فصل: في الكلام على من زَهد في رواية الشعر وحِفْظهِ، وذمَّ الاشتغال بعلمه وتتبُعه
الرد على من ذم الشعر:
٩ - لا يخلو مَن كان هذا رأيَهُ مِن أمورٍ:
أحدُها: أنْ يكون رفضُه له وذَمُّه إِيّاه من أجلِ ما يَجده فيه من هَزْلٍ أو سُخْف، وهجاءٍ وسَبٍّ وكَذِبٍ وباطلٍ على الجُملة.
والثاني: أنَ يذمَّه؛ لأنه موزون مُقفَّى، ويرى هذا بمجرَّده عيبًا يقتَضي الزهدَ فيه والتنزُّهَ عنه.
والثالثُ: أنْ يتعلَّقَ بأحوالِ الشُّعراءِ وأنها غيرُ جميلةٍ في الأكثرِ ويقول: قد ذُمُّوا في التنَّزيل.
وأيٌّ كان مِنْ هذه رأيًا لهُ، فهو في ذلكَ على خطأ ظاهرٍ وغَلَط فاحش، وعلى خلافِ ما يُوجِبه القياسُ والنَّظرُ، وبالضدِّ مما جاءَ به الأَثرُ، وصَحَّ به الخبر.
١٠ - أما مَن زَعَم أنَّ ذمَّه لهُ من أجْل ما يَجدُ فيه من هزلٍ وسُخف وكذبٍ وباطلٍ، فينبغي أن يذمَّ الكلامَ كلَّه، وأن يُفَضِّل الخرَسَ على النُّطق، والعيَّ على البيان، فمنثور كلامِ النّاسِ على كلَّ حالٍ أكثرُ من منظومِه، والذي زعمَ أنه ذمَّ الشَّعرَ من أجلهِ وعاداهُ بسببه فيه أكثر١؛
_________________
(١) ١ في المطبوعة: "والذي زعمَ أنه ذمَّ الشعرَ بسببه وعاداه بنسبته إليه أكثر"، وهي عبارة سيئة، وفي "ج": " ذم الشعر بسببه وعاداه بسببه فيه أكثر" وهو سهو من الناسخ، والصواب ما أثبته من "س"، والضمير في "فيه" يعود إلى "منثور الكلام"، أي هو في المنثور أكثر.
[ ١١ ]
لأنَّ الشعراءَ في كلَّ عصرٍ وزمانٍ معدودون، والعامَّة ومَنْ لا يقولُ الشعرَ منَ الخاصَّةِ عديدة الرَّمل، ونحنُ نَعْلم أنْ لو كانَ منثورُ الكلام يُجمعُ كما يُجْمَع المنظومُ، ثم عمدَ عامدٌ فجمعَ ما قيلَ من جنْس الهَزْل والسُّخف نثرًا في عصرٍ واحدٍ، لأَرْبى على جَميعِ ما قاله الشعراءُ نَظْمًا في الأزمانِ الكثيرةِ١، ولغَمره حتى لا يظهرَ فيه.
ثم إِنك لو لم تَرْو من هذا الضربِ شيئًا قطُّ، ولم تَحْفَظْ إلاَّ الجِدَّ المحضَ، وإلاَّ ما لا مَعابَ عليكَ في روايته، وفي المحاضرةِ به، وفي نَسْخه وتَدوينهِ، لَكانَ في ذلك غِنًى ومندوحةٌ، ولوَجدْتَ طِلْبتَك ونِلْتَ مُرادك، وحصَل لك ما نحنُ ندعوكَ إِليه من عِلمِ الفصاحةِ، فاخترْ لنفسكَ، ودَعْ ما تَكْره إِلى ما تُحب.
١١ - هذا، وراوي الشَّعر حاكٍ، وليس على الحاكي عَيبٌ، ولا عليه تَبعةٌ، إِذا هوَ لم يَقصدْ بحكايتهِ أن يَنْصر باطلًا، أو يَسُوء مسْلِمًا، وقد حكى اللهُ تعالى كلامَ الكفار، فانظرْ إِلى الغرضِ الذي له رُويَ الشعرُ، ومِن أَجْلهِ أُريد، وله دُوِّن، تَعلمْ أنك قد زُغْت عن المنهج، وأنك مُسيءٌ في هذه العداوة، وهو العصبيّةِ منكَ على الشَّعر٢. وقد استشهدَ العلماءُ لغريبِ القرآنِ وإِعرابهِ بالأبياتِ فيها الفحشُ، وفيها ذكْرُ الفعلِ القبيحِ، ثم لم يَعِبْهم ذلك، إذا كانوا لم يَقصدوا إِلى ذلك الفُحشِ ولم يريدوه، ولم يرووا الشعر من أجله.
_________________
(١) ١ "نظمًا" سقطت من ناسخ "ج". ٢ في المطبوعة: "وهي العصبية".
[ ١٢ ]
الحسن البصري وتمثله بالشعر:
قالوا: وكان الحسَنُ البصريُّ ﵀ يتمثَّلُ في مَواعظِه بالأبياتِ من الشّعرِ، وكان من أوجعها عنده:
اليومَ عندكَ دَلُّها وحديثُها وغَدًا لِغيرك كَفُّها والمعصم١
تمثل عمر بن الخطاب بشعر:
١٣ - وفي الحديث عن عمر بن الخطاب ﵁، ذكره المرزباني، في كتابه بإِسنادٍ، عن عبد الملك بنِ عُميرٍ أنه قال: أتي عمر رضوان الله عليه يحلل منَ اليمنِ، فأتاهُ محمدُ بنُ جعفرِ بن أبي طالبٍ، ومحمدُ بنُ أبي بكر الصدَّيقُ، ومحمدُ بنُ طلحةَ بنِ عبيدِ الله، ومحمدُ بنُ حاطبٍ، فدخلَ عليه زيدُ بن ثابتٍ ﵁ فقال: يا أميرَ المؤمنين، هؤلاء المحمودن بالبابِ يطلبون الكُسْوة. فقال: ائْذِنْ لهم يا غلام. فدعا بحلل، فأخذ زيد أجودها [حلة] ٢ وقال: هذهِ لمحمّدِ بن حاطبٍ، وكانتْ أُمُّه عندَه، وهو من بني لؤيٍّ، فقال عمرُ ﵁: أيهاتَ أيهات! وتمثَّل بشعرِ عمارة بن الوليد:
أَسرَّكِ لما صُرِّع القومُ نشوةٌ خروجيَ منها سَالِمًا غَيْرَ غارِمِ
بَرِيئًا كأنَّي قبلُ لم أكُ منهمُ وليسَ الخداعُ مرتَضًى في التَّنادُمِ
_________________
(١) ١ من أبيات جياد في مذمته بعض النساء، يقول: إن النساء وإن ذكرن بعفة فيما يظاهر في الأمور ويكتم لحم أطاف به سباع جوع ما لا يذاد، فإنه يتقسم لا تأمنن أنثى حياتك، واعلمن أن النساء ومالهن مقسم اليومَ عندكَ دَلُّها وحديثُها وغَدًا لِغيرك كَفُّها والمعصم كالخان تسكنه وتصبح غاديًا ويحل بعدك فيه من لا تعلم "أمالي الشريف ١/ ١٦٠/ شرح الحماسة للتبريزي ٣: ١١٩". ٢ الزيادة بين القوسين من "س".
[ ١٣ ]
رُدَّها. ثم قالَ: ائْتني بثوبٍ فألقِهِ على هذهِ الحُلل. وقال: أدخلْ يدَكَ فخُذْ حُلَّة وأنتَ لا تَراها، فأَعْطِهمْ. قال عبدُ الملك: فلم أر قسمة أعدل منها١.
و"عمارة"، هذا هو "عمارةبن الوليد بنِ المُغيرةِ"، خطبَ امرأةً من قومه فقالت: لا أتزوجُك أو تترُكَ الشرابَ، فأبى، ثم اشتد وَجْدُه بها فحلَفَ لها أنْ لا يشرب، ثم مر بخمار عند شَرْبٌ يشربون، فدعَوْه فدخَلَ عليهم وقد أنْفَدوا ما عندهم، فنَحَر لهم ناقتَه وسَقاهم بِبُرْدَيْه، ومكَثوا أَيامًا، ثم خرجَ فأتى أَهْلَه، فلمَّا رأتْه امرأتُه قالت: أَلم تَحْلِفْ أَنْ لا تَشْرب؟ فقال:
ولسنا بشَرْب أمَّ عمرو إِذا انْتَشَوْا ثيابُ الندامى عِنْدَهُمْ كالغَنائم
ولكنّنا يا أمَّ عمروٍ نَديمُنا بمنزلةٍ الريَّانِ ليسَ بعائمِ
أَسَّرك البيتين٢
١٤ - فإذنْ رُبَّ هَزْلٍ صار أَداةً في جِدّ، وكلامٍ جَرى في باطلٍ ثم استُعينَ به على حَقّ، كما أنه رُبَّ شيءٍ خَسيس، تُوصِّلَ به إِلى شريفٍ، بأنْ ضُرِبَ مَثلًا فيه وجُعل مثالًا له، كما قال أبو تمام:
واللهُ قَدْ ضَربَ الأَقلَّ لنورِه مَثَلًا منَ المشكاة والنبراس٣
_________________
(١) ١ الخبر والشعر في الأغاني: ١٨: ١٢٥، بنحو هذه القصة. ٢ الخبر والشعر في الأغاني ١٨ - ١٢٣، ومعجم الشعراء للمرزباني: ٢٤٧. و"الشرب"، جمع "شارب"، و"العائم" من قولهم: "عام الرجل إلى اللبن يعام ويعيم عيمًا وعيمة"، اشتدت شهوته للبن حتى لا يصبر عنه. ٣ في هامش المخطوطة "ج"، ما نصه: "هو القطن، "يعني النبراس"، وأراد به الفتيلة ذكره الجوهري في الصحاح أن النبراس هو المصباح، وكذا والله أعلم". والبيت في ديوان أبي تمام.
[ ١٤ ]
وعلى العكس، فربَّ كلمةِ حَقٍّ أُريدَ بها باطلٌ، فاسْتُحِقَّ عليها الذمُّ، كما عرفتَ من خبر الخارجي مع علي راضون الله عليه١. ورُبَّ قولٍ حَسَنٍ لم يَحْسُنْ من قائِلِه حينَ تَسبَّبَ به إِلى قبيحٍ، كالذي حكى الجاحظ قال: "رجع طاوس يومًا عن مجلسِ مُحمّدِ بنِ يوسُفَ٢، وهوَ يومئذٍ والي اليمنِ فقال: ما ظَننتُ أنَّ قول: "سبحان الله" يكون معصية لله تعالى حتى كانَ اليومُ، سمعتُ رجلًا أَبلغَ ابنَ يوسُفَ عن رجلٍ كلامًا، فقالَ رجلٌ من أهلِ المَجلس: "سبحانَ الله"، كالمستعظمِ لذلك الكلامِ، ليُغضِبَ ابنَ يوسف"٣.
فبهذا ونحوِه فاعتبرْ، واجْعلْهُ حكمًا بينك وبين الشعر.
الدفاع عن الشَّعر:
١٥ - وبعدُ، فكيفَ وَضعَ منَ الشعرِ عندكَ، وكسبَهُ المقتَ منك، أنَّك وجدتَ فيه الباطلَ والكذبَ وبعضَ ما لا يَحْسنُ، ولم يَرفعْه في نفسِك، ولم يُوجِب له المحبَّةَ من قبلك، أنْ كانَ فيه الحقُّ والصدقُ والحكمةُ وفصْلُ الخِطاب، وأنْ كانَ مَجْنى ثمرِ العقولِ والألبابِ، ومجتمَعَ فِرَقِ الآدابِ، والذي قيَّد على النّاسِ المعاني الشريفةَ، وأفادَهُم الفوائدَ الجليلة، وترسَّل بينَ الماضي والغابرِ، يَنقل مكارمَ الأخلاق إِلى الولدِ عن الوالد، ويؤدِّي ودائعَ الشَّرف عن الغائب إِلى الشَاهد، حتى تَرى به آثارَ الماضين مخلَّدةً في الباقين، وعقول الأَوَّلين مردودةً في الآخرين، وتَرى لكلَّ مَن رَام الأدبَ،
_________________
(١) ١ وذلك حين قال البرج بن مسهر الطائي الشاعر الخارجي، لعلي ﵁: "لا حكم إلا الله"، وهي شعار الخوارج، فقال علي: "كلمة حق أريد بها باطل، وإنما مذهبهم أن لا يكون أمير، ولا بد من أمير، برًا كان أو فاجرًا". ٢ في هامش "ج": "هو أخو الحجاج"، يعني "محمد بن يوسف". ٣ في البيان والتبيين ١: ٣٩٥.
[ ١٥ ]
وابتغَى الشرفَ، وطلبَ محاسنَ القولِ والفعْل، منارًا مرفوعًا، وعِلْمًا مَنصوبًا، وهاديًا مُرْشدًا، ومُعلمًا مسدِّدًا، وتجدُ فيه للنَّائي عن طَلبِ المآثر، والزّاهِدِ في اكتسابِ المحامدِ، داعيًا، ومُحرَّضًا، وباعثًا ومحضَّضًا، ومذكرًا ومعرفًا، وواعظًا ومنفقًا. فلو كنت ممن يتصف كانَ في بعضِ ذَلك ما يُغيِّرُ هذا الرأيَ منك، وما يَحْدوكَ على روايةِ الشَّعر وطَلَبه، ويَمنعُكَ أنْ تَعيبَه أو تَعيبَ به، ولكنك أَبَيْتَ إلاَّ ظنًا سبَقَ إِليكَ، وإِلاّ بادي رأيٍ عنَّ لك، فأقفلْتَ عليه قلْبَكَ، وسدَدْتَ عمَّا سِواهُ سَمْعَك، فَعيَّ الناصحُ بك١، وعَسُرَ على الصديق الخليط تنبيهك.
الأحاديث في ذم الشعر، ومدحه:
نعم، وكَيف رَويْتَ: "لأَنْ يمتلئَ جوفُ أَحدِكم قيحًا، فيَرِيَهُ، خيرٌ له من أَن يمتلئ شِعْرًا" ٢، ولهجتَ به، وترِكتَ قولَه ﷺ: "إنَّ مِن الشعر لَحِكْمةً، وإنَّ مِن البيانِ لَسِحْرا"؟ ٣ وكيف نَسِيتَ أَمرَه ﷺ بقول الشعر، ووعده
_________________
(١) ١ "عي"، عجز، أصله "عيي"، فأدغم. ٢ حديث رواه أحمد والشيخان وأصحاب السنن وغيرهم عن أبي هريرة وعن غيره والرواية المشهورة فيه: "حتى يريه" أي يفسده وفي رواية بحذف: "حتى يريه" وفي أخرى حذف: "حتى" وقرأها بعضهم حينئذ "يريه" بالفتح، وبعضهم بالضم، ولم أر من رواه بالفاء فيريه" كما في نسخة المصنف، وفي رواية ابن عدي عن جابر: "لأن يمتلئ جوف الرجل قيحًا أو دمًا خير له من أن يمتلئ شعرًا مما هجيت به" "رشيد رضا"، قال أبو فهر: قد خرجته في تهذيب الآثار للطبري، في مسند عمر، فراجعه. ٣ الحديث مشهور رواه أصحاب الصحاح وغيرهم، ورواية المصنف ملفقة من روايتين، فقد وردت كل جملة من طريق. وأما الجملتان معًا فقد جاءنا في حديث ابن عباس عند أحمد وابن ماجه هكذا: "إن من البيان سحرًا، وإن من الشعر حكمًا" وعند ابن عساكر من حديث علي باللام، وله تتمة وهي: "وإن من العلم لجهلًا، وإن من القول عيالًا"، "رشيد".
[ ١٦ ]
عليه الجنَّةَ، وقوله لحسَّان: "قُلْ وروحُ القُدُس معك" ١، وسماعَه له، واستنشادَهُ إياه، وعِلْمهُ ﷺ به، واستحسانَه له، وارتياحَه عند سماعه؟
أَمرَه ﷺ بقول الشعر وسماعه:
١٦ - أَمّا أَمرُهُ به، فمنَ المعلوم ضَرورةً، وكذلك سَماعُه إِيّاه، فقد كان حسانٌ وعبدُ الله بنُ رَواحَة وكعبُ بن زُهير يمدحونَهُ، ويَسْمعُ منهم، ويُصغي إِليهم، ويأمرهم بالردِّ على المُشركين٢ فيقولون في ذلك ويَعْرِضون عليه، وكان ﵇ يَذكرُ لهم بعضَ ذلك، كالذي رُوي من أنه ﷺ قال لكعبٍ: "ما نَسِيَ ربُّك، وما كان ربُّكَ نَسِيًّا، شعرًا قلْتَه"، قال: وما هوَ يا رسولَ الله؟ قال: "أَنْشِدْه يا أبا بكر"، فأنشده أبو بكر رضوان الله عليه:
زعَمتْ سَخينةُ أنْ سَتَغلِبُ رَبَّها ولَيُغْلَبَنَّ مُغَالِبُ الغلاب٣
استنشاده الشعر:
١٧ - وأما استنشادُه إِيّاهُ فكثيرٌ، من ذلك الخبرُ المعروف استنشادهِ، حين اسْتَسقى فسُقيَ، قولَ أبي طالب:
_________________
(١) ١ خرجته في تهذيب الآثار للطبري، وفي مسند عمر. ٢ روى الخطيب وابن عساكر عن حسان، أن النبي ﷺ قال له: "اهج المشركين وجبرائيل معك، إذا حارب أصحابي بالسلاح، فحارب أنت باللسان". وفي حديث جابر عند ابن جرير أنه قال يوم الأحزاب: "من يحمي أعراض المؤمنين؟ " قال كعب: أنا يا رسول الله. قال: "نعم، اهجهم أنت، فسيعينك روح القدس" "رشيد". ٣ خرجت خبر كعب بن مالك في تذهيب الآثار، مسند عمر. والبيت في ديوان كعب بن مالك: ١٧٨ - ١٨٢، وانظر طبقات فحول الشعراء: رقم ٣٠٥. و"سخينة"، لقب كانت تعير به قريش. و"السخينة"، طعام يتخذ من الدقيق، دون العصيدة في رقته وفوق الحساء، وإنما كانت نؤكل في شدة الدهر، وغلاء الأسعار، وهزال الأنعام، فعيروا بأكلها.
[ ١٧ ]
وأبيضَ يُسْتَسْقى الغمامَ بوجههِ ثِمَالُ اليَتامى عصمةٌ للأراملِ
يُطِيفُ به الهُلاَّكُ مِن آلِ هاشمٍ فهمْ عندَهُ في نعمةٍ وفواضلِ١
الأبيات.
وعن الشّعبيَّ ﵁، عن مَسروقٍ، عن عبدِ الله قالَ: لمَّا نظرَ رسولُ الله ﷺ إلى القَتْلى يومَ بدر مصرعين، فقال ﷺ لأَبي بَكْر ﵁: "لو أَنَّ أبا طالبٍ حَيٌّ لَعِلمَ أنَّ أَسْيافَنا قد أخذتْ بالأنامِل". قال: وذلكَ لقولِ أبي طالب:
كَذَبتُمْ، وبيتِ اللهِ، إِنْ جَدَّ ما أَرى لتلتبسن أسيافنا بالأنامل
وينهض قوم في الذروع إليهم نهوض الروايا في طريق حلاحل٢
_________________
(١) ١ من قصيدة أبي طالب الطويلة في سيرة ابن هشام: ١ - ٢٩١ - ٢٩٩، وانظر طبقات فحول الشعراء رقم: ٣٦٦، والتعليق عليه. "ثمال اليتامى" غياث لهم وعماد، يقوم بأمرهم ويطمعهم ويسقيهم. و"عصمة للأرامل"، يمنعهن ويحفظهن. و"الهلاك"، جمع "هالك" وهو الفقير. والبيت الثاني ليس في "س". ٢ خبر الشعبي، ليس في "س"، و"عبد الله"، هو "عبد الله بن مسعود" ﵁. والبيتان ليسا على ترتيبهما القصيدة، ورواية الأول على الصواب: وإنا لعمر اللهِ إِنْ جَدَّ ما أَرى لَتَلتبسَنْ أَسيافُنا بالأماثل أي تخالط السيوف أعناق الأماثل والأشراف فتقتلهم. ورواية الثاني: وينهض قوم في الحديد إليكم نهوض الروايا تحت ذات الصلاصل "الروايا" الإبل التي تحمل الماء في المزادات. و"ذات الصلاصل" هي المزادة، تسمع لها صلصلة إذا تحركت بها الإبل. ورواية الشيخ ﵀ للبيتين مختلطة وانظر الأغاني ١٧: ٢٨
[ ١٨ ]
ومن المحفوظِ في ذلك حديثُ محمدِ بنِ مَسلمةَ الأنصاريَّ؛ جمعَهُ وابنَ أبي حَدْرد الأسلميّ الطريقُ، قال: فتذاكَرْنا الشكرَ والمعروفَ، قال: فقال محمد: كنَّا يومًا عند النبيّ ﷺ فقال لحسَّان بنِ ثابت: "أَنْشِدْني قصيدةً من شعرِ الجاهليّةِ؛ فإِنَّ اللهَ تعالى قد وَضعَ عنَا آثَامها في شعرِها وروايته"، فأنْشدَه قصيدةً للأعشى هجا بها علقمةَ بْنَ علاثة:
عَلْقَمَ ما أنتَ إِلى عامرٍ الناقضِ الأوتارَ والواترِ١
فقال النبيُّ ﷺ: "يا حَسّانُ، لا تَعُدْ تُنْشِدني هذه القصيدةَ بعدَ مجلِسِكَ هذا". فقال: يا رسولَ الله، تَنْهاني عن رَجُلٍ مُشْركٍ مقيمٍ عندَ قيصر؟ فقال النبيُّ ﷺ: "يا حَسّان، أَشْكَرُ الناسِ للناسِ أَشكَرُهم للهِ تعالى، وإِنَّ قيصرَ سأل أبا سفيانَ بنَ حربٍ عنّي فتناولَ منِّي" وفي خبرٍ آخر: "فشَعَثَ منّي وإِنّهُ سألَ هذا عني فأَحْسَنَ القولَ". فشَكرَهُ رسولُ الله ﷺ على ذلك وروي عن وجهٍ آخَرَ أَنَّ حسانَ قال: يا رسولَ الله، مَنْ نالَتْكَ يَدُه وَجَبَ علينا شُكْرُه٢.
ومِن المعروفِ في ذلك خَبرُ عائشةَ رضوانُ الله عليها أَنَّها قالتْ: كان رسولُ الله ﷺ كثيرًا ما يقول: "أبياتك". فأقول:
إِرفعْ ضَعيفَكَ لا يَحُر بكَ ضَعْفُهُ يَوْمًا فتُدرِكَه العواقبُ قَدْ نَمى
يَجْزيك أو يُثْني عليكَ وإنَّ مَنْ أثْنَى عليكَ بِما فَعلْتَ فقد جزى
_________________
(١) ١ ديوان الأعشى ١: ١٠٥ ٢ الحديث رواه ابن أبي الدنيا في قضاء الحوائج وابن عساكر عن محمد بن مسلمة بلفظ: "يا حسان أنشدني من شعر الجاهلية؛ فإن الله قد وضع عنك آثامها في شعرها وروايتها"، وفيه أنه قال له بعد إنشاد القصيدة: "يا حَسّانُ لا تَعُدْ تُنْشِدني هذه القصيدةَ، إني ذكرت عند قيصر وعنده أبو سفيان وعلقمة بن علاثة، فأما أبو سفيان فتناول مني، وأما علقمة فحسن القول، وإنه لا يشكر الله من لا يشكر الناس" "رشيد".
[ ١٩ ]
قالتَ فيقولُ ﵇: "يقولُ اللهُ ﵎ لعَبْدٍ من عبيدهِ: صنَعَ إِليك عَبْدي معروفًا فهل شَكرْتَه عليه؟ فيقول: يا ربِّ، عَلمتُ أنّهُ منكَ فشكرتُكَ عليه. قال فيقولُ اللهُ ﷿: لَمْ تَشْكرْني، إذْ لم تشكر من أجريته على يده" ١.
علمه بالشعر:
١٨ - وأمَّا عِلْمُه ﵇ بالشعرِ، فكَما رُويَ أنَّ سَوْدة أَنشدتْ:
عديٌّ وتيمٌ تَبْتغي مَن تحالفُ
فظنَّتْ عائشةُ وحَفْصةُ ﵄ أنها عرضت بها، وجَرى بينهنَّ كلامٌ في هذا المعنى، فأُخبرَ النبيُّ ﷺ، فدخلَ عليهنَّ وقال: "يا وَيْلَكنَّ، ليسَ في عَدِيِّكنَّ ولا َتَيْمِكنَّ قيلَ هذا، وإنَّما قيلَ هذا في عديَّ تميمٍ وتيم تميم".
وتمامُ هذا الشعر وهو لقيس بن معدان الكليبي، من بني يربوع:
فخالف ولا واللهِ تَهْبِطُ تَلْعةَ منَ الأرضِ إلاَّ أنت للذل عارف
ألا من رأى العيدين، أو ذكرا له عبد وتيم تتغي من تحالف٢
_________________
(١) ١ رواه الطبراني في المعجم الصغير ١: ١٦٣، والبيان من سبعة عشر بيتًا من البصائر والذخائر ٢: ٤١٧ - ٤١٩ وانظر الوحشيات رقم: ١٧٨ والشعر ينسب لغريض، ولابنه سعية بن غريض اليهودي، ولورقة بن نوفل، ولغيرهم. ٢ "سودة"، وهي سودة بنت زمعة"، أم المؤمنين ﵂. وفي هامش "ج"، عند البيت الثاني للتأنيث كان وجهه أن قوله: العبدين، [هما عدي] وتيم، عني بهما الأب الأكبر، وهم إذا ذكروا الأب [الأكبر، عنوا] به القبيلة، فحمل الكلام من بعد ذكرهما على [القبلتين ثم] استغنى برد الذكر إلى إحداهما عن ذكر [الأخرى: كقوله] تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا﴾ استغنى بإعادة الضمير إلى الفضة، عن إعادته [إلى] الذهب". والشعر في المطبوعة غير منسوب، وهو منسوب في المخطوطتين "ج" و"س". "تيم قريش" منهم أبو بكر الصديق، و"عدي قريش"، منهم عمر بن الخطاب، ولذلك ما غضبت أم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر، وحفصة أم المؤمنين بنت عمر. و"التلعة"، هي مسيل في أعلى الوادي وأسفله تلعة، وأعلاه ثلعة أيضًا. وفي البيت يراد أسفل الوادي. وقوله: "عارف". من قولهم "عرف للأمر، واعترف"، صبر له وذل وإنقاذ.
[ ٢٠ ]
وروَى الزبيرُ بنُ بكار قال: مرَّ رسولُ الله ﷺ ومعه أبو بكرٍ ﵁ برجلٍ يقول في بعض أزقة مكة:
يا أيُّها الرجلُ المُحوِّلُ رَحْلَهُ هلاّ نزلْتَ بآلِ عبد الدارِ
فقال النبيُّ ﷺ: "يا أبا بكرٍ، أهكذا قالَ الشّاعرُ؟ " قال: لا، يا رسول الله، ولكنه قال:
يا أيُّها الرجلُ المحوِّلُ رَحلَهُ هلاَّ سألْتَ عنَ آلِ عَبْد منافِ
فقالَ رسولُ الله ﷺ: "هكذا كنا نسمعها" ١.
ارتياحه للشعر:
١٩ - وأمَّا ارتياحُه ﷺ للشَّعر واستحسانُه له، فقد جاءَ فيه الخبرُ من وجوهٍ. من ذلك حديثُ النّابغةِ الجَعْديِّ قال: أَنشدتُ رسولَ الله ﷺ قولي:
بلَغْنا السماءَ، مَجْدُنَا وجدودُنا وإنَّا لنَرجو فوقَ ذلك مَظْهَرا
فقال النبيُّ ﷺ: "أَينَ المظهرُ يا أبا ليلى؟ " فقلتُ: الجنةُ، يا رسولَ الله، قال: "أَجَلْ إنْ شاء الله". ثم قال: أَنْشِدْني، فأنْشَدْتُه من قولي:
_________________
(١) ١ الشعر لمطرود بن كعب الخزاعي، يبكي عبد المطلب وبني عبد مناف في سيرة ابن هشام ١: ١٨٨، والخبر في أمالي القالي ١: ٢٤١، وسمط اللآلي: ٥٤٧، من غير طريق الزبير بن بكار.
[ ٢١ ]
ولا خيرَ في حِلْم، إذا لم تَكنْ لَهُ بَوادِرُ تَحْمي صفْوَه أنْ يُكَدَّرا
ولا خيرَ في جَهلٍ، إذا لمْ يَكنْ لَهُ حَليمٌ إذا ما أَوْردَ الأمرَ أَصْدَرا
فقال ﷺ: "أَجَدْتَ، لا يَفْضُضِ اللهُ فاكَ". قال الراوي: فنظَرتُ إليه، فكأَنَّ فاهُ الْبَرَدُ المُنْهَلُّ، ما سَقطتْ له سِنٌّ ولا انفلَّت، تَرِفُّ غَروبُه١.
ومِنْ ذلك حديثُ كعبِ بنِ زهيرٍ رُويَ أنَّ كعبًا وأخاه بحيرًا خرجا إلى رسول الله ﷺ حتى بلَغَا أَبْرَقَ العزَّاف، فقال كعب لبجير: الق هذا الرجل وأنا مقيم ههنا، فانظرْ ما يقولُ. وقَدم بُجَيرٌ على رسول الله ﷺ، فعرَضَ عليه الإسلامَ فأَسْلمَ، وبلغَ ذلك كَعْبًا، فقالَ في ذلك شعرًا، فأهْدَر النبيُّ ﷺ دَمه، فكتبَ إليه بُجير يأمرُه أن يُسْلمِ ويُقْبلَ إلى النبي ﷺ ويقولُ: إنَّ مَنْ شَهِدَ أَنْ لا إله إلاَّ اللهُ وأَنَّ محمدًا رسولُ الله، قَبِلَ منه رسول الله ﷺ، وأسقطَ ما كانَ قبلَ ذلك، قال: فقَدِمَ كعبٌ وأنشد النبيَّ ﷺ قصيدته المعروفة:
بانتْ سُعادُ فَقلبي اليومَ مَتْبولُ مُتَيَّمٌ إثْرَها، لمْ يُفْدَ، مغلولُ
وما سُعادُ غَداةَ البَيْنِ إذا رحَلَتْ إلاَّ أغَنُّ غَضيضُ الطَّرْفِ مَكْحولُ
تَجْلُو عوارضَ ذي ظَلْمٍ إذا ابْتَسمَتْ كأنَّه مُنْهلٌ بالراح معلول٢
_________________
(١) ١ الشعر في ديوانه النابغة الجعدي، والخبر وتخريجه في تهذيب الآثار، مسند عمر، وانظر مجمع الزوائد للهيثمي ٨: ١٢٦، و"البوادر" جمع "بادرة"، وهي ما يسبق به اللسان من الكلام عند الغضب. وقوله: "ولا انفلت" أي ولا انثلمت له سن. و"ترف غروبه" أي تبرق ثناياه، و"غروب الأسنان" هي منافع ريقها، وأطرافها وحدتها وماؤها وصفاؤها. و"البرد المنهل" والمتساقط. ٢ "المتبول" من "تلبه الحب" إذا أضناه وأفسده أو ذهب بلبه وعقله. و"المتيم"، والمذلل المعبد. و"المغلول" من وضع الغل في عنقه. وفي رواية "مكبول"، وهو المقيد بالكبل أي القيد.
[ ٢٢ ]
سحَّ السقاةُ عليها ماءَ مَحْنيةٍ من ماءِ أبطح أضحى وهو مشمول١
ويلمها خُلّةً لو أنها صَدقَتْ مَوْعودَها أوْ لوَ انَّ النُّصحَ مقبولُ٢
حتى أتى على آخِرِها، فلمَّا بلغَ مديحَ رسول الله ﷺ:
إنَّ الرسولَ لَسيفٌ يُستَضاءُ بهِ مهنَّدٌ مِن سُيوفِ اللهِ مَسْلولُ٣
في فتيةٍ مِنْ قُريشِ قالَ قائلُهم بِبَطْنِ مكَّةَ، لمَّا أسْلموا: زُولوا٤
زالُوا، فما زالَ أنكاسٌ ولا كُشفٌ عندَ اللقاءِ، ولا مِيلٌ مَعازيلُ
لا يَقَعُ الطعنُ إلاَّ في نُحورِهمُ وما بِهمْ عن حِياضِ الموتِ تَهليلُ
شُمُّ العرانينِ أبطالٌ، لَبُوسُهُمُ مِن نسخ داودَ في الهَيجا، سَرابِيلُ
أشارَ رسولُ الله ﷺ إِلى الحِلَق أَنِ اسْمعوا. قال: وكانَ رسولُ الله ﷺ يكونُ مِن أصحابهِ مكانَ المائدةِ منَ القوم، يتحلقون حلْقةً دونَ حلقةٍ، فيلتفِتُ إلى هؤلاءِ وإلى هؤلاء٥.
والأخبارُ فيما يُشبه هذا كثيرةٌ، والأثر به مستفييض.
_________________
(١) ١ وفي نسخة: "سح السقاة عليها"، أما الرواية المشهورة في البيت فهي: شجت بذي شبم من ماء محنية صافٍ بأبطح، أضحى وهو مشمول ٢ في المطبوعة: "أكرم بها خلة". ٣ وفي رواية "لنور" بدل "لسيف". ٤ في هامش المخطوطة: "يعني الهجرة مع النبي ﷺ من مكة إلى المدينة". ٥ خبر كعب بن زهير مشهور، وقصيدته مشروحة، وهي في ديوان كعب بن زهير، وانظر طبقات فحول الشعراء رقم: ١١٧، ١١٨.
[ ٢٣ ]
من ذم الشعر لأنه موزون مقفى:
٢٠ - وإن زعم أنه دم الشعرَ من حيثُ هو موزونٌ مقفَّى١، حتى كأنَّ الوزنَ عيْبٌ٢، وحتى كأنَّ الكلامُ إذا نُظمَ نَظْمَ الشعرِ، اتَّضَعَ في نفسِه، وتَغيَّرتْ حالُه، فقد أبعدَ، وقال قَولًا لا يُعرفُ له مَعنى، وخالفَ العلماءَ في قولِهم "إنما لشعر كلامٌ فحَسَنُه حَسَنٌ، وقبيحُه قبيح"، وقد رُوي ذلك على النبي ﷺ مرفوعًا أيضًا٣.
فإنْ زعمَ أنه إنما كَرِهَ الوزنَ، لأنه سبب، لأن يتغنى في الشعر ويتلهى به، فإذا إذا كُنَّا لم نَدْعُه إلى الشعرِ من أجلِ ذلك، وإنما دَعوناه إلى اللفظ الجَزْل، والقولِ الفَصْل، والمنطقِ الحسَن، والكلام البيِّن، وإلى حسن التمثيل والاستعارة، وإلى التلويج والإِشارةِ، وإلى صَنعةٍ تَعْمَدُ إلى المَعنى الخسيسِ فشرفه، وإلى الضئيل فَتُفخِّمُه، وإلى النازل فترفَعُه، وإلى الخامل فَتُنوِّه به، وإلى العاطلِ فتُحَلِّيه٤، وإلى المُشكِل فَتُجَلِّيَهُ فلا مُتَعلَّقَ لهُ علينا بما ذَكَر، ولا ضررَ علينا فيما أَنْكَر، فليَقُلْ في الوزنِ ما شاء، وليَضَعْهُ حيث أراد، فليس بعنينا أمرهُ، ولا هو مُرادُنا من هذا الَّذي راجعنا القول فيه.
علة منعه ﷺ من الشعر:
٢١ - وهذا هو الجوابُ لمتُعلِّقٍ إنْ تَعَلَّق بقولِهِ تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَه﴾ [سورة يس: ٦٩] وأرادَ أن يَجْعله حُجةً في المَنْع منَ الشعر، ومن
_________________
(١) ١ انظر الفقرة الماضية رقم: ٩. ٢ في المطبوعة: "كان الوزن عيبًا". ٣ روى الدارقطني في الأفراد عن عائشة، والبخاري في الأدب المفرد رقم: ٨٦٥، ٨٦٦ والطبراني في الأوسط، وابن الجوزي في الواهيات عن عبد الله بن عمر، والشافعي والبيهقي عن عروة مرسلًا: "الشعر كلام بمنزلة الكلام، فحسنه حسن الكلام، وقبيحه قبيح الكلام". ٤ "العاطل" من النساء التي لا حلى عليها.
[ ٢٤ ]
حِفْظه وروايته. وذاك أنَّا نَعْلم أنَّه ﷺ لم يَمْنع الشعرَ من أجلِ أنْ كان قولًا فصلًا، وكلامًا جَزْلا، ومَنطقًا حَسنًا، وبَيانًا بيِّنًا، كيفَ؟ وذلَكَ يقتضي أن يكونَ اللهُ تعالى قد مَنَعه البيانَ والبلاغةَ، وحماهُ الفصاحةَ والبراعةَ، وجَعلَه لا يَبْلُغ مَبْلغَ الشُّعراءِ في حُسْنِ العبارة وشَرَف اللَّفظ. وهذا جهلٌ عظيمٌ، وخلافٌ لِما عرفه البلغاء وأَجمعوا عليه من أنه ﷺ كان أفصح العرب١، وإذا بطلأن يكونَ المَنْعُ من أجلِ هذه المعاني٢، وكنَّا قد أعلمناه أنا ندعوه إلى الشعر من أجلها، ونحدوه بطلبه على طلبها، وكان الاعتراضُ بالآيةِ مُحالًا، والتعلُّق بها خَطلًا من الرأي وانحلالًا.
فإذا قال: إِذا قالَ اللهُ تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ [سورة يس: ٦٩] فقد كره النبي ﷺ الشعرَ ونَزَّهَه عنهُ بلا شُبْهة، وهذه الكراهةُ وإنْ كانت لا تَتوجَّهُ إليه مِنْ حيثُ هو كلامٌ، ومن حيثُ إنه بليغٌ بَيِّنٌ وفصيحٌ حَسَنٌ ونحوُ ذلك، فإِنَّها تتوجَّه إلى الأمر لابد لك من التَّلَبُّس به في طَلبِ ما ذكرْتَ أنهُ مرادُك منَ الشَّعر، وذاك أنه لا سبيل لك إلى أن تمييز كونَه كلامًا عن كونهِ شعرًا. حتى إذا روَيْتَه التبَسْتَ بهِ من حيثُ هو كلامٌ، ولم تَلْتبِسْ به من حيثُ هو شعرٌ، هذا محال، وإذا كان لابد من مُلاَبسة موضعِ الكراهةِ٣، فقد لَزِمَ العيبُ برواية الشعر وإعمالِ اللَّسانِ فيه.
قيل له: هذا منكَ كلامٌ لا يتحصَّل. وذلك أنه لو كان الكلامُ إذا وُزِنَ حطَّ ذلكَ من قدرهِ، وأَزْرى به، وجلَبَ على المُفْرِغ له في ذلك القالب إثمًا،
_________________
(١) ١ في المطبوعة، و"س"؛ "لما عرفه العلماء". ٢ في "ج"، "إذا بطل أن يكون المعنى"، سهو من الناسخ. ٣ في المطبوعة و"س": "لابد لك" والذي في "ج" أجود.
[ ٢٥ ]
وكَسبه ذمَّا، لكان من حقَّ العيبِ فيه أن يكونَ على واضعِ الشعر أو مَنْ يُريدُه لمكانِ الوزنِ خُصوصًا، دونَ مَنْ يُريدُه لأمر خارج منه١، ويطلبه لشيء سواه.
تمام الدفاع عن الشعر:
فأما قولُك: إنَّك لا تستطيعُ أن تَطْلُبَ منَ الشعر ما لا يُكْرَه حتى تَلْتبِسَ مما يُكرهُ، فإِنّي إِذًا لَمْ أَقصدْه من أجلِ ذلك المكروهِ، ولم أُرِدْه له، وأردْتُه لأَعرف بهِ مكانَ بلاغةٍ، وأجعلَه مِثالًا في براعةٍ، أو أَحْتَجَّ به في تفسير كتابٍ وسُنَّة، وأَنظرَ إلى نَظْمه ونَظْم القُرآن، فأرى موضعَ الإِعجازِ، وأقفَ على الجهة التي منها كان، وأتبيَّنَ الفصْلَ والفُرقان٢ فحقُّ هذا التلبسِ أن لا يُعتدَّ عليَّ ذنبًا، وأَنْ لا أُؤَاخَذَ به؛ إذْ لا تكونُ مؤاخذةٌ حتى يكونَ عَمْدٌ إلى أن تُواقِعَ المكروهِ وقَصْدٌ إليه٣، وقد تَتَّبعَ العلماءُ الشعوذةَ والسِّحْر، وعُنُوا بالتَّوقُّفِ على حِيَل المُموِّهين٤؛ ليَعْرفوا فَرْقَ ما بينَ المُعجزة والحِيلة، فكان ذلك منهم مِنْ أعظمِ البِرِّ، إذْ كان الغرضُ كريمًا والقَصْد شريفًا.
هذا، وإِذا نحنُ رجَعْنا إلى ما قدمنا منَ الأخبارِ، وما صحَّ من الآثارِ، وجَدْنا الأمرَ على خلافِ ما ظَنَّ هذا السّائلُ، ورأَيْنا السبيلَ في منع النبي ﷺ الوزنَ، وأنْ يَنْطلق لسانُه بالكلامِ المَوْزونِ، غيرَ ما ذهبوا إليه. وذاك أنه لو كان مَنْعَ تنزيهٍ وكراهةٍ، لكانَ يَنبغي أن يُكْرَه له سماعُ الكلامِ موزونًا، وأن يُنَزَّهَ سَمْعُه عنه كما نُزِّه لسانُه٥، ولكان ﷺ لا يأمُرُ به ولا يَحثُّ عليه، وكان الشاعر لا يعان
_________________
(١) ١ في المطبوعة: "خارج عنه". ٢ سياق الكلام: "فإِنّي إِذًا لَمْ أقصدْه من أجلِ ذلك فحق هذا التلبس ". ٣ "قصد" معطوفة على "عمد". ٤ في "س": "الوقوف على".ط ٥ في المطبوعة: "كما ينزه".
[ ٢٦ ]
على وزنِ الكلامِ وصياغتِه شِعرًا، ولا يُؤيَّد فيه بروح القُدُس.
وإِذا كانَ هذا كذلك، فينبغي أن يَعْلم أَنْ ليس المَنْعُ في ذلك منه تنزيهٍ وكراهةٍ، بل سبيلُ الوزنِ في منعه ﵇ إياه سبيلُ الخَطِّ، حين جُعل ﵇ لا يقرأُ ولا يَكُتب، في أَنْ لم يكن المَنْعُ منِ أجْل كراهةٍ كانت في الخط؛ بل لأنه تَكونَ الحُجةُ أَبهِرَ وأقهرَ١، والدلالةُ أقوى وأظهر، ولتكونَ أَكْعَمَ للجاحد٢، وأَقْمَعَ للمُعَانِد، وأَرَدَّ لِطالب الشبهة، وأمنع من ارتفاع الريبة٣.
تعلق الذام له بأحوال الشعراء:
٢٢ - وأما التعلُّق بأحوالِ الشُّعراء بأنَّهم قد ذُمُّوا في كتابِ الله تعالى٤، فما أرى عاقلًا يَرْضى به أنْ يَجْعله حُجةً في ذَمِّ الشعر وتهجينه، والمنع منحفظ وروايتِهِ، والعِلْم بما فيه مِن بَلاغةٍ، وما يختصبه من أَدب وحِكْمه٥؛ ذاك لأَنه يَلْزمُ على قَوَد هذا القولِ أَن يَعيب العلماءَ في استشهادهم بشِعْر امْرئ القيسِ وأَشعار أهلِ الجاهليِة في تفسيرِ القرآن٦، وفي غَريبهِ وغَريبِ الحديث، وكذلك يَلْزمه أنْ يَدْفع سائرَ ما تقدَّم ذكرُه من أَمْر النبي ﷺ بالشَّعر، وإصغائه إليه، واستحسانِه له.
هذا ولو كان يَسُوغُ ذَمُّ القولِ من أَجْل قائله، وأنه يُحمَلَ ذَنْبُ الشَّاعرِ على الشَّعرِ١ لكانَ يَنبغي أن يُخَصَّ ولا يُعَمَّ، وأن يُسْتثنى، فقد قالَ اللهُ ﷿: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ ولولا أَنَّ القولَ يَجُرَّ بَعْضُهُ بَعضًا، وأنَّ الشيءَ يُذكَرُ لدخولِه في القِسْمة، لكان حقُّ هذا ونحوِهِ أَنْ لا يُتَشاغَلَ به، وأن لا يُعادَ ويُبدأ في ذِكره.
_________________
(١) ١ في "ج": "بل بأن تكون". ٢ "أكعم" من "كعم البعير"، إذا شد فاه بالكعام عند هياجه؛ لئلا يعض، أو لأجل منعه الأكل. ٣ في المطبوعة: "في ارتفاع". ٤ انظر الفقرة الماضية رقم: ٩. ٥ فيه هامش "ج" ما نصه: "أي قولنا: إن عاقلًا لا يرضى أن يجعله حجة؛ لأنه يلزم". ٦ قوله: "على قود هذا القول"، أي على سياقه واطراد قياسه.
[ ٢٧ ]