فصل:
في الذي يلزم القائلين بالصرفة:
٣٧ - اعلم أن الذي يقع في الظن من حديث القول بالصرفة، أن يكون الذي ابتدأ القول بها ابتدأه على توهم أن التحدي كان إلى أن يعبر عن أنفس معاني القرآن بمثل لفظه ونظمه، دون أن يكون قد أطلق لهم وخيوا في المعاني كلها. ذاك لأن في القول بها على غير هذا الوجه أمورًا شنيعة، يبعد أن يرتكبها العاقل ويدخل فيها. وذاك أنه يلزم عليه أن تكون العرب قد تارجعت حالها في البلاغة والبيان، وفي جودة النظم وشرف اللفظ وأن يكونوا قد نقصوا في قرائحهم وأذهانهم، وعدموا الكثير مما كانوا يستطيعون وأن تكون أشعارهم التي قالوها، والخطب التي قاموا بها، وكل كلام احتفلوا فيه١، من بعد أن أوحي إلى النبي ﷺ، وتحدوا إلى معارضه القرآن٢ قاصرة عما سمع منهم من قبل ذلك القصور الشديد، وأن يكون قد ضاق عليهم في الجملة مجال قد كان يتسع لهم، ونضبت عنهم نمواد قد كانت تعزر٣. وخذلتهم قوى قد كانوا يصولون بها، وأن تكون أشعار شعار النبي ﷺ التي قالوها في مدحه ﵇ وفي الرد على المشركين ناقصة متقاصرة عن شعرهم في الجاهلية، وأن يشك في الذي روي في شأن حسان من نحو
_________________
(١) ١ في المخطوطة والمطبوعة: "وكل كلام اختلفوا فيه"، وهو لا معنى له. ٢ السياق: "وأن تكون أشعارهم التي قالوها. قاصرة عما سمع منهم". ٣ غير ما في المخطوطة، وكتب "موارد قد كانت".
[ ٦١١ ]
قوله عليه السلام١: "قل وروح القدس معك" ٢، لأنه لا يكون معانًا مؤيدًا من عند الله، وهو يعدم مما كان يجده قبل كثيرًا، ويتقاصر أنف حاله عن السالف منها تاقصرًا شديدًا٣.
٣٨ - فإن قالوا: إنه نقصان حدث في فصاحتهم من غير أن يشعروا به.
قيل لهم: فإن كان الأمر كذلك، فلم تقم عليهم حجة، لأنه لا فرق بين أن لا يكونوا قد عدموا شيئا من الفصاحة التي كانوا يعرفونها لأنفسهم قبل التحدي بالقرآن والدعاء إلى معارضته، وبين أن يكونوا قد عدموا ذاك، ثم لم يعلموا أنهم قد عدموه. ذاك لأن الآية بزعمهم إنما كانت في المنع من نظم ولفظ قد كان لهم ممكنًا قبل أن تحدوا، ولا يكون منع حتى يرام الممنوع٤، ولا يتصور أن يروم الإنسان الشيء ولا يعلمه، ويقصد في قوله له وفعل إلى أن يجيء به على وصف وهو لا يعرف ذلك الوصف ولا يتصوره بحال من الأحوال. وإذا جعلناهم لا يعلمون أن كلامهم الذي يتكلمون به اليوم قاصر عن الذي تكلموا به أمس، وأن قد امتنع عليهم في النظم شيء كان يواتيهم، وسلبوا منه معنى قد كان لهم حاصلًا٥ استحال
_________________
(١) ١ غير ما في المخطوطة وكتب "الذي روى عن شأن حسان". ٢ هو أحد ألفاظ الحديث رواه البخاري ومسلم وغيرهما من أصحاب دواوين السنة: "اللهم أيده بروح القدس". ٣ "أنف الشيء"، أوله وابتداؤه. ٤ في المخطوطة: "حتى يراهم الممنوع"، وصححه في المطبوعة. ٥ السياق: "إذا جعلناهم لا يعلمون استحال".
[ ٦١٢ ]
أن يعلموا أن لنظم القرآن فضلًا على كلامهم الذي يسمع منهم، وعلى النظم الواهن الباقي لهم١، ذاك لأن عذر القائل بالصرفة، أن كلامهم قبل أن تحدوا قد كان مثل نظم القرآن، وموازيًا له، وفي مبلغه من الفصاحة.
٣٩ - وإذا كان كذلك، لم يتصور أن يعلموا أن للقرآن مزية على كلامهم، وعندهم أن كلامهم باق على ما كان عليه في القديم لم ينقص ولم يدخله خلل. وإذا لم يتصور أن يعلموا أن للقرآن مزية على ما يقولونه ويقدرون عليه في الوقت٢، لم يتصور أن يحاولوا تلك المزية، وإذا لم يحاولوها لم يحسوا بالمنع منها والعجز عن نيلها، وإذا لم يحسوا بالعجز والمنع لم تقم عليهم حجة به. فالذي يعقل إذن مع هذه الحال، أن يعتقدوا أنهم قد عارضوا القرآن وتكلموا بما يوازيه ويجري مجرى المثل له، من حيث أنه إذا كان عندهم أن كلامهم باق على ما كان عليه في الأصل وقبل نزول القرآن، وكان كلامهم إذا ذاك في حد المثل والمساوى للقرآن، فواجب مع هذا الاعتقاد أن يعتقدوا أن في جملة ما يقولونه في الوقت ويقدرون عليه، ما يشبه القرآن ويوازيه.
٤٠ - واعلم أنه يلزمهم أن يفضوا في النبي ﷺ بما قضوا في العرب، من
_________________
(١) ١ في المخطوطة والمطبوعة: "وعلى النظم الزاهر الباقي لهم"، وهو غير مستقيم، و"الواهن"، الذي أصابه الوهن، وهو الضعف. ٢ غيره في المطبوعة، فكتب: "في الرتب" وهو فساد، وقوله: "في الوقت"، يعني: الآن وسيأتي مثله بعد أسطر على الصواب.
[ ٦١٣ ]
دخول النقص على فصاحتهم، وتراجع الحال بهم في البيان، وأن تكون النبوة قد أوجبت أن يمنع شطرًا من بيانه، وكثيرا مما عرف له قبلها من شرف اللفظ وحسن النظم. وذلك لأنهم ذا لم يقولوا ذلك، حصل منه أنيكون ﵇ قد تلا عليهم: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨] ١، في حال هو يستطيع يها أن يجيء بمثل القرآن ويقدر عليه، ويتكلم ببعض ما يوازيه في شرف اللفظ وعلو النظم. اللهم إلا أن يقتحموا جهالة أخرى، فيزعموا أنه ﵇ قد كان من الأصل دونهم في الفصاحة، وأن الفضل والمزية التي بها كان كلامهم قبل نزول القرآن في مثل لظفه ونظمه، قد كان لبلغاء العرب دون النبي ﷺ. وإذا قالوا ذلك، كانوا قد خرجوا من قبيح القول إلى مثله، فلم يشك أحد أنه ﷺ لم يكن منقوصًا في الفصاحة، بل الذي أتت به الأخبار أنه ﷺ كان أفصحَ العرب.
٤١ - ومما يلزمهم على أصل المقالة أنه كان ينبغي لهم٢ لو أن العرب كانت منعت منزلة من الفصاحة قد كانوا عليها أن يعرفوا ذلك من أنفسهم، كما قدمت، ولو عرفوا لكان يكون قد جاء عنهم ذكر ذلك، ولكانوا قد قالوا للنبي ﷺ: "إنا كنا نستطيع قبل هذا الذي جئتنا به، ولكنك قد سحرتنا، واحتلت
_________________
(١) ١ السياق: أن ﵇ قد تلا عليهم في حال هو يستطيع". ٢ في المخطوطة: "أنه كان ينبغي له أن العرب كانت منعت"، وصححها الناشران: "أنه كان ينبغي، إن كانت العرب منعت، والذي أثبته هو الصواب إن شاء الله. والسياق: "أنه كان ينبغي لهم أن يعرفوا ذلك".
[ ٦١٤ ]
في شيء حال بيننا وبينه"، فقد نسبوه إلى السحر في كثير من الأمور، كما لا يخفى، وكان أقل ما يجب في ذلك أن يتذاكروه فيما بينهم، ويشكوه البعض إلى البعض، ويقولوا: "ما لنا قد نقصنا في قرائحنا، وقد حث كلول في أذهاننا" ففي أن لم يرو ولم يذكر أنه كان منهم قول في هذا المعنى، لا ما قل ولا ما كثر، دليل [على] أنه قول فاسد١، ورأى ليس من آراء ذوى التحصيل.
٤٢ - هذا، وفي سياق آية التحدي ما يدل على فساد هذا القول، وذلك أنه لا يقال عن الشيء منعه الإنسان بعد القدرة عليه، وبعد أن كان يكثر مثله منه: "إني قد جئتكم بما لا تقدرون على مثله ولو احتشدتم له، ودعونهم الإنسان والجن إلى نصرتكم فيه"، وإنما يقال: "إني أعطيت أن أحول بينكم وبين كلام كنتم تستطيعون وأمنعكم إياه، وأن أقحمكم عن القول البليغ، وأعدمكم اللفظ الشريف"، ومما شاكل هذا. ونظيره أن يقال للأشداء وذوي الأيد: "إن الآية أن تعجزوا عن رفع ما كان يسهل عليكم رفعه، وما كان لا يتكاءدكم ولا يثقل عليكم"٢.
ثم إنه ليس في العرف ولا في المعقول أن يقال: "لو تعاضدتم واجتمعتم جميعكم لم تقدروا عليه"٣، ي شيء قد كان الواحد منهم يقدر على مثله،
_________________
(١) ١ في المخطوطة والمطبوعة: "فبقى أن لم يرو"، والصواب ما أثبت. وسياق الكلام: ففي أن لم يرو. دليل على أنه قول فاسد". ٢ كان في المخطوطة: "ولا يثقل عليكم عراته ليس في العرف"، وهو في المطبوعة أتوابه على الصواب. ٣ في المخطوطة والمطبوعة: "واجتمعتم وجمعتم"، وهو خطأ ظاهر. والسياق: "أن يقال لو تعاضدتم ، في شيء قد كان ".
[ ٦١٥ ]
ويسهل عليه ويستقل به، ثم يمنعون منه وإنما يقال ذلك حيث يراد أن يقال: "إنكم لم تستطيعوا مثله قط، ولا تستطيعونه البتة وعلى وجه من الوجوه، حتى إنكم لو استضفتم إلى قواكم وقدركم التي لكم قوى وقدرًا، وقد استمددتم من غيركم، لم تستطيعوه أيضًا" من حيث إنه لا معنى للمعاضدة والمظافرة والمعاونة١، إلا أن تضم قدرتك إلى قدرة صاحبك حتى يحصل باجتماع قدرتكما ما لم يكن يحصل.
فقد بان إذن أن لا مساغ لحمل الآية على ما ذهبوا إليه، وأن لا محتمل فيها لذلك على وجه من الوجوه، وظهر به وسائر ما تقدم أن القول بالصرفة، ولا سيما على هذا الوجه، قول في غاية البعد والتهافت، وانه من جنس ما لا يعذرا لعاقل في اعتقاده. ولم أقل: "ولا سيما على هذا الوجه"٢، وانا أعني أن للقول بها على الوجه الأول مساغًا في الصحة، ولكني أردت أن فساده كأنه أظهر، والشناعة عليه أكثر، وإلا فما هما، إن أردت البلاطن، إلا سواء.
٤٣ - فإن قلت: فكيف الكلام عليهم، إذا ذهبوا في "الصرفة" إلى الوجه الآخر، فزعموا أن التحدي كان أن يأتوا في أنفس معاني القرآن بمثل نظمه ولفظه؟ وما الذي دل على فساده؟
_________________
(١) ١ غيروا عمدًا ما في المخطوطة وكتبوا: "والمظاهرة"، بلا سبب معقول، و"التظافر، والتضافر، والتظاهر" بمعنى واحد، وهو التعاون والتألب على الأمر. ٢ في المخطوطة: "ولم أقبل ولا سيما على هذا الوجه، وأنا أعني أن القول"، وصواب قراءته ما أثبت. وهذا استدراك منه على قوله قبل سطرين: "ولا سيما على هذا الوجه"، وغيروا في المطبوعة الكلام، فكتبوا مكان "مساغًا": "مساغ"، ومكان "كأنه أظهر": "كان أظهر"، ولم يشيروا إلى هذا التغيير المفسد للكلام.
[ ٦١٦ ]
فإن١ على فساد ذلك أدلة منها قوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَات﴾ [هود: ١٣]، وذاك أنا نعلم أن المعنى٢: فأتوا بعشر سور تفترونها أنتم وإذا كان المعنى على ذلك، فبنا أن ننظر في الافتراء إذا وصف المعنى، وإذا لم يرجع إلا إلى المعنى وجب أن يكون المراد٣: إن كنتم تزعمون أني قد وضعت القرآن وافتريته، وجئت به من عند نفسي، ثم زعمت أنه وحي من الله، فعضوا أنتم أيضًا عشر سور وافتروا معانيها كما زعمتم أني افتريت معاني القرآن. فإذا كان المراد كذلك، كان تقديرهم أن التحدي كان أن يعمدوا إلى أنفس معاين القرآن فيعبروا عنها بلفظ ونظم يشبه نظمه ولفظه٤، خروجًا عن نص التنزيل وتحريفًا له.
وذاك أن حق اللفظ إذا كان المعنى ما قالوه أن يقال: "إن زعمتم أني افتريته، فأتوا أنتم في معاني هذا المفتري بمثل ما ترون من اللفظ والنظم". يبين ذلك أنه لو قال رجل شعرًا فأحسن في لظفه ونظمه وأبلغ، وكان له خصم يعانده، فعلم الخصم أنه لا يجد عليه مغمزًا في النظم واللفظ، فترك ذلك جانبًا وتشاغل عنه، وجعل يقول: "إني رأيتك سرقت معاني شعرك وانتحلتها وأخذتها من هذا وذاك، فقال له الرجل في جواب هذا الكلام: "إن كنت قد سرقت معاني
_________________
(١) ١ هذا جواب السؤال. ٢ في المخطوطة والمطبوعة: "وذاك أنا لا نعلم"، وهو خطأ ظاهر. ٣ في المطبوعة: "وإذا لم يرجع إلا إلى المعنى، كان المراد، لا أدري لم غيروا ما في المخطوطة دون دلالة على التغييرز. ٤ في المطبوعة: "فيغيروا عنها بلفظ"، تصحيف.
[ ٦١٧ ]
شعري، فقل أنت شعرًا مثله مسروق المعاني" لم يعقل منه إلا أنه يقول: "فقل أنت شعرًا في معانٍ أخر تسرقها كما سرقت معاني بزعمك" ولم يحتمل أن يريد: "أعمد إلى معاني فقل فيها شعرًا مثل شعري"، وإنما يعقل ذلك إذا هو قال: "إن كنت قد سرقت معاني شعري، فقل أنت في هذه المعاني المسروقة مثل الذي قلت، وأنظم فيه الكلام مثل نظمي لكلامي، وخبره تحبيري".
٤٤ - هذه جملة لا تخفي على من عرف مخارج الكلام، وعلم حق المعنى من اللفظ، وما يحتمل مما لا يحتمل. ومنها ما تقدم١، من أنه لا يقال في الشيء قد كان يكثر مثله من الإنسان ثم منع منه: "ايت بمثله، وأجهد جهدك، واستعن عليه، فإنك لا تستطيع ولو أعانك الجن والإنس"٢، وإنما يقال ذلك في البديع المتبدأ، أو الذي لم يسبق إليه، ولم يوجد مثله قط.
وهذا المعنى وإن كان يلزمهم في الوجهين، فإنه لهم في هذا الوجه الذي نحن فيه ألزم، وذاك أن قولك للرجل يقدر على مثل الشيء اليوم في كثير من الأحوال والأمور٣، ويعوقه عنه عائق في حال واحدة وأمر واحد: "لو اجتمع الإنسن والجن فأعانوك لم تقدر على مثله"٤ أبعد وأقبح من قولك ذلك. وقد كان يقدر عليه في سالف الأزمان، ثم منعه جملة، وجعل لايستطيعه البتة.
_________________
(١) ١ انظر رقم: ٤٢. ٢ في المخطوطة والمطبوعة: "استعن عليك"، وهو لا شيء. ٣ في المخطوطة: "وذاك أنك قولك للرجل"، وصححه في المطبوعة. ٤ السياق: "أن قولك للرجل يقدر، أبعد وأقبح".
[ ٦١٨ ]
١ ومنها الأخبار التي جاءت عن العرب في تعظيم شأن القرآن وفي وصفه بما وصفوه به من نحو: "إن عليه لطلاوة، وإن له لحلاوة، وإن أسفله لمعذق، وإن أعلاه لمثمر"٢، وذاك أن محالًا أن يعظموه، وأن يبهتوا عند سماعه، ويستكينوا له، وهم يرون فيما قالوه وقاله الأولون ما يوازيه، ويعلمون أنه لم يتعذر علثيهم لأنهم لا يستطيعون مثله، ولكن وجدوا في أنفسهم شبه الآفة والعارض يعرض للإنسان فيمنعه بعض ما كان سهلًا عليه بل الواجب في مثل هذه الحال أن يقولوا: "إن كنا لا يتهيأ لنا أن تقول في معاني ما جئت به ما يشبه، إنا لتأتيك في غيره من المعاني ما شئت وكيف شئت، بما لا يقصر عنه ولا يكون دونه".
٤٥ - وجملة الأمر أن علم النبوة عندئذ والبرهان، إنما كان [يكون] في الصرف والمنع عن الإتيان بمثل نظم القرآن لا في نفس النظم٣. وإذا كان كذلك، فينبغي إذا تعجب المتعجب وأكبر المكبر، أن يقصد بتعجبه وإكباره إلى المنع الذي فيه الآية والبرهان، لا إلى الممنوع منه. وهذا واضح لا يشكل.
_________________
(١) ١ ههنا سقط من الناسخ كلام لا شك في سقوطه، فالخلل في الكلام ظاهر جدًا، وقد لا يتجاوز السقط مقدار سطر أو سطرين. ٢ سلف هذا في رقم: ١٠، مع اختلاف يسير، وكان هنا في المخطوطة والمطبوعة: "وإن عليه لحلاوة"، وهي تصحيف وسهو. ٣ كان في المخطوطة والمطبوعة: "وجملة الأمر أن علم النبوة عندهم والبرهان، إنما كان في الصرف والمنع"، وهو كلام ظاره الاختلال، صوابه إن شاء الله ما كتبت.
[ ٦١٩ ]
٤٦ - فإن قالوا: إنه ليكون أن يستحسن الشاعر الشعر يقوله غيره ويكبر شأنه، ويرى فيه فضلًا ومزية على ما قاله هو من قبل، ثم هو لا ييأس من أن يقدر على مثله إذا هو جهد نفسه وتعمل له. فنحن نجعل لفظ القرآن ونظمه على هذا السبيل، وتقول: إنهم سمعوا منه ما بهرهم وعم في نفوسهم، وأنهم [كانوا على حال أنسوا من أنفسهم بأنهم يأتون بمثله إذا هم اجتهدوا١، فحيل بينهم وبين ذلك الاجتهاد، وأخذوا عن طريقه، ومنعوا فضل المنة التي طمعوا معها في أن يجروا إلى تلك الغاية ويبلغوا ذاك الذي أرادوا٢ وإذا كنا نعلم أن الشعر المفلق ربما اعتاص القول عليه حتى عييا بقافية، وحتى تنسد عليه المذاهب، وأن الخطيب المصقع يرتج عليه حتى لا يجد مقالًا، وحتى لا يفيض بكلمة، لم يكن الذي قلناه وقدرناه بعيدًا أن يكون، وأن يسعة الجواز ويحتمله الإمكان.
قيل لهم: أنتم الآن كأنكم أردتم أن تسحنوا امركم٣، وأن تغطوا على بعض العوار، وأن تتملصلوا من الذي تلزمون٤، وليس لكم في ذلك كبير جدوى إذا حقق الأمر، وإنما هو خداع وضرب من التزيق.
وأول ما يدل على بطلان ما قلتم، وأن الذي عرفنا من حال الناس فيما سبيله ما ذكرتم، الضجر والشكوى، وأن يقولوا: "ما بالنا؟ ٥ ومن أين دهينا؟ وكيف
_________________
(١) ١ في المخطوطة والمطبوعة: ولكنهم على حال أنسوا " وهو غير مستقيم، والذي أثبت هو حق الكلام. ٢ في المخطوطة: "طمعوا أن يجيروا إلى تلك الغاية، ويبلغوا ذلك المدى أرادوا" وصواب قراءته ما أثبت، وجعلها في المطبوعة: "ويبلغوا ذلك المدى [الذي] أرادوا"، ولا حاجة إلى هذا. ٣ غير ما في المخطوطة وكتب مكان "أنتم": "إنكم" بلا فائدة. ٤ في المطبوعة: وأن تتملسوا، لم يحسن قراءة المخطوطة. ٥ في المخطوطة والمطبوعة: "ما لنا"، والأجود ما أثبت، سها الناسخ.
[ ٦٢٠ ]
الصورة؟ إنا وإن كنا نسمع قولًا له فضل ومزية على ما قلناه، فإنه ليس بالذي ينبغي أن نعجز عنه هكذا حتى لا نستطيع في معارضته ما نرضى١، فلا ندري أسحرنا أماذا كان؟ " ففي أن لم يرو عنهم شيء من هذا الجنس على وجه من الوجوه، دليل أن لا أصل لما توهموه، وأنه تلفيق باطل.
ثم إنه ليس في العادة أن يدعن الرجل لخصمه، ويستكين له، ويلقى بيده، ويسكت على تقريعه له بالعجز وترديده لاقول في ذلك، وقدر ما ظهر من المزية قدر قد يطمع الإنسان في مثله٢، ويرى أنه يناله إذا هو اجتهد وتعمد٣ بل العادة في مثل هذا أن يدفع العجز عن نفسه، وأن يجحد الذي عرف لصاحبه من المزية ويتشدد، كما فعل حسان٤، فيدعي في مساواته، وأنه إن كان جرى إلى غاية رأي لنفسه بها تقدما إنه ليجري إلى مثلها، وأن يقول: "لا تغل ولا تفرط ولا تشتط في دعواك، فلئن كنت قد نلت بعض السبق، إنك لم تبعد المدى بعد من لا يداني ولا يشك غباره، فرويدًا، وأكفف من غلوائك".
٤٧ - واعلم أنهم يتمحلهم هذا قد وقعوا في امر يوهي قاعدتهم، ويقدح في أصل مقالتهم، فقد نظروا لأنفسهم من وجه وتركوا النظر لها من آخر. وذاك أن من حق المنع إذا جعل آية وبرهانًا، ولا سيما للنبوة، أن يكون في اظهر الأمور،
_________________
(١) ١ كتب في المطبوعة: "إنه ليس بالذي ينبغي"، حذف الفاء من "فإنه"، كأنه ظنها خطأ. ٢ في المخطوطة والمطبوعة: "وقدر اأظهر من المزنة "، وهو خطأ ظاهر. ٣ السياق: "ثم إنه ليس في العادة بل العادة". ٤ لم أقف عبد على أمر حسان.
[ ٦٢١ ]
وأكثرها وجودًا، وأسهلها على الناس، وأخلقها بأن تبين لكل راء وسامع أنه قد كان منع، لا أن يكون المنع من خفي لا يعرف إلا بالنظر، وإلا بعد الفكر، ومن شيء لم يوجد قط ولم يعهد، وإنما يظن ظنًال أنه يجوز أن يكون، وأن له مدخلًا ي الإمكان إذا آجتهد المجتهد، وهل سمع قط أن نبيًا أتى قومه فقال: "حجتي عليكم، والآية في أني نبي إليكم، أن تمنعوا من أمر لم يكن منكم قط، وليس يظهر في بادئ الرأي وظاهر الأمر أنكم تستطيعونه، ولكنه موهوم جوازه منكم، إذا أنتم كددتم أنفسكم، وجمعتم ما لكم، واستفرغتم مجهودكم، وعاودتم الاجتهاد فيه مرة بعد أخرى"؟ أم ذلك ما لا يقوله عاقل، ولا يقدم عليه إلا مجازف لا يدري ما يقول؟
وإذا كان كذلك، وكان الذي قالوه من أن المنع كان من نظم لم يوجد منهم قط، إلا أنهم أحسوا في أنفسهم انهم يستطيعونه إذا هم اجتهدوا واستفرغوا الوسع،١ بهذه المنزلة، وداخلًا في هذه القضية٢ فقد بان أنهم بذلك قد أوهوا قاعدتهم، وقدحوا في أصل المقالة، من حيث جعلوا الآية والبرهان وعلم الرسالة والأمر المعجز للخلق، في المنع من شيء لم يوجد قط، ولم يعلم أنه كان في حال من الأحوال، وليس بأكثر من أن ظن ظنًا أنه مما يحتمله الجواز ويدخل في الإمكان، إذا أدمن الطلب، وكثر فيه التعب، واستنزفت قوى الاجتهاد، وأرسلت له الأفكار في كل طريق، وحشدت إليه الخواطر في كل جهة. وكفى بهذا ضعف راي وقلة تحصيل.
_________________
(١) ١ السياق: " وكان الذي قالوه من أن المنع كان من نظم بهذه المنزلة". ٢ السياق: "وإذا كان الذي قالوه فقد بان".
[ ٦٢٢ ]
فصل:
٤٨ - وهذا فصل أختم به:
ينبغي أن يقال: ما هذا الذي أخذتم به أنفسكم؟ وما هذا التأويل منكم في عجز العرب عن معارضة القرآن؟ وما دعاكم إليه؟ وما أردتم منه؟ أأن يكون لكم قول يحكي، وتكونوا أمة على حدة، أم قد أتاكم في هذا الباب علم لم يأت الناس؟
فإن قالوا: أتانا فيه علم.
قيل: أفمن نظر ذلك العلم أم خبر؟
فإن قالوا: من نظر.
قيل لهم: فكأنكم تعنون أنكم نظرتم في نظم القرآن ونظم كلام العرب ووازنتم فوجدتموه لا يزيد إلا بالقدر الذي لو خلوا والاجتهاد وإعمال الفكر، ولم تفرق عنهم خواطرهم عند القصد إليه، والمصد له لأتوا بمثله؟
فإن قالوا: كذلك نقول.
قيل لهم: فأنتم تدعون الآن أن نظركم في الصاحة نظر لا يغيب عنه شيء من أمرها، وأنكم قد أحطتم علمًا بأسرارها، وأصبحتم ولكم فيها فهم وعلم لم يكن للناس قبلكم.
وإن قالوا: عرفنا ذلك بخبر.
قيل: فهاتوا عرفونا ذلك، وأني لهم تعريف مالم يكن، وتثبيت ما لم يوجد!
[ ٦٢٣ ]
ولو كان الناس إذا عن لهم القول نظروا في موداه، وتبينوا عاقبته، وتذكروا وصية الحكماء حين نهوا عن الورود حتى يعرف الصدر، وحذروا أن تجيء أعجاز الأمور بغير ما أوهمت الصدور إذا لكفوا البلاء، ولعدم هذا وأشباهه من فاسد الآراء، ولكن يأتي الذي في طباع الإنسان من التسرع، ثم من حسن الظن بنفسه، والشغف بأن يكون متبوعًا في رأيه، إلا أن يخدعه وينسبه أنه موصى بذلك، ومدعو إليه، ومحذر من سوء المغبة إذا هو تركه وقصر فيه. وهي الآفة لا يسلم منها ومن جنايتها إلا من عصم الله١. وإليه عز اسمه الرغبة في أن يوفق للتي هي أهدى، ويعصم من كل ما يوتع الدين٢، ويثلم اليقين، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
_________________
(١) ١ في المخطوطة والمطبوعة: "وهم الآفة"، وهو سهور ظاهر من الكاتب. ٢ من "الونغ"، وهو الهلاك، و"أوتغه يوتغه"، أفسده وأهلكه.
[ ٦٢٤ ]
بسم الله الرحمن الرحيم
٤٩ - قول من قال: "إنه يجوز أن يقدر الواحد من الناس من بعد انقضاء زمن النبي ﷺ، ومضى وقت التحدي، على أن يأتي بما يشبه القرآن ويكون مثله، لأن ذلك لا يخرج عن أن يكون قد كان معجزًا في زمان النبي صلى الله عليه وسلم١، وحين تحدى العرب إليه"٢ قول لا يصح إلا لمن لا يجعل القرآن معجزًا في نفسه٣، ويذهب فيه إلى "الصرفة".
فأما الذي عليه العلماء من أنه معجز في نفسه، وأنه في نظمه وتأليفه على وصف لا يهتدي الخلق إلى الإتيان بكلام هو في نظمه وتأليفه على ذلك الوصف، فلا يصح البتة ذاك لا فرق بين أن يكون الفعل معجزًا في جنسه كإحياء الموتى، وبين أن يكون معجزًا لوقوعه على وصف، وإذا كان كذلك، فكما أنه محال أنه يكون ههنا إحياء ميت لا من فعل الله، كذلك محال أن يكون ههنا نظم مثل نظم القرآن لا من فعله تعالى. فهذا هو.
ثم إنه قول إذ نقر عنه انكشف عن أمر منكر، وهو إخراج أن يكون وحيًا من الله، وأن يكون النبي ﷺ قد تلقاه عن جبريل ﵇ والذهاب إلى أنت يكون قد كان على سبيل الإلهام، وكالشيء يلقى في نفس الإنسان ويهدى له من طريق الخاطر والهاجس الذي يهجس في القلب. وذلك مما يستعاذ بالله منه، فإنه تطرق للإحاد، والله ولي العصمة والتوفيق.
_________________
(١) ١ في المخطوطة والمطبوعة: "إلا أن ذلك لا يخرج"، وهو خطأ من الناسخ لا شك فيه. ٢ السياق: "قوله من قال قول لا يصح". ٣ في المطبوعة: "إلا لمن يجعل القرآن"، سقطت "لا".
[ ٦٢٥ ]
بسم الله الرحمن الرحيم
فصل:
٥٠ - ١ اعلم أن البلاء والداء العياء، أن ليس علم الفصاحة وتمييز بعض الكلام من بعض بالذي تستطيع أن تفهمه من شئت ومتى شئت، وأن لست تملك من أمرِكَ شيئًا حتى تظفرَ بمَنْ له طبعٌ إذا قدحْتَه وَرَى٢، وقلبٌ إذا أرْيتَهُ رأى فأمَّا وصاحبُك مَنْ لا يرى ما تريه، ولا يهتدي للذي تهديه، فأنت معه كالنافخ في الحم من غير نار، وكالملتمس الشم من أخشم٣، وكما لا تُقيم الشعرَ في نفسِ مَن لا ذوق له، كذلك لا يفهم هذا الباب مَنْ لم يؤْتَ الآلة التي بها يَفْهم إلاَّ أنه إنما يكونُ البلاءُ إذا ظنَّ العادم لها أنه قد أويتها، وأنه ممَّنْ يكملُ للحكْم ويصحُّ منه القضاءُ، فجعل يخبط ويخلط، ويقول القول لو علم غبه لاستحي منه٤.
وأما الذي يحس بالنقص في نفسه٥، ويعلم أنه قد عدم علمًا قد أُوتيَهُ مِنْ سِواه، فأنتَ منه في راحة، وهو رجلٌ عاقلٌ قد حماهُ عقلُه أنْ يعدُوَ طورَهُ٦، وأن يتكلَّف ما ليس بأهل له.
_________________
(١) ١ هذه الفقرة كلها مضت في دلائل الإعجاز في الفقرة: ٦٤٣، مع اختلاف يسير. ٢ في المخطوطة والمطبوعة: "بأن لست تملك إذا قدحته فيرى"، وقد سها الناسخ وأخطأ، والصواب ما أثبت. و"ورى الزند يرى وريًا"، إذا اتقد عند القدح. ٣ "الأخشم"، الذي سقطت خياشيمه، فهو لا يجد ريح طيب ولا نتن. ٤ قرأها "عيه"، بالياء في المطبوعة! و"الغب" العاقبة. ٥ كتبها في المطبوعة: "الذي يحسن تأليفه في نفسه"!! كلام غريب، ولم يحسن قراءة المخطوطة. ٦ أسقط في المطوعة: "قد" من "قد حماه".
[ ٦٢٦ ]
وإِذا كانَتِ العلومُ التي لها أصولُ معروفةٌ، وقوانينُ مضبوطةٌ، قد اشتركَ الناسُ في العِلْم بها، واتفقوا على أن البناء عليها والرد إليها، إذا أخطأ فيها المخطئ ثم أعجب برأيه لم تستطيع رَدُّه عن هواه، وصَرْفُه عن الرأي الذي رأى، إلاَّ بَعْدَ الجهْدِ، وإلاَّ بعد أن يكونَ حَصيفًا عاقِلًا ثَبْتًا، إذا نُبِّهَ انْتَبَهَ، وإِذا قيلَ: "إنَّ عليكَ بقيةً مِنَ النَّظَرِ"، وقفَ وأصْغى، وخَشِيَ أن يكونَ قد غُرَّ، فاحتاطَ باستماعِ ما يُقال له، وأنِفَ من أن يلجَّ من غير بيِّنة، ويستطيلَ بغير حُجَّة. وكان من هذا وصفه بعز ويقِلُّ: فكيف بأنْ تَرُدَّ الناسَ عن رأيهم في أمر الفصاحة، وأصلك الذي تردهم إليه، وتعول ي محاجَّتهم عليه، استشهادُ القرائحِ١، وسَبْرُ النفوسِ وفلْيُها وما يعرِضُ فيها من الأريحية عندما تسمع٢ وهم لا يَضعُون أنفُسَهم موضِعَ منَ يرى الرأي ويفي ويَقْضي، إلاَّ وعندَهم أنهم ممَّن صفتْ قريحَتُه، وصحَّ ذوقُه، وتمَّتْ أداتُه.
فإِذا قلتَ لهم: "إنكم أتيتم من أنفسكم، ومن أنكم لا تفطنون"، ردوا مثله عليك، وعابوك، ووقعوا فيك، وقالوا:
"لا، بل قرائِحُنا أصحُّ، ونظرُنا أصْدَقُ، وحسنا أذكى، وإنما الآفة فيكم، فإنكم جئتم فخيلتم إلى أنفسكم أُمورًا لا حاصِل لها، وأوهَمَكُم الهوى والميلُ أن توجبوا لأحد النظمين المتساويين فضلًا عن الآخر، من غير ان يكون له ذلك الفضل"، فتبقى في أيدهم حسيرًا لا تملك غير التعجب٣.
_________________
(١) ١ في المطبوعة، لم يحسن القراءة، فكتب: "استشهاد القرآن"!!. ٢ في المطبوعة، لم يحسن القراءة، فكتب: "وما يعرض فيها من الأدعية"، وهذا أغرب وأعجب. ٣ وأيضًا في المطبوعة: "فبقى في أيديهم حيث لا يملك غير التعجب"، لم يحسن القراءة، وهذه أشد غرابة وأشنع.
[ ٦٢٧ ]
فليس الكلام إذن بمعن عنك، ولا القولُ بنافعٍ، ولا الحُجَّةُ مسموعةً، حتى تجد من فيه عون لك، ومن إذا أبي عليكَ أبى ذَاك طبعُه فردَّه إليكَ، وفتَحَ سمعه لك، ورفع الحجاب بينه وبينك، وأخذَ به إلى حيثُ أنتَ، وصرَفَ ناظِرَه إلى الجهة التي إليها أوْمأتَ، فاستبدَلَ بالنِّفار أنسًا، وأراك من بعد الإباء قبولًا، وبالله التوفيق.
[ ٦٢٨ ]