١٥١ - وإذْ قد بدأْنا في الحذفِ بذكرِ المبتدأ، وهو حذف اسم، إذا لا يكون المبتدأ إلا اسمًا، فإن أُتْبعُ ذلكَ ذكْرَ المفعولِ بهِ إذا حُذِفَ خُصوصًا، فإِنَّ الحاجَةَ إليه أمسُّ، وهو بما نحنُ بصدده أَخصُّ، واللطائفُ كأنها فيه أَكثرُ، ومما يَظْهر بسببهِ مِنَ الحُسْن والرَّوْنَقِ أَعجبُ وأَظْهَرُ١.
قاعدة ضابطة في معنى حذف الفاعل والمفعول:
١٥٢ - وههنا أصل يجب ضبطه، وهو أنم حالَ الفعلِ معَ المفعولِ، الذي يَتعدَّى إليه، حاله مع الفاعل. فكما أَنك إِذا قلتَ٢: "ضربَ زيدٌ، فأَسندْتَ الفعلَ إلى الفاعل، كان غرَضُكَ من ذلك أَنْ نثبت الضرب فعلًا له، لا أن تفيد وجوب الضرب في نفسه وعلى الإطلاق. كذلك إذا عدَّيْتَ الفعلَ إلى المفعولِ فقلتَ: "ضربَ زيدٌ عَمرا"، كان غرَضُكَ أن تُفيد التباسَ الضربِ الواقعِ مِنَ الأول بالثاني ووقوعَه عليه، فقد اجتمعَ الفاعلُ والمفعولُ في أنَّ عمَلَ الفعلَ فيهما إنَّما كان مِنْ أَجْل أن يُعْلَم التباسُ المعنى الذي اشتُقَّ منه بِهما فعَمِلَ الرفعُ في الفاعل، ليُعلَم التباسُ الضربِ به من جهةِ وقوعهِ منه والنصْبُ في المفعول، ليُعْلَم التباسُه به من جهة وقوعه عليه. ولم يكن ذلك
_________________
(١) ١ في المطبوعة: "وما يظهر". ٢ في المطبوعة وحدها: "وكما".
[ ١٥٣ ]
ليُعلم وقوعُ الضربِ في نفسه، بل إذا أُريد الإخبارُ بوقوعِ الضرْبِ ووجودِه في الجملة من غير أن يُنْسَب إلى فاعلٍ أو مفعولٍ، أو يتعرَّضَ لبيان ذلك، فالعبارةُ فيه أن يقالَ: "كانَ ضربٌ" أو "وَقَع ضربٌ" أو "وُجد ضربٌ" وما شاكلَ ذلك مِنْ ألفاظٍ تفيدُ الوجودَ المجرَّدَ في الشيء.
الأغراض في ذكر الأفعال المتعدية وأقسامها:
١٥٣ - وإذْ قد عرفتَ هذه الجملةَ، فاعلمْ أَنَّ أغراضَ الناس تختلفُ في ذكْر الأفعالِ المتعدِّية، فَهُمْ يذكرونها تارةً ومرادُهم أنْ يَقْتصِروا على إثبات المعاني التي اشتُقَّتْ منها للفاعلين، من غير أنْ يتعرَّضوا لذكْر المفعولين. فإِذا كان الأمرُ كذلك، كان الفعلُ المتعدي كغَير المتعدي مثلًا، في أنك لا تَرى له مفعولًا لا لفظًا ولا تقديرًا.
القسم الأول: حذف المفعول، لإثبات معنى الفعل، لا غير:
١٥٤ - ومثالُ ذلك قولُ الناس: "فلانٌ يحُلُّ ويَعْقِدُ، ويأمر وينهى، ويضر وينفع"، وكقولهم: "هي يُعْطي ويُجْزِلُ، ويَقْري ويُضيفُ"، المعنى في جميع ذلك على إثباتِ المعنى في نفسهِ للشيء على الإطلاقِ وعلى الجملة، من غير أن يتعرَّضَ لحديثِ المفعولِ، حتى كأنك قلتَ: "صار إليه الحَلُّ والعَقْدُ، وصار بحيثُ يكون مِنه حَلٌّ وعقْدٌ، وأمرٌ ونَهْيٌ، وضَرٌّ ونَفْعٌ"، وعلى هذا القياس.
١٥٥ - وعلى ذلك قولُه تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩]، المعنى: هل يَسْتَوي مَنْ له عِلْم ومَنْ لا علمَ له؟ من غَيْرِ أن يقصدَ النصُ على معلوم. وكذلك قولُه تعالى ﴿هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ [غافر: ٦٨]، وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى، وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا﴾ [القمر: ٤٣، ٤٤] وقوله ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى﴾، [القمر: ٤٨]، المعنى
[ ١٥٤ ]
هو الذي منه الإحياء والإماتة والغناء والإقناءُ. وهكذا كلُّ موضعٍ كان القصدُ فيه أن تثبت المعنى في نفسه فعلًا للشيء، وأن تخبر بأنَّ مِن شأنِه أن يكونَ منه، أوْ لا يكونُ إلاَّ منه، أوْ لا يكونَ منه، فإنَّ الفعلَ لا يُعدَّى هناك، لأَنَّ تعديته تَنْقُضُ الغرضَ وتُغيِّر المعنى. ألا ترى أنكَ إذا قلتَ: "هو يُعطي الدنانيرَ"، كان المعنى على أنك قصدْتَ أن تُعْلمَ السامعَ أنَّ الدنانيرَ تَدْخلُ في عطائِه، أو أنه يُعْطيها خصوصًا دونَ غيرها، وكان غرَضُك على الجملة بيانَ جنسِ ما تناولَه الإعطاءُ، لا الإعطاءُ في نفسِه، ولم يكن كلامُك معَ مَنْ نَفَى أن يكونَ كان منه إعطاءٌ بوجهٍ من الوجوه، بل مع مَن أَثْبَتَ له إعطاءً، إلا لم يُثبت إعطاءَ الدنانير. فاعرفْ ذلك، فإنه أصْلٌ كبيرٌ عظيمُ النفعِ.
فهذا قسمٌ من خُلوِّ الفعلِ عن المفعولِ، وهو أنْ لا يكون له مفعول يمكن النص عليه.
القسم الثاني: حذف مفعول مقصود، لدلالة الحال عليه، وهو قسمان، أولهما الجلي
١٥٦ - وقسمٌ ثانٍ: وهُوَ أن يكونَ له مفعولٌ مقصودًا قَصْدُه معلومٌ، إلا أنه يُحْذَفُ من اللفظ لدليلِ الحالِ عليه. وينقَسِم إلى جَليٍ لا صنعةَ فيه، وخَفِيٍّ تَدخلُه الصنعةُ.
فمثالُ الجليِّ قولُهم: "أصغَيْتُ إليه"، وهم يُريدون "أذني"، و"أغضيت عليه"، والمعنى "جفني".
القسم الثاني: الخفي الذي تدخله الصنعة ومثاله الأول
١٥٧ - وأما الخَفيُّ الذي تدخلُه الصنعةُ فيتفنَّنُ ويتنوَّعُ.
فنوعٌ منه، أنْ تَذكُر الفعلَ وفي نفسِك له مفعولٌ مخصوصٌ قد عُلمَ مكانُه، إما بجري ذكر١، أو دليل حال، إلا أنك تنسبه نفسك وتخفيه،
_________________
(١) ١ في المطبوعة وحدها "لجري ذكر".
[ ١٥٥ ]
وتُوهِمُ أنك لم تَذْكُر ذلكَ الفعلَ، إلاَّ لأنْ تُثْبِتَ نفْسَ معناه، مِنْ غيرِ أن تُعدِّيَهُ إلى شيءٍ، أو تَعْرضَ فيه لمفعولٍ.
١٥٨ - ومثاله قول البحتري:
شَجْوُ حسَّادِهِ وغَيْظُ عِداهُ أن يَرى مُبْصِرٌ ويسْمَعَ واعِ١
المعنى، لا محالةَ: أن يَرى مُبصرٌ مَحاسِنَه، ويَسْمعَ واعٍ أخبارَه وأوصافَه، ولكنك تعلمُ على ذلك أنه كأنه يَسْرِقُ علْمَ ذلك مِنْ نفْسِه، ويدْفَع صورتَه عن وَهْمه، ليَحْصُل له معنى شريفٌ وغرَضٌ خاصٌّ. وذاك أنه يمدحُ خليفة٢، وهو المعتزُّ، ويُعرِّضُ بخليفةٍ وهو المستعينُ، فأرادَ أن يقولَ: إنَّ محاسنَ المعتزِّ وفضائلَه، المحاسنُ والفضائلُ يَكفي فيها أنْ يَقع عليها بَصرٌ ويَعيَها سمْعٌ حتى يَعْلَم أنه المُستحِقُّ للخلافة، والفردُ الوحيدُ الذي ليس لأحدٍ أن يُنازِعَه مَرْتبتَها، فأنتَ ترَى حسَّادَه وليس شيءٌ أشْجى لهم وأغيظ، من علمهم بأن ههنا مُبْصرًا يرَى وسامعًا يَعي، حتى لَيتَمنَّوْنَ أنْ لا يكونَ في الدنيا مَنْ له عينٌ يُبصر بها، وأُذُنٌ يَعي معها، كي يَخْفى مكانُ استحقاقِه لِشَرف الإمامةِ، فيجدوا بذلك سَبيلًا إلى منازعته إياها.
مثال ثان من الخفي:
١٥٩ وهذا نوعٌ آخر منه، وهو أن يكونَ معك مفعولٌ معلومٌ مقصودٌ قَصْدُهُ، قد عُلِمَ أنه ليس للفعلِ الذي ذكرتَ مفعولٌ سِواهُ، بدَليلِ الحالِ أو ما سَبَق منَ الكلام، إلاَّ أنك تَطْرحُه وتَتَناساهُ وتدَعُه يَلزَمُ ضميرَ النفسِ، لِغَرضٍ غيرِ الذي مَضى. وذلك الغرضُ أن تتوفرَ العنايةُ على إثباتِ الفعلِ للفاعلِ، وتخلصَ له، وتَنصرف بجُملتها وكما هي إليه.
_________________
(١) ١ في ديوانه. ٢ في المطبوعة و"ج": "وقال إنه يمدح"، والصواب مافي "س".
[ ١٥٦ ]
١٦٠ - ومثاله قول عمرو بن معدي كرب:
فلوْ أنَّ قَوْمي أَنطَقَتْني رماحُهُمْ نَطَقْتُ ولكنَ الرماحَ أَجرَّتِ١
"أَجرَّتْ" فعلٌ مُتَعدِّ، ومعلومٌ أنه لو عدَّاه لَمَا عدَّاهُ إلاَّ إلى ضميِر المتكلم نحوُ: "ولكنَّ الرماحَ أجرًّتْني" وأنه لا يتصور أن يكون ههنا شيءٌ آخرُ يَتعدَّى إليه، لاستحالة أنْ يقول:
فلو أنَّ قومي أنطقتني رماحُهم
ثم يقول: "ولكنَّ الرماحَ أجرَّتْ غَيري"، إلا أنك تَجدُ المعنى يُلزمُك أنْ لا تنطقَ بهذا المفعولِ ولا تُخرِجَه إلى لفظك. والسببُ في ذلك أَنَّ تَعْديتَكَ له تُوهِمُ ما هو خِلافُ الغَرَضِ، وذلك أنَّ الغرَضَ هو أن يثْبتَ أنه كان منَ الرماح إجْرارٌ وحبْسُ الألسنِ عن النطق٢، وأن يصحَّح وجودُ ذلك. ولو قال: "أجرَّتْني"، جازَ أن يُتوهَّم أنه لم يَعْن بأن يُثبِتَ للرماح إجرارًا، بل الذي عنَاه أن يَبيِّنَ أنها أجرَّتْه٣. فقد يُذَكرُ الفعلُ كثيرًا والغرَضُ منه ذكْرُ المفعول، مثالُه أنك تقولُ: "أضَربْتَ زيدًا؟ " وأنتَ لا تُنكِرُ أن يكون كان منَ المخاطب أو يستطيعَه. فلمَّا كان في تعديةِ "أجرَّت" ما يُوهِمُ ذلك، وقَفَ فلم يُعدِّ البتَّةَ، ولم ينطق بالمفعول، لخلص العنايةُ لإثباتِ الإجرارِ للرماحِ وتصحيحِ أنه كان منها، وتسلم بكليتها لذلك.
_________________
(١) ١ هو في ديوانه المطبوع، وهو في شرح الحماسة ١: ٨٤. و"أجر الفصيل"، شق لسانه ووضع فيه عودًا لئلا يرضع أمه، ويعني عمرو أن قومه لم يبلوا بلاء حسنًا في حربهم، ولو أحسنوا البلاء لنطق بمدحهم، ولكنهم أساءوا، فكانت إساءتهم قاطعة للسانه، فبقى لا ينطق. ٢ في المطبوعة: "حبس الألسن". ٣ في المطبوعة: "يتبين".
[ ١٥٧ ]
١٦١ - ومثله قول جرير:
أمنَّيْتِ المُنى وخَلَبْتِ حتَّى تركْتِ ضميرَ قَلْبِي مُسْتهاما
الغرضُ أن يُثبت أنه كان منها تَمْنِيَةٌ وخَلاَبة، وأن يقول لها: أهكذا تَصْنعين؟ وهذه حيلتُك في فِتنِة الناس؟
مثال من بارع الحذف الخفي:
١٦٢ - ومِنْ بارعِ ذلك ونادِرِه، ما تجدُه في هذه الأبيات. روَى المرزُباني في "كتاب الشعر" بإسنادٍ، قال: لما تشاغَلَ أبو بكرٍ الصدِّيق ﵁ بأهل الرِّدَّةِ، استبطأتْه الأَنصارُ [فكلموه] ١، فقال: إما كلَّفْتموني أخلاقَ رسول الله صلى الله عليه وسلم٢، فوَاللهِ ما ذاكَ عندي ولا عِنْد أحدٍ من الناس، ولكنِّي واللهِ ما أُوتيِ مِنْ مودَّةٍ لكُمْ ولا حسْنِ رأْي فيكم٣، وكيف لا نُحِبُّكم؟ فواللهِ ما وجدْتُ مثَلًا لنا ولَكُم إلا ما قال طفيلٌ الغَنَويُّ لبني جعفر بن كلاب:
جِزَى الله عَنّا جَعْفَرًا حين أُزِلقَتْ بِنا نَعْلُنا في الواطِئين فزَلَّتِ
أَبَوْا أنْ يَمَلُّونا، ولَوْ أنَّ أُمَّنا تُلاقي الذي لاَقوْهُ منَّا لملت
هم خلطونا بالنفوس وألجئوا إلى حجرات أدفأت وأظلت٤
_________________
(١) ١ الزيادة بين القوسين من مجالس ثعلب، وإسقاطها مخل. ٢ أي: أن كلتموني، و"ما" زائدة. ٣ أي لا أتهم في مودتي لكم وحسن رأيي فيكم. ٤ هو بلفظه تقريبًا في مجالس ثعلب: ٤٦١، وبإسناده، وهو: "حدثنا أبو العباس أحمد بن يحيى النحوي المعروف بثعلب، حدثنا عمر بن شبة، حدثنا ابن عائشة قال: سمعت أصحابنا يذكرون أن أبا بكر لما تشاغل "، وكأنه هو إسناد المرزباني نفسه. والشعر في زيادته ديوانه: ٥٧: وهو في الأغاني "الدار" ١٥: ٣٦٨، والوحشيات رقم: ٤١٥. هذا ورواية ثعلب، وأبي تمام في الوحشيات، وأبي الفرج في الأغاني في صدر البيت الخير: فذو المال موفور وكل معصب إلى حجرات
[ ١٥٨ ]
فيها حَذْفُ مفعولٍ مقصودٍ قصْدُه في أربعةِ مواضع قوله: "لملت"، و"ألجئوا" و"أدفأت" و"أظلت"، لأن الأصل: "لملتنا" و"ألجئونا إلى حجرات أدفأَتْنا وأظلَّتْنا"، إلاَّ أنَّ الحالَ على ما ذكرتُ لكَ، من أَنه في حَدِّ المُتناسي١، حتى كأَنْ لا قَصْدَ إلى مفعولٍ، وكأَنَّ الفعل قد أُبهِمَ أَمرُه فلم يُقْصَدْ به قصْدُ شيءٍ يقع عليه، كما يكونُ إذا قلتَ: "قد ملَّ فلانٌ"، تريدُ أن تقولَ: قد دَخَلَهُ المَلالُ، من غيرِ أن تَخُصَّ شيئًا٢، بل لا تَزيد على أن تَجْعلَ المَلالَ مِنْ صفتهِ، وكما تقولُ: "هذا بيتٌ يُدفئ ويظلُّ"، تُريد أنه بهذه الصفة.
١٦٣ - واعلمْ أنَّ لك في قوله: "أجرت"، و"لملت"، فائدةَ أُخرى زائدةً على ما ذكْرتُ من توفير العناية على إثبات الفعلِ، وهي أن تقولَ: كانَ مِن سُوءِ بَلاءِ القوم ومِنْ تَكْذيبهم عن القتالِ ما يُجِرُّ مثْلَه٣، وما القضيةُ فيه أنه لا يُتَّفَق على قومٍ إلا خَرَس شاعرُهم فلم يَسْتطعْ نطْقًا وتَعْديتُك الفعلَ تَمنُع مِن هذا المعنى، لأنكَ إذا قلتَ: "ولكنَّ الرماحَ أَجرَّتْني"، لم يُمكن أن يتأَوَّل على معنى أَنه كان منها ما شأنُ مِثْلِه أن يُجِرَّ، قضيةً مستمرةً في كلِّ شاعرِ قومٍ٤، بل قد يجوزُ أن يُوجَدَ مثلُه في قومٍ آخرين فلا يُجَرُّ شاعرهم. ونظيره
_________________
(١) ١ في المطبوعة: "في حد المتناهي"، خطأ محض. ٢ في "س"، ونسخة عند رشيد رضا: "من غير أن تقصد". ٣ "التكذيب"، يقال: "أراد شيئًا ثم كذب عنه"، أي أحجم، ولم يصدق الجملة. ٤ في هامش "ج"، أما هذا الموضع، حاشية أقطع فإنها من كلام عبد القاهر، في نسخته التي نقل عنها كاتب "ج"، وهذا نصها: [فإن قيل: تقدير العموم مع إضافته لا يتصور، وإنما يتصور ذلك أن لو قال: "لو أن أما تلاقي الذي لاقوه منا لملت" فالجواب: إنه لو كان الغرض من الكلام التمثيل، فإن الخاص فيه يجري مجرى العام. يقول الرجل لصاحبه: "أنت تشكر من لم يحسن إليك"، يريد أن ذلك حكم الجملة، ومثله قوله: إنك إن كلفتني ما لم أطق ساءك ما سرك مني من خلق لم يرد أن يخص نفسه بذلك، ويجعله خلقًا هو فيه، بل أراد أن ذلك ما عليه [تمشي] الطباع، فاعرفه].
[ ١٥٩ ]
أَنك تقولُ: "قد كان منكَ ما يُؤلم"، تُريد ما الشرْطُ في مثله أنْ يُؤلم كلَّ أحدٍ وكلَّ إنسانٍ. ولو قلتَ: "ما يؤلمني" لم يُفد ذلك، لأنه قد يجوزُ أن يؤلمكَ الشيءُ لا يؤلِمُ غيرَكَ.
وهكذا قوله: "ولو أنَّ أُمَّنا تُلاقي الذي لاقَوْهُ منَّا لَمَلَّتِ"، يتضمَّنُ أَنَّ مَنْ حُكمَ مثلُه في كل أُمِّ أنْ تملَّ وتسْأَمَ، وأنَّ المشقةَ في ذلك إلى حدٍ يُعلم أنَّ الأُمَّ تملُّ له الابْنَ وتتَبرَّمُ به، مع ما في طباعِ الأمهاتِ منَ الصبرِ على المكارهٍِ في مَصالح الأولادِ. وذلك أنه وإن قال: "أمُّنا"، فإن المعنى على أنَّ ذلك حُكْمُ كلِّ أمّ مع أولادها١ ولو قلتَ: "لَمَلَّتْنا"، لم يحتملْ ذلك، لأنه يَجري مجْرى أن تقولُ: "لو لَقيتْ أُمُّنا ذلك لَدَخلَها ما يُملُّها منَّا"، وإذا قلتَ "ما يُمِلُّها منَّا" فقيَّدْتَ، لم يَصْلح لأَن يُرادَ به معنى العموم وأنه بحيثُ يَمَلُّ كلَّ أم من كلِّ ابنٍ.
وكذلك قولُه:
إلى حُجُراتٍ أدفأتْ وأظلتِ
لأنَّ فيه معنى قولِك: "حُجُراتٍ من شأنِ مثْلها أن تُدَفئَ وتُظِلَّ"، أي هيَ بالصفةِ التي إذا كان البيت
_________________
(١) ١ من أول قوله: "وذلك أنه" إلى هنا، ساقط في "س".
[ ١٦٠ ]
عليها أَدْفأَ وأَظَلَّ. ولا يجَيءُ هذا المعنى مع إظهار المفعول، إذْ لا تقول: "حجراتٍ من شَأْنِ مِثْلِها أن تُدفئنا وتُظلَّنا"، هذا لغوٌ من الكلام.
فاعرِفْ هذه النكْتَةَ، فإنَّك تَجدُها في كثير من هذا الفَنِّ مضمومةً إلى المعنى الآخر، الذي هو توفيرُ العناية على إثباتِ الفعلِ، والدلالةِ على أنَّ القصدَ من كر الفعلِ أن تُثْبتَه لفاعلهِ، لا أن تُعلِمَ التباسه بمفعوله.
زيادة بيان في الحذف الخفي:
١٦٤ - وإن أردتَ أنْ تزدادَ تَبيينًا لهذا الأصل١، أعني وُجوبَ أنْ تُسْقِط المفعولَ لتتوفَّر العنايةُ على إثباتِ الفعل لفاعلِه ولا يَدخلَها شَوْبٌ، فانظرْ إلى قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لاَ نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ، فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ﴾ [القصص: ٢٣، ٢٤]، فيها حذف مفعول في أربعة مواضع، إذا المعنى: "وجدَ عليه أمةَ منَ الناس يَسْقون" أغنامهم أو مواشيهم و"امرأتين تذودان" غنمهما و"قالتا لا نَسْقِي" غنمَنَا "فسقى لهما" غنمَهَما.
ثم إنَّه لا يَخْفى على ذي بَصَرٍ أنه ليس في ذلك كلِّه إلاَّ أن يُتْرَكَ ذِكْرُه ويُؤْتى بالفعل مطْلقًا، وما ذاك إلاَّ أنَّ الغرضَ في أن يُعلَم أَنه كان منَ الناس في تلك الحال سَقْيٌ، ومن المرأتينِ ذَوْدٌ، وأنهما قالتا: لا يكونُ منَّا سقْيٌ حتى يُصْدِرَ الرعاءُ، وأنه كان مِنْ موسى ﵇ من عبد ذلك سَقْي، فأمَّا ما كان المَسْقيُّ؟ أغَنمًا أم إبلًا أم غيرَ ذلك، فخارجٌ عن الغرَض، ومُوْهِمٌ خِلافَه. وذاكَ أنه لو قيل: "وجَد مِنْ دونِهمْ امرأتينِ تَذُودانِ غنَمَهما"، جاز
_________________
(١) ١ في المطبوعة: "تبيينًا"، وفي "س": "لهذا الأمر".
[ ١٦١ ]
أن يكونَ لم يُنْكر الذودَ من حَيْثُ هو ذَوْدٌ، بل مِنْ حيثُ هو ذَوْدُ غَنم، حتى لو كان مكانَ الغنمِ إبلٌ لم يُنكر الذودَ كما أنك إذا قلتَ:"ما لك تمنعُ أخاك؟ "، كُنْتَ مُنْكِرًا المنعَ، لا من حيثُ هوَ مَنعٌ، بل مِنْ حيثُ هو منعُ أخٍ، فاعرْفه تَعْلمْ أَنكَ لم تَجِدْ لِحَذْف المفعولِ في هذا النحوِ مِن الرَّوعة والحُسْن ما وجَدْتَ، إلاَّ لأنَّ في حَذْفه وتَرْكِ ذِكْرِه فائدةً جليلةً، وأَنَّ الغرَضَ لا يصح إلا على تركه.
مثال آخر للحذف الخفي:
١٦٥ - وممَّا هو كأنَه نَوعٌ آخرُ غيرُ ما مضى، قول البحتري:
إذا بَعُدَتْ أَبلَتْ، وإن قَرُبَتْ شَفَتْ فهِجْرانُها يُبْلي، ولُقيانُها يَشْفي١
قد عُلِمَ أنَّ المعنى: إذا بَعُدَتْ عني أَبْلَتني، وإنْ قَرُبَتْ مني شفَتْني إلاَّ أَنك تَجِدُ الشعرَ يأبى ذِكْرَ ذلك، ويُوجِبُ أطِّراحَه. وذاك لأَنَّه أرادَ أن يَجْعلَ البِلى كأنه واجِبٌ في بِعادها أن يُوجِبَه ويَجْلبه، وكأَنَّه كالطَّبيعة فِيه، وكذلك حالُ الشفاءِ معَ القُرب، حتى كأنه قال: أتدري ما بِعادُها؟ هو الداءُ المُضْني وما قُرْبُها؟ هو الشفاءُ والبُرْءُ مِنْ كلِّ داءٍ. ولا سبيلَ لك إلى هذه اللطيفةِ وهذه النكْتة، إلا بحذف المفعول البتة، فاعرفه.
_________________
(١) ١ في ديوانه، وأمام البيت حاشية أخرى، كأنها أيضًا منقولة من حواشي نسخة عبد القاهر التي نسخ عنها كاتب "ج"، وهذا نص الحاشية. [هذا مبنى على أن هذه المرأة من الحسن والجمال بحيث لا يراها أحد إلا عشقها، وكان حالة معها هذه الحالة. وهذا المعنى هو ما [افتتح] به المتبني: أتراها لكثرة العشاق تحسب الدمع خلقة في المآقي
[ ١٦٢ ]
وليس لِنَتائجِ هذا الحذفِ، أعني حَذْفَ المفعولِ، نهايةٌ، فإنه طريقٌ إلى ضروبٍ من الصَّنْعة، وإلى لطائف لا تحصى.
نوع آخر، وهو: "الإضمار على شريطة التفسير" ومثاله
١٦٦ - وهذا نوع منه آخر: اعلم أن ههنا بابًا منَ الإضمار والحذفِ يُسمَّى "الإضمار على شريطةِ التفسير"، وذلك مثْلُ قولِهم: "أكْرَمني وأَكْرَمْتُ عبدَ اللهِ"١، أردتُ: "أكرَمني عبدُ الله، وأكرمتُ عبدَ الله"، ثم تركتُ ذِكْرَه في الأولِ استغناءً بذِكْرهِ في الثاني. فهذا طريقٌ معروفٌ ومذْهَبٌ ظاهرٌ، وشيءٌ لا يُعْبَأُ به، ويُظَنُّ أنه ليس فيه أَكثرُ مما تُريكَ الأمثلةُ المذكورةُ منه وفيه إذا أنتَ طلبتَ الشيءَ من مَعْدِنِه منْ دقَيقِ الصنعةِ ومن جَليلِ الفائدةِ، ما لا تَجدُه إلاَّ في كلامِ الفحول.
١٦٧ - فمِنْ لطيفِ ذلك ونادرِهِ قولُ البحتري:
لوْ شِئْتَ لم تُفْسِدْ سَماحَة حاتِمٍ كَرَمًا ولمْ تَهْدِمْ مآثِرَ خالدِ٢
الأصلُ لا محالةَ: لو شئْتَ أن لا تُفْسِدَ سماحةَ حاتمٍ لم تُفْسِدْها، ثم حُذِفَ ذلك مَن الأول استغناءً بدلالته في الثاني عليه، ثم هو على ما تراهُ وتَعلَمُه منَ الحُسْن والغَرابة، وهو على ما ذكرتُ لك من أنَّ الواجبَ في حُكْم البلاغة أن لا يُنْطَقَ بالمحذوف ولا يَظَهَرَ إلى اللفظُ. فليس يَخفى أنك لو رَجَعْتَ فيه إلى ما هو أصْلُه فقلتَ: "لو شئتَ أن لا تُفسِدَ سماحةَ حاتمٍ لم تُفْسِدْها"، صِرْتَ إلى كلامٍ غَثٍّ، وإلى شيءٍ يَمجُّهُ السمْعُ، وتَعافُهُ النفْسُ. وذلك أنَّ في البيانِ،
_________________
(١) ١ انظر التعقيب على هذا المثل فيما يأتي، الفقرة رقم: ١٧٢. ٢ البيت في ديوانه.
[ ١٦٣ ]
إذا ورَدَ بعدَ الإبهامِ وبعدَ التَّحريك له، أبدًا لطفًا ونبلًا لا يكونُ إذا لم يتقدَّمْ ما يُحرِّكُ.
وأنتَ إذا قلتَ: "لو شئتَ"، علمَ السامعُ أنكَ قد علَّقْتَ هذه المشيئةَ في المعنى بشيءٍ، فهو يَضَعُ في نفسه أن ههنا شيئًا تَقْتضي مَشيئتُه له أن يكونَ أو أن لا يكونَ. فإذا قلتَ: "لم تُفسِد سماحةَ حاتم"، عرَفَ ذلك الشيءَ ومَجيءُ "المشيئةِ" بعد "لو" وبعْدَ حروفِ الجزاءِ هكذا موقوفةٌ غيرُ مُعدَّاةٍ إلى شيءٍ، كثيرٍ شائعٍ، كقوله تعالى ﴿فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [النحل: ٩]، والتقديرُ في ذلك كلِّه على ما ذكرتُ. فالأَصْلُ: لو شاء الله أن يجمعهم على الهدى ولو شاءَ أنْ يَهدِيَكم أجمعينَ لهَداكم إلاَّ أَنَّ البلاغةَ في أن يُجاءَ به كذلك محذوفًا.
متى يكون إظهار المفعول أحسن من حذفه:
١٦٨ - وقد يتَّفقُ في بعضِه أن يكونَ إظهارُ المفعولِ هو الأَحْسَنَ وذلك نَحْو قولِ الشاعر:
ولَوْ شِئتُ أَنْ أبْكي دمًا لبَكَيْتُهُ عليهِ ولكنْ ساحةُ الصبرِ أوْسَعُ١
فقياسُ هذا لو كان على حدِّ ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾ [الأنعام: ٣٥] أن يقولَ: "لو شئتُ بكيتُ دمًا"، ولكنه كأنه تركَ تلك الطريقةَ وعدَلَ إلى هذهِ، لأنها أحسن من هذا الكلامِ خُصوصًا. وسببُ حسْنِه أنَّه كأنهُ بِدْعٌ عجيبٌ أنْ يشاءَ الإِنسانُ أن يَبْكي دَمًا٢. فلمَّا كان كذلك، كان الأَوْلى أن يُصرِّحَ بذِكْره ليقرِّرَهُ في نفسِ السِّامع ويُؤنِسَه به.
_________________
(١) ١ للخريمي، وهو إسحاق بن حسان السعدي، يرثى عثمان بن عامر بن عمارة بن خريم الذبياني، أحد قواد الرشيد، الكامل ١: ٢٥١. ٢ "بدع" مبتدع لا يؤلف.
[ ١٦٤ ]
١٦٩ - وإذا استقرَيْتَ وجدْتَ الأمرَ كذلك أبدا متى كان مفعولُ "المشيئةِ" أمرًا عظيمًا، أو بديعًا غريبًا، كان الأَحْسَنَ أنْ يُذكَرَ ولا يُضْمَر.
يقول الرجل يخبر عن عزة١: "لو شئتُ أَن أَردَّ على الأميِر ردَدْتُ" و"لو شئتُ أنْ أَلْقى الخليفَةَ كلَّ يومٍ لَقِيتُ". فإذا لم يكن مما يُكْبِرُهُ السامعُ، فالحذفُ كقولك: "لو شئت خرجت" و"لو شئت قمت" و"لو شئت أنصفت"، و"لو شئتُ لقلت"، وفي التنزيلِ: ﴿لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا﴾ [الأنفال: ٣١]، وكذلك تقول: "لو شئت كنت كزيد"، قال:
لَوْ شئتُ كنتُ كَكُرْزٍ في عبادتِه أو كابْنِ طارِق حَوْلَ البَيْتِ والحَرَمِ٢
وكذلِكَ الحكُمُ في غيرهِ مِنْ حُروفِ المُجَازاة أن تقولَ٣:: "إن شئت
_________________
(١) ١ في المطبوعة وحدها: "عن عزة نفسه"، زيادة فاسدة. ٢ من شعر عبد الله بن شبرمة القاضي، يقوله لابن هبيرة، ويذكر فيه: "كرزبن وبرة الحارثي الجرجاني العابد"، و"محمد بن طارق". قال ابن شبرمة لما سمع ابن هبيرة الشعر قال له: من كرز؟ ومن ابن طارق؟ قال فقلت له: أما كرز فكان إذا كان في سفر واتخذ الناس منزلًا، اتخذ هو منزلًا للصلاة، وأما ابن طارق: فلو اكتفى أحد بالتراب كفاه كف من تراب". وكان كرز يختم القرآن في كل يوم وليلة ثلاث ختمات، وكان محمد بن طارق في كل يوم وليلة سبعين أسبوعًا، كان يقدر طوافه في اليوم عشر فراسخ. وفي هامش المخطوطة "ج"، البيت الثاني، وهو: قد حال دون لذيذ العيش جدهما وشمرا في طلاب الفوز والكرم والبيتان في الحيوان ٣: ٤٩٢، وحلية الأولياء لأبي نعيم ٥: ٨١، ٨٢، مع اختلاف في بعض ألفاظهما. وكان في المطبوعة: "ابن طارف". وفي نسخة عند رشيد رضا على الصواب. ٣ "عن غيره من حروف المجازاة"، يعني غير "لو" التي مضى ذكرها قبل. وفي المطبعة وحدهما: "وكذا الحكم".
[ ١٦٥ ]
قلت" و"إن أَردتُ دفعتُ"، قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ﴾ [الشورى: ٢٤]، وقال عزَّ اسْمُه ﴿مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأنعام: ٣٩]، ونظاهر ذلك من الآي، ترَى الحذْفَ فيها المستمرَّ.
أمثلة ما يعلم أنه ليس فيه لغير الحذف وجه:
١٧٠ - وممَّا يُعْلَمُ أَنْ ليس فيه لغيرِ الحذْفِ وجه قول طرفة:
وإنْ شئتُ لم تُرْقِلْ، وإنْ شئتُ أرْقَلَتْ مخافَةَ مَلْوِيٍّ مِنْ القِدِّ مُحْصَدِ١
وقولُ حميد:
إن شئتُ غنَتْني بأجزاعِ بِيشَةٍ أو الزُّرْقِ من تَثليثَ أَوْ بيَلَمْلما
مُطَوَّقةٌ ورقاءُ تَسْجَعُ كَلَّما دَنا الصيفُ وانجابَ الربيعُ فأَنجَما٢
وقولُ البحتري:
إذا شاءَ غادى صِرمةً أو غدا على عقائل سرب أو تقنص ربربا٣
وقوله:
لو شئتَ عُدْتَ بلادَ نَجْدٍ عَوْدةً فحَللْتَ بين عقيقهِ وزَرْودِهِ٤
معلوم أنكَ لو قلْتَ: "وإن شئتَ أنْ لا تُرْقِلَ لم تُرْقل"، أو قلتَ: "إذا شئتُ أن تُغنِّيني بأجزاعِ بيشةَ غَنَّتْني"، "إذا شاء أن يغادي صرمة غادي"،
_________________
(١) ١ في ديوانه، من معلقته. و"الإرقال" ضرب السير السريع، و"القد"، الجلد، ويعني السوط. و"المحصد"، المحكم القتل. ٢ في يدوانه. و"بيشة" و"الزرق" و"تثليث" و"يلملم" مواضع. و"إنجاب"، ذهب وانكشف. و"أنجم، أقلع. ٣ "الصرمة"، قطعة من الإبل. و"عقائل السرب" كرائمة، و"السرب"، من الظباء قطيعه. و"الربرب" قطيع يقر الوحش. ٤ في ديوانه. "و"العقيق"، و"زرود"، موضعان بنجد.
[ ١٦٦ ]
و"لو شئتَ أن تَعودَ بلادَ نجدٍ عودةً عُدْتَها" أذهب الماءَ والرونقَ، وخرجْتَ إلى كلامٍ غَثٍّ، ولفظٍ رث.
١٧١ - وأما قول الجوهري:
فَلمْ يُبْقِ منِّي الشوقُ غيرَ تَفكُّري فَلَوْ شئتُ أن أَبْكِي بكَيْتُ تَفَكُّرا١
فقد نَحَا به نَحْو قولهِ:
وَلَو شئتُ أن أبكي دمًا لبكيتُه٢
فأظْهَر مفعولَ "شئتُ"، ولم يَقُلْ: "فلو شئتُ بكيتُ تفكُّرًا"، لأجل أَنَّ له غرَضًا لا يَتمُّ إلاَّ بذكِر المَفْعولِ، وذلك أنه لم يُردِ أَن يقولَ: "ولَو شئتُ أن أبكي تفكُّرًا بكيتُ كذلك"، ولكنه أرادَ أن يقولَ: قد أَفناني النحولُ، فلم يَبْقَ مني وفيَّ غيرُ خواطِرَ تَجولُ، حتى لو شئتُ بكاء فَمَريْتُ شُؤوني٣، وعصَرْت عيني ليسيلَ منها دمعٌ لم أَجدْه، ولخَرجَ بدلَ الدمع التفكُّرُ٤. فالبكاءُ الذي أرادَ إيقاعَ المشيئِة عليه مُطْلَقٌ مُبْهم غيرُ مُعَدَّى إلى "التفكُّر" البتَّةَ، و"البكاء" الثاني مقيَّد معدَّى إلى التفكُّر. وإذا كان الأمرُ كذلك، صارَ الثاني كأنه شيءٌ غيرُ الأول، وجرَى مَجْرَى أن تقولَ: "لو شئتَ أن تُعطي درهمًا أعطيتَ درهَمين" في أنَّ الثاني لا يَصْلح أن يكونَ تفسيرًا للأول.
_________________
(١) ١ "الجوهري" هو "أبو الحسن، علي بن أحمد الجوهري الجرجاني"، قال الثعالبي في صفته "تجم جرجان"، وذكر أنه ورد نيسابور سنة ٣٧٧هـ، وكان شاعرًا، وذكر من شعره قصيدة على الراء، كأن هذا البيت منها. "يتيمة الدهر ٣: ٢٥٩ - ٢٧٤" وانظر معاهد التنصيص ١: ٢٥٤. ٢ الشعر في الفقرة السالفة رقم: ١٦٨. ٣ في "س": "مريت جفوني" و"الشؤون"، مجاري الدمع في العين. و"مرى ضرع الناقة"، حلبها. ٤ في المطبوعة: "ويخرج بدل".
[ ١٦٧ ]
مثال آخر نادر لطيف في الخدمة:
١٧٢ - واعلمْ أنَّ هذا الذي ذكَرْنا ليس بصريحٍ: "أكرمت وأكرمني عبد الله"١ لكنه شبيهٌ به في أنه إنَّما حُذِفَ الذي حذف من مفعول "المشيئة" و"الإرادة"، لن الذي يأتي في جوابِ "لو" وأخَواتها يدلُّ عليه.
١٧٣ - وإذا أردتَ ما هو صريحٌ في ذلك، ثم هو نادرٌ لطيفٌ يَنْطوي على معنى دقيقٍ وفائدةٍ جليلةٍ، فانظُرْ إلى بيتِ البحتري:
قد طَلَبْنا فلم نَجدْ لكَ في السُّؤْ دُدِ والمَجْد والمَكَارِم مِثْلا٢
المعنى: قد طَلَبْنا لك مِثْلًا، ثم حذَفَ، لأنَّ ذكْرَه في الثاني يدلُّ عليه، ثم إنَّ للمجيءِ به كذلك مِن الحُسْن والمَزيَّة والرَّوعة ما لا يَخْفَى٣. ولو أنه قال: "قد طلبَنْا لكَ في السؤددِ والمجدِ والمكارمِ مَثَلًا فلم نَجِدْه"، لم تَرَ مِنْ هذا الحُسْن الذي تَراه شيئًا٤. وسببُ ذلك أَنَّ الذي هو الأصْلُ في المدح والغرض بالحقيقة، هو نَفْي الوجودِ عنِ "المثل"، فأَمَّا "الطلبُ"، فكالشيءِ يُذكر ليُبنى عليه الغَرَضُ ويُؤَكَّد به أَمْرُه. وإذا كان هذا كذلك، فلو أنه قالَ: "قد طلبَنْا لكَ في السؤددِ والمجدِ والمكارمِ مِثْلًا فلم نَجدْه"، لكان يكونُ قد تركَ أن يُوقِعَ نفْيَ الوجودِ على صريحِ لفظِ "المِثْل"، وأوْقَعَه على ضميرِه. ولن تبلغَ الكنايةُ مبلغَ التصريح أبدًا٥.
_________________
(١) ١ انظر أول الفقرة رقم: ١٦٦. ٢ في ديوانه. ٣ في المطبوعة وحدها: "في المجيء به". ٤ من أول قوله هنا: "لم تر من هذا الحسن" إلى قوله بعد أسطر: "مثلًا فلم نجده"، ساقط في "س". ٥ في المطبوعة وحدها: "مبلغ الصريح".
[ ١٦٨ ]
مثال آخر، من خطبة قيس بن خارجة بن سنان:
١٧٤ - ويُبيِّن هذا، كلامٌ ذكَرَه أبو عثمانَ الجاحظُ في كتاب البيان والتبيين١، وأنا أكتبُ لك الفصل حتى تستبين الذي هو المُرادُ، قال: "والسنَّةُ في خُطبِة النِّكاحِ أنْ يُطيلَ الخاطِبُ ويُقصِّرَ المجِيبُ، ألا ترى أن قيس بن خارجة [بن سنان] لمَّا ضرَبَ بسيفِه مُؤخَّرةَ راحلةِ الحاملَين في شأن حمالة داحس [والغبراء] ٢ وقال: مالي فيها أيُّها العَشَمتَانِ؟ ٣ قالا: بل ما عندَك؟ قال: عندي قِرى كلِّ نازلٍ، ورضِى كلِّ ساخِطٍ، وخُطبةٌ مِنْ لَدُنْ تطْلُعُ الشمسُ إلى أن تَغْرُبَ، آمرُ فيها بالتَّواصُل، وأَنْهى فيها عنِ التَّقاطُع قالوا: فخطَبَ يومًا إلى اللَّيل، فما أعاد كلمةً ولا معْنى٤. فقيلَ لأبي يعقوب٥: هلاَّ اكْتَفى بالأمِر بالتواصلِ، عنِ النَّهْي عن التقاطع؟ أو ليس الأمرُ بالصلةِ هو النهْيُ عن القطيعة؟ قال: أو ما علمْتَ أنَّ الكنايةَ والتعريضَ لا يَعْملان في العقولِ عَمَلَ الإِيضاح والتَّكشيفِ"٦.انتهى الفصْلُ الذي أَردتُ أن أَكْتبَه. فقد بصَّرك هذا أنْ لن يكونَ إيقاعُ نَفْي الوجودِ على صَريحِ لفظِ المِثل، كإيقاعهِ على ضَمِيره.
_________________
(١) ١ هو في البيان والتبيين ١: ١٦٦، وكتاب "البرصان والعرجان" للجاحظ ص: ٨٩ وما بين الأقواس منه، وانظر جمهرة نسب قريش رقم: ٤١. ٢ اللذان حملا الحمالة، وهي الدية، "والحارث بن عوف بن أبي حارثة"، و"هرم بن سنان ابن أبي حارثة"، ويقال هما: "خارجة بن سنان" و"الحارث بن عوف"، وانظر جمهرة نسب قريش رقم: ٣٨، والتعليق عليه. ٣ يقال: "رجل غثمة، وعجوز غشمة"، كبير هرم يابس من العزال. ٤"فما أعاد كلمة ولا معنى"، ليست في البيان. ٥ "أبو يعقوب"، هو "إسحق بن حسان بن قوهى الخريمي". ٦ في المطبوعة: "عمل الإيضاح"، وفي البيان: "الكشف".
[ ١٦٩ ]
أمثلة أخرى للحذف:
١٧٥ - وإذْ قد عرَفْتَ هذا، فإنَّ هذا المعنى بعينِه قد أَوْجَبَ في بيتِ ذي الرُّمة أنْ يَضعَ اللفظَ على عكسِ ما وضَعه البحتريُّ١، فيُعملَ الأوَّلَ من الفعلين، وذلك قولُهُ:
ولم أَمدَحْ لأرضيهِ بِشعري لَئِيمًا، أَنْ يكونَ أصابَ مالا٢
أعْمَلَ "لم أمدحْ"، الذي هو الأول، في صريح لفظ "اللئيم"، و"أرْضى"، الذي هو الثاني، في ضميِرهِ. وذلك لأنَّ إيقاعَ نَفْي المدحِ على اللئيم صريحًا، والمجيءَ به مكشوفًا ظاهرصا، هو الواجبُ من حيثُ كان أصْلُ الغرضِ، وكان الإرضاءُ تعليلًا له. ولو أنه قال: "ولم أمدح لأُرْضِيَ بشعري لئيمًا"، لكانَ يكونُ قد أَبْهمَ الأمرَ فيما هو الأصْلُ، وأبانَهُ فيما ليس بالأَصْل، فاعرفْه.
١٧٦ - ولهذا الذي ذكَرْنا من أنَّ للتَّصريح عَمَلًا لا يكونُ مثلُ ذلك العمل للكناية، كان فعادة اللفظِ في مِثْلِ قولهِ تعالى: ﴿وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ﴾ [الإسراء: ١٠٥] وقولهِ تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص: ١، ٢] من الحُسْنِ والبَهْجة، ومنَ الفَخَامة والنُّبل، ما لا يَخْفى موضِعُه على بصيرٍ. وكان لو تُرِكَ فيه الإظهارُ إلى الإضمار فقيل: "وبالحقِّ أنزلناه وبه نزل": و"قلْ هُوَ الله أَحدٌ هو الصَّمَدُ" لعدِمْتَ الذي أنت واجده الآن.
_________________
(١) ١ يعني البيت السالف في رقم: ١٧٢. ٢ في ديوان ذي الرمة.
[ ١٧٠ ]