قال الشيخ عبد القاهر بن عبد الرحمن ﵁: الحمدُ لله ربِّ العالمينَ حمدَ الشاكرينَ، وصلَواتُه على النبي محمد وآله أجمعين.
١ - آعلم أن لكل نوع من المعنى نوعًا من اللفظ هو به أخص وأولى، وضروبًا من العبارة هو بتأديته أقوم، وهو فيه أجلى، ومأخذًا إذا أخذ منه كان إلى الفهم أقرب، وبالقبول أخلق، وكان السمع له أوعى، والنفس إليه أميل. وإذا كان الشيء متعلقًا بغيره، ومقيسًا على ما سواه، كان من خير ما يستعان به على تقريبه من الأفهام، وتقريره في النفوس، أن يوضع له مثال يكشف عن جهة ويؤنس به، ويكون زمامًا عليه يمسكه على المتفهم له والطالب علمه.
٢ - وهذه جمل من القول في بيان عجز العرب حين تحدوا إلى معارضة القرآن، وإذعانهم وعلمهم أن الذي سمعوه فائتٌ للقوى البشرية، ومتجاوزٌ للذي يتَّسع له ذرع المخلوقين وفيما يتصل بذلك مما له اختصاص بعلم أحوال الشعراء والبلغاء ومراتبهم، وبعلم الأدب جملة قد تحريت فيه االإيضاح والتبيين، وحذوت الكلام حذوًا هو بعرف علماء العربية أشبه، وفي طريقهم أذهب، وإلى الأفهام جملة أقرب. وأسأل الله التوفيق للصواب والعون عليه، والإرشاد إلى كل ما يزلف لديه، إنه على ما يشاء قدير.
٣ - معلوم أن سبيل الكلام سبيل ما يدخله التفاضل، وأن للتفاضل فيه غايات ينأى بعضها عن بعض، ومنازل يعلو بعضها بعضًا، وأن علم ذلك علم يخص أهله، وأن الأصل والقدوة فيه العرب، ومن عداهم نبع لهم، وقاصر فيه عنهم،
[ ٥٧٥ ]
وأنه لا يجوز أن يدعي للمتأخرين من الخطباء والبلغاء عن زمان النبي ﷺ الذي نزل فيه الوحي، وكان فيه التحدي١، أنهم زادوا على أولئك الأولين، أو كملوا في علم البلاغة أو تعاطبها لما لم يكملوا له. كيف؟ ونحن نراهم يحملون عنهم أنفسهم٢، ويبرأون من دعوى المداناة معهم، فضلًا عن الزيادة عليهم.
هذا خالد بن صفوان يقول: "كيف نجاريهم وإنما نحكيهم؟ أم كيف نسابقهم، وإنما نجرى على ما سبق إليينا من أعرافهم؟ ".
ونرى الجاحظ يدعي للعرب الفضل على الأمم كلها في الخطابة والبلاغة، ويناظر في ذلك الشعوبية، ويجهلهم ويسفه أحلامهم في إنكارهم ذلك، ويقضي عليهم بالشفوة وبالتهالك في العصبية، ويبطل ويطنب، مث يقول:
"ونحن أبقاك الله إذا ادعينا للعرب الفضل على الأمم كلها في أصناف البلاغة، من القصيد والأرجاز، ومن المنثور والأسجاع، ومن المزدوج وما لا يزدوج، فمعنا على أن ذلك لهم٣ شاهد صادق، من الديباجة الكريمة، والرونق العجيب، والسبك والنحت الذي لا يستطيع أشعر الناس اليوم ولا أرفعهم في البيان أن يقول مثل ذلك، إلا في اليسير والشيء القليل". انتهى كلامه٤.
_________________
(١) ١ السياق: "وأنه لا يجوز أن يدعي للمتأخرين أنهم زادوا". ٢ في المخطوطة "ج": "يجعلون عنهم"، وصححها ناشرو هذه الرسالة: "يجهلون عنه"، وكلاهما مقال فاسد. وقوله: "يخملون عنهم أنفسهم"، أن يضعون من أنفسهم ويخفضونها توفيرًا لهم، ومعرفة بفضلهم. ٣ في البيان والتبيين: "فمعنا العلم أن ذلك لهم"، وحذف لفظ "العلم" ههنا أجود. والسياق: "فمعنا شاهد صادق". ٤ البيان والتبيين ٣: ٢٩.
[ ٥٧٦ ]
والأمرُ في ذلك أظْهَرُ مِنْ أن يَخْفى، أو أن ينكره إلا جاهل أو معاند.
٤ - وإذا ثبت أنهم الأصل والقدوة، فإن علمهم العلم. فبنا أن ننظر في دلائل أحوالهم وأقوالهم حين تلى عليهم القرآن وتحدوا إليه، وملئت مسامعهم من المطالبة بأن يأتوا بمثله، ومن التقريع بالعجز عنه، وبت الحكم بأنهم لا يستطيعونه ولا يقدرون عليه.
وإذا نظرنا وجدناها تفصح بأنهم لم يشكوا في عجزهم عن معارضته والإتيان بمثله، ولم تحدثهم أنفسهم بأن لهم إلى ذلك سبيلًا على وجه من الوجوه.
٥ - ١أما "الأحوال" فدلت من حيث كان المتعارف من عادات الناس التي لا تختلف، وطبائعهم التي لا تتبدل، أن لا يسلموا لخصومهم الفضيلة وهم يجدون سبيلًا إلى دفعها، ولا ينتحلون العجز وهم يستطيعون قهرهم والظهور عليهم. كيف؟ وإن الشاعر أو الخطيب أو الكاتب يبلغه أن بأقصى الإقليم الذي هو فيه من يبأى بنفسه٢، ويدل بشعر يقوله، أو خطبة يقوم بها، أو رسالة يعملها، فيدخله من الأنفة والحمية ما يدعوه إلى معارضته، وإلى أن يظهر ما عنده من الفضل، ويبذل ما لديه من المنة، حتى إنه ليتوصل إلى أن يكتب إليه، وأن يعرض كلامه عليه٣، بعض العلل وبنوع من التمحل. هذا، وهو لم ير
_________________
(١) ١ هذا أول الكلام في "الأحوال"، وسيأتي القول في "الأقوال"، من عند رقم: ٧. ٢ "بأى عليه يبأى بأوا"، فخر عليه وأظهر الكبر. ٣ السياق: "ليتوصل بعض العلل".
[ ٥٧٧ ]
ذلك الإنسان قط، ولم يكن منه إليه ما يهز ويحرك ويهيج على تلك المعارضة، ويدعو إلى ذلك التعرض.
وإن كان المدعي ذلك بمرأى منه ومسمع، كان ذلك أدعى له إلى مباراته، وإلى إظهار ما عنده، وإلى أن يعرف الناس أنه لا يقصر عنه، أو أنه منه أفضل.
فإن انضاف إلى ذلك أن يدعوه الرجل إلى مماتنته، ويحركه لمقاولته١، فذلك الذي يسهر ليله ويسلبه القرار، حتى يستفرغ مجهوده في جوابه، ويبلغ أقصى الحد في مناقضته.
وقد عرفت قصة جرير والفرزدق، وكل شاعرين جمعهما عصر، ثم عرض بينهما ما يهيج على المقاولة، ويدعو إلى المفاخرة والمنافرة، كيف جعل كل واحد منهما في مغالبة الآخر، وكيف جعل ذلك همه ووكده٢، وقصر عليه دهره؟ هذا، وليس به، ولا يخشى، إلا أن يقضي لصاحبه بأنه أشعر منه، وأن خاطره أحد، وقوافيه أشرد، لا ينازعه ملكًا، ولا يفتات عليه بغلبته له حقًا، ولا يلزمه به إتاوة، ولا يضرب عليه ضريبة؟
٦ - وإذا كان هذا واجبًا بين نفسين لا يروم أحدهما من مباهاة صاحبه إلا ما يجري على الألسن من ذكره بالفضل فقط، فكيف يجوز أن يظهر في صميم العرب، وفي مثل قريش ذوى الأنفس الأبية والهمم العلية، والأنفة والحمية من يدعي النبوة، ويخبر أنه مبعوث من الله تعالى إلى الخلق كافة، وأنه بشير بالجنة
_________________
(١) ١ "ماتن الرجل"، فعل به مثل ما يفعل به. و"ماتن فلان فلانًا"، إذا عارضه في شعر أو جدل أو خصومة، ليرى أيهما أمتن وأقوى. و"قاوله مقاولة"، فاوضه القول أي قول كان. ٢ "وكده"، مراده وهمه ومقصده.
[ ٥٧٨ ]
ونذير بالنار، وأنه قد نسخ به كل شريعة تقدمته، ودين دان به الناس شرقًا وغربًا، وأنه خاتم النبيين، وأنه لا نبي بعده، إلى سائر ما صدع به صلى الله عليه وسلم١، ثم يقول: "وحجتي أن الله تعالى قد أنزل على كتابًا عربيًا مبينًا، تعرفون ألفاظه، وتفهومون معانيه، إلا أنكم لا تقدرون على أن تأتوا بمثله، ولا بعشر سور منه، ولا بسورة واحدة، ولو جهدتم جهدكم، واجتمع معكم الجن والإنس" ثم لا تدعوهم نفوسهم إلى أن يعارضه، ويبينوا سرفه في دعواه، مع إمكان ذلك، ومع أنهم لم يسمعوا إلا ما عندهم مثله أو قريب منه؟
هذا، وقد بلغ بهم الغيظ من مقالته، ومن الذي ادعاه، حدًا تركوا معه أحلامهم الراجحة، وخرجوا له عن طاعة عقولهم الفاضلة، حتى واجهوه بكل قبيح، ولقوه بكل أذى ومكروه، ووقفوا له بكل طريق، وكادوه وكل من تبعه بضروب المكايدة، وأرادوهم بأنواع الشر.
وهو سمع قط بذي عقل ومسكة استطاع أن يخرس خصمًا له قد اشتط في دعواه بكلمة يجيبه بها، فترك ذلك إلى أمور يسفه فيها، وينسب معها إلى ضيق الذرع والعجز، وإلى أنه مغلوب قد أعوزته الحيلة، وعسر عليه المخلص؟ ٢
أم هل عرف في مجرى العادات، وفي دعواعي النفوس ومبنى الطبائع، أن يدع الرجل ذو اللب حجته على خصمه، فلا يذكرها، ولا يفصح بها، ولا يجلى عن وجهها، ولا يريه الغلط فيما قال، والكذب فيما أدعى، لا، ولا يدعي أن ذلك
_________________
(١) ١ في المطبوعة وحدها: "إلى آخر"، بلا فائدة في التغيير. ٢ في المطبوعة: "وعر عليه المخلص"، تغيير بلا داع.
[ ٥٧٩ ]
عنده١، وأنه مستطيع له، بل يجعل أول جوابه له ومعارضته إياه، التسرع إليه والسفه عليه، واٌدام على قطع رحمه، وعلى الإفراط في أذاه؟
أم هل يجوز أن يخرج خارج من الناس على قوم لهم رياسة، ولهم دين ونحلة، فيولب عليهم الناس، ويدبر في إخراجهم من ديارهم وأموالهم، وفي قتل صناديدهم وكبارهم، وسبى ذرايهم وأولادهم، وعمدته التي يجد بها السبيل إلى تالف من يتألفه٢، ودعاء من يدعوه، دعوى له، إذا هي أبطلت بطل أمره كله، وانتقض عليه تدبيره ثم لا يعرض له في تلك الدعوى، ولا يشتغل بإبطالها، مع إمكان ذلك، ومع أنه ليس بمتعذر ولا ممتنع؟
وهل مثل هذا إلا مثل رجل عرض له خصم من حيث لم يحتسبه، فادعى عليه دعوى إن هي سمعت كان منها على خطر في ماله ونفسه، فأحضر بينة على دعواه تلك، وعند هذا المدعي عليه ما يبطل تلك البينة أو يعارضها، وما يحول على الجملة بينه وبين تنفيذ دعواه، فيدع إظهار ذلك والاحتجاج به، ويضرب عنه جملة، ويدعه وما يريد من إحكام أمره وإتمامه، ثم يصير الحال بينهما إلى المحاربة، وإلى الإخطار بالمهج والنفوس، فيطاوله الحرب، ويقتل فيها أولاده وأعزته، وتنهج عشيرته، وتعنم أمواله، ولا يقع له في أثناء تلك الحال أن يرجع إلى القاضي الذي قضى لخصمه بديًا٣، ولا إلى القوم الذين سمعوا منه وتصوروه بصورة المحق فيقول: "لقد كانت عندي حين أدعي ما أدعي بينه على فساد دعوه وعلى كذب شهوده، قد تركتها تهاونًا بأمره، أو أنسيتها، أو منع مانع دون
_________________
(١) ١ أسقط الناشران: "لا" الأولى اقتحامًا. ٢ غير الناشران فكتبا: "وعدته التي يجد بها السبيل". ٣ "يديا" و"بديئًا" إي من أول الأمر.
[ ٥٨٠ ]
عرضها، وها هي هذه قد جئتكم بها، فانظروا فيها لتعلموا أنكم قد غررتم؟ ".
ومعلوم بالضرورة أن هذا الرجل لو كان من المجانين، لما صح أن يفعل ذلك، فكيف بقوم هم أرجح أهل زمانهم عقولًا، وأكملهم معرفة، وأجزلهم رأيًا، وأثقبهم بصيرة؟ فهذه دلالة "الأحوال".
٧ - ١وأما "الأقوال" فكثيرة:
منها حديث ابن المغيرة٢، روى أنه جاء حتى أتى قريشًا فقال: إن الناس يجتمعون غدًا بالموسم، وقد فشا أمر هذا الرجل في الناس، فهم سائلوكم عنه فماذا تردون عليهم٣؟ فقالوا: مجمون يخنق. فقال: يأتونه فيكلمونه فيجدونه صحيحًا فصيحًا عاقلًا٤، فيكذبونكم! قالوا نقول: هو شاعر. قال: هم العرب، وقد رووا الشعر، وفيهم الشعراء، وقوله ليس يشبه الشعر، فيكذبونكم! قالوا نقول: هو كاهن. قال: إنهم لقوا الكهان، فإذا سمعوا قوله لم يجدوه يشبه الكهنة، فيكذبونكم!
ثم انصرف إلى منزلة فقالوا: صبأ الوليد يعنون: أسلم، ولئن صبأ لا يبقى أحد إلا صبأ. فقال لهم ابن أخيه أبو جهل بن هشام بن المغيرة: أنا
_________________
(١) ١ مضت دلالة "الأحوال" التي بدأت في رقم: ٥، وتبدأ دلالة "الأقوال". وزاد الناشران هنا لفظ "دلالة" قبل الأقوال، ولا حاجة إليها، لأنه قال في رقم: ٥ "وأما الأحوال"، فكذلك فعل هنا. ٢ هو أبو المغيرة، الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، وكان ذا سن ومهابة في قريش، وحديثه في سيرة ابن هشام ١: ٢٨٨، ٢٨٩ بغير هذا اللفظ، ولم أقف عليه بهذا اللفظ بعد. ٣ في المخطوطة: "تردون عليه"، والصواب ما أثبته الناشران "عليهم". ٤ غيرها الناشران فكتبا: "عادلًا"، وهو لا معنى له.
[ ٥٨١ ]
أكفيكموه. قال: فأتاه مخزونًا فقال: ما لك يا ابن أخ؟ قال: هذه قريش تجمع لك صدقة يتصدقون بها عليك، تستعين بها على كبرك وحاجتك. قال: أولست أكثر قريش مالًا؟! قال: بلى، ولكنهم يزعمون أنك صبأت لتصيب من فضل طعام محمد وأصحابه. قال: والله ما يشبعون من الطعام، فكيف يكون لهم فضول؟!
ثم أتى قريشًا فقال: أتزعمون أني صبأت؟ ولعمري ما صبأت، إنكم قلتم: محمد مجنون، وقد ولد بين أظهركم لم يغب عنكم ليلة ولا يومًا فهل رأيتموه يخنق قط؟ وقلتم: شاعر؟ وأنتم شعراء، فهل أحد منكم يقول ما يقول؟ وقلتم: كاهن، فهل حدثكم محمد في شيء يكون في غد إلا أن يقول إن شاء الله! قالوا: فكيف تقول يا أبا المغيرة؟ قال: أقول هو ساحر: فقالوا: وأي شيء السحر؟ قال: شيء يكون ببابل، من حذقه فرق بين الرجل وامرأته، والرجل وأخيه، إنا لله، أفما تعلمون أن محمدًا فرق بين فلان وفلانة زوجته١، وبين فلان وابنه، وبين فلان وأخيه، وبين فلان ومواليه، فلا ينفعهم ولا يلتفت إليهم ولا يأتيهم؟ قالوا: بلى. فاجتمع رأيهم على أن يقولوا إنه ساحر، وأن يردوا الناس عنه بهذا القول.
وانصرف، فمر بأصحاب النبي ﷺ منطلقًا إلى رحله، وهم جلوس في المسجد، فقالوا: هل لك يا أبا المغيرة إلى خير؟ فرجع إليهم فقال: ما ذلك الخير؟ فقال: التوحيد. قال: ما يقول صاحبكم إلا سحرًا. وما هو إلا قول البشر يرويه عن غيره. وعبس في وجوهم وبسر، ثم أدبر إلى أهله مكذبًا، واستكبر عن حديثهم الذي قالوا له وعن الإيمان، فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ، فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ [المدثر: ١٨، ١٩]، الآية.
_________________
(١) ١ في المخطوطة "ج": "إنا لله فما تعلمون"، وغيرها في المطبوعة: "أليس مما تعلمون"، ولا حاجة إليه، إنها سها الكاتب فأسقط الألف.
[ ٥٨٢ ]
٨ - ومنه ما رواه محمد بن كعب القرظي قال١: حدثت أن عتبة بن ربيعة وكان سيدًا حليمًا قال يومًا: ألا أقوم إلى محمد فأكلمه فأعرض عليه أمور لعله أن يقبل منها بعضها، فتعطيه أيها شياء؟ وذلك حين أسلم حمزة ﵁، وروا أصحاب النبي ﷺ يكثرون قالوا: بلى يا أبا الوليد! فقام إليه، وهو ﷺ جالس في المسجد وحده، فقال: يا ابن أخي! إنك منا حيث علمت من السطة في العشيرة٢، والمكان في النسب، وإنك أتيت قومك بأمر عظيم، فرقت بين جماعتهم، وسفهت أحلامهم، وعبت آلهتهم، وكفرت من مضى من آبائهم، فاسمع مني أعرض عليك أمورًا تنظر فيها، لعلك أن تقبل منها بعضها. فقال رسول الله ﷺ. "قل". قال: إن كنت إنما تريد المال بما جئت به من هذا القول، جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالًا، وإن كنت تريد شرفًا سودناك حتى لا نقطع أمرًا دونك، وإن كنت تريد به ملكًا ملكناك علينا، وإن كان هذا الذي بك رئيًا لا تستطيع رده عن نفسك٣، طلبنا لك الطب، وبذلنا فيه أموالنا حتى نبرئك منه، فإنه ربما غلب التابع على الرجل حتى يداوي منه، أو لعل هذا الشعر شعر جاش به صدرك، فإنك لعمري بني عبد المطلب تقدرون من ذلك على ما لا نقدر عليه٤. حتى إذا فرغ قال له رسول الله ﷺ: "أوقد فرغت"؟ قال: نعم. قال: "فاسمع مني"، قال: قل. قال: "بسم الله الرحمن الرحيم ﴿حم، تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ، بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ﴾ " [فصلت: ١ - ٤]، ثم
_________________
(١) ١ حديث محمد بن كعب القرظي، هو في سيرة ابن هشام ١: ٣١٣، ٣١٤. ٢ "السطة" في الحسب، هي الشرف والرفعة. ٣ "الرئى"، التابع من الجن، يلازم المرء ويحدثه ويتحدث عنه. ٤ من أول قوله: "أو لعل هذا شعر"، إلى هنا ليس في سيرة ابن هشام.
[ ٥٨٣ ]
مضى فيها يقرؤها، فلما سمعها عتبة أنصت له، وألقى يديه خلف ظهره معتمدًا عليهما يستمع منه، حتى انتهى رسولُ الله ﷺ إلى السجدة منها فسجد، ثم قال له: "قد سمعت ما سمعت فأنت وذاك"!
فقام عتبة إلى أصحابه، فقال بعضهم لبعض: لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به. فلما جلس قالوا: ما وراءك؟ قال: ورائي أني سمعت قولًا والله ما سمعت بمثله قط، وما هو بالشعر ولا السحر ولا الكهانة، يا معشر قريش أطيعوني، خلو بين هذا الرجل وبين ما هو فيه واعتزلوه، فوالله ليكونن لقوله الذي سمعت نبأ، فإن نصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم، وإن يظهره على العرب به، فملكه ملككم، وكنتم أسعد الناس به. قالوا: سحرك بلسانه! قال: هذا رأيي فاصنعوا ما بدا لكم.
٩ - ومنه ما جاء في حديث أبي ذر في سبب إسلامه١: روي أنه قال: قال لي أخي أنيس: إن لي حاجة إلى مكة، فانطلق فراث، فقلت: ما حبسك؟ قال: لقيت رجلًا [يقول] إن الله تعالى أرسله. فقلت: فما يقول الناس؟ قال: يقولون شاعر، ساحر، كاهن. قال أبو ذر: وكان أنيس أحد الشعراء، قال: والله لقد وضعت قوله على أقراء الشعر فلم يلتئم على لسان أحد، ولقد سمعت قول الكهنة فما هو بقولهم، والله إنه لصادق وإنهم لكاذبون.
_________________
(١) ١ حديث إسلام أبي ذر، روي من طرق، وبألفاظ مختلفة، وبهذا اللفظ في صحيح مسلم، في كتاب فضائل الصحابة، "باب من فضائل أبي ذر ﵁"، من طريق "حميد بن هلال، عن عبد الله ابن الصامت، عن أبي ذر"، وهو أيضًا في طبقات ابن سعد ٤: ١/ ١٦١. و"راث على"، أبطأ. وروايتهما: "فلا يلتئم على لسان بعدي"، و"أقراء الشعر" يعني بخوره وطرائقه وأنواعه، جمع "قرى".
[ ٥٨٤ ]
١٠ - ومن ذلك ما روي أن الوليد [بن عقبة] ١ أتى النبي ﷺ فقال: اقرأ. فقرأ عليه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٩٠]، فقال: أعد فأعاد، فقال: "والله إنَّ له لحلاوةً، وإنَّ عليه لطُلاوةً، وإنَّ أسفله لمعرق، وإن أعلاه لمثمر، وما يقول هذا بشر".
١١ - واعلم أنه لا يجوز أن يقال في هذا وشبهه إنه لا يكون دليلًا حتى يكون من قول المشركين بعضهم لبعض، حين خلوا بأنفسهم فتفاوضوا وتحاوروا وأفضى بعضهم بذات نفسه إلى بعض وإن كان منه من كلام المؤمنين، أو ممن قاله ثم آمن، فإنه لا يصح الاحتجاج به في حكم الجدل، من حيث يصير كأنك تحتج على الخصم برأي تراه أنت، وبقول أنت تقوله، وذلك أنه إنما يمتنع أن يدل إذا صدر القول مصدر الدعوى والشيء يدفعه الخصم وينكره، فأما ما كان مخرجه مخرج التنبيه على أمر يعرفه ذوو الخبرة، وأطلقه قائله إطلاق الواثق بأنه معلوم للجمع، وأنه ليس من بصير يعرف مقادير الفضل والنقص إلا وهو يحوج إلى تسليمه والاعتراف به شاء أم أبي فهو دليل بكل حال، ومن قول كل قائل، وحجة من غير مثنوية٢، ومن غير أن ينظر إلى قائله أموافق أم مخالف، ذاك لأن
_________________
(١) ١ هكذا في المخطوطة، وهو خطأ لا شك فيه، كأنه اختلط عليه اسمه "الوليد بن عتبة بن ربيعة"، وهذا الخبر إنما يروى في تحبر الوليد بن المغيرة، انظر ما سلف رقم: ٧، والسيرة الشامية ٢: ٤٧٢ وغيرها، وسيأتي في رقم: ٤٤ من هذه الرسالة. ٢ "مثنوية"، استثناء.
[ ٥٨٥ ]
الدلالة ليست من نفس القول وذاك الصفة، بل في مصدرهما، وفي أن أخرجها مخرج الإخبار عن أمر هو كالشيء البادي للعون، لا يعمل أحد بصره إلا رآه.
١٢ - وإذا رأينا "الأحوال" و"الأقوال" منهم قد شهدت١، كالذي بان، باستسلامهم للعجز وعلمهم بالعظيم من الفضل والبائن من المزية، الذي إذا قيس إلى ما يستطيعونه ويقدرون عليه في ضروب النظم وأنواع التصرف، فإنه الفوت الذي لا ينال٢، وارتقى إلى حيث لا تطمع إلهي الآمال، فقد وجب القطع بأنه معجز.
ذلك لأنه ليس إلا أحد الأمرين٣: فإما أن يكونوا قد علموا المزية التي ذكرنا أنهم علموها على الصحة وإما أن يكونوا قد توهموها في نظم القرآن، وليست هي فيه لغلط دخل عليهم. ودعوى الثاني من الأمرين سخف، فإن ذلك لو ظن بالواحد منهم لبعد، ذلك لأنه لا يتصور أن يتوهم العاقل في نظم كلام، جل مناه ومنى أصحابه أن يستطيع معارضته، وأن يقدر على إسكات خصمه المباهي به، أنه قد بلغ في المزية هذا المبلغ العظيم غلطًا وسهوًا٤، فكيف بأن يشمل هذا الغلط كلهم٥، ويدخل على كافتهم؟ وأي عقل يرضى من صاحبه
_________________
(١) ١ في المخطوطة والمطبوعة: "فمنهم قد شهدت"، وهو لا يستقيم. ٢ السياق: "الذي إذا قيس فاته الفوت فقد وجب". ٣ في المخطوطة: "ليس أحد الأمرين"، وصححها في المطبوعة: "ليس إلا أحد أمرين". ٤ السياق: "لا يتصور أن يتوهم العاقل أنه قد بلغ في المزية". ٥ في المطبوعة: "يشتمل".
[ ٥٨٦ ]
بأن يتوهم عليهم مثل هذا من الغلط، وهم من إذا ذاق الكلام عرف قائله من قبل أن يذكر، ويسمع أحدهم البيت قد استرفده الشاعر فأدخله في أثناء شعر له، فيعرف موضعه وبنيه عليه، كما قال الفرزدق لذي الرمة أهذا شعرك؟ هذا شعر لاكه أشد لحيين منك١ إلى ضروب من دقيق المعرفة يقل هذا في جنبها؟ وإذا لم يصح الغلط عليهم، ولم يجز أن يدعي أنه كان معهم في زمانهم من كان بالأمر أعلم٢، وبالذي وقع التحدي إليه أقوم، فما زالت الشبهة في كونه معجزًا له.
١٣ - وإن قالوا: فإن ههنا أمرًا آخر، وهو ما علمنا من تقديمهم شعراء الجاهلية على أنفسهم، وإقرارهم لهم بالفضل، وإجماعهم في امرئ القيس وزهير والنابغة والأعشى أنهم أشعر العرب. وإذا كان ذلك كذلك، فمن أين لنا أن نعلم أنهم لم يكونوا بحيث لو تحدوا إلى معارضة القرآن لقاموا بها واستطاعوها؟
قيل لهم: هذا الفصل على ما فيه لا يقدح في موضع الحجة، وذلك أنهم كانوا، كما لا يخفى، يروون أشعار الجاهليين وخطبهم، ويعرفون مقاديرهم في الفصاحة معرفة من لا تشكيل جهات الفضل عليه، فلو كانوا يرون فيما رووا وحفظوا مزية على القرآن٣، أو رأوه قريبًا منه، أو بحيث يجوز أن يعارض بمثله، أو يقع لهم إذا قاسموا وازنوا أن هذا الذي تحدوا إلى معارضته لو تحدى إليه من قبلهم لاستطاعوا أن يأتوا بمثله، لكانوا يدعون ذلك ويذكرون، ولو ذكروه لذكر
_________________
(١) ١ خبره في الأغاني ١٨: ٢١ "الهيئة"، وفي غيره. ٢ في المطبوعة: "أنه كان في زمانهم"، أسقط "معهم". ٣ في المخطوطة: "كانوا يرؤون كما رووا وحفظوا"، وهو كلام مضطرب، وصححه الناشران، وحذفا "وحفظوا" لم؟ لا أدري.
[ ٥٨٧ ]
عنهم. ومحال إذا رجعنا إلى أنفسنا واستشففنا حال الناس فيما جبلوا عليه١ أن يكونوا قد عرفوا لما تحدوا إليه وفرعوا بالعجز عنه شبهًا ونظمًا، ثم يتلى عليهم: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨]، فلا يزيدون في جوابه على الصمت، ولا يقولون: "لقد روينا لمن تقدم ما علمت وعلمنا أنه لا يقصر [عما] أتيت به، فمن أين استجزت أن تدعي هذه الدعوى"؟
فإذا كان من المعلوم ضرورة أنهم لم يقولوا ذلك، ولا رأوا أن يقولوا، ولو على سبيل الدفع والتلبيس والتشعب بالباطل٢، بل كانوا بين أمرين: إما أن يخبروا عن أنفسهم بالعجز والقصور، وذلك حين يخلو بعضهم ببعض، وكان الحال حال تصادق وإما أن يتعلقوا بما لا يتعلق به إلا من أعورته الحيلة، ومن فل بالحجة٣، من نسبته إلى السحر تارة، وإلى أنه مأخوذ من فلان وفلان أخرى٤، يسمون أقوامًا مجهولين لا يعرفون بعلم، ولا يظن بهم أن عندهم علمًا ليس عند غيرهم٥ ثبت أنهم قد كانوا علموا أن صورة أولئك الأوائل صورتهم، وأن التقدير فيهم أنهم لو كانوا في زمان النبي ﷺ، ثم تحدوا إلى معارضته، في مثل حال هؤلاء الكائنين في زمانه حالهم. وإذا كان هذا هكذا، فقد انتفى الشك، وحصل اليقين الذي تسكن معه النفس، ويطمئن
_________________
(١) ١ في المطبوعة: "واستشفعنا" و"استشف الأمر"، تأمله لينظر ما وراءه. ٢ غير ما في المخطوطة فكتب "الشغب"، كأنه ظنه خطأ! ٣ في المخطوطة والمطبوعة: "فعل بالحجة"، وهو خطأ ظاهر. و"فله يفله"، كسره وهزمه. ٤ في المخطوطة والمطبوعة: "وفلان آخر" كلام غير مستقيم. ٥ السياق من أول الفقرة: "فإذا كان من المعلوم".
[ ٥٨٨ ]
عنده القلب، أنه معجز ناقض للعادة، وأنه في معنى قلب العصا حية، وإحياء الموتى، في ظهور الحجة به على الخلق كافة، وبان أن قد سعد المؤمنون وتحسر المبطلون١. والحمد لله رب العالمين على أن هدانا لدينه، وأنار قلوبنا ببرهانه ودليله، وإباه جل وعز نسأل التثبيت على ما هدى له، وإتمام النعمة بإدامة ما خوله، بفضله ومنه.
_________________
(١) ١ "السياق: "وإذا كان هذا، فقد انتفى الشك. وبان أن قد سعد".
[ ٥٨٩ ]
فصل:
١٤ - واعلم أن ههنا بابًا من التلبيس أنت تجده يدور في أنس قوم من الأشقياء، وتراهم يومئون إليه، ويهمسون به، ويستهوون الغر الغبي بذكره، وهو قولهم: "قد جرت العادة بأن يبقى في الزمان من يفوت أهله حتى يسلموا له، وحتى لا يطمع أحد في مداناته، وحتى ليقع الإجماع منهم أنه الفرد الذي لا ينازع١. ثم يذكرون أمرأ القيس والشعراء الذين قدموا على من كان معهم من أعصارهم، ومما ذكروا الجاحظ وكل مذكور بأنه كان أفضل من كان في عصره، ولهم في هذا الباب خبط وتخليط لا إلى غاية. وهي نفثة نفثها الشيطان فيهم، وإنما أتوا من سوء تدبرهم لما يسمعون٢، وتسرعهم إلى الاعتراض قبل تمام العلم بالدليل. وذلك أن الشرط في المزية الناقضة للعادة، أن يبلغ الأمر فيها إلى حيث المداناة، وحتى لا تحدث نفس صاحبها بأن يتصدى، ولا يجول في خلد أن الإتيان بمثله يمكن، وحتى يكون يأسهم منه وإحساسهم بالعجز عنه في بعضه، مثل ذلك في كله.
١٥ - وليت شعري، من هذا الذي سلم لهم أنه كان في وقت من الأوقات من بلغ أمره في المزية وفي العلو على أهل زمانه هذا المبلغ، وانتهى إلى هذا الحد؟ إن
_________________
(١) ١ في المخطوطة: و"حتى لا يقع الإجماع منه"، وصححه الناشران: "حتى ليقع الإجماع فيه " والجيد ما أثبت. ٢ في المخطوطة والمطبوعة: "سوء تدبيرهم"، وهو خطأ.
[ ٥٩٠ ]
قيل: "امرؤ القيس"، فقد كان في وقته من يباريه ويماتنه، بل لا يتحاشى من أن يدعي الفضل عليه. فقد عرفنا حديث "علقمة الفحل"، وأنه لما قال امرؤ القيس، وقد تناشدا: "أينا أشعر؟ "، قال: "أنا"، غير مترث ولا مبال، حتى قال امرؤ القيس: "فقل وانعت فرسك وناقتك، وأقول وأنعت فرسي وناقتي" فقال علقمة: "إني فاعل، والحكم بيني وبينك المرأة من ورائك"، يعني أم جندب امرأة آمرئ القيس، فقال امرؤ القيس:
خليلي مرا بي على أم جندب نقض لبانات الفؤاد المعذب١
وقال علقمة:
ذهبت من الهجران في كل مذهب ولم يك حقًا كل هذا التجنب٢
وتحاكما إلى المراة، ففضلت علقمة٣.
_________________
(١) ١ في ديوانه. ٢ في ديوانه. ٣ في هامش "ج"، حاشية بخط كاتبها، هذا نصها: "وإنما فضلت علقمة على امرئ القيس، لأنهما وصفا الفرس، فقال امرؤ القيس: فللزجر ألهوب، وللساق درة وللسوط منها وقع أخرج مهذب وقال علقمة: إذا ما ركبنا لم تخاتل بجنة ولكن ننادي من بعيد ألا آركب فقالت: قلت: "فللزجر ألهوب"، البيت، لو فعل هذا بأتان لعدت". قال أبو فهر: في رواية بيت امرئ القيس اختلاف شديد، وبعض الاختلاف في بيت علقمة.
[ ٥٩١ ]
١٦ - وجرى بين امرئ القيس والحارث اليشكرى في تتميمه أنصاف الأبيات التي أولها:
أحار أريك برقًا هب وهنًا كنار مجوس تستعر استعارًا
ما هو مشهور، حتى قالوا امرؤ القيس: لا أماتنك بعد هذا١.
١٧ - ثم وجدنا الخبار تدل على خلاف لم يزم بين الناس فيه وفي غيره، أي أشعر؟ وعلى أي لم يستقر الأمر في تقديمه قرارًا برفع الشك. رووا أن أمير المؤمنين عليًا، رضوان الله عليه، كان يفطر الناس في شهر رمضان، فإذا فرغ من العشاء تكلم فأقل، وأوجز فأبلغ. قال: فاختصم الناس ليلة في أشعر الناس، حتى ارتفعت أصواتهم، فقال رضوان الله عليه لأبي الأسود الدؤلي: قل يا أبا الأسود. وكان يتعصب لأبي دؤاد، فقال: أشعرهم الذي يقول:
ولقد اعتدى يدافع ركنى أحوذى ذو ميعة إضريج
مخلط مزيل مكر مفر منفح مطرح سبوح خروج
سَلهبٌ شَرْجبٌ كأنَّ رِماحًا حَمَلتْهُ، وَفِي السَّراةِ دموج٢
فأقبل أمير المؤمنين -رضوان الله عليه- على الناس فقال: كل شعرائكم محسن، ولو جمعهم، زمان واحد وغاية ومذب واحد في القول، لعلمنا أيهم
_________________
(١) ١ الخبر في دوان امرئ القيس، وفي كثير من الكتب. وفي هامش "ج" بخط كاتبها ما نصه: "مماتنة الشاعرين: أن يقول هذا بيتًا وهذا بيتًا، كأنهما يمتدان إلى غاية". ٢ سبق تخريج هذا الشعر في "دلائل الإعجاز" رقم: ٢٣١، وفي المطبوعة: "مخلط مزيد"، خطأ.
[ ٥٩٢ ]
أسبق إلى ذلك، وكلهم قد أصاب الذي أراد وأحسن فيه، وإن يكن أحدهم أفضل، فالذي لم يقل رغبة ولا رهبة: امرؤ القيس بن حجر، كان أصحهم بادرة، وأجودهم نادرة.
١٨ - وعن ابن عباس أنه سأل الخطيئة: من أشعر الناس؟ قال: أمن الماضين أم من الباقين؟ فقال: إذن من الماضين، فهو الذي يقول:
ومن يجعل المعروف من دون عرضه يفره ومن لا يتق الشتم يشتم
وما الذي يقول:
ولست بمستبق أخًا لا تلمه على شعث أي الرجال المهذب
بدون ذلك، ولكن الضراعة أفسدته كما أفسدت جرولًا يعني نفسه والله يا آبن عباس لولا الجشع والطمع لكنت أشعر الماضيين، فأما الباقون فلا أشك أني أشعرهم١.
١٩ - وقالوا: كان الأوائل لا يفضلون على زهير أحدًا في الشعر ويقولون: "قد ظلمه حقه من جعله كالنابغة". قالوا: "وعامة أهل الحجاز على ذلك". وعن ابن عباس أنه قال: سامرت عمر بن الخطاب -رضوان الله عليه- ذات ليلة فقال: أنشدني لشاعر الشعراء. فقلت: ومن شاعر الشعراء؟ قال: زهير. قلت:
_________________
(١) ١ الخبر في الأغاني ٢: ١٩٣، وكان في المخطوطة والمطبوعة: "من أشعر الناس من الماضين والباقين"، وهو كلام فاسد. والشعر الأول لزهير في معلقته، والثاني للنابغة في ديوانه.
[ ٥٩٣ ]
يا أمير المؤمنين، ولم كان شاعر الشعراء؟ قال: لأنه لا يتتبع وحشى الكلام في شعره، ولا يعاظل بين القول.
٢٠ - وروى عن أبي عبيدة أنه قال: أشعر الناس ثلاثة: امرؤ القيس بن حجر، وزهير بن أبي سلمى، والنابغة الذبياني، ثم اختلفوا فيهم: فزورت اليمانية تقديمًا لصاحبهم أخبارًا رفعوها إلى رسول الله ﷺ. وروى عن يحيى بن سليمان الكاتب أنه قال: بعثني المنصور إلى حماد الرواية أسأله عن أشعر الناس، فأتيته وقلت: إن أمير المؤمنين يسألك عن أشعر الناس. فقال: ذاك الأعشى صناجها.
٢١ - فقد علمنا أن امرأ القيس كان أشعرهم عندهم١، وأن تفضيلهم غيره عليه إنما كان على سبيل المبالغة، وعلى جهة الاستحسان للشيء يتمثل به في الوقت ويقع في النفس، وما أشبه ذلك م نالأسباب التي يعطي بها الشاعر أكثر مما يستحق. أليس فيه أنه مما لا يبعد في القياس، وأنه مما يتسع له الاحتمال، وأنه ليس بالقول الذي يعاب، والحكم الذي يزرى بصاحبه، وأنه فضله عليهم لم يكون بالفضل الذي يمنع أن يكونوا أكفاء له ونظراء، يسوغ للواحد منهم، ويسوغ هو لنفسه، دعوه مساواته والتصدي لمباراته؟
هذا، وفي حاجة المنصور إلى أن يسأل عن أشعر الشعراء، وقد مضى الدهر بعد الدهر، دليل [على] أن لم يكن الذي روى من تفضيله قولًا مجمعًا عليه من
_________________
(١) ١ في المخطوطة: فقد علمنا على أن امرأ القيس"، وأنا أرجح أن الصواب: "وقد علمنا على أن امرأ القيس"، وكأن السياق يدل على صوابه.
[ ٥٩٤ ]
أصله وفي أول ما قيل١، وأنه كان كالرأي يراه قوم وينكره آخرون، وأن الصورة كانت كالصورة مع جرير والفرزدق، وأبي تمام والبحتري. ذاك لأه لو كان القول بأنه أشعر الناس قولًا صدر مصدر الإجماع في أوله، وحكمًا أطبق عليه الكافة حين حكم به، حتى لم يوجد مخالف، ثم استمر كذلك إلى زمام المنصور، لكان يكون محالًا أن يخفى عليه حتى يحتاج فيه إلى سؤال حماد وكان يكون كذلك بعيدًا من حماد أن يبعث إليه مثل المنصور، في هيبته وسلطانه ودقة نظره وشدة مؤاخذته، يسأله فيجازف له في الجواب، ويقول قولًا لم يقله أحد، ثم يطلقه إطلاق الشيء الموثوق بصحته، المتقدم في شهرته، فتدبر ذلك.
٢٢ - ويزيد الأمر بيانًا أن رأيناهم حين طبقوا الشعراء جعلوا امرأ القيس وزهيرًا والنابغة والأعشى في طبقة، فأعلموا بذلك أنهم أكفاء ونظراء، وأن فضلًا أن كان لواحد منهم، فليس بالذي يوئس الباقين من مداناته٢، ومن أن يستطيعوا التعق به والجرى في ميدانه، ويمنعهم أن يدعوا لأنفسهم أو يدعي لهم أنهم ساووه في كثير مما قالوه أو دنوا منه، وأنهم جروا إلى غياته أو كادوا. وإذا كان هذه صورة الأمر، كان من العمى التعلق به، ومن الخسار الوقوع في الشبهة بسببه.
٢٣ - وطريقة أخرى في ذلك، وتقرير له على ترتيب آخر، وهو أن الفضل يجب والتقديم، إما لمعنى غريب يسبق إليه الشاعر فيستخرجه، أو استعارة بعيدة.
_________________
(١) ١ في المطبوعة: "الذي روى من تفضيله مجمعًا عليه"، أسقط "قولًا". ٢ في المخطوطة: "معافاته"، وفي المطبوعة: "معاناته"، وكلتاهما عديمة المعنى، وإنما هو تصحيف لا أكثر.
[ ٥٩٥ ]
يفطن لها، أو لطريقة في النظم يخرتعها. ومعلوم أن المعول في دليل الإعجاز على النظم، ومعلوم كذلك أن ليس الدليل في المجيء ينظم لم يوجد من قبل فقط، بل في ذلك مضمومًا إلى أن يبين ذلك "النظم" من سائر ما عرف ويعرف من ضروب "النظم"، وما يعرف أهل العصر من أنفسهم أنهم يستطيعونه١، البينونة التي لا يعرض معها شك لواحد منهم أنه لا يستطيعه، ولا يهتدي لكنه أمره، حتى يكونوا في استشعار اليأس من أن يقدروا على مثله، وما يجري مجرى المثل له، على صورة واحدة، وحتى كان قلوبهم في ذلك أفرغت في قالب واحد٢. وإذا كان الأمر كذلك لم يصح لهم تعلق بشأن امرئ القيس حتى يدعوا أنه سبق إلى نظم بان من كل نظم عرف لمن قبله ولمن كان معه في زمانه، البينونة التي ذكرنا أمرها.
وهم إذا فعلوا ذلك، ورطوا أنفسهم في أعظم ما يكون من الجهالةن من حيث أن يفضي بهم إلى أن أن يدعوا على من كان في زمان النبي ﷺ من الشعراء والبلغاء قاطبة الجهل بمقادير البلاغة، والنقصان في علمها٣، ولأنفسهم الزيادة عليهم، وأن يكونوا قد استدركوا في نظم امرئ القيس مزية لم تعلمها قريش والعرب قاطبة، ذلك لما مضى آنفًا من أن محالًا أن يكون معهم وبين أيديهم نظم يعرفون من حاله أنه مساو في الشرف نظم القرآن، ثم لا يذكرونه ولا يحتجون به على النبي ﷺ، وهو يخبرهم أن الذي أتى به خارج عن طوق البشر ويتجاوز قواهم.
_________________
(١) ١ السياق: "أن يبين ذلك النظم البينونة". ٢ في المخطوطة والمطبوعة: "أفرغت في قلب واحد"، والذي أثبته أجود. ٣ قوله: "ولأنفسهم" أي: وادعوا لأنفسهم، معطوفًا على ما قبله.
[ ٥٩٦ ]
هذا، ومن يسلم بأن امرأ القيس زاد في البلاغة وشرف النظم على نظم من كان قبله، ما إذا اعتبر كان في مزية قدر القرآن على نظم من كان في عصر النبي ﷺ أن من أين لهم هذه الدعوى؟ ألشيء علموه هم في شعره، بان لهم عند قياسه إلى شعر من كان قبله كأبي دواد والأفوه الأودي وغيرهما؟ أم لخبر أتاهم؟ فليرونا مكانه، وليس لهم إلى ذلك سبيل، بل قد أتى الخبر بما يجهلهم في هذه الدعوى ويكذبهم، وهو الذي تقدم من قول أبي الأسود وتفضيله أبا دواد بحضرة أمير المؤمنين على رضوان الله عليه١، ويعد أن قال له: "قل يا أبا الأسود"، أفيكون أن يكونوا قد عرفوا لامرئ القيس المزية التي ذكروها، وكان فضله على من تقدمه الفضل الذي قالوه، ثم يقول أمير المؤمنين لأبي الأسود: "قل"، بحضرة العرب، وبعقب أن تشاجروا في أشعر الناس، فيؤخره ويقدم أبا دؤاد، ثم لا يسمع نكيرًا، كالذي يجب فيمن قال الشيء الظاهر بطلانه، وذهب مذهبًا لا مساغ له! وليست تذكر أمثال هذه الزيادة، ويتكلف الجواب عنها، أنها تأخذ موضعًا من قلب ذي لب، ولكن الاحتياط بذكر ما يتوهم أن يستروح إليه الغوى، ويغالط به الجاهل.
وإذا كانت الشبهة في أصل الدين، كانت كالداء الذي يخشى منه على الروح، ويخاف منه على النفس، فلا يستقل قليله، ولا يتهاون باليسير منه، ولا يتوهم مكان حركة له إلا استقصى النظر فيه، وأعيد الكي على نواحيه، وكالحيوان ذي السم يعاد الحجر على رأسه، ما دام يرى به حس وإن قل.
والله ولي العصمة، والمسئول أن يجعل كل ما نعيد ونبدئ فيه لوجهه، بفضله ومنه.
_________________
(١) ١ انظر ما سلف رقم: ١٧.
[ ٥٩٧ ]
٢٤ - فاعلم أنهم إذا ذكروا في تعلقهم بلتوابع، ومحاولتهم أن يمنعوا من الاستدلال، مع تسليم عجز العرب عن معارضة القرآن من تراخي زمانه عن زمان النبي ﷺ، كالجاحظ وأشباهه، كانوا في ذلك أجهل، وكان النقض عليهم أسهل. وذلك أن الشرط في نقض العادة أن يعم الأزمان كلها، وأن يظهر على مدعي النبوة ما لم يستطيعه مملوك قط.
وأما تقدم واحد من أهل العصر سائرهم، ففي معنى تقد واحد من أهل مصر من الأمصار غيره ممن يضمه وإياه ذلك المصر، لا فضل في ذلك بين الأمصار والأعصار إذا حققت النظر، إذ ليس بأكثر من أن واحدًا زاد على جماعة معدودين في نوع من الأنواع، فكان أعلمهم أو أكتبهم أو أشعرهم، أو أحذقهم في صنعة، وأبهرهم في عمل من الأعمال. وليس ذلك من الإعجاز في شيء، إنما المعجز ما علم أنه فوق قوى البشر وقدرهم، إن كان من جنس ما يقع التفاضل فيه من جهة القدر، أو فوق علومهم، إن كان من قبيل ما يتفاضل الناس فيه بالعلم والفهم. وإذا كنا نعلم أن استمداد الجاحظ وأشباه الجاحظ من كلام العرب والبلغاء الذين تقدموا في الأزمنة، وانهم فجروا لهم ينابيع القول فاستقوا، ومثلوا لهم مثلًا في البلاغة افحتذروا، إذن لم يبلغ شأو ما بلغ١، ولم يدر لهم من ضروع القول ما ذر، لو أن طباعًا لم تشرب من مائهم٢، ولم تعذ بجناهم، ولم يكن حالهم في الاكتساب منهم، والاستمداد من ثمار قرائحهم، وتشمم الذي قاح من روائحهم٣، حال النحل التي تغتذى بأريح الأنوار وطيب الأزهار، وتملأ
_________________
(١) ١ غيروا ما في المخطوطة فجعلوه: "إذن لم يبلغوا شأو ما بلغوا"، والذي في المخطوطة صحيح كل الصحة، وأساء الناشر إن إذا لم يشير إلى ما في المخطوطة. ٢ في المخطوطة والمطبوعة: "ولو أن طباعًا"، الواو مفسدة للكلام. ٣ السياق: "ولم يكن حالهم حال النحل".
[ ٥٩٨ ]
أجوافها من تلك اللطائف، ثم تمجها أربًا وتقذفها ماديًا١، إذن لكان الجاحظ وغير الجاحظ في عداد عامة زمانهم الذين لم يروا، ولم يحفظوا، ولم يتتبعوا كلام الأولين، من لدن ظهر الشعر وكان الخطابة إلى وقتهم الذي هم فيه٢، ولم يعرفوا إلا ما يتكلم به آباؤهم وإخوانهم ومساكنوهم في الدار والمحلة، أو كانوا لا يزيدون عليهم إن زادوا بمقدار معلوم. فمن أعظم الجهل وأشد الغباوة، أن يجعل تقدم أحدهم لأهل زمانه من باب نقض العادة، وأن يعد معد المعجز٣.
٢٥ - فمثل هذه الطبقة إذن مع الصدر الأول، وقياس هؤلاء الخلف مع أولئك السلف، ما جرى بين ابن ميادة وعقال٤، قال ابن ميادة:
فَجَرْنا ينابيعَ الكَلامِ وبَحْرَهُ فأصْبَحَ فيهِ ذو الروايةِ يَسْبَحُ
وما الشعرُ إِلاّ شعرُ قيسٍ وخندف وقول سواهم كلفة وتملح
فقال عقال بجيبه:
ألا أبلغ الرَّمَّاحَ نقْضَ مقالةٍ بها خَطِلَ الرَّمَّاحُ أو كان يَمْزَحُ٥
لقد خَرَّقَ الحيُّ اليمانون قَبْلَهم بُحورَ الكلام تستقي وهي طفح
وقد عَلَّموا مَنْ بَعْدَهُمْ فتعلَّموا وهمْ أَعْرَبوا هذا الكلام وأوضحوا
فللسابقين الفضل لا تنكرونه وليس لملخوق عليهم تبجح
_________________
(١) ١ في المطبوعة: "مذيا"، أساء فغير ما في المخطوطة، و"الأرى"، العسل. و"الماذي"، العسل الأبيض. ٢ في المطبوعة: "وكانت الخطابة"، والذي في المخطوطة لا غبار عليه. ٣ في المخطوطة: "معد العجز". ٤ سلف شعر ابن ميادة وعقال في دلائل الإعجاز: ٥٩٠، ٥٩١، مع بعض الاختلاف هنا في حروف منه. ٥ في المخطوطة والمطبوعة: "أو كاد يمزح"، وهي تصحيف.
[ ٥٩٩ ]
٢٦ - وفي الذي قدمت في أول الجزء مفتتح هذه الرسالة من قول خالد ابن صفوان: "كيف تجاريهم، وإنما نحكيهم"١ وما أتبعته من قول الجاحظ في شأن العرب، وفي أن الاقتداء بهم والأخذ منهم والتسليم لهم، وأنهم لا يستطيع أشعر الناس وأرفعهم في البيان أن يضاهيهم، ويقول مثلا لذي قالوه في جودة السبك والنحت، وكثرة الماء والرونق، إلا في اليسير٢ غنى للعاقل وكفاية، اللهم إلا أن يتجاهل متجاهل فيدعي في الجاحظ وأمثاله فضلًا لم يدعوه لأنفسهم، أو يزعم أنهم ضاموا أنفسهم تعصبًا للعرب، فتشاهدوا لها بأكثر مما عرفوا، وتواصفوها بمزية [ومما] لم يعلموا٣، فيفتح بذلك بابًا من الركاكة والسخف لا يجاب عن مثله، ولا يشتغل بالإصغاء إليه، فضلًا عن الكلام عليه.
٢٧ - واعلم أنه إن خيل إلى قوم من جهال الملحدة٤، أنه كان في المتأخرين من البلغاء كالجاحظ وأشباه الجاحظ، من استطاع معارضة القرآن فترك خوفًا، أو أنهم فعلوا ذلك ثم أخفوه، لم يتصور تخيلهم ذلك حتى يقتحموا هذه الجهالة التي ذكرتها، أعني أن يزعموا أنهم كانوا عند أنفسهم أفصح وأبلغ من بلغاء قريش وخطابئهم، وأن خطيبهم كان أخطب من قس وسحبان، وشاعرهم أشعر من امرئ القيس ومن كل شاعر كان في العرب، إلا أنهم صانعوا الناس،
_________________
(١) ١ مضى كلام خالد، والجاحظ في الفقرة رقم: ٣. ٢ السياق: "وفي الذي قدمت غنى وكفاية". ٣ جعلها الناشران: " بمزية لم يعلموها"، والذي أثبته بين القوسين يقيم الكلام على الدرب. ٤ غيرها الناشران فكتبا: "الملاحدة" بلا علة.
[ ٦٠٠ ]
فمنعوا أنفسهم الفضيلة ونحوها العرب. وذاك أن محالًا أن يعتقدوا فيهم، أعنى في العرب، ما اعتدقه الناس، وفي أنفسهم ما أفصحوا به من القصور عن مداناتهم، وشدة الانحطاط عنهم، ثم أن يستطيعوا ما لم يستطعه العرب١، ويكملوا ما لم يكملوا له.
ومن هذا الذي يشك في بطلان دعوى من بلغ بالمصلى غاية وقد انقطع السابق٢، وزعم في الناقص الحذق أنه استقل بشيء عى به المشهود له بالحذق والتقدم؟ هذا ما لا يدور في خلد، ولا تنعقد له صورة في وهم، فاعرف ذلك.
_________________
(١) ١ في المخطوطة: "ثم يستطيعوا"، بإسقاط "أن" سهوًا. ٢ في المخطوطة: "من بلغ بالمصلى غاية قد انقطع السابق"، فزاد في المطبوعة فقال: "السابق [عليها] ". وليس موضع فساد الجملة في هاذ، بل في إسقاط الواو من "وقد انقطع"، وسياق ما يأتي يدل على صواب ما أثبت. و"المصلى" من الخيل هو الذي يجيئ بعد الفرس "السابق" عند السباق في الحلبة.
[ ٦٠١ ]
فصل: في فن آخر من السؤال ١
٢٨ - وهو أن يقولوا: إنا قد علمنا من عادات الناس وطبائعهم أن الواحد منهم تواتيه العبارة، ويطيعه اللفظ في صنف من المعاني، ثم يمتنع عليه مثل تلك العبارة وذلك اللفظ في صنف آخر١.
فقد يكون الرجل، كما لا يخفى، في المديح أشعر منه في المرائي، وفي الغزل واللهو والصيد أنفذ منه في الحكم الآداب، ونراه يستطيع في الأوصاف والتشبيهات ما لا يستطيع مثله في سائر المعاني، وترى الكاتب وهو في الإخوانيات أبلغ منه في السلطانيات، وبالعكس. هذا أمر معروف ظاهر لا يشتبه. وإذا كان كذلك، فعلل العجز الذي ظهر فيهم عن معارضته القرآن، لم يظهر لأنهم لا يستطيعون مثل ذلك النظم، ولكن لأنهم لا يستطيعونه في مثل معاني القرآن.
واعلم أن هذا السؤال إذا وقع الجواب عنه وقع عن جملته، وكان الحسم في الداء كله. وذاك أن يقولوا: إنه لا تصح المطالبة إلا بما يتصوره وجوده، وما يدخل في حيز الممكن، وإنا لنعلم من حال المعاني أن الشاعر يسبق في الكثير منها إلى عبارة يعلم ضرورة أنها لا يجيء في ذلك المعنى إلا ما هو دونها ومنحط عنها، حتى يقضي له بأنه قد غلب عليه واستبد به، كما قضى الجاحظ لبشار في قوله:
كأنَّ مُثارَ النقعِ فَوقَ رؤوسِنا وأسيافنَا لَيْلٌ تهاوى كواكبه
_________________
(١) ١ أسقط الناشران "ثم"، من قوله: "ثم يمتنع"؟ وغبرًا أيضًا ما في المخطوطة، وكتبا: "في جزء آخر"، ولا أدري لم.
[ ٦٠٢ ]
فإنه أنشد هذا البيت نظائره ثم قال: وهذا المعنى قد غلب عليه بشار، كما غلب عنترة على قوله:
وخلا الذباب بها فليس ببارح غردًا كفعل الشارب المترنم
هزجًا يحك ذراعه بذراعه قدح المكب على الزناد الأجذم
قال: فلو أن آمرأ القيس عرض لمذهب عنترة في هذا لافتضح"١.
وليس ذاك لأن بشارًا وعنترة قد أوتيا في علم النظم جملة ما لم يوت غيرهما، ولكن لأنه إذا كان في مكان خبئ فعثر عليه إنسان وأخذهِ، لم يبق لغيره مرام في ذلك المكان، وإذا لم يكن في الصدقة إلا جوهرة واحدة، فعمد إليها عامد فشقها عنها، استحال أن يستام هو او غيره إخراج جوهرة أخرى من تلك الصدفة. وما هذا سبيله في الشعر كثي لا يخفى على من مارس هذا الشأن. فمن البين في ذلك قول القطامي:
فهنَّ يَنْبُذنَ من قولٍ يُصبْنَ بهِ مَواقعَ الماء من ذي الغلة الصادي٢
وقول آبن حازم:
كفاك بالشيب ذنبًا عند غانيه وبالشباب شفيعًا أيها الرجل٣
_________________
(١) ١ كلام الجاحظ في الحيوان ٣: ١٢٧، وبيت بشار مضى في الدلائل، وبيتا عشرة في معلقته وديوانه. ٢ البيت في ديوانه. ٣ لمحمد بن حازم الباهلي، وكنيته أبو جعفر، وفي ديوانه المعاني ٢: ١٥٢ "لأبي حازم الباهلي"، خطأ. وفي المخطوطة "أبي حازم"، خطأ أيضًا، صوابه "ابن حازم" كما كتبت، وهذا الشعر في الأغاني ١٤: ٩٤، "الدار" ثلاثة عشر بيتًا، وانظر أيضًا أمالي الشريف المرتضى ١: ٦٠٦، وسمط اللآلي: ٣٣٦، وتخريجها، وقال ابن الأعرابي وذكر هذا الشعر كله: "أحسن ما قال المحدثون من شعراء هذا الزمان، في مديح الشباب وذم الشيب".
[ ٦٠٣ ]
وقول عبد الرحمن بن حسان:
لم تفتها شمس النهار بشيء غير أن الشباب ليس يدوم١
وقول البحتري:
عريقون في الإضال يوتنف الندى لناشئهم من حيث يوتنف العمر٢
لا ينظر في هذا وأشباهه عارف إلا علم أنه لا يوجد في المعنى الذي يرى مثله، وأن الأمر قد بلغ غايته، وأن لم يبق للطالب مطلب.
٢٩ - وكذلك السبيل في المنثور من الكلام، فإنك تجد فيه متى شئت فصولًا تعلم أن لن يستطاع في معانيها مثلهان فمما لا يخفى أنه كذلك قول أمير المؤمنين على بن أبي طالب رضيوان علي بن أبي طالب رضوان الله عليه: "قيمة كل امرئ ما يحسنه"، وقول الحسن ﵀ عليه: "ما رأيت يقينًا لا شك فيه أشبه بشك لا يقين فيه من الموت". ولن تعدم ذلك إذا تأملت كلام البلغاء ونظرت في الرسائل.
ومن أخص شيء بأن يطلب ذلك فيه، الكتب المبتدأة الموضوعة في العلوم المستخرجة، فإنا نجد أربابها قد سبقوا في فصول منها إلى ضرب من اللفظ والنظم، أعيا من بعدهم أن يطلبوا مثله، أو يجيئوا بشبيه له، فجعلوا لا يزيدون على أن يحفظوا تلك الفصول على وجوهها، ويودوا ألفاظهم فيها على نظامها وكما هي٣. وذلك ما كان مثل قول سيبويه في اول الكتاب:
_________________
(١) ١ ليس لعبد الرحمن بن حسان هو لأبيه حسان بن ثابت في ديوانه. ٢ مضى في دلائل الإعجاز رقم: ٥٧١. ٣ في المطبوعة: "ويرددوا ألفاظهم"، لا يدري لم غير النص.
[ ٦٠٤ ]
"وأما الفعل فأمثلة أخذت من لفظ أحداث الأسماء، وبنيت لما مضى وما يكون ولم يقع، وما هو كائن لم ينقطع"١.
لا نعلم أحدًا أتى في معنى هذا الكلام بما يوازنه أو يدانيه، أو يقع قريبًا منه، ولا يقع في الوهم أيضًا أن ذلك يستطاع، أفلا ترى أنه إنما جاء في معناه قولهم" والفعل ينقسم بأقسام الزمان، ماض وحاضر ومستقبل"، وليس يخفى ضعف هذا في جنبه وقصوره عنه. ومثله قوله٢:
"كأنهم يقدمون الذي باينه أهم لهم، وهم بشأنه أغنى، وإن كانا جميعًا يهمانهم ويغنيانهم".
٣٠ - وإذا كان الأمر كذلك، لم يمتنع أن يكون سبيل لفظ القرآن ونظمه هذا السبيل٣، وأن يكون عجزهم عن أن يأتوا بمثله في طريق العجز عما ذكرنا ومثلنا، فهذا جملة ما يجئ لهم في هذا الضرب من التعلق قد استوفيته. وإذ قد عرفته، فاسمع الجواب عنه، فإنه يسقطه عنك دفعة، ويحسمه عنك حسمًا٤.
_________________
(١) ١ سيبويه ١: ٢. ٢ في المخطوطة والمطبوعة: "ومثله قولهم"، وهو سهو من الناسخ، وهذا القول هو قول سيبويه في الكتاب ١: ١٥، ونقله عبد القاهر قبل ذلك في دلائل الإعجاز. انظر الفقرة رقم: ١٠٠. ٣ من أغرب تصحيف كتبه كاتب هذه النسخة أن كتب مكان "القرآن": "الفراق"، كيف فعل هذا؟ وسيأتي أغرب منه عبد قليل. ٤ هذا جواب السؤال الذي بدأه في رقم: ٢٨.
[ ٦٠٥ ]
٣١ - واعلم أنهم في هذا كرام قد أضل الهدف، وبان قد زال عن القاعدة، وذاك أنه سؤال لا يتجه حتى يقدر أن التحدي كان إلى أن يعبروا عن معاني القرآن أنفسها وبأعيانها بلفظ يشبه لفظه، ونظم يوازي نظمه. وهذا تقدير باطل، فإن التحدي كان إلى أن يجيئوا في اي معنى شاءوا من المعاني بنظم يبلغ نظم القرآن في الشرف أو يقرب منه. بدل على ذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ﴾ [هود: ١٣]، أي مثله في النظم، وليكن المعنى مفترى كما قلتم١، فلا إلى المعنى دعيتم، ولكن إىل النظم، وإذا كان كذلك، كان بينًا أنه بناء على غير أساس، ورمى من غير مرمى، لأنه قياس ما امتنعت فيه المعارضة من جهة وفي شيء مخصوص، على ما امتنعت معارضته من الجهات كلها وفي الأشياء أجمعها.
فلو كان إذ سبق الخليل وسيبويه في معاني النحو إلى ما سبقا إليه من اللفظ والنظم، لم يسبق الجاحظ في معانيه التي وضع كتبه لها إلى ما يوازي ذلك ويضاهيه، أو كان بشار إذا سبق في معناه إلى ما سبق إليه، لم يوجد مثل نظمه فيه لشاعر في شيء من المعاني لكان لهم في ذلك متعلق. فأما وليس من نظم يقال: "إنه لم يسبق إليه" في معنى، إلا ويوجد أمثاله أو خير منه في معان آخر، فمن أشد المحال وأبينه الاعتراض به.
واعلم أنا لو سلمان لهم الذي ظنوه على بطلانه من أن التحدي كان إلى أن يعبر عن أنفس معاني القرآن بما يشبه لفظه ونظمه، لم نعدم الحجاج معهم، وأن يكون لنا عليهم كلام في الذي تعلقوا به، ودفع لهم عنه. إلا أن العلماء آثروا أن يكون الجواب من الوجه الذي ذكرت، إذ وفق ما نص عليه في التنزيل، وكان
_________________
(١) ١ في المخطوطة والمطبوعة: "لما قلتم".
[ ٦٠٦ ]
فيه سد الباب وحسم الشبه جملة. ومن ضعف الرأي أن تسلك طريقًا يغمض، وقد وجدت السنن اللاجب، وأن تطاول المريض في علاجك، ومعك الدواء الذي يشفي من كثب، وأن ترخى من خناق الخصم، وفي قدرتك ألا يملك نفسًا، ولا يستطيع نطقًا.
٣٢ - ثم إن أردت أن تكلمهم على تسليم ذلك، فالطريق فيه أن يقال لهم على أول كلامهم حيث قالوا: "إنا رأينا الرجل يكون في نوع أشعر، وعلى جودة اللفظ والنظم أقدر منه في غيره"١ ٢ إنه ينبغي أن تعلموا أول شيء أنكم حرفتم كلام الناس في هذا عن موضعه، فإنا إذا تأملنا الحال في تقديمهم الشاعر في فن من الفنون، وجدناهم قد فعلوا ذلك على معنى أنه قد خرج في معاني ذلك الفن ما لم يخرجه غيره، واتسع لما [لم] يتسع له من سواه. فإذا قالوا: "هو أنسب الناس"، فالمعنى أنه قد فطن في معاني الغزل [وما] يدل على شدة الوجد وفرط الحب والهيمان لما لم يفطن له غيره. وكذلك إذا قالوا: "أمدح، أو أهجى"، فالمعنى أنه قد اهتدى في معاني الزين والشين وفي التحسين والتهجين إلى ما لم يهتد إليه نظراؤه، ولو كانوا في اللفظ وانظم يذهبون، لكان محالًا أن يقولوا: "هو أنسب"، لأن ذلك في صفة اللفظ والنظم محال. ومن هذا الذي يشك أن لم يكن قول جرير:
ألستم خير من ركب المطايا وأندى العالمين بطون راح٣
_________________
(١) ١ في المطبوعة: "وعلى حوك اللفظ والنظم"، لا أدري لم غيروا ما في المخطوطة. ٢ قوله: "إنه ينبغي"، هو بدء الرد على قولهم. ٣ البيت في ديوانه.
[ ٦٠٧ ]
أمدح بيت عند من قال ذلك، من أجل لفظه ونظمه، وأن ذلك كان من أجل معناه؟ هذا ما لا معنى لزيادة القول فيه.
٣٣ - فإن قالوا: هم، وإن كانوا قد أرادوا المعنى في قولهم: "هذا أمدح، وذاك أهجى، وهذا أنسب، وذاك أوصف"، فإنه لن تتسع المعاني حتى تتسع الألفاظ، ولن تقع مواقعها المؤثرة حتى يحسن النظم. وإذا كان كذلك فموضعنا منه بحاله١. ثم ليس بمنكر ولا مجهول ولا مجهول أن يكون لفظ الشاعر ونظمه إذا تعاطي المدح، أحسن وأفضل منهما إذا هو هجا أو نسب.
قيل: إنا ندع النزاع في هذا ونسلمه لكم، فأخبرونا عن معاني القرآن٢، أهي صنف واحد أم أصناف؟ فإن قلتم: "صنف واحد"، تجاهلتم، فقد علمنا الحجج والبراهين، والحكم والآداب، والترغيب والترهيب، والوعد والوعيد، والوصف والتشبيه والأمثال، وذكر الأمم والقرون واقتصاص أحوالهم، والنبأ عما جرى بينهم وبين الأنبياء ﵈، وما لا يصحى ولا يعد.
وإن قلتم: "هي أصناف"، كما لا بد منه.
قيل لكم: فقد كان ينبغي لشعراء العرب وبلغئها أن يعمد كل منهم إلى الصنف الذي تنفذ قريحته فيه فيعارضه، وأن يجلعوا الأمر في ذلك قسمة بينهم. وفي هذا كفاية لمن عقل.
_________________
(١) ١ في المطبوعة والمطبوعة:"موضعنا منه"، بغير فاء، سهو. ٢ كتب في المخطوطة: "معاني الأقران"، مكان "القرآن"، وهذا عجب! وانظر التعليق السالف ص: ٦٠٥، تعليق: ٣.
[ ٦٠٨ ]
وأما قولهم: "إنه قد يكون أن يسبق الشاعر في المعنى إلى ضرب من اللفظ والنظم، يعلم أنه لا يجيء في ذلك المعنى أبدًا إلى ما هو منحط عنه" فإنه ينبغي أن يقال لهم: قد سلمنا أن الأمر كما قلتم وعلمتم، أفعلمتم شاعرًا او غير اشعر عمد إلى ما لا يحصى كثرة من المعاني، فتأتى له في جيمعها لفظ أو نظم أعيا الناس أن يستطيعوا مثله، أو يجدوه لمن تقدمهم؟ أم ذلك شيء يتفق للشاعر، من كل مئة بيت يقولها، في بيت؟ ولعل [غير] الشاعر على قياس ذلك. وإذا كان لابد من الاعتراف بالثاني من الأمرين، وهو أن لا يكون إلا نادرًا وفي القليل، فقد ثبت إعجاز القرآن بنفس ما راموا به دفعه، من حيث كان النظم الذي لا يقدر على مثله قد جاء منه فيما لا يصحى كثرة من المعاني.
٣٥ - وهكذا القول في الفصول التي ذكروا أنه لم يوجد أمثالها في معانيها١، لأنها لا تستمر ولا تكثر، ولكنك تجدها كالفصوص الثمينة والوسائط النفيسة وأفراد الجواهر٢، تعد كثيرًا حتى ترى واحدًا. فهذا وشبهة من القول في دفعهم مع تسليم ما ظنوه من أن التحدي كان إلى أن يعبر عن معاني القرآن أنفسها ممكن غير متعذر، إلا أن الأولى أن يلزم الجدد الظاهر٣، وأن لا يجابوا إلى ما قالوه من أن التحدي كان إلى أن يؤدي في أنفس معانيه بنظم وافظ
_________________
(١) ١ في المخطوطة والمطبوعة: "لم يوجب أمثالها"، وهو تصحيف ظاهر. ٢ "الوسائط" جمع "واسطة"، و"واسطة القلادة"، هي الجوهرة التي تكون في وسط الكرس المنظوم، و"الكرس"، نظم القلادة. ٣ "الجدد"، الطريق المستوى الواضح.
[ ٦٠٩ ]
يشابهه ويساويه، ويجزم لهم القول بأنهم تحذوا إلى أن يجيئوا في أي معنى أرادوا مطلقًا غير مقيد، وموسعًا عليهم غير مضيق، بما يشبه نظم القرآن أو يقرب من ذلك.
٣٦ - ومما يحيل أن يكون التحدي قد كان إلى ما ذكروه ومع الشرط الذي توهموه، أن العرب قد كانت تعرف "المعارضة" ما هي وما شرطها، فلو كان النبي ﷺ قد عدل بهم في تحديه لهم إلى ما لا يطالب بمثله، لكان ينبغي أن يقولوا: "إنك قد ظلمتنا، وشرطت في معارضة الذي جئت به ما لا يشترط، أو ما ليس بواجب أن يشترك، وهو أن يكون النظم الذي تعارض به في انفس معاني هذا الذي تحديت إلى معارضته، فدع عنا هذا الشرط، ثم اطلب فإنا نريك حينئذ مما قاله الأولون وقلناه وما نقوله في المستأنف، ما يوازي نظم ما جئت به في الشرف والفضل ويضاهيه، ولا يقصر عنه". وفي هذه كفاية لمن كانت له أذن نعي، وقلب يعقل.
قد ثم الذي أردت في جواب سؤالهم، وبان بطلانه بيانًا لا يبقى معه إن شاء الله شك لناظر، وإذا هو نصح نفيه وأذكى حسه، ونظر نظر من يريد الدين، ويرجو مما عبد الله، ويريد فيما يقول ويعمل وجه تقدس أسمه~، وإليه تعالى ترغيب في أن يجعلنا ممن هذه صفته في كل ما ننتحيه وننظر فيه، بفضله ومنه ورحمته، إنه على ما يشاء قدير.
الحمد لله حق حمده، والصلاة على رسوله محمد وآله من بعده.
[ ٦١٠ ]
بسم الله الرحمن الرحيم