَها فالأمر فيها بيِّنٌ أَنَّ الكلامَ بـ (ـما وإلاَّ) قد يكونُ في معنى الكلام بـ (إنما)؛ ألا تَرى إلى وضوح الصورة في قولك: (ما ضربَ زيدًا إلا عمرو، وما ضرب عمرو إلا زيدًا)، أنه في الأول: لِبَيانِ مَن الضاربُ، وفي الثاني: لَبيانَ منْ المضروبُ، وأنْ كان تكلُّفًا أن تَحْمِله على نفْي الشركةِ فتريدُ: بـ (ما ضرَب زيدًا إلاَّ عمرو) أَنه لم يضرِبْهُ اثنانِ وبـ (ـما ضرَب عمرو إلاَّ زيدًا) أنه لم يَضْرِب اثنين؟
[ ٢٨٦ ]
ثم اعلمْ أنَّ السببَ في أنْ لم يكنْ تقديمُ المفعولِ في هذا كتأخيرِه، ولم يكنْ (ما ضَربَ زيدًا إلاَّ عمروٌ وما ضرَبَ عمرو إلا زيدًا) سواءً في المعنى، أنَّ الاختصاصَ يَقعُ في واحدٍ من الفاعلِ والمفعولِ، ولا يقعُ فيهما جميعًا؛ ثم أنه يقعُ في الذي يكون بعد "إلاَّ" منهما، دون الذي قبلَها، لاستحالةِ أن يحدُثَ معنى الحرفِ في الكلمة قبْلَ أن يَجيء الحرفُ. وإذا كان الأمر كذلك، وجَبَ أن يَفْترقَ الحالُ بين أَن تُقدِّم المفعولَ على (إلاَّ) فتقولَ: (ما ضرَب زيدًا إلاَّ عمرو) وبين أن تقدِّم الفاعلَ فتقولَ: (ما ضربَ عمرو إلاَّ زيدًا)؛ لأنَّا إنْ زعَمْنا أنَّ الحالَ لا يَفترِقُ، جعَلْنا المتقدِّمَ كالمتأخِّرِ في جواز حدوثه فيه، وذلك يقتضي المحالَ الذي هو أن يَحْدُثَ معنى (إلاَّ) في الاسم مِنْ قَبْل أن تجيءَ بها، فاعرفْه!
وإذْ قد عَرفْتَ أنَّ الاختصاص مع (إلاَّ) يقعُ في الذي تؤخِّرُهُ من الفاعل والمفعولِ، فكذلك يَقعُ مع (إنما) في المؤخَّر منهما دون المقدَّمِ. فإذا قلت: (إنما ضرَب زيدًا عمرو)، كان الاختصاص في الضاربِ. وإذا قلتَ: (إنما ضربَ عمرو زيدًا)، كان الاختصاصُ في المضروب. وكما لا يَجوزُ أنْ يستويَ الحالُ بين التقديم والتأخيرِ مع (إلاَّ) كذلك لا يجوزُ مع (إنما). وإذا استبَنْتَ هذهِ الجملةَ عرفْتَ منها أنَّ الذي صنعهُ الفرزدقُ في قوله:
وإنما يُدافعُ عن أَحسابهم أنا أو مِثْلي
شيءٌ لو لم يصنَعْه لم يصِحَّ له المعنى. ذاك لأنَّ غرضَه أن يَخُصَّ المُدافِعَ، لا المدافَعَ عنه؛ وأنَّه لا يَزعمُ أنَّ المدافعةَ منه تكونُ عن أحسابهم لا عَن أحسابِ غيرِهم، كما يكون إذا قال: (وما أُدافِعُ إلاَّ عن أحسابهم). وليس ذلك معناه. إنما معناه أنْ يَزعُمَ أنَّ المُدافِعَ هُوَ، لا غيرُه، فاعرِفْ ذلك! فإنَّ الغلَطَ - كما أظَنُّ - يدْخُلُ على كثيرٍ ممَّن تَسمعُهم يقولون: إنه فَصلَ الضميرَ للحَمْل على المعنى فيَرى أنه لو لم يَفْصِلْه لكان يكونُ معناه مثْلَه الآن. هذا، ولا يجوز أن يُنْسَب فيه إلى الضرورةِ فيُجْعَلَ مثَلًا نظيرَ قول الآخر [من الهزج]:
[ ٢٨٧ ]
كَأنَّا يومَ قُرَّى إنَّـ ـما نَقْتُل إيَّانا
لأنه ليس به ضرورةٌ إلى ذلك، من حيث إنَّ (أدافِعُ ويُدافِعُ) واحد في الوزن، فاعرفْ هذا أيضًا!
وجملةُ الأمر أنَّ الواجبَ، أنْ يكونَ اللفظُ على وجهٍ يَجعلُ الاختصاصَ فيه للفرزدق، وذلك لا يكونُ إلاَّ بأنْ يُقدِّم (الأحسابَ) على ضميرِه. وهو لو قال: وإنما أُدافِع عن أَحسابهم)، استكنَّ ضميرُه في الفعل. فلم يتصوَّر تقديم (الأحسابِ) عليه ولم يقع (الأحساب) إلاَّ مؤخَّرًا عن ضَمير الفرزدق. وإذا تأخرتْ انصرفَ الاختصاصُ إليها لا مَحالة.
فإنْ قلتَ: إنه كان عليه أنْ يقول "وإنما أُدافِعُ عن أحسابهم أَنا" فيُقدِّم (الأحسابَ) على (أنا)، قيل: إنه إذا قال: "أُدافِع": كان الفاعلُ الضميرَ المستكنَّ في الفعل، وكان (أنا) الظاهرُ تأكيدًا له، أعني لِلمستكنِّ، والحكْمُ يتعلق بالمؤكَّد دون التأكيد، لأنَّ التأكيدَ كالتكرير، فهو يجيءُ من بَعْد نفوذِ الحكْم ولا يكون تقديمُ الجارِّ مع المَجْرور، الذي هو قولُه (عن أحسابهم) على الضمير الذي هو تأكيدٌ، تقديمًا له على الفاعل، لأنَّ تقديمَ المفعول على الفاعلِ إنما يَكونُ إذا ذكرتَ المفعولَ قبل أن تذْكُر الفاعلَ؛ ولا يكونُ لك إذا قلتَ: (وإنما أُدافعُ عن أحسابهم): سبيلٌ إلى أن تَذْكُر المفعولَ قبل أن تذكُرَ الفاعل، لأنَّ ذكْرَ الفاعلِ ههنا هو ذكْرُ الفعل من حيثُ إنَّ الفاعلَ مستكِنَّ في الفعل، فكيف يُتَصوَّرُ تقديمُ شيءٍ عليه؟ فاعرفْه!
[ ٢٨٨ ]
واعلمْ أَنك إنْ عمَدْت إلى الفاعل والمفعول، فأخَّرْتَهما جميعًا إلى ما بَعْد (إلاَّ) فإنَّ الاختصاصَ يقَعُ حينئذٍ في الذي يلي "إلا" منهما. فإذا قلتَ: (ما ضرَبَ إلاَّ عمرو زيدًا): كان الاختصاصُ في الفاعل، وكان المعنى أنك قلت: إنَّ الضاربَ عمرو لا غيرُه؛ وإن قلْتَ: (ما ضرب إلا زيدًا عمرو)، كان الاختصاصُ في المفعول، وكان المعنى أنك قلتَ: إن المضروبَ زيدٌ لا مَنْ سواه. وحُكْم المفعولين حكْمُ الفاعلِ والمفعولِ فيما ذكرتُ لك. تقول: (لم يكْسُ إلاَّ زيدًا جُبَّةً). فيكونُ المعنى أنه خَصَّ زِيدًا من بين الناس بكُسوةِ الجُبَّة. فإن قلْتَ: (لم يَكْسُ إلا جبَّةً زيدًا): كان المعنى أنه خَصَّ الجبَّةَ من أصناف الكُسْوة. وكذلك الحكُم حيثُ يكونُ بدلَ أحدِ المفعولين جارٌّ ومجرور، كقول السيد الحميري [من السريع]:
لو خُيِّر المِنْبرُ فرْسانَه ما اختار إلاَّ منكُمُ فارسًا
الاختصاص في "منكم" دون "فارسًا"، ولو قلتَ: (ما اختارَ إلاَّ فارسًا منكم": صار الاختصاصُ في "فارسا".
[ ٢٨٩ ]
واعلم أَنَّ الأمرَ في المبتدأ والخَبر إنْ كانا بعد "إنما" عَلَى العبرةِ التي ذكرتُ لكَ في الفاعل والمفعول إِذا أنتَ قدَّمْتَ أَحدَهما على الآخر، معنى ذلك أنك إنْ تركتَ الخبرَ في موضِعهِ فلَمْ تُقدِّمه على المبتدأ، كان الاختصاصُ فيه، وإن قدَّمْتَه على المبتدأ صار الاختصاصُ الذي كان فيه، في المبتدأ تفسيرُ هذا أَنك تقولُ: (إنما هذا لك): فيكون الاختصاصُ في "لك" بدلالةِ أَنك تقولُ: (إنما هذا لك لا لِغيرك): وتقول: (إنما لكَ هذا)، فيكونُ الاختصاصُ في "هذا" بدلالةِ أنك تقول: (إنما لكَ هذا لا ذاك)، والاختصاصُ يكون أبدًا في الذي إذا جئتَ بـ (ـلا) العاطفة كان العطفُ عليه. وإنْ أردْتَ أن يزدادَ ذلك عندَكَ وضوحًا، فانظرْ إلى قوله تعالى: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ البلاغ وَعَلَيْنَا الحساب﴾ [الرعد: ٤٠] وقوله عزَّ وعَلاَ: ﴿إِنَّمَا السبيل عَلَى الذين يَسْتَأْذِنُونَكَ﴾ [التوبة: ٩٣] فإنَّك تَرَى الأمرَ ظاهرًا أنَّ الاختصاصَ في الآية الأولى، في المبتدأ الذي هو البلاغُ والحسابُ دون الخبرِ الذي هو عليك وعلينا، وأنَّه في الآية الثانيةِ في الخَبر الذي هو "عَلَى الذين" دون المبتدأ الذي هو "السبيلُ".
واعلمْ أَنه إذا كان الكلامُ بـ (ما وإلاَّ) كان الذي ذكرتُه مِنْ أنَّ الاختصاصَ يكونُ في الخبر إنْ لم تقدِّمْه وفي المبتدأ إن قدَّمْتَ الخبرَ، أوضحَ وأَبْيَنَ: تقول: (ما زيدٌ إلاَّ قائم)، فيكون المعنى أنَّكَ اختَصَصْتَ القيامَ من بينِ الأوصافِ التي يُتوهَّم كونُ زيدٍ عليها بجَعْله صفةً له. وتقول: (ما قائم إلا زيد)، فيكون المعنى أَنك اختصصْتَ زيدًا بكونه موصوفًا بالقايم، فقد قصَرْتَ في الأول الموصوفَ على الصفةِ، وفي الثاني الصفةَ على الموصوفِ.
[ ٢٩٠ ]
واعلمْ أَنَّ قولَنا في الخبر إذا أُخِّر نحو "ما زيدٌ إلاَّ قائم": أَنك اختصصْتَ القيامَ من بين الأوصاف التي يُتوهَّمُ كونُ زيدٍ عليها، ونفَيْتَ ما عدا القيام عنه، فإنما نعني أنك نفَيْتَ عنه الأوصافَ التي تُنَافي القيامَ نحو أنْ يكونَ جالسًا أو مضطجعًا أو متكئًا أو ما شاكَلَ ذلك، ولم نُردْ أنك نفَيْتَ ما ليس مِنَ القيامِ بسبيلٍ؛ إذْ لسنا نَنْفي عنه بقَوْلِنا: (ما هو إلاّ قائم): أن يكونَ أسودَ أو أبيضَ أو طويلًا أو قصيرًا أو عالِمًا أو جاهِلًا. كما أنَّا إذا قلْنا: (ما قائمٌ إلاّ زيد): لم نُرِد أنه ليس في الدنيا قائمٌ سواه، وإنما نَعْني: ما قائمٌ حيثُ نحن وَبِحَضْرَتِنا، وما أشبَهَ ذلك.
[ ٢٩١ ]
واعلمْ أنَّ الأمرَ بيِّنٌ في قولنا: (ما زيدٌ إلاَّ قائم)، أنْ ليس المعنى على نفْي الشركةِ، ولكنْ على نفْي أنْ لا يكونَ المذكورُ، ويكونَ بدَلَهُ شيءٌ آخر. أَلا ترى أنْ ليس المعنى أنه ليس له مع القيام صفةٌ أخرى، بل المعنى أَنْ ليس له بدَلَ القيام صفةٌ ليستْ بالقيام، وأن ليس القيامُ منفيًا عنه وكائنًا مكانه فيه القعودُ أو الاضطجاعُ أو نحوُهما. فإن قلت: فَصُورَةُ المعنى إذن صُورَتُه، إذا وضعتَ الكلامَ بـ (إنما) فقلت: (إنما هو قائم)، ونحنُ نَرى أنه يجوز في هذا أن تَعْطِفَ بـ (لا) فتقول: (إنما هو قائم لا قاعدٌ)، ولا نرى ذلك جائزًا مع (ما وإلاَّ) إذْ ليس من كلام الناس أَن يقولوا: (ما زيدٌ إلاّ قائم لا قاعد)؛ فإنَّ ذلك إنما لم يَجُزْ مِن حيثُ إنَّكَ إذا قلتَ: (ما زيدٌ إلا قائم)، فقد نفيتَ عنه كلَّ صفةٍ تُنَافي القيامَ، وصرتَ كأنك قلتَ: "ليس هو بقاعدٍ ولا مضطجِعٍ ولا متكئٍ". وهكذا حتى لا تدَعَ صفةً يخرجُ بها من القيام. فإذا قلتَ مِن بَعْد ذلك "لا قاعد" كنتَ قد نفيْت بـ (لا) العاطفةِ شيئًا قد بدأْتَ فنفَيْتَه، وهي موضوعة لأن تنفيَ بها ما بدأْتَ فأَوجبْتَه، لا لأَن تُفيدَ بها النفيَ في شيءٍ قد نَفيتَه. ومن ثَمَّ لم يَجُزْ أنْ تقول: (ما جاءني أحدٌ لا زيد) على أن تعْمَد إلى بعض ما دَخل في النفي بعموم (أحد) فتنفيَه على الخُصوص، بل كان الواجِبُ إذا أردتَ ذلك، أنْ تقول: (ما جاءني أحد ولا زيدٌ)، فتجيء بـ (الواو) مِن قَبْل (لا) حتى تَخْرجَ بذلك عن أن تكونَ عاطفةً، فاعرفْ ذلك!
[ ٢٩٢ ]
وإذْ قد عرفْتَ فسادَ أن تقول: (ما زيدٌ إلاَّ قائمٌ لا قاعد): فإنك تَعْرِفُ بذلك امتناعَ أن تقول: ما جاءني إلا زيدٌ لا عمرو)، و(ما ضربتُ إلا زيدًا لا عمرًا) وما شاكَلَ ذلك. وذلك أَنك إذا قلْتَ: (ما جاءني إلاَّ زيدٌ): فقد نفَيْتَ أن يكون قد جاءك أَحدٌ غيرُه. فإذا قلت: لا عمرو: كنتَ قد طلبتَ أن تنفي بـ (لا) العاطفةِ شيئًا قد تقدَّمْتَ فنفيتَه؛ وذلك - كما عرَّفْتُكَ - خروجٌ بها عن المعنى الذي وُضِعَتْ له، إلى خلافه. فإن قيل: فإنك إذا قلتَ (إنما جاءني زيد): فقد نفَيْتَ فيه أيضًا أن يكون المجيءُ قد كان من غيره. فكان ينبغي أن لا يجوز فيه أيضًا أن تعطف بـ (لا) فتقول: (إنما جاءني زيد لا عمرو). قيل: إنَّ الذي قلْتَه من أنك إذا قلتَ "إنما جاءني زيد" فقد نَفيْتَ فيه أيضًا المجيءَ عن غيره، غيرُ مُسلَّمٍ لك على حقيقته؛ وذلك أنه ليس معكَ إلاَّ قولُكَ: (جاءني زيد). وهو كلام كما تَراه مُثْبَتٌ ليس فيه نَفْيٌ البتةَ، كما كان في قولك: (ما جاءني إلاَّ زيد) وإنما فيه أنك وضعْتَ يدَك عَلَى (زيد) فجعلته الجائي، وذلك وإن أوجبَ انتفاءَ المجيء عن غيرِه، فليس يُوجِبُه مِن أجْل أن كان ذلك إعمالَ نفْي في شيءٍ، وإنما أوجبَه من حيثُ كان المجيءُ الذي أخبرْتَ بهِ مجيئًا مخصوصًا، إذا كان لزيد لم يكن لغيره، والذي أَبَيْناهُ أن تنفيَ بـ (لا) العاطفةِ الفعلَ عن شيءٍ وقد نفَيْتَه عنه لفظًا.
النفي والإثبات بـ "ما" و"غير"
ونظيرُ هذا أنَّا نعْقِل من قولنا: (زيدٌ هو الجائي)، أنَّ هذا المجيءَ لم يَكنْ مِن غيرهِ، ثم لا يمنع ذلك مِن أن تجيءَ فيه بـ (لا) العاطفة فتقولَ: (زيدٌ هو الجائي لا عمرو). لأنَّا لم نَعْقِل ما عقَلْنا من انتفاءِ المجيء عن غيرِه بنَفْي أوقعناهُ على شيءٍ، ولكنْ بأنه لما كان المجيءُ المقصودُ مجيئًا واحدًا، كان النصُّ على زيدٍ بأَنه فاعلُه وإثباتُه له، نَفْيًا له عن غيره، ولكنْ مِن طريقِ المعقولِ لا من طريقِ أَنْ كان في الكلام نَفيٌ كما كان ثَمَّ، فاعرفْه!
[ ٢٩٣ ]
فإن قيل: فإنك إذا قلتَ: (ما جاءني إلا زيدٌ)، ولم يكن غرَضُك أن تنفيَ أَنْ يكونَ قد جاء معهُ واحدٌ آخرُ، كان المجيءُ أيضًا مجيئًا واحدًا، قيل إنه وإنْ كان واحدًا فإنَّك إنما بَيَّنْتَ أنَّ زيدًا الفاعلُ له بأنْ نَفَيْتَ المجيءَ عن كلِّ مَنْ سِوى زيدٍ، كما تصنعُ إذا أردتَ أن تنفيَ أن يكون قد جاء معه جاءٍ آخرُ. وإذا كان كذلك، كان ما قلناه مِن أَنك إنْ جئتَ بـ (لا) العاطفة فقلتَ: (ما جاءني إلاَّ زيدٌ لا عمرو)، كنتَ قد نفَيْتَ الفعلَ عن شيء قد نَفيتَه عنه مرةً، صحيحًا ثابتًا كما قلْنا فاعرفْه!
واعلمْ أنَّ حكْم (غير) في جميع ما ذكرْنا حُكْمُ (إلاَّ). فإذا قلتَ: (ما جاءني غيرُ زيد)، احتملَ أنْ تريدَ نفيَ أنْ يكونَ قد جاء معه إنسانٌ آخرُ، وأنْ تُريدَ نفيَ أنْ لا يكونَ قد جاء، وجاءَ مكانَه واحدٌ آخر ولا يصحُّ أن تقول: ما جاءني غيرُ زيدٍ لا عمروٌ. كما لم يَجُزْ: ما جاءني إلا زيدٌ لا عمرو.
[ ٢٩٤ ]