فصل: مثال آخر للحذف:
١٧٧ - قد بانَ الآنَ واتَّضحَ لِمَنْ نَظَر نظَرَ المتثبِّتِ الحصيفِ الراغبِ في اقتداحِ زِنادِ العَقْل، والازْديادِ من الفضْلِ، وَمْن شأْنُه التوقُ إلى أن يَعْرفَ الأشياءَ على حَقائقها، ويَتغلغَلَ إلى دقائقها، ويربأ بنفسه عن مرتبة المقلد الذبي يَجري معَ الظاهِر، ولا يَعْدو الذي يَقَعُ في أولِ الخاطرِ١ أَنَّ الذي قلتُ في شأنِ "الحَذْف" وفي تفخيم أمرِه، والتَّنويهِ بذِكْره، وأنَّ مأْخَذَه مَأْخذٌ يُشْبِهُ السِّحْر، ويَبْهَرُ الفِكْر، كالذي قلتُ٢.
١٧٨ - وهذا فَنٌّ آخرُ من معانِيه عجيبٌ، وأنا ذاكرُه لك٣. قال البحتري في قصيدته التي أولها:
أعَنْ سَفَهٍ يومَ الأُبَيْرَقِ أم حِلْمِ٤
وهو يذكر مُحاماةَ الممدوحِ عليه، وصيانَتَه له، ودفْعهَ نوائب الزمان عنه:
وكَمْ ذُدْتَ عَنِّي مِنْ تَحامُل حادِثٍ وسَوْرةِ أَيام حَزَزْنَ إلى العَظْم
الأَصْلُ لا محالةَ: حززْنَ اللَّحْمَ إلى العظم، إلاَّ أنَّ في مجيئهِ به محذوفًا، وإسقاطِه له مِنْ النُّطْق، وتَرْكهِ في الضميرِ، مزَّيةً عجيبةً وفائدةً جليلةً.
_________________
(١) ١ السياق: "قد بان الآن أن الذي قلت". ٢ السياق: "أن الذي قلت كالذي قلت". ٣ في "ج": "وما أذكره لك"، وفي نسخة عند رشيد رضا: وهو ما أذكره لك"، كما في "س". ٤ في ديوانه.
[ ١٧١ ]
وذاك أنَّ مِنْ حِذْق الشاعرِ أَنْ يُوقِعَ المعنى في نَفْس السامعِ إيقاعًا يَمنعُه به مِنْ أنْ يتوَهَّم في بدءِ الأمر شيئًا غيرَ المرادِ، ثم ينصرفُ إلى المرادِ، ومعلومٌ أنه لو أظْهَر المفعولَ فقال: "وسَوْرة أيامٍ حززنَ اللَّحَم إلى العظم"، لجاز أن يقعَ في وَهْم السامع إلى أنْ يجيءَ إلى قولِه: "إلى العظم"، أنَّ، هذا الحزَّ كان في بعضِ اللحم دُونَ كلِّه، وأنه قطَعَ ما يَلي الجِلْدَ ولم يَنْتَهِ إلى ما يلي العظم. فلما كان كذلك، وترك ذِكْر "اللحم" وأَسْقَطَه من اللفظ، ليُبْرِئَ السامعَ من هذا الوهمِ، ويَجعلَهُ بحيثُ يَقعُ المعنى منه في أَنْفِ الفَهْمِ١، ويَتصوَّرُ في نفسه من أولِ الأمْر أنَّ الحزَّ مضى في اللحمِ حتى لم يَردَّه إلاَّ العْظمُ.
أفيكونُ دليلٌ أوضحَ من هذا وأَبْيَنَ وأجْلى في صحة ما ذكرتُ لك، مِنْ أنك قد ترى ترك أفْصَحَ من الذكْرِ، والامتناعَ من أن يَبْرزَ اللفظ من الضمير، أحسن للتصوير؟
_________________
(١) ١ "ألف كل شيء"، أوله.
[ ١٧٢ ]