بسم الله الرحمن الرحيم
بيان في "النظم"، ودخول الشبهة في أمره، وأن مرده إلى "الذوق" ١:
٦٤٢ - أعلمْ أنك لن تَرى عجَبًا أعْجبَ من الذي عليه الناسُ فِي أمرِ النَّظْم"، وذلك أنه ما مِن أَحدٍ لهُ أدنى معرفةٍ إِلاَّ وهو يَعلمُ أن ههنا نظْمًا أحْسَنَ من نظْمٍ، ثم تراهُمْ إذا أنتَ أردْتَ أن تُبَصْرَهم ذلك تَسْدَرُ أعينُهُم٢، وتضلُّ عنهم أفهامُهم. وسببُ ذلك أنهم أولُ شيء عَدِموا العِلْمَ به نفسَه، من حيث حَسِبوه شيئًا غيرَ تَوخِّي معاني النحو، وجعلوه يَكونُ في الألفاظِ دونَ المعاني. فأنتَ تَلْقى الجَهْد حتى تُمِيلَهم عن رأيهم، لأنكَ تُعالِجُ مرَضًا مُزْمنًا، وداءً متمكِّنًا. ثم إِذا أنتَ قُدْتَهم بالخَزَائم إلى الاعترافِ بأنْ لا معنى له غيرُ توخِّي معاني النحو٣، عَرَض لهم من بَعْد خاطِرَ يَدهَشُهُمْ، حتى يكادوا يَعودون إلى رأسِ أمرهم. وذلك أنَّهم يَرَوْنَنا ندَّعي المزيةَ والحُسْن لِنَظْم كلامٍ من غير أن يكونَ فيه من معاني النحو شيءٌ يُتَصوَّرُ أنْ يتفاضَلَ الناسُ في العلمِ به، ويرونَنا لا نَستطيعُ أن نضَع اليَدَ من معاني النحو ووجوه على شيء تزعم أنَّ مِنْ شأنِ هذا أنْ يُوجِبَ المزيَّةَ لكلِّ كلامٍ يكونُ فيه، بل يَرَوْننا ندَّعي المزيةَ لكلِّ ما ندَّعيها له مِن معاني النحو ووجوه وفُروقهِ في موضعٍ دونَ مَوْضِعٍ، وفي كلامٍ دون كلامٍ، وفي الأقلِّ دونَ الأَكثرِ، وفي الواحدِ من الأَلْف. فإِذا رأَوْا الأمرَ كذلكَ، دخلَتْهم الشُّبْهَةُ وقالوا: كيف يصَيرُ المعروفُ مَجهولًا؟ ومِنْ أَين يُتصوَّر أن يكونَ للشيءِ في كلام مزيةٌ عليه في كلامٍ آخَر، بعْدَ أن تكون حقيقته فيهما حقيقة واحدة.
_________________
(١) ١ هذا الفصل يأتي في "ج"، في ص: ٣٤٣ منها، بعد آخر الفقرة: ٦٣٣ مباشرة، وما بينهما زيادة في المطبوعة ليست في "ج". ٢ "سدر بصره يسدر سدرًا"، تحير فلم يكد يبصر. ٣ "الخزائم" جمع "خزامة"، وهي حلقة من شعر تجعل في وترة أنف البعير، يشد بها الزمام.
[ ٥٤٦ ]
فإذا رأوا التنكير يكون فيما لا يصحى منَ المواضِعِ ثم لا يَقْتضي فَضْلًا، ولا يُوجِبُ مزيةً، اتَّهمونا في دَعْوانا ما ادَّعيناه لتنكير الحياة في قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩]، من أنَّ له حُسْنًا ومزيةً، وأنَّ فيه بلاغة عَجيبة، وظَنُّوه وهْمًا منَّا وتخيُّلًا.
ولسنا نَستطيعُ في كشْفِ الشُبهة في هذا عنهم، وتصويرِ الذي هو الحقُّ عندهم، ما استطعناهُ في نَفْس النظْم، لأنَّا ملَكْنا في ذلك أن نَضْطرَّهم إلى أن يَعْلموا صحَّةَ ما نقولُ. وليس الأمرُ في هذا كذلك، فليس الداءُ فيه بالهيِّن، ولا هو بحيثُ إذا رُمْتَ العلاجَ منه وجدتَ الإمكانَ فيه مع كلِّ أحدٍ مُسْعِفًا، والسعيَ مُنْجِحًا، لأنَّ المزايا التي تحتاجُ أن تُعْلِمَهم مكانَها وتصورَ لهم شأنها، أمور خفيفة، ومعان روحاية، أنتَ لا تستطيعُ أن تُنَبِّه السامِعَ لها، وتحدث له علمًا بها، حتى يكون مهيئًا لإدراكها، وتكونَ فيه طبيعةٌ قابلةٌ لها، ويكونَ له ذوق وقريجة يَجِدُ لهما في نفسه إحساسًا بأنَّ مِن شأن هذه الوجوه والفروق أن تعرض فيه المزية على الجملة ومن إذا تصفَّح الكلامَ وتدبَّر الشعرَ، فرَّقَ بين موقع شيء منها وشيء، ومن إذا أنشدته قوله:
لي منْكَ ما للنَّاس كلِّهِمُ نَظَرٌ وتَسليمٌ على الطرق١
_________________
(١) ١ لشمروخ، وهو "أبو عمارة" "محمد بن أحمد بن أبي مرة المكي"، وهي أبيات في معجم الشعراء: ٤٣٨، والزهرة: ١٠، ومصارع العشاق ص: ١٧٤، غير منسوب. وأبياته هي: يا من بدائع حسن صورته تثنى إليه أعنه الحدق لي منْكَ ما للنَّاس كلِّهِمُ نَظَرٌ وتَسليمٌ على الطرق لكنهم سعدوا بأمنهم وشقيت حين أراك بالفرق سلموا من البلوى ولي كبد حرى ودمعة هائم ملق
[ ٥٤٧ ]
وقول البحتري:
وسَأَسْتَقِلُّ لكَ الدموعَ صبابَةً وَلَو أنَّ دِجْلةَ لي عليك دموع١
وقوله:
رأت فلتات الشَّيبِ فابتسمتْ لها وقالتْ نجومٌ لو طَلَعْنَ بأسعد٢
وقول أبي نواس:
ركبٌ تَساقَوا على الأكْوارِ بَينَهُمُ كأسَ الكرَى، فانتشَى المَسْقيُّ والساقي
كأنَّ أعناقَهُمْ، والنومُ واضِعُها على المناكب لم تعمد بأعناق٣
وقوله:
يا صاحبي عصيت مصطبحًا وغدوت للذات مطروحًا
فتزُّودوا منِّي مُحادَثةً حَذرُ العَصَا لم يُبقِ لي مرحا٤
وقول إسمعيل بن يسار:
حتى إذا الصبح بدا ضوءه وغبت الجوزاءُ والمِرْزمُ
خرجتُ والوطءُ خفيٌّ كما يَنْسابُ من مكمنه الأرقم٥
_________________
(١) ١ في ديوانه، في وداع إبراهيم بن الحسن بن سهل. ٢ في ديوانه، وفي المطبوعة: "مكنات الشيب" وشرحها شرحًا غير لائق. و"فلتات الشيب". أول ما أسرع إليه من الشيب فلتة. ٣ في ديوانه، آخر باب المدائح، وانظر التشبيهات لابن أبي عون: ١٨٩، والحيوان ٧: ٢٥٨، والبرصان: ٥٣١، وفي رواية البيت الثاني "لم تعمد". في هامش المخطوطة: "لم تعدل"، وفي الديوان: "لم تدعم"، وكل جيد في معنى واحد. ٤ في ديوانه، في الخمريات. ٥ شعره في الأغاني ٤: ٤١٧، "الدار"، و"الجوزاء" يعني نظم الجوزاء، وهو أحد المبرزمين، وهما من النجوم التي تغيب عند دنو الصبح. و"الأرقم"، الحية.
[ ٥٤٨ ]
أنق لها، وأخذته الأربحية عندها، وعرف لطف موقع "الحذف" و"التنكير" في قوله:
نظرٌ وتسليمٌ على الطرقِ
وما في قولِ البحتري: "لي عليكَ دموعُ" مِنْ شبْه السِّحر، وأنَّ ذلك من أجْل تقديم "لي" على "عليك"، ثم تنكيرِ "الدموع" وعرَفَ كذلك شرَفَ قولِه:
وقالتْ نجومٌ لو طلعْن بأسعد
وغلو طبقتِه، ودقةَ صنعتِه.
٦٤٣ - والبلاءَ١، والداءَ العياء، إنَّ هذا الإِحساسَ قليلٌ في الناس، حتى إنه ليكونُ أن يقعَ للرجل الشيءُ من هذه الفروقِ والوجوهِ في شِعْرٍ يقوله: أو رسالةٍ يكتُبها، الموقعَ الحسَن. ثم لا يعلمُ أنه قد أحْسَنَ. فأمَّا الجهلُ بمكانِ الإِساءة فلا تَعْدمُه، فلستَ تملكُ إذًا من أمرِكَ شيئًا حتى تظفرَ بمَنْ له طبعٌ إذا قدحْتَه وَرَى، وقلبٌ إذا أرْيتَهُ رأى، فأمَّا وصاحبُك مَنْ لا يرى ما تُريه، ولا يهتدي للذي تَهديه، فأنتَ رام في غيرِ مَرْمًى، ومُعَنٍّ نفسَك في غيرِ جَدْوى، وكما لا تُقيم الشعرَ في نفسِ مَن لا ذوقَ له، كذلك لا تُفهِمُ هذا الشأنَ مَنْ لم يؤْتَ الآلة التي بها يَفْهم، إلاَّ أنه إنما يكونُ البلاءُ إذا ظنَّ العادِمُ لها أنه أُوتيَها، وأنه ممَّنْ يكملُ للحكْم، ويصحُّ منه القضاءُ، فجعَل يقول القولَ لو علِمَ غبه لاستحى منه. فاما الذي يحسن بالنقص من نفسه، ويعلم أنه قد عدم علمًا قد أوتيته مِنْ سِواه، فأنتَ منه في راحة، وهو رجلٌ عاقلٌ قد حماهُ عقلُه أنْ يعْدُو طورَهُ، وأن يتكلَّف ما ليس بأهلٍ لَهُ.
_________________
(١) ١ هذه الفقرة كلها: ٦٤٣، هي ختام الرسالة الشافية رقم: ٥٠ كما سيأتي ورحم الله الشيخ الكبير عبد القاهر، فكأنه يتكلم في هذا كله عن زماننا نحن، لا عن زمانه.
[ ٥٤٩ ]
وإِذا كانَتِ العلومُ التي لها أصولُ معروفةٌ، وقوانينُ مضبوطةٌ قد اشتركَ الناسُ في العِلْم بها، واتَّفقوا على أنَّ البناءَ عليها، إذا أخطأ فيها المخطئ ثم أعجب برأيه، لم تستطع رَدُّه عن هواه، وصَرْفُه عن الرأي الذي رآه، إلاَّ بَعْدَ الجهْدِ، وإلاَّ بعد أن يكونَ حَصيفًا عاقِلًا ثَبْتًا إذا نُبِّهَ انْتَبَهَ، وإِذا قيلَ: إنَّ عليكَ بقيةً مِنَ النَّظَرِ، وقفَ وأصْغى، وخَشِيَ أن يكونَ قد غُرَّ، فاحتاطَ باستماعِ ما يُقال له، وأنِفَ من أن يلجَّ من غير بيِّنة، ويستطيلَ بغيرِ حُجَّة، وكان مَنْ هذا وصْفُه يَعزُّ ويقِلُّ١ فكيف بأنْ تَرُدَّ الناسَ عن رأيهم في هذا الشأنِ، وأصلُك الذي تردُّهم إليه، وتعقول في محاجَّتهم عليه، استشهادُ القرائحِ، وسَبْرُ النفوسِ وقلبها، وما يعرض فيها من الأريحية عندما تمسع، وكانَ ذلك الذي يَفتحُ لك سمعَهم، ويكشِفُ الغِطاءَ عن أعيُنهمْ، ويَصْرِفُ إليكَ أوجُهَهُم، وهم لا يَضعُون أنفُسَهم موضِعَ منَ يرى الرأيَ ويُفتي ويَقْضي، إلاَّ وعندَهم أنهم ممَّن صفتْ قريحَتُه، وصحَّ ذوقُه، وتمَّتْ أداتُه. فإِذا قلتَ لهم: "إنكم قد أُتيتُمْ مِن أنفْسِكم"، رَدُّوا عليكَ مثلَه وقالوا: "لا، بل قرائِحُنا أصحُّ، ونظرُنا أصْدَقُ، وحِسُّنا أَذْكى، وإنما الآفةُ فيكُم لأنكم خيلتم إلى أنفسكم أُمورًا لا حاصِل لها، وأوهَمَكُم الهوى والميلُ أنْ تُوجِبوا لأحدِ النظْمَيْنِ المتساويَيْن فضْلًا على الآخَرِ، مِن غيرِ أن يكونَ ذلك الفضْلُ معقولًا" فتبقى في أيدهم حَسِيرًا لا تَملكُ غيرَ التعجُّب. فليس الكلامُ إذن بمعن عنك، ولا القولُ بنافعٍ، ولا الحُجَّةُ مسموعةً، حتى تجدَ مَنْ فيه عونٌ لكَ على نفسه، ومن إذا أبى عليكَ، أبى ذَاك طبعُه فردَّه إليكَ، وفتَحَ سمعه لك، ورفع الحجاب بينك
_________________
(١) ١ السياق آت من أول الفقرة: "وإِذا كانَتِ العلومُ التي لها أصولُ معروفةٌ فكيف بأن ترده".
[ ٥٥٠ ]
وبينَه، وأخذَ به إلى حيثُ أنتَ، وصرَفَ ناظِرَه إلى الجهة التي إليها أوْمأتَ، فاستبدَلَ بالنِّفار أُنْسًا، وأراكَ مِنْ بَعْد الإِباء قَبُولًا.
٦٤٤ - ولم يكنِ الأمرُ على هذه الجملةِ إلاَّ لأنه ليس في أصنافِ العلومِ الخفيَّةِ، والأُمور الغامضةِ الدقيقةِ، أعجبُ طريقًا في الخفاء من هذا. وإنَّكَ لَتُتْعِبُ في الشيء نفْسَك، وتُكِدُّ فيه فكْرَك، وتَجْهَدُ فيه كلَّ جَهْدِك، حتى إِذا قلتَ قد قتَلْتُه عِلْمًا، وأحكَمْتُه فَهْمًا، كنت بالذيلا يزال يتراءى لك فيه من شبهة، ويعرض فيه من شك١، كما قال أبو نواس:
أَلاَ لا أَرى مثْلَ امترائيَ في رَسْمِ تغص به عيني ويلظفه وهمي
أنت صُوَرُ الأشياءِ بَيني وبينَهُ فظَنِّي كَلاَ ظَنِّ، وعِلْمي كَلاَ عِلْمِ٢
٦٤٥ - وإنكَ لتنظرُ في البيتِ دهرًا طويلًا وتفسره، ولا ترى أنه فيه شيئًا لم تَعلَمْه، ثم يبدو لكَ فيه أمرٌ خفيٌّ لم تكنْ قد علِمْتَه، مثال ذلك بيت المتنبي:
خطأ خفي في "النظم":
عَجَبًا لهُ! حِفْظُ العِنَانِ بأنْمُلٍ ما حِفْظُها الأشياءَ مِنْ عاداتِها٣
مضى الدهرُ الطويلُ ونحن نقرؤه فلا نُنْكِرُ منه شيئًا، ولا يَقَعُ لنا أنَّ فيه خطأَ، ثم بانَ بأَخِرةٍ أنه قد أخطأ. وذلك أنه كان ينبغي أن يقولَ: "ما حفظُ الأشياءِ من عادتها"، فيضيفُ المصدرَ إلى المفعولِ، فلا يَذكُر الفاعلَ، ذاك لأن المعنى على
_________________
(١) ١ يقول: كنت بهذا الذي يتراءى لك، كما قال أبو نواس. ٢ في ديوانه، "في باب الخمريات"، وفيه: "فجهل كلا جهل". ٣ في ديوانه، وفي "ج"، "حفظ البنان"، خطأ صرف.
[ ٥٥١ ]
أنه ينفي الحفْظَ عن أنامله جُملةً، وأنه يزْعُم أنه لا يكونُ منها أصْلًا، وإضافَتُه الحفظَ إلى ضميرِها في قوله: "ما حفظُها الأشياءَ"، يقتضي أن يكون قد أثبْتَ لها حِفْظًا١. ونظيرُ هذا أنك تقول: "ليس الخروجُ في مثل هذا الوقت من عادي"، ولا تقولُ: "ليس خُروجي في مثلِ هذا الوقت من عادتي"، وكذلك تقولُ: "ليس ذمُّ الناسِ مِنْ شأني"، ولا تقولُ: "ليس ذمِّي الناسَ مِنْ شأني"، لأن ذلك يُوجِبُ إثباتَ الذمِّ ووجودَه منك. ولا يصِحُّ قياسُ المصْدَرِ في هذا على الفعل، أعني أنه لا ينبغي أن يُظَنَّ أنه كما يجوز أن يُقال: "ما مِن عادتها أن تَحْفظَ الأشياءَ"، كذلك ينبغي أن يجوزَ: "ما مِنْ عادتها حفظها الأشياء"، ذاك أن إضافة المضدر إلى الفاعل يقتضي وجودَه، وأنه قد كان منه، يُبيِّنُ ذلك أنك تقولُ: "أمرْتُ زيدًا بأن يَخْرج غدًا"، ولا تقول: "أمرتُه بخروجهِ غدًا".
٦٤٦ - ومما فيه خطأ هو في غاية الخفاء قوله:
ولا تشك إلى خلق فتشمته شكوى الخريج إلى الغِربانٍ والرَّخَمِ٢
وذلك أنك إِذا قلتَ: "لا تضجر ضجر زيد"، كانت قد جعلْتَ زيدًا يضجرُ ضَرْبًا من الضجر، مثْلَ أن تجعله يُفرِّطُ فيه أو يُسْرعُ إليه. هذا هو مُوجِبُ العُرْفِ. ثم إنْ لم تعتبر خصوصًا وصْفٍ، فلا أقلَّ من أن تَجعلَ الضجَرَ على الجملةِ من عادتِهِ، وأنْ تَجعلَه قد كان منه. وإذا كان كذلك، اقتضَى قولُه:
_________________
(١) ١ في هامش "ج" بخط كاتبها ما نصه: "فيكون المعنى أن حفظ الأشياء ليس عادة له، فالمنفي حينئذ كون الحفظ عادة له، والمراد عدم ثبوت الحفظ له أبدًا". ٢ هو في ديوانه.
[ ٥٥٢ ]
شكوى الجريحِ إلى الغربانِ والرخَمِ
أنْ يكونَ ههنا "جريح"، قد عرف من حاله أنه يكون له "شكوى إلى الغربان والرخم"، وذاك مُحال. وإنما العبارةُ الصحيحةُ في هذا أن يقال: "لا تَشَكَّ إلى خَلْقٍ، فإنَّكَ إنْ فعلتَ كان مثَلُ ذلكَ مثَلَ أنْ تُصوِّرَ في وهْمِك أنَّ بَعيرًا دَبِرًا كشَفَ عن جرحه١، ثم شكاه إلى الغربان والرخم".
خطأ آخر في اتباع تأويل لبعض العلماء:
٦٤٧ - ومن ذلك تَرى من العلماءِ مَن قد تأوَّلَ في الشيء تأويلًا وقَضى فيه بأمرٍ، فتَعْتَقِدُه اتِّباعًا له، ولا تَرتابُ أنه على ما قَضى وتأوَّلَ، وتَبْقى على ذلك الاعتقادِ الزمانَ الطويلَ، ثم يلوحُ لك ما تعلَم به أنَّ الأمرَ على خِلاف ما قَدَّرَ. ومثالُ ذلك أنَّ أبا القاسم الآمديَّ، ذكَر بيتَ البحتريِّ:
فصاغَ ما صاغَ مِنْ تِبْرٍ ومِنْ وَرِقٍ وحاكَ ما حاكَ من وَشْي وديباجِ٢
ثم قال: "صَوْغُ الغيث وحَوكُه للنبات ليس باستعارةِ، بلْ هو حقيقةٌ، ولذلك لا يقالُ: "هو صائغٌ" ولا "كأنه صائغ" وكذلك لا يقال: "هو حائك" و"كأنه حائك"، قال: "على أنَّ لفظَ "حائك" في غايةِ الركاكة إذا أُخرج على ما أخرجَهُ أبو تمام في قوله:
إِذا الغيثُ غادى نَسْجَهُ خِلْتَ أنه خَلَتْ حُقُبٌ حَرْسٌ له وهْوَ حائكُ٣
قال: وهذا قبيح جدًا"٤.
_________________
(١) ١ "دبر البعير"، إذا تقرح ظهره من الحمل أو القتب، فهو "دبر". ٢ هو في ديوانه، و"الورق"، الفضة. ٣ هو في ديوانه، و"الحرس"، الدهر الطويل. ٤ هذا الذي نقله عن الآمدي هو في الموازنة ١: ٤٩٧، ٤٩٨، "دار المعارف".
[ ٥٥٣ ]
فقلتُ: لمَ ترَكَ الأستاذُ هذا البيتَ؟ فقال: لعلَّ القلمَ تجاوَزَهُ؟ قال: "ثم رآني من بَعْدُ فاعتذرَ بعُذرٍ كان شَرًّا مِنْ تَرْكه. قال: إنما تركْتُه لأنه أعادَ السيفَ أربعَ مرّاتٍ. قال الصاحِبُ: لَوْ لم يُعِدْه أربعَ مراتٍ فقال:"بجهلٍ كجهلِ السيف وهو مُنْتَضى، حلم كحِلم السيفِ وهو مغمدُ"، لفسَدَ البيْتُ".
والأمرُ كما قال الصاحبُ، والسببُ في ذلك أنك إذا حدَّثْتَ عن اسمٍ مُضافٍ، ثم أردْتَ أن تَذْكُر المضافَ إليهِ، فإِن البلاغَة تقتضي أن تذكره باسمه الظاهر ولا تضمره.
٦٤٩ - تفسير هذا أنَّ الذي هوَ الحسَنُ الجميلُ أن تقولَ: "جاءني غلامُ زيدٍ وزيدٌ"، ويقبُحُ أن تقول: "جاءني غلامُ زيدٍ وهُو"، ومن الشاهِد في ذلك قول دعيل:
أضيافُ عِمران في خِصْبٍ وفي سَعةٍ وفي حِبَاءِ وخَيرٍ غيرِ ممنوعِ
وضيفُ عمرٍو وعمرٌو يَسْهرانِ معًا عمرو لبِطْنَتِه والضيفُ للجُوعِ١
وقولُ لآخر:
وإنْ طُرَّةٌ راقَتْكَ فانْظُرْ فرُبَّما أَمَرَّ مذاقُ العود والعود أخضر٢
_________________
(١) ١ هو في مجموع ديوانه، وفي الكامل للبمرد ٢: ١٠٤، وروايته: أضياف سالم في خفض وفي دعة وفي شراب ولحم غير ممنوع ٢ هو في أسرار البلاغة: ١٠٤، و"الطرة" في الأصل حاشية الثوب، وموع هدبه. و"طرة الجارية"، أن يقطع لها في مقدم ناصيتها كالعلم أو كالطرة تحت التاج، تتجمل بذلك.
[ ٥٥٥ ]
وقول المنتبى:
بمن نضرب الأمثال أم من نفيسه إليكَ وأهْلُ الدهرِ دونكَ والدهرُ١
ليس بخفيٍّ على مَنْ لَهُ ذوقٌ أنه لو أتى موضعُ الظاهرِ في ذلك كله بالضمير فقيل: "وضيفُ عمروِ وهو يسهران معًا"، و"ربما أمرَّ مذاقُ العودِ وهو أخضر"، و"أهلُ الدهر دونَكَ وهو"، لعُدِمَ حُسْنٌ ومزيةٌ لا خفاءَ بأمرِهما، ليس لأنَّ الشعرَ يَنكَسِرُ، ولكنْ تنكره النفس.
٦٥٠ - وقد يرى في بادئ الرأي أنَّ ذلك من أجْل اللَّبْسِ، وأنكَ إذا قلتَ: "جاءني غلامُ زيدٍ وهو"، كان الذي يقَعُ في نفسِ السامعِ أنَّ الضميرَ للغلام، وأنكَ على أنْ تجيءَ له بخَبر، إلا أنَّه لا يستمرُّ، من حيثُ إنَّا نقول: "جاءني غلمانُ زيدٍ وهو"، فتَجِدُ الاستنكارَ ونبُوَّ النفسِ، مع أنْ لا لَبْسَ مثْلَ الذي وجدْناه. وإذا كان كذلك، وجَب أن يكونَ السببُ غيرَ ذلك.
٦٥١ - والذي يوجُبِه التأمُّلُ أن يُردَّ إلى الأصْل الذي ذَكَره الجاحِظُ: من أنَّ سائلًا سألَ عن قولِ قيسِ بنِ خارجة: "عندي قِرى كلِّ نازلٍ، ورضَى كلِّ ساخِطٍ، وخُطبةٌ مِنْ لَدُنْ تطْلُعُ الشمسُ إلى أن تَغْرُبَ، آمرُ فيها بالتَّواصُل، وأَنْهى فيها عن التقاطُع"، فقال: أليسَ الأمرُ بالصِّلة هو النهيُ عن التقاطعِ؟ قال فقال أبو يعقوب: أما علمتَ أنَّ الكنايةَ والتعريضَ لا يَعملان في العقولِ عملَ الإِفصاحِ والتكشيف"، ٢ وذكرتُ هناك أن هذا الذي ذُكِر، من أنَّ للتصريحِ عملًا لا يكون
_________________
(١) ١ هو في ديوانه. ٢ هو فيما سلف رقم: ١٧٤، وفيه في البيان: "فقيلَ لأبي يعقوب: هلاَّ اكْتَفى بالأمِر بالتواصلِ والنهي علن التقاطع، أو ليس الأمرُ بالصلةِ هو النهْيُ عن التقاطعِ؟ قال: أو ما علمت أن الكناية ".
[ ٥٥٦ ]
مثلُ ذلك العملِ للكنايةِ، كان لإعادةِ اللفظِ في قولهِ تعالى: ﴿وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ﴾ [الإسراء: ١٠٥]، وقولِه: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص: ١، ٢]، عملٌ لولاها لم يَكنْ. وإِذا كان هذا ثابتًا معلومًا، فهو حكْم مسألتنا.
٦٥٢ - ومن البيِّنِ الجليِّ في هذا المعنى، وهو كبيتِ ابن الرومي سواءٌ، لأنه تشبيهٌ مثْلُه بيتُ الحماسة:
شَدَدْنا شَدَّةَ الليثِ غدا والليثُ غضبانُ١
ومن الباب قول النابغة:
نفْسُ عصامٍ سوَّدتْ عِصاما وعلَّمَتْهُ الكرَّ والإِقداما٢
لا يخفَى على مَنْ له ذوقٌ حسَنٌ هذا الإظهارَ، وأنَّ له موقعًا في النفس، وباعثًا للأربحية، لا يكون إِذا قيل: "نفسُ عصامٍ سَوَّدته"، شيء منه البتة.
"تم الكتاب"
"في أواسط شهر ربيع الول سنة ثمان وستين وخمسئة. غفر الله لكاتبه ولوالديه ولجميع المؤمنين والمؤمنات برحمته إنه أرحم الراحمين وخير الغافرين".
_________________
(١) ١ الشعر للفند الزماني، شرح حماسة أبي تمام للتبريزي ١: ١٣، وروايته: "مشينا مشية الليث"، رواية أخرى. ٢ للنابغة، يقول لبواب النعمام بن المنذر: "عصام بن شهبرة الجرمي"، الفاخر للمفضل بن سلمة: ١٤٥ وغيره.
[ ٥٥٧ ]