الوجه الرابع في الخبر المعرف بالألف واللام وهو مسلك دقيق، وأمثلته، وهو "الموهوم":
١٩٩ - واعلمْ أنَّ للخبر المعُرَّف "بالألفِ واللام" معنًى غيرَ ما ذكرتُ لك، ولهُ مَسْلكٌ ثَمَّ دقيقٌ ولَمَحَةٌ كالخَلْسِ، يكونُ المتأمِّلُ عنده كما يقالُ: "يُعرَّفُ وينكَّرُ"، وذلك قولُك: "هو البطلُ المحامي" و"هو المتقي المرنجي"، وأنتَ لا تقصدُ شيئًا مما تقَدَّم، فلستَ تشيرُ إلى معنى قد عَلمَ المخاطَبُ أنه كان، ولم يَعْلَمْ أنه ممَّن كان كما مضى في قولك: "زيدٌ هو المنطلقُ" ولا تريدُ أن تقصُرَ معنى عليه على معنى أنه لم يَحصُلْ لغيرهِ على الكَمال، كما كان في قولك: "زيد هو الشجاعُ" ولا أن تقول: ظاهر أنه بهذهِ الصفة٢، كما كان في قوله: "ووالدُكَ العبْدُ" ولكنَّك تُريد أن تقولَ لصاحبك: هل سمعتَ بالبطل المحامي؟ وهل خصلت معنى هذه الصفةِ؟ وكيفَ يَنْبغي أن يكونَ الرجلُ حتى يَستحِقَّ أن يُقالَ ذلك له وفيه؟ فإنْ كنتَ قتلتَه عِلمًا، وتصوَّرْتَه حقَّ تصورهِ، فعليكَ صاحبَك واشدُدْ به يدَك، فهو ضالَّتُكَ وعندَه بُغْيتُكَ، وطريقُه طريق قولكِ٣: "هل سمعتَ بالأَسَد؟ وهل تعرفُ ما هو؟ فإِن كنتَ تَعرفُه، فَزيدٌ هو هو بعينه".
_________________
(١) ١ لم أقف على بعد. ٢ في المطبوعة: "إنه ظاهر بهذه الصفة"، وفي "س": "ظاهره أنه ". ٣ في المطبوعة وحدها "كطريق قولك".
[ ١٨٢ ]
٢٠٠ - ويزدادُ هذا المعنى ظهورًا بأن تكونَ الصفةُ التي تريدُ الإخبارَ بها عن المبتدأ مُجْراةً على موصوف، كقوله ابن الرومي:
هُوَ الرجُلُ المَشْرُوكُ في جُلِّ مالِهِ ولكنَّه بالمَجْد والحَمْد مُفْرَدُ١
تقديرُه، كأنه يقولُ للسامع: فكِّرْ في رجلِ لا يتميزُ عفاتُه وجيرانُه ومعارِفُه عنْهُ في مالِه وأَخْذ ما شاؤوا منه، فإذا حصلت صورته في نفسك، فأعلك أنه ذلكَ الرجلُ.
٢٠١ - وهذا فنٌّ عجيبُ الشأنِ، وله مكانٌ من الفَخامةِ والنُبْل، وهو مِنْ سِحْر البيانِ الذي تَقْصُرُ العبارةُ عن تأديةِ حقِّه. والمُعَوَّلُ فيه على مراجعةِ النفسِ واستقصاءِ التأمُّلِ، فإذا علمتَ أنه لا يريدُ بقوله: "الرجلُ المشروكُ في جُلِّ مالهِ" أن يقول: "هو الذي بلغت حديثه، وعرفت من حاله وقصته أن يُشرَكُ في جُلِّ ماله، على حدِّ قولِكَ: "هو الرجلُ الذي بلغَكَ أنه أنفقَ كذا، والذي وهبَ المئة المصطفاةَ من الإبل" ولا أنْ يقولَ إنه على معنى: "هو الكاملُ في هذه الصفةِ"، حتى كأنَّ ههنا أقوامًا يُشركون في جلِّ أموالهم، إلا أنه في ذلك أكملُ وأتَمُّ، لأنَّ ذلك لا يُتَصوَّر. وذاك أنَّ كوْنَ الرجل بحيث يُشْرَكُ في جلِّ ماله، ليس بمعنى يَقعُ فيه تَفاضُلٌ٢، كما أن بَذْلَ الرجلِ كَلَّ ما يَملكُ كذلك ولو قيلَ: "الذي يُشْرَكُ في ماله"، جازَ أن يَتفاوَتَ. وإذا كان كذلك، علمتَ أنه معنًى ثالثٌ. وليس إلا ما أشرْتَ إليه من أنه يقولُ
_________________
(١) ١ ديوانه: ٥٨٩، وفيه: "ولكنه باخلبر والحمد". ٢ في المطبوعة: "ليس معنى"، وفي "س" "وذاك أن إشراك الرجل في جل ماله، معنى لا يقع فيه تفاضل".
[ ١٨٣ ]
للمخاطب: "ضع في نسك معنى قولك: رجل متشروك في جُلِّ مالهِ، ثم تأمْل فلانًا، فإنك تَسْتملي هذه الصورةَ منه، وتَجدهُ يؤدِّيها لك نَصًّا، ويأتيكَ بها كَمَلًا".
٢٠٢ - وإن أردْتَ أن تسمعَ في هذا المعنى ما تَسْكُن النفسُ إليه سكونَ الصَّادي إلى بَرْد الماءِ، فاسمعْ قوله:
أن الرجل المدعو عاق فقرِهِ إذا لَمْ تُكارِمْني صروفُ زَمَاني١
وإنْ أردت أعجب من ذلك فقوله:
أهدَى إليَّ أبو الحُسين يَدا أَرْجو الثوابَ بها لديه غدا
وكذلك عاداتُ الكَريم إذا أَوْلَى يَدًا حُسِبَتْ علَيْهِ يدا
إن كان يحسد نفسه أحد، فلأزعمك ذلك الأحد٢
فهذا كلُّه على معنى الوْهم والتقدير، وأن يُصَوِّر في خاطرِه شيئًا لم يَره ولم يَعْلمه، ثم يُجْريه مُجْرى ما عَهِد وعَلِم.
"الذي" ومجيئها في الخبر الموهوم:
٢٠٣ - وليس شيءٌ أغلبَ على هذا الضرْبِ المَوْهوم من "الذي"، فإنه يجيء كثيرًا من أنك تُقدِّر شيئًا في وَهْمك، ثم تُعبِّر عنه "بالذي"، ومثال ذلك قوله:
أخوك الذي إن تدعه لملمة يحبك وإن تغضب إلى السيف يغضب٣
_________________
(١) ١ لم أقف عليه بعد. ٢ هو لابن الرومي في دويانه: ٧٨٦. ٣ هو لأبي حوط، حجية بن المضرب الكسوني، والشعر في شرح حماية التبريزي ٣: ٩٨، والمؤتلف والمختلف للآمدي: ١٨٣.
[ ١٨٤ ]
وقول الآخر:
أخوك الذي إن ريته قال إنما أريت وإن غاتبته لانَ جانِبُهْ١
فهذا ونحْوُه على أنكَ قدَّرْتَ إنسانًا هذه صفتُه وهذا شأْنُه، وأَحلْتَ السامعَ على من يَعِنُّ في الوهم٢، دون أن يكونَ قد عرفَ جرلًا بهذه الصفةِ فأعلمتَه أن المستحِقَّ لاسمِ الأُخوَّة هو ذلك الذي عَرَفه، حتى كأنك قلتَ: "أخوك زيدٌ الذي عرفتَ أنكَ إنْ تدعُه لملمة يحبك".
٢٠٤ - ولكَوْن هذا الجنسِ معهودًا من طريقِ الوَهم والتخيُّل، جَرىَ على ما يُوصفُ بالاستحالةِ، كقولكَ للرجل وقد تَمنَّى: "هذا هو الذي لا يكون"، و"هذا ما لا يدخل في الوجود"، وكقوله:
مالا يَكونُ فلاَ يَكونُ بحيلَةٍ أبدًا وَمَا هُوَ كائنٌ سَيُكُونُ٣
وَمِنْ لطيفِ هذا الباب قولُه:
وإنِّي لمشتاقٌ إلى ظلِّ صاحبِ يَروقُ ويَصْفو إنْ كَدِرْتُ عليهِ٤
قَدْ قدَّر كما تَرى ما لَمْ يعلمْه موجودًا، ولذلك قال المأمونُ: "خذْ منِّي الخِلافةَ وأعطني هذا الصاحب". فهذا التعريفُ الذي تَراه في الصاحب لا يَعْرِضُ فيه شك أنه موهوم.
_________________
(١) ١ هو لشار من يرد في ديوانه. ٢ في المطبوعة: "يتعين في الوهم"، خطأ. ٣ هو لعبد الله بن محمد بن أبي عيينة، بقوله لذى اليمينين، الكامل للمبرد ١: ٢٣. ٤ هو لأبي العتاهية. ديوانه "بيروت"، الأغاني ١١: ٣٤٦ "الدار"، كتاب بغداد لطيفور: ٣٣٢.
[ ١٨٥ ]
الفرق بين: "المنطلق زيد" و"زيد المنطلق" والمبتدأ والخبر معرفتان
٢٠٥ - وأمَّا قولُنا: "المنطلقُ زيدٌ"، والفرْقُ بينَه وبينَ أن تقول: "زيدٌ المنطلقُ"١، فالقولُ في ذلك أنك وإنْ كنتَ تَرى في الظاهر أنهما سواءٌ من حيثُ كانَ الغرضِ في الحَالَيْن إثباتَ انطلاقٍ قد سَبَق العلمُ به لزيدٍ٢، فليسَ الأمرُ كذلك، بل بينَ الكلامَيْن فصْلٌ ظاهرٌ.
وبيانُه: أنك إذا قلتَ: "زيدٌ المنطلقِ"، فأنتَ في حديِث انطلاقٍ قد كان، وعرَفَ السامعُ كونَه، إلاَّ أنه لم يَعْلم أَمِنْ زيدٍ كان أمْ مِن عَمرو؟ فإذا قلت: "زيدٌ المنطلقُ"، أزلتَ عنه الشكَّ وجعلْتَه يَقْطعُ بأنه كان مِنْ زيدٍ، بعد أن كان يَرى ذلك على سَبيل الجَواز.
وليس كذلك إذا قدمت "المنطلقُ" فقلت: "المنطلق زيد"، بلى يكون المعنى حيئذ على أنك رأَيْتَ إنسانًا ينطِلق بالبُعْد منك، فلم تثبته٣، ولم تعلَمْ أزيدٌ هو أمْ عمروٌ، فقال لك صاحبُك: "المنطلقُ زيدٌ"، أي هذا الشخصُ الذي تراه من بُعْد هو زيدٌ.
وقد تَرى الرجلَ قائِمًا بين يديكَ وعليه ثوبُ ديباجٍ، والرجلُ ممن عرفْتَه قديمًا ثم بَعُدَ عَهْدُك به فتناسَيْتَه، فيقالُ لك: "اللابسُ الديباجَ صاحبُك الذي كان يكونُ عندَك في وقتِ كذا، أمَا تعرِفُه؟ لَشَدَّ ما نَسِيتَ"، ولا يكون الغرض أن يثبت له ليس الديباجِ، لاستحالةِ ذلك، من حيثُ إنَّ رؤيتَك الديباجَ عليه تُغْنيك عن إخبارِ مُخْبر وإثباتِ مثبت لبسه له.
_________________
(١) ١ في المطبوعة: "بينه وبين زيد المنطلق". ٢ في المطبوعة: "من حيث كون الغرض ". ٣ في المطبوعة وحدها: "فلم تثبت".
[ ١٨٦ ]
فمتى رأيتَ اسمَ فاعلٍ أو صفة منَ الصفات قد بُدىءَ به، فجُعل مبتدأً، وجُعل الذي هو صاحبُ الصِّفة في المعنى خبرًا، فاعلَمْ أنَّ الغرضَ هناك، غيرُ الغرض إذا كان اسمُ الفاعل أو الصفةُ خبرًا، كقولك: "زيد المنطق".
اختلاف معنى التقديم والتأخير في المعرفتين إذا كانتا مبتدأ وخبرا:
٢٠٦ - واعلمْ أنه ربَّما اشتَبهتْ الصورةُ في بعضِ المسائل من هذا البابِ، حتى يُظنَّ أنَّ المعرفتين إذا وقعتا مبتدأ وخبرًا، لم يختلفِ المعنى فيهما بتقديمٍ وتأخير. ومما يُوهم ذلك قولُ النحويين في "باب كان": "إذا اجتمعَ معرفتانِ كنتَ بالخِيار في جعْلِ أيِّهما شئتَ اسمًا، والآخر خَبرًا، كقولك: "كان زيدٌ أخاط" و"كان أخوك زيدًا"، فيُظَنُّ مِنْ ههنا أنَّ تكافؤَ الاسمين ي التعريف يقتضي أن لا يَختلِف المعنى بأن نبدأ بهذا وثنتنى بذاك، وحتى كان الترتيبُ الذي يُدَّعى بينَ المبتدأ والخبر وما يُوضع لهما من المنزلِة في التقدم والتأخر، يَسْقطُ ويرتَفِعُ إذا كان الجزآن معًا معرفتين.
٢٠٧ - ومما يُوهم ذلك أنك تقول: "الأمير زيد"، و"جئتك والخليفةُ عبدُ الملك"، فيكون المعنى على إثباتِ الإمارة لزيدٍ، والخلافةِ لعبدِ الملك، كما يكونُ إذا قلت: "زيد الأمير" و"عبد الملك الخليفةُ"، وتقولهُ لمن لا يُشاهِد١، ومَنْ هو غائبٌ عن حضرةِ الإمارة ومعْدِن الخلافة.
وهكذا من يتوهم في نحو قوله:
_________________
(١) ١ في المطبوعة: "تقوله لمن يشاهد"، أسقط "لا"، ففسد الكلام.
[ ١٨٧ ]
أَبُوكِ حُبابٌ سارقُ الضَّيفِ بُرْدَهُ وجَدِّيَ يا حَجَّاجُ فارسُ شَمَّرا١
أنه لا فَصْلَ بينه وبينَ أن يقالَ: حبابٌ أبوكَ، وفارسُ شمَّر جَدِّي". وهو موضِعُ غامض.
والذي يُبيِّن وجهَ الصَّوابِ، ويدلُّ على وجوبِ الفرق بين المسئلتين: أنك إذا تأملت الكلام وجدت الا يَحْتَمِلُ التَّسويةَ، وما تجدُ الفرْقَ قائمًا فيه قيامًا لا سبيلَ إلى دَفْعه، هو الأَعَمَّ الأكثَر٢.
٢٠٨ - وإن أردتَ أَنْ تعرفَ ذلك، فانظرْ إلى ما قدَّمتُ لك من قولك: "اللابسُ الديباجَ زيدُ"٣، وأنتَ تُشير له إلى رجلٍ بينَ يديه، ثم انظرْ إلى قولِ العَرب: "ليسَ الطِّيبُ إلاَّ المِسْك"٤، وقولِ جرير:
ألستُمْ خيرَ مَنْ رَكبَ المَطايا٥
ونحوِ قولِ المتنبي:
ألست ابن الألى سعدوا وسادوا٦
_________________
(١) ١ هو لجميل في مجموع شعره، وهو في شرح الحماسة للتبريزي ١: ١٦٥، واللسان "شمر"، وغيرهما. ٢ السياق: "وما تجد الفرق هو الأعمم الأكثر". ٣ مضى في الفقرة رقم: ٢٠٥. ٤ مشهور عند النحاة، انظر سيبويه ١: ١٤٧. ٥ في ديوانه: وتمامه: وأندي العالمين بطون راح ٦ في ديوانه، وتمامه: ولم يلدوا امرءًا إلا نجيبا
[ ١٨٨ ]
وأشباهِ ذلك مما لا يُحصى ولا يُعَدُّ وأرد المعن على أن يَسْلَمَ لك مع قَلْبِ طَرَفَيْ الجملة١، وقُلْ: "ليس المسكُ إلا الطيبَ"، و"أليس خيرُ مَنْ ركبَ المطايا إياكم؟ "، و"أليس ابنُ الألى سعِدوا وسادوا إِيَّاكَ"؟ ٢ تعلمْ أنَّ الأمرَ على ما عرَّفْتُك من وجوبِ اختلاف المعنى بحسب التقديم والتأخير.
المبتدأ مبتدأ لأنه مسند إليه والخبر خبر لأنه مسند تثبت به وبيان ذلك:
٢٠٩ - وههنا نكتة جيب القطعُ معها بوجوبِ هذا الفرقِ أبدًا، وهي أنَّ المبتدأَ لم يكُنْ مبتدأً لأنه منطوقٌ به أولًا، ولا كان الخبر خبرًا لنه مذكورٌ بَعْد المبتدأ، بل كان المبتدأُ مبتدأً لنه مُسْندٌ إليه ومُثْبَتٌ له المعنى، والخبَرُ خبرًا لأنه مسنَدٌ ومثْبَتٌ به المعنى.
تفْسير ذلك: أنَّك إذا قلتَ: "زيدٌ منطلقٌ" فقد أثبتَّ الانطلاقَ لزيدٍ وأَسندْتَه إليه، فَزَيدٌ مثبَتٌ له، ومنطلق مثْبَتٌ به، وأمَّا تقديمُ المبتدأ على الخبرِ لفظًا، فحكْمٌ واجبٌ من هذِه الجهة، أي من جهِة أنْ كان المبتدأُ هو الذي يُثْبَتُ له المعنى ويسند إليه، والخبَرُ هو الذي يُثْبَتُ به المعنى ويُسنَد. ولو كان المبتدأ مبتدأ لنه في اللفظ مقدَّمٌ مبدوءٌ به، لكان يَنبغي أن يَخْرج عن كونِه مبتدأ بأن يقالَ: "منطلقٌ زيدٌ"، ولوجَبَ أن يكونَ قولُهم: "إن الخبرَ مقدَّمٌ في اللفظِ والنيَّةُ به التأخيرُ"، مُحالًا. وإذا كان هذا كذلك ثم جئتَ بمعرفتين فجعلتهما متبدأ وخبرًا فقد وجَبَ وجوبًا أن تكونَ مثبِتًا بالثاني معنى للأول. فإذا قلت: "زيدًا أخوك"، كنتَ قد أثبتَّ بأخوك معنى لزيدٍ، وإذا قدمت وأخرت فقلت:
_________________
(١) ١ "وأرد المعنى"، سياقه في اول الفقرة: وإن أردت أن تعرف ذلك، فانظر وأراد المعنى". ٢ السياق: "فانظر وأرد المعنى تعلم".
[ ١٨٩ ]
"أخوك زيد"١، وجب أن تكون مثبتًا يزيد معنى لأخوك، وإلا كان تسميتك له الآن متبدأ وإذا ذاك خبرًا، تغييرًا للاسم عليه مِنْ غيرِ معنى، ولأذى إلى أن لا يكون لقولهم "المبتدأ والخير" فائدةٌ غيرَ أن يتقدمَ اسمٌ في اللفظ على اسم، من غير أن ينفدر كل واحد منما بحكْمٍ لا يكون لصاحبهِ. وذلك مما لا يُشكُّ في سقوطه.
٢١٠ - ومما يدلُّ دلالةً واضحةً على اختلافِ المعنى إذا جئتَ بمعرفتَيْن، ثم جعلتَ هذا مبتدأ وذاك خبرًا تارة، وتارة بالعكس قولهم: "الحبيب أنت"، و"أنت الحبيبُ"، وذاك أنَّ معنى "الحبيبُ أنتَ"، أنه لا فصْل بينك وبينَ مَنْ تُحبُّه إذا صدَقَت المحبةُ، وأنَّ مثَل المتحابَّيْنِ مثَلُ نفْسٍ يقتسمُها شخصان، كما جاء عن بعض الحكماءِ أنه قال: "الحبيبُ أنتَ إلا أنه غيرُكَ". فهذا كما ترى فوق لطيف وكنكتة شريفةٌ، ولو حاولتَ أن تُفيدها بقولك: "أنت الحبيبُ"، حاولتَ ما لا يَصِحُّ، لأنَّ الذي يُعْقَل من قولك "أنتَ الحبيبُ" هو ما عناه المتنبي في قوله:
أنتَ الحبيبُ ولكنِّي أعوذُ بهِ مِنْ أنْ أكون محبصا غيرَ مَحْبوبِ٢
ولا يَخفى بُعْدُ ما بينَ الغرضَيْن. فالمعنى في قولك: "أنتَ الحبيبُ" أنَّكَ الذي أخْتَصُّه بالمحبة مِنْ بين الناس، وإذا كان كذلك، عرفتَ أنَّ الفرْقَ واجبٌ، أبدًا، وأنه لا يجوزُ أن يَكون "أخوك زيدٌ" و"زيد اخوك" بمعنى واحد.
_________________
(١) ١ من أول قوله: "كنت قد أثبت بأخوك" إلى هنا، ساقط في "ج"، سهوًا من الكاتب. ٢ في ديوانه.
[ ١٩٠ ]
٢١١ - وههنا شيءٌ يجبُ النظرُ فيه، وهو أنَّ قولك: "أنتَ الحبيبُ"، كقولِنا "أنتَ الشجاعُ"، تُريد أنه الذي كملت فيه الشجاعة أم كقولنا١: "زيدٌ المنطلقُ"، تريد أنه الذي كان منهُ الانطلاقُ الذي سمِعَ المخاطَبُ به؟ وإذا نظرْنا وجدناه لا يَحْتمِل أن يكونَ كقولنا: "أنتَ الشجاعُ"، لأنه يقتضي أن يكونَ المعنى أنَّه لا مَحبَّة في الدنيا إلا ما هو بهِ حبيبٌ، كما أنَّ المعنى في "هوَ الشجاعُ" أنه لا شجاعَة في الدنيا إلاَّ ما تَجِدُه عندَه وما هو شجاعٌ به. وذلك مُحال.
٢١٢ - وأمرٌ آخرُ وهو أنَّ الحبيب "فعيل" فمعنى" "مفعول"، فالمحبة إذن ليست هل له بالحقيقة، وإِنما هي صفةٌ لغيرِه قد لابَسَتْه وتعلَّقَتْ به تعلُّقَ الفعلِ بالمفعول. والصفةُ إذا وُصِفَتْ بكمالٍ وُصِفتْ به على أَنْ يَرجِعَ ذلك الكمالُ إلى مَنْ هي صفةٌ له، دونَ مَن تُلابِسُه ملابسةَ المفعول. وإذا كان كذلك، يعد أن تَقولَ: "أنتَ المحبوبُ"، على معنى أنتَ الكاملُ في كونك مَحبوبًا، كما أنَّ بعيدًا أن يقالَ: "هو المضروبُ"، على معنى أَنه الكاملُ في كونِه مضروبًا.
وإنْ جاء شيءٌ من ذلك جاء على تعسُّفٍ فيهِ وتأويلٍ لا يُتصوَّر ههنا، وذلك أنْ يقالَ مثلًا: "زيدٌ هو المظلومُ"، على معنى أنه لم يُصِبْ أحدًا ظلمٌ يَبلغُ في الشِّدَةِ والشَّناعة الظلمَ الذي لَحِقَه، فصار كلُّ ظلمٍ سِواهُ عَدْلًا في جَنْبهِ ولا يجيءُ هذا التأويلُ في قولنا: "أنتَ الحبيبُ"، لأنَّا نَعْلم أَّنهم لا يريدون بهذا الكلام أن يقولوا: إنَّ أحدًا لم يُحبَّ أحدًا مجتبى لك، وأن ذلك قد أبطل
_________________
(١) ١ في المطبوعة: "أو كقولنا".
[ ١٩١ ]
المحبات كلها حتى صبرت الذي لا يُعْقَلُ للمحبةِ معنًى إلاَّ فيه. وإنما الذي يريدون أنَّ المحبةَ مني بجملتها مقصورةٌ عليكَ، وأنه لَيْسَ لأحدٍ غيرَكَ حظٌّ في محبةٍ منِّي.
٢١٣ - وإذا كان كذلك بانَ أَنه لا يكونُ بمنزلةِ "أنتَ الشجاعُ"، تريدُ الذي يتكامل الوصفُ فيه١، إلا أنه يَنْبغي من بَعْدُ أن تعْلم أَنَّ بينَ "أنتَ الحبيبُ" وبينَ "زيدٌ المنطلقٌ" فرقًا، وهو أنَّ لكَ في المحبة التي أَثْبَتَّها طرفًا من الجنسية، من حيثُ كان المعنى أنَّ المحبَّةَ مني بجملتها مقصورةٌ عليك، ولم تَعمدْ إلى محبةٍ واحدةٍ من مَحَبَّاتك. ألا تَرى أنَّك قد أَعطَيْتَ بقولكَ: "أنتَ الحبيبُ" أنك لا تُحِبُّ غيرَه، وأنْ لا محبةَ لأحدٍ سِواه عندَك؟ ولا يتصور هذا في "زيد المنطلق"، لأنه وجْهَ هناك للجنسيةِ، إذْ ليس ثَمَّ إلا انلاطق واحدٌ قد عَرفَ المخاطبُ أنه كان، واحتاجَ أن يُعيَّن له الذي كان منه ويُنَصَّ له عليه. فإن قلتَ: "زيدٌ المنطلقُ في حاجتك"، تريدُ الذي من شأنه أن يَسْعى في حاجَتك، عرَضَ فيه معنى الجنسيةِ حينئذٍ على حدها في "أنت الحبيب".
أسماء الأجناس والمصادر تتنوع إذا وصفت:
٢١٤ - وههنا أصْلٌ يجب أن تُحْكِمَهُ: وهو أنَّ من شأنِ أسماءِ الأجناسِ كلِّها إذا وُصِفَتْ، أن تَتنوَّعَ بالصفةِ، فيصيرَ "الرجلُ" الذي هو جنسٌ واحدٌ إذا وصفْتَه فقلتَ: "رجلٌ ظريفٌ"، و"رجل طويل"، و"رجل قصير"، و"رجل شاعر"، و"رجل كاتبٌ"، أنواعًا مختلفةً يُعَدُّ كلُّ نوعٍ منها شيئًا على حدة، وتستأنف في اسم "الرجل" بكلِّ صفةٍ تَقْرِنها إليه جنسية٢.
_________________
(١) ١ في المطبوعة وحدها: "الذي تكامل". ٢ "جنسية"، مرفوع بقوله "وتستأنف"، أي: تستأنف بكل صفة جنسية.
[ ١٩٢ ]
٢١٥ - وهكذا القول في "المصادر"، تقول: "العلم" و"الجهل" و"الضرب" و"القتل" و"السير" و"القيام" و"القعود"، فتجدُ كلَ واحدٍ من هذه المعاني جنسًا كالرجل والفرس والحمارِ. فإذا وصفتَ فقلتَ: "عِلمُ كذا" و"علم كذا" كقولك: "علم ضروري" و"علم مكتسب"، و"علم جلي" و"علم خفي" و"ضرب شديد" و"ضرب خفيف" و"سير سريع" و"سير بطيء" وما شاكل ذلك، آتقسم الجنس منها أقاسامًا، وصار أنواعًا، وكان مثلها مثل الشيء والمجموع المؤلفِ تَفْرُقُه فِرَقًا وتَشْعَبُه شُعبَا. وهذا مذهبٌ معروف عندهم، وأصل متعارف فيكل جيل وأمة.
المصادر تتفرق بالصلة، كما تتفرق بالصفة:
٢١٦ - ثم إن ههنا أصلًا هو كالمتفرِّع على هذا الأصل أو كالنظيرِ له، وهو أن مِنْ شأنِ "المصدر" أن يفرَّقَ بالصَّلات كما يُفرَّقُ بالصِّفات.
ومعنى هذا الكلامِ أنَّك تقولُ "الضربُ"، فتراه جنسًا واحدًا، فإذا قلتَ: "الضربُ بالسيف"، صار بتعديتك له إلى السيف١، نوعًا مَخصوصًا. ألا تراكَ تَقولُ: "الضربُ بالسيف غيرُ الضربِ بالعصا"، تُريدُ أنهما نوعانِ مختلفانِ، وأنَّ اجتماعَهما في اسم "الضَّرْب" لا يُوجب اتفاقَهما، لأن الصِّلةَ قد فصلَتْ بينُهما وفرَّقَتْهما. ومن المثالَ البيِّن في ذلك قول المتنبي:
وتوهَّمُوا اللعِبَ الوَغى، والطعنُ في الـ ـهيجاءِ غير الطعن في الميدان٢
_________________
(١) ١ في المطبوعة: "تعيتك"، بغير باء. ٢ في ديوانه، و"الوغي" و"الهيجاء" الحرب، و"الميدان"، يريد به ميدان التدريب على استعمال السلاح، وهو أشبه باللعب.
[ ١٩٣ ]
لولا أن اختلاف صلة المصدر تقضي اختلافه في نفسِه، وأن يَحْدُثَ فيه انقسامٌ وتَنوُّعٌ، لَمَا كان لهذا الكلامِ معنًى، ولَكانَ في الاستحالة كقولك: و"الطعن غير الطعن". فقد بان إذْن أنه إنَّما كانَ كلُّ واحدٍ من الطَّعْنَيْن جِنْسًا بَرأْسِهِ غيرَ الآخَر، بأَنْ كان هذا في الهيجاءِ، وذاك في الميدانِ.
وهكذا الحُكْم في كلِّ شيء تعدَّى إليه "المصْدَرُ" وتعلَّقَ به. فاختلافُ مفعولَيْ المصدر يقتضي اختلافَه، وأن يكونَ المتعدِّي إلى هذا المفعولِ غيرَ المتعدِّي إلى ذاك. وعلى ذلك تقولُ: "ليسَ إعطاؤكَ الكثير كإعطائك القليل"، وهكذا إذا عذبته إلى الحال كقولك: "ليس إعطاؤه مُعْسِرًا كإعطائك مُوسِرًا" و"ليس بذْلُكَ وأنتَ مقل، كبذلك وأنت مكثر".
الاسم المشتق أيضا يتفرق بالصلة:
٢١٧ - وإذا قد عرفْتَ هذا مِن حُكْم "المصدِر" فاعتبرْ به حكْمَ الاسمِ المشتقِّ منه.
وإذا اعتبرْت ذلك علمْتَ أَنَّ قولك: "هو الوفيُّ حين لا يفي أحد"، و"هو الواهب المئة المصطفاة"، وقوله١:
وهو الضارب الكتيبة، والطعـ ـنة تعلو، والضَّربُ أَغْلى وَأَغْلَى٢
واشباهُ ذلك كلُّها أخبارٌ فيها معنى الجنسية، وأنها في نوعِها الخاصِّ بمنزلِة الجنسِ المُطْلَق إذا جعلْتَه خبَرًا فقلتَ: "أنتَ الشجاعُ".
وكما أنكَ لا تَقْصِد بقولك: "أنتَ الشجاعُ" إلى شجاعة بعينها قد
_________________
(١) ١ انظر الفقرة رقم: ١٩٦. ٢ في ديوان المتنبي، وفي المطبوعة: "أغلى وأغلى"، و"أغلى" من "الغلاء"، أي الضرب أعز وجودًا من الطعن وأغلى.
[ ١٩٤ ]
كانتْ وعُرِفَتْ من إنسانٍ، وأَردْتَ أن تَعرفَ ممَّنْ كانت بل تُريد أن تَقْصُرَ جنْسَ الشجاعةِ عليه، ولا تَجعلُ لأحدٍ غيرهِ فيه حظًَّا، كذلك لا تَقصدُ بقولك: "أنتَ الوفيُّ حين لا يَفي أحدٌ" إلى وفاءٍ واحدٍ. كيفَ؟ وأنتَ تقول: "حينَ لا يفي أحدٌ".
وهكذا محال أن تقصد في قولِه: "هُوَ الواهبُ المئةَ المصطفاةَ"، إلى هبةٍ واحدةٍ، لأنه يَقْتضي أَن يقصِدَ إلى مِئةٍ منَ الإبلَ قد وَهَبها مرةً، ثم لم يعد لمثلها. ومعلوم أن خلافُ الغرضِ، لأنَّ المعنى أنه الذي مِنْ شأنِه أن يَهَبَ المئةَ أبدًا، والذي يبلغُ عطاره هذا المبلغَ، كما تقول: "هو الذي يُعطي مادحة الألف والألفين"، وكقوله:
وحاتمُ الطائيُّ وهَّابُ المِئي١
وذلك أوضَحُ من أن يخفى.
الألف واللام الدالة على الجنسية لها مذهب في الخبر، غيره في المبتدأ ووجوه هذا المعنى:
٢١٨ - وأصْلٌ آخرُ: وهو أن مِنْ حَقِّنا أن نعْلم أنَّ مَذْهَب الجنسية في الاسم وهو خبر، غير مذهبها وهو مبتدأ.
_________________
(١) ١ لامرأة من بني عقيل، تفخر بأخوالها من اليمن، وقبله. حيدة خالي ولقيط وعلي نوادر أبي زيد: ٩١، واللساني "مأى" وغيرهاوهو مشهور. وفي هامش المخطوطة ما نصه: "مئة تجمع على مئى، ويكون الأصل: مووى ثم تقلب الواو باء كما يقال مضى في مضى يمضي: والأصل مضوى، كقعود، والمعروف الجمع بالواو، كقولك: مئة ومئون، مثل رئة ورئون، وثبة وثبون".
[ ١٩٥ ]
تفسيرُ هذا: أنَّا وإنْ قلْنا إنَّ "اللامَ" في قولك: "أنت الشجاعُ" للجنس، كما هُوَ له في قولهم: "السجاع موقي، والجبان ملقي"١، فإن الفرق ينهما عظيمٌ. وذلك أنَّ المعنى في قولك: "الشجاعُ مُوَقَّى"، أنك تُثْبِتُ الوقايةَ لكلِّ ذاتٍ مِنْ صفتها الشجاعةُ، فهو في معنى قولِك: الشجعانُ كلُّهم مُوَقَّوْنَ. ولستُ أقولُ إن الشجاعَ كالشجعان على الإطلاق، وإنْ كان ذلك ظنَّ كثيرٍ من الناس، ولكني أريدُ أنك تَجعلُ الوقايةَ تستغرق الجنس وتشتمله وتَشِيعُ فيه. وأمَّا في قولك: "أنت الشجاعُ"، فلا مَعنى فيهِ للاستغراقِ، إذْ لسْتَ تُريد أن تَقولَ: "أنتَ الشجعانُ كلُّهم" حتى كأنكَ تَذْهَبُ به مذْهَب قولِهِمْ: "أنتَ الخَلْقُ كلُّهم" و"أنت العالم"، كما قال:
وليس الله بِمُسْتَنْكَرٍ أنْ يَجْمَع العالَمَ في واحدِ٢
٢١٩ - ولكن لحديث "الجنسية" ههنا مأخذ آخرَ غيرَ ذلك، وهو أنك تَعْمدُ بها إلى المصدِر المشتقِّ منه الصفةُ وتُوجِّهُها إليه، لا إلى نفسِ الصِّفَة. ثُم لكَ في تَوْجيهها إليه مَسْلَكٌ دقيقٌ. وذلك أنَّه ليس القصْدُ أَنْ تأتيَ إلى شَجاعاتٍ كثيرةٍ فَتجمَعَها له وتُوجِدَها فيه، ولا أنْ تَقول: إنَّ الشجاعاتِ التي يُتوهَّمُ وجودُها في الموصوفينَ بالشجاعة هي موجودةٌ فيه لا فيهم هذا كلُّه محالٌ، بل المعنى على أنك تقولُ: كنَّا عقَلْنا الشجاعةَ وعرَفْنا حقِيقَتَها، وما هي؟ وكيف يَنبغي أن يكون الإنسانُ في إقدامِه وبَطْشه حتى يعلم أنه شجاع على
_________________
(١) ١ مثل، انظر كتاب الأمثال لأبي عبيد القاسم بن سلام: ١١٦ رقم: ٢٩٧. وقائله حنين ابن خشرم السعدي. ٢ هو لأبي نواس، في ديوانه. وصدر البيت مكتوب في هامش "ج"، وليس في "س"، وفي المطبوعة "ليس على الله ".
[ ١٩٦ ]
الكمال: واستَقْرَيْنا الناسَ فلم نجدْ في واحدٍ منهم حقيقةَ ما عرَفْناه، حتى إِذا صِرْنا إلى المخاطَبِ، وَجدْناه قِد استكمَلَ هذه الصفةَ، واستجمعَ شرائِطَها، وأخلصَ جوهرَهَا، ورسَخَ فيهِ سِنخُها١. ويُبيِّن لك أنَّ الأمرَ كذلك اتفاقُ الجميعِ على تفسيِرهم له بمعنى الكامِل، ولو كان المعنى على أنهُ اسْتغْرق الشجاعاتِ التي يُتوهَّمُ كونها في الوصوفين بالشجاعة، لَمَا قالوا إنَّه بمعنى الكامل في الشجاعِة، لأنَّ الكمالَ هو أن تكونَ الصِّفة على ما يَنْبغي أَن تكونَ عليه، وأنْ لا يخالِطَها ما يَقْدحُ فيها، وليس الكمالُ أن تجتمعَ آحادُ الجنسِ وينضمَّ بعضُها إلى بعض. فالغرض إذان بقولنا: "أنتَ الشجاعُ"، هو الغرَضُ بقولهم: "هذه هيَ الشجاعةُ على الحقيقة، وما عَداها جُبْنٌ" و"هكذا يكون العلم، وما عداه تخيل"٢، و"هذا هو الشعرُ" وما سواهُ فليس بشيءٍ". وذلك أَظَهرُ من أَنْ يَخفى.
٢٢٠ - وضربٌ آخرُ منَ الاستدلال في إبطالِ أن يكونَ "أنتَ الشجاعُ" بمعنى أنكَ كأنكَ جميعُ الشجعانِ، على حَدِّ "أنتَ الخلْقُ كلُّهم"٣، وهو أنك في قولك: "أنت الخلق" و"أنت الناس كلهم" و"قد جميع العالَم مِنْكَ في واحدٍ"، تدَّعي له جميعَ المعاني الشريفةِ المتفرقةِ في الناسِ، من غيرِ أن تُبْطِل تلك المعاني وتَنْفيها عن الناس، بل على أن تَدَّعي له أمْثالَها. ألا تَرى أنك إذا قلتَ في الرجلِ: "إنه معدود بألف رجل"، فلست
_________________
(١) ١ "سنخها"، أصلها وجذرها. ٢ في "س"، وفي نسخة عهند رشيد رضا: "وهذا هو العلم، وما عداه جهل". ٣ انظر الفقرة رقم: ٢١٨.
[ ١٩٧ ]
تعني أنه معدود بألف لا مَعْنى فيهم ولا فضيلةَ لهم بوجْهٍ١، بل تريدُ أنَّه يُعْطِيكَ من معاني الشجاعةِ أو العِلْمِ أو كذا أو كذا مجموعًا٢، مَّا لا تَجِدُ مقدارَه مفرَّقًا إلا في ألفِ رجلٍ. وأمَّا في نحوِ "أنتَ الشجاعُ"، فإنك تدعي له مقدارَه مفرَّقًا إلا في ألفِ رجلٍ. وأمَّا في نحوِ "أنتَ الشجاعُ"، فإنك تدَّعي له أن قد انفردَ بحقيقةِ الشجاعةِ، وأنه قد أُوتي فيها مزيَّةً وخاصيَّةً لم يُؤْتَها أَحدٌ، حتى صار الذي كان يَعدُّه الناسُ شجاعةً غيرَ شجاعةٍ، وحتى كأَنَّ كلَّ إقدامٍ إحجامٌ، وكلَّ قوةٍ عُرِفَتْ في الحرب ضَعْفٌ. وعلى ذلك قالوا: "جادَ حتى بَخَلَ كلَّ جوادٍ، وحتى منَعَ أن يَسْتحِقَّ اسمَ الجوادِ أحَدٌ"، كما قال:
وإنَّكَ لا تَجود عَلَى جوادٍ هِباتُكَ أنْ يُلَقَّبَ بالجوادِ٣
وكما يقالُ: "جادَ حتى كَأَنْ لم يُعْرَف لأحدٍ جودٌ، وحتى كَأَنْ قد كذب الواصفون الغيث بالجود"، كما قال:
أعطيتَ حتى تَركْتَ الريحَ حاسِرةً وَجُدْتَ حتّى كأن الغيث لم يجد٤
_________________
(١) ١ في نسخة عند رشيد رضا: "ويألف رجل لا غناء فيهم". ٢ في المطبوعة: "بل تريد أن تعطيه"، وفي "س": " أن يعطيك". ٣ هو للمتنبي في ديوانه، وقبله بيت متصل معناه بمعناه، وهو: نلومك يا علي لغير ذنب لأنك قد زريت على العباد ومعنى البيت: هباتك لا تجود على أحد باسم الجواد: لأنه لا يستحق هذا الاسم، مع ما يرى من جودك، وزيادتك عليه، "شرح الواحدي". ٤ هو للبحتري في ديوانه. و"حاشرة" قد أعيت وكلت فضعف هبوبها.
[ ١٩٨ ]