مع قوله:
إذا نحن شبهناك بالبدر طالعًا بخسانك حَظًّا أنتَ أَبْهى وأَجمَلُ
ونَظْلِمُ إنْ قِسْناك بالليثِ في الوغَى لأَِنكَ أحْمى للحريمِ وأَبسَلُ
٥٧٢ - ذكرُ ما أنتَ ترى فيه في كلِّ واحدٍ من البيتين صنعةً وتصويرًا واستاذيةً على الجملة، فمن ذلك، وهو في النادر، قول لبيد:
واكذِبِ النفسَ إِذا حدَّثْتَها إنَّ صدْقَ النفسِ يُزري بالأَمَلْ١
مع قولِ نافعِ بنِ لَقيط٢:
وإِذا صدقتَ النفسَ لم تَتركْ لها أَملاَ ويأمُلُ ما اشْتَهى المكذوبُ٣
وقولُ رجلٍ من الخوارج أُتِيَ به الحجاج في جماعةٍ من أصحاب قَطَرِيٍّ فقتلَهم، ومنَّ عليه لِيَدٍ كانت عنده، وعاد إلى قطري، فقال له قطرىك عاود قتال عدو الله الحججاج. فأبى وقال:
_________________
(١) ١ هو في ديوانه. ٢ نافع بن لقيط الفقعسى، ويقال له أيضًا "نويفع"، ويقال: "نافع بن نفيع الفقعسى"، طبقات فحول الشعراء: ٣٦٧. ٣ هو من قصيدته نافع الطويلة، رواها الزجاجي في اماليه: ١٢٦ - ١٢٨، عن الأخفش، عن ثعلب، وهي أيضًا في لسان العرب بتمامها "مرط"، وهذا البيت ليس فيها، ولكنه منها بلا ريب.
[ ٥٠٠ ]
أَأُقاتِل الحجَّاجَ عَنْ سُلْطانه بِيدٍ تُقِرُّ بأَنها مَولاتُهُ
ماذا أقولُ إذا وقفتُ إزاءَهُ في الصفِّ واحتجَّتْ لَهُ فَعَلاتُهُ
وتحدَّثَ الأَقوامُ أنَّ صَنائعًا غُرِسَتْ لَدَيَّ فَحَنْظَلَتْ نَخلاتُهُ١
مع قول أبي تمام:
أُسَرْبِل هُجْرَ القولِ مَنْ لو هَجَوْتُهُ إذَنْ لهجانى عنه معروفه عندي
وقول النابغة:
إذا ما غزا بالجيشِ حلَّقَ فَوْقَهُ عَصائِبُ طيرٍ تَهْتَدي بعَصَائبِ
جوانحَ قَدْ أيقنَّ أن قَبِيلَهُ إِذا ما التَقى الصفَّانِ أولُ غالِبِ٢
مع قولِ أَبي نواس:
وإِذا مَجَّ القَنا عَلَقَا وتراءَى الموتُ في صُوَرِهُ
راحَ في ثِنْيَيْ مُفاضَتِهِ أَسَدٌ يَدمى شَبا ظفُرهْ
تتأيى الطيرُ غُدْوَته ثِقةً بالشِبْع من جَزَرِهُ٣
المقصودُ البيت الأخير.
_________________
(١) ١ هذه الأبيات وقصتها لعامر بن حطان الخارجي، وهو أخو عمران بن حطان، وخرجها إحسان عباس في "ديوان شعر الخوارج": ٢١٧، وفاته أنها في الموازنة للآمدي، وفي "إعتاب الكتاب": ٦١، ٦٢، وفي كتاب "العفو والاعتدار" لرقام البصرى: ٥٥٩، وهي عنده ثلاثة عشر بيتًا، وعند الآخرين ستة أبيات، وقبل البيت الثاني، بيت متصل به: إني أذن لأخو الدناءة والذي عفت على عرفانه جهلاته ٢ كان في المطبوعة: "إذا ما غدا"، وكأنه تصحيف، ويرى: "أبصرت فوقهم عصائب طير، كما في ديوانه، وفيه أيضًا: "إذا ما التقى الجمعان". ٣ في ديوانه. "العلق"، الدم، و"المفاضة" الدرع، و"تتأيي" تتحرى وتتوخى وتتعمد. "جزره"، يعني القتلى الذين جزرتهم سيوفه، وانظر الفقرة التالية، وفي الديوان: "تتأيي الطير غزوته".
[ ٥٠١ ]
٥٧٣ - وحكى المرزباني قال: "حدثني عمرو الوراق قال: رأيتُ أبا نواس يُنْشد قصيدتَه التي أولها:
أيها المنتاب عن عفره١
فسحدته، فلما بلغ إلى قوله:
تتأيى الطيرُ غدوتَهُ ثِقةً بالشِّبْع مِن جَزَرِهُ
قلتُ له: ما تركتَ للنابغة شيئًا حيثُ يقولُ: "إِذا ما غدَا بالجيش"، البيتين، فقال: اسكُتْ، فلئن كان سَبَقَ فما أسأْتُ الاتِّباعَ".
وهذا الكلام من أبينواس دليلٌ بيِّنٌ في أنَّ المعنى يُنْقَل من صورةٍ إِلى صورة. ذاك لأنه لو كان لا يكونُ قد صنَعَ بالمعنى شيئًا، لكانَ قوله: "فما أسأتُ الاتِّباع" مُحالًا، لأنه على كل حالٍ لم يَتْبَعْه في اللفظ. ثم إنَّ الأَمر ظاهرٌ لِمَن نظَر في أنه قد نَقَل المعنى عن صورته التي هو عليها في شِعْر النابغَة إِلى صورةٍ أُخرى. وذلك أن ههنا معنيَيْنِ:
أحدُهما: أصْلٌ، وهو: عِلْمُ الطَّير بأنَّ الممدوحَ إِذا غزا عَدُوًّا كان الظفَرُ له، وكان هو الغالبَ.
والآخرُ فرْعٌ، وهو: طمَعُ الطيرِ في أن تتَّسع عليها المطاعِمُ من لحوم القتلى.
_________________
(١) ١ في هامش المخطوطة، بخط كاتبها، ما نصه: "يقال: لقيته عن عفر: أي بعد شهر ونحوه". وكان في المطبوعة: "من عفر"، وهو في الديوان على الصواب.
[ ٥٠٢ ]
وقد عَمَد النابغةُ إِلى "الأَصْل"، الذي هو علْمُ الطير بِأنَّ الممدوحَ يكونُ الغالبَ، فذَكَره صريحًا، وكَشَفَ عن وجهه، واعتمَدَ في "الفرع" الذي هو طمَعُها في لحوم القتلى، وأَنها لذلك تُحَلِّقُ فوقه على دلالةِ الفَحْوى.
وعكَسَ أبو نواس القصَّة، فذكَر "الفرْعَ"الذي هو طمَعُها في لحوم القتلى صريحًا، فقال كما ترى:
ثقة بالشِّبْعِ مِنْ جزرهُ
وعوَّلَ في "الأَصْل"، الذي هو علمُها بأنَّ الظفرَ يكونُ للمدوح، على الفحوى. ودلالةُ الفحوى على عِلْمِها أنَّ الظفر يكون للمدوح، هي في أَنْ قال: "من جَزَرِه"، وهي لا تثق بأن شبعها يكون في جَزَر الممدوح، حتى تعلمَ أَنَّ الظَّفر يكونُ له.
أفيكونُ شيءٌ أظهرَ من هذا في النقلِ عن صورةٍ إِلى صورة؟
٥٧٤ - أرجِعُ إِلى النَّسق ومن ذلك قول أبي العتاهية:
شِيمٌ فَتَّحَتْ من المدْحِ ما قَدْ كانَ مُسْتَغلَقًا على المُدَّاحِ١
مع قولِ أبي تمام:
نظمتْ له خرَز المديحِ مَواهِبٌ يَنْفُثْنَ في عقد اللسان المفحم
وقول أبي وجزة:
أتاكَ المَجْدُ منْ هَنَّا وهَنَّا وكنتَ له بمجتمع السيول٢
_________________
(١) ١ في ملحقات ديوانه: ٥١٥، عن "الصبح المبى"، و"الإبانة" للعبيدي، هو عند الواحي في شرح ديوانه المتنبي ص: ١٠٠. ٢ هو لأبي وجزة السعدي، يزيد بن عبيد، في ديوانه المعاني للعسركي ١: ٥٩، وكان في المطبوعة: "مجتمع"، وهو خطأ.
[ ٥٠٣ ]
مع قول منصور النمرى:
إنَّ المكارِمَ والمعروفَ أَوديةٌ أَحلَّكَ اللهُ منها حيث تجتمع١
وقول بشار:
الشّيبُ كُرْهٌ وكُرْهٌ أنْ يُفارِقَني أَعْجِبْ بشيءٍ على البغضاء مودود٢
مع قول البحتري:
تعيب العانيات عليَّ شَيبي ومَنْ لي أن أمتَّعَ بالمَعيبِ
وقول أبيتمام:
يشتاقُهُ مِنْ كمَالِهِ غدُهُ ويُكْثِرُ الوَجْدَ نحوهُ الأمس
مع قول ابن الرومي:
إمامٌ يَظَلُّ الأمسُ يُعمِلُ نَحْوهُ تَلَفُّتَ ملْهوفٍ ويَشْتاقُهُ الغَدُ٣
لا تنظرْ إِلى أنه قال: "يشتاقُه الغَدُ"، فأعادَ لفظَ أبي تمام، ولكنَّ انْظُرْ إِلى قوله: يُعملُ نحوَهُ تلفتَ ملهوفٍ.
وقولُ أبي تمام:
_________________
(١) ١ هو من قصيدته المشهورة في الرشيد، الأغاني ١٣: ١٤٥ "الدار"، والقصيدة منشورة في أحد أعداد مجلة المجتمع بدمشق. ٢ هذا البيت ينسب لبشار، ولمسلم بن الوليد، وليس في ديوانهما، وهو لبشار في أمالي المرتضى ١: ٦٠٧، وفي مجموعة المغاني: ١٢٤، وهو لمسلم في ديوانه المعاني ٢: ١٥٨، وسمط اللآلئ: ٣٣٤، وهو له في تاريخ بغداد ١٣: ٩٧، ٩٨ ثلاثة أبيات أولها، عن أبي تمام: نام العواذل واستكفين لائمتي وقد كفاهن نهض البيض والسود أما الشباب فمفقود له خلف والشيب يذهب مفقودًا بمفقود ٣ هو في ديوانه: ٧٨٧، وفيه: "كريم يظل الأمس".
[ ٥٠٤ ]
لئن ذمت الأعداء سوء صباحها فليس يودى شكرها الذئب والنسر
مع قول المتبني:
وأنْبتَّ مِنْهُمْ ربيعَ السِّباعِ فأَثْنَتْ بإحسانِكَ الشاملِ
وقولُ أبي تمام:
ورُبَّ نائي المَغاني رُوحُهُ أبدًا لَصِيقُ رُوحي ودان ليس بالدانى
مع قول المتنبي:
لنا ولأَهْلِهِ أبَدًا قُلوبٌ تلاَقى في جسومٍ ما تلاقى
وقول أبي هفان:
أصبحَ الدهرُ مُسيئًا كلُّهُ مالَهُ إلاَّ ابنَ يَحْيى حَسَنهْ
مع قولِ المتنبي:
أزالتْ بِكَ الأيامُ عَتْبي كأنما بَنُوها لَها ذَنْبٌ وأنتَ لَها عذْرُ
وقولُ علي بنِ جبلة:
وأَرى الليالي ما طوَتْ مِنْ قُوَّتي رَدَّته في عِظتي وفي إِفهامي١
مع قولِ ابن المعتز:
وما يُنتقَصْ من شَبابِ الرِّجال يَزِدْ في نهاها وألبابها٢
_________________
(١) ١ هو في مجموع شعره مخرجًا، وبعده: وعلمت أن المرء من سنن الردى حيث الرمية من سهام الرامي ٢ هو في ديوانه، في باب الفخر.
[ ٥٠٥ ]
وقول بكر بن النطاح:
ولوْ لم يكنْ في كفِّهِ غيرُ روحِهِ لجَاد بِها فلْيتَّقِ اللهَ سائِلُهْ١
مع قول المتنبي:
إِنكَ مِنْ مَعْشَرٍ إِذا وَهَبوا ما دُونَ أعمارهم فقد بخلوا
وقول البحتري:
ومن ذاا يلومُ البحرَ أَنْ باتَ زاخرًا يفيضُ وصوبَ المزْنِ أَنْ راحَ يَهْطِلُ
مع قولِ المتنبي:
وما ثَناكَ كلامُ الناسِ عَنْ كَرَمٍ ومَنْ يسد طريق العارض الهطل
وقول الكندي:
عَزُّوا وعَزَّ بِعزِّهمْ مَنْ جَاوَرُوا فهُمُ الذُّرى وجماجم الهامات
إن يطلبوا بتتراتهم يُعطَوا بها أو يُطلَبوا لا يُدْرَكوا بتِراتِ٢
مع قول المتنبي:
تُفيتُ الليالي كلَّ شيءٍ أخذْتَه وهنَّ لِمَا يأخذن منك غوارم
وقول أبي تمام:
إذا سيفه أضحى على اللهام حاكِمًا غَدا العَفْوُ منهُ وهْوَ في السيفِ حاكم
مع قول المتنبي:
لهُ مِنْ كَريمِ الطَّبْع في الحرْبِ مُنْتَضٍ ومن عادة الإحسان والصفح غامد
_________________
(١) ١ هذا بيت يقحم في شعر أبي تمام، وهو في ديوانه. ٢ أعياني أن أجدهما، وهما موجودان.
[ ٥٠٦ ]
٥٧٥ - فانظُرِ الآنَ نظرَ مَنْ نَفَى الغفْلةَ عن نفسِه، فإنكَ ترَى عِيانًا أنَّ لِلْمعنى في كل واجد من البيتِ الآخَر وأنَّ العلماءَ لم يُريدوا حيثُ قالوا: "إنَّ المعنى في هذا هو المعنى في ذاك"، أن الذي يعقل من هذا لا يخالف الذي يعقل مِن ذاك وأنَّ المعنى عائدٌ عليكَ في البيتِ الثاني على هيئَتهِ وصِفَتهِ التي كانَ عليها في البيتِ الأول وأنْ لا فرْقَ ولا فصل ولا تباني بوجهٍ من الوجوه وإنَّ حكْم البيتينِ مثَلًا حكْمُ الاسمينِ قد وُضِعا في اللغة لشيءٍ واحدٍ، كالليثِ والأَسد١ ولكنْ قالوا ذلك على حَسَبِ ما يقولُه العُقَلاء في الشيئينِ يَجْمَعهما جنسٌ واحدٌ، ثم يفترقانِ بخواصَّ ومَزايا وصفاتٍ، كالخاتم والخاتَم، والشَّنْف والشَّنْف، والسِّوارِ والسوار، وسائرِ أصنافِ الحِلَى التي يَجْمعها جنسٌ واحدٌ، ثم يكونُ بينهما الاختلافُ الشديدُ في الصَّنْعة والعَمَل.
٥٧٦ - ومَنْ هذا الذي يَنظُر إِلى بيتِ الخارجِي وبيتِ أبي تمام٢، فلا يَعْلَمُ أنَّ صورةَ المعنى في ذلك غيرُ صورتِه في هذا؟ كيفَ، والخارجيُّ يقول:
"واحتجَّتْ له فَعْلاتُه"
ويقولُ أبو تمام:
إذن لَهجاني عنْه مَعْروفُه عندي
ومتى كان "احتجَّ" و"هجا" واحدًا في المعنى؟
_________________
(١) ١ السياق: "وأن العلماء لم يريدوا حيث قالوا ولكن قالوا ذلك". ٢ هو فيما سلف قريبًا ص: ٥٠١.
[ ٥٠٧ ]
وكذلك الحكْمُ في جميع ما ذكرْناه، فليسَ يُتَصوَّرُ في نفسِ عاقلِ أنْ يكونَ قولُ البحتري:
وأَحَبُّ آفاقِ البلادِ إِلى الفَتى أرضٌ يَنالُ بها كَريمَ المَطْلَبِ
وقولُ المتنبي:
وكلُّ مكانٍ يُنبِتُ العزَّ طيِّبُ١
سواءً
٥٧٧ - واعلمْ أنَّ قولَنا "الصورةُ"، إِنما هو تمثيلٌ وقياسٌ لما نَعْلَمه بعقولنا على الذي نرَاه بأبصارنا، فلما رأَينْا البَيْنونة بين آحادِ الأجناسِ تكونُ مِنْ جِهةَ الصورةِ، فكان تبين إنسانٍ مِنْ أنسانٍ وفرَسٍ من فرسٍ٢، بخصوصيةٍ تكونُ في صورةِ هذا لا تكونُ في صورةِ ذاك، وكذلك كان الأمرُ في المصنوعاتِ، فكانَ تَبَيُّنُ خاتَمٍ من خاتمٍ وسِوَارٍ من سِوَارٍ بذلك، ثم وجَدْنا بينَ المعنى في أحد البيتين وبينه في الآخر بينونةً في عقولِنا وفَرْقًا٣، عَبَّرْنا عن ذلك الفرقِ وتلكَ البينونةِ بأَنْ قلْنا: "لِلمعنى فيِ هذا صورةٌ غيرُ صورتهِ في ذلك". وليس العبارة من ذلك بالصورةِ شيئًا نحن ابتدأناه فيُنْكِرَهُ مُنْكِرٌ، بل هو مُستعمَلُ مشهورٌ في كلام العلماءِ، ويكفيك قول الجاحظ: "وإنما الشعر صياغة وضرب من التصوير"٤.
_________________
(١) ١ هو فيما سلف قريبًا ص: ٤٩١. ٢ في المطبوعة: "بين إنسان"، وبعده بقليل "بين خاتم". ٣ السياق: "فلما رأينا البينونة عبرنا عن ذلك الفرق وتلك البينونة". ٤ سلف فيما مضى في الفقرة رقم: ٢٩٨، وفي المطبوعة: "صناعة".
[ ٥٠٨ ]
٥٧٨ - واعلمْ أنه لو كانَ المعنى في أَحدِ البيتين يكونُ على هيئتِه وصِفَته في البيتِ الآخَر، وكانَ التالي من الشاعِرَيْن يَجيئُك به مُعَادًا على وجهه لم يُحدِثْ فيه شيئًا، ولم يُغيِّر له صِفةً، لكان قولُ العلماءِ في شاعرٍ: "إِنه أَخَذَ المعنى مِنْ صاحِبِه فأحْسَنَ وأجادَ"، وفي آخَرَ "إِنه أسَاءَ وقصَّر"، لغوًْا من القولِ، من حيثُ كان مُحالًا يُحْسِنَ أو يسيءَ في شيءٍ لا يَصْنع به شيئًا.
وكذلك كانَ يكونُ جَعْلُهم البيتَ نظيرًا للبيتِ ومناسِبًا له، خطأً منهم، لأنه مُحال أن يُناسِبَ الشيءُ نفسَه، وأن يكونَ نَظيرًا لنفسِه.
وأمرٌ ثالث: وهو أنهم يقولون في واحد: "إنه أخذ المعنى فظر أَخْذُه"، وفي آخر: "إِنه أَخذَه فأخفَى أخْذَه"، ولو كان المعنى يكونُ مُعادًا على صورتِه وهيئتِه، وكانَ الأَخْذ له مِنْ صاحِبه لا يَصْنع شيئًا غيرَ أن يُبدِّل لفظًا مكانِ لفظٍ، لكان الإخفاءُ فيه مُحالًا، لأن اللفظ لا يُخْفى المعنى، وإنما يُخْفيه إخراجُه في صورةٍ غيرِ التي كانَ عليها.
٥٧٩ - مثالُ ذلك إن القاضي أبا الحَسَن١، ذكَر فيما ذكرَ فيه "تناسب المعاني"، بيت أبي نواس:
خُلِّيَتْ والحُسْنَ تَأخذُهُ تَنْتقي منهُ وتَنْتخِبُ٢
وبيتَ عبدِ الله بن مصعب:
كأنَّك جئتَ محتكِمًا عليهمْ تَخيَّرُ في الأبوَّةِ ما تشاء
_________________
(١) ١ يعني القاضي الجرجاني أبا الحسن علي بن عبد العزيز في كتابه "الوساطة بين المتنبي وخصومه، وهذا كلها في "الوساطة": ١٦٠، وشعر أبي نواس وبشار وأبي تمام في دواوينهم. ٢ هو في ديوانه، وذكر القاضي بعده: فاكتست منه طرائفه واستزادت فضل ما تهب
[ ٥٠٩ ]
وذكر أنهما معًا من بيت بشار:
خُلِقتُ على ما فيَّ غيرَ مُخَيَّرٍ هوايَ، ولو خُيِّرْتُ كنتُ المهذَّبا
والأمرُ في تناسب هذه الثلاثةِ ظاهرٌ. ثم إنه ذكَرَ أنَّ أبا تمام قد تناوله فأخفاه وقال:
فلَوْ صوَّرْتَ نفسَك لم تَزِدْها على ما فيكَ من كَرمِ الطِّباعِ
٥٨٠ - ومن العجَب في ذلك ما تراه إِذا أنتَ تأملْتَ قولَ أبي العتاهية:
جزى البخيل على صالحة غنى بخفته على ظَهْري
أَعلى وأَكْرمَ عن يَدَيْهِ يَدي فَعلَتْ، ونزَّه قدْرُه قدْري
وُرزِقتُ مِن جَدْواهُ عافيةً أنْ لا يَضيقَ بشكْرهِ صَدْري
وغَنِيتُ خلوًا من تفضله أحنوا عليه بأحسن العذر
ما فاتني خير امرئ وَضَعتْ عَنّي يَداهُ مؤونةَ الشكْرِ١
ثم نظرتَ إلى قول الذي يقول:
أعتقني سوء ما صنعت من الرق فيا برْدَها على كَبِدي
فصرتُ عَبْدًا للسُّوءِ منك وما أحسن سوء قبلي إلى أحد٢
_________________
(١) ١ الشعر في ديوانه "بيروت": ٣٤٥، وأسرار البلاغة: ١٤٣. ٢ الشعر في أسرار البلاغة: ١٤٣، وحماسة ابن الشحرى ١: ٢٩١ "الملوحى" وفيها التخريج، غير معزو إلى أحد، وكان من الأسرار والمطبوعة: "للسوء فيك". وبعد هذا في المخطوطة سقط ورقتين: من ص: ٣٢٤، إلى ص: ٣٢٧، وسأشير إلى ذلك بعد قليل.
[ ٥١٠ ]