فصل:
خبر الكندي الفيلسوف مع ثعلب وزعمه أن في كلام العرب حشوا:
٣٧١ - واعلمْ أَنّ ممَّا أَغمضَ الطريقَ إِلى معرفَةِ ما نحنُ بصدده، أَنَّ ههنا فروقًا خفيَّةً تَجهلُها العامَّةُ وكثيرٌ من الخاصة، ليس أَنَّهم يَجْهلونَها في موضعٍ ويَعْرفونها في آخرَ، بل لا يَدْرون أَنها هي، ولا يَعْلمونها في جملةٍ ولا تفْصيل.
رُويَ عن ابن الأنباريِّ أَنه قال: ركبَ الكنْديُّ المتفلسِف إلى أبي العبّاس وقال له: إني لأَجِدُ في كلامِ العَرب حَشْوًا! فقال له أبو العباس: في أي وضع وجَدْتَ ذلك؟ فقال: أَجدُ العربَ يقولون: "عبدُ الله قائمٌ"، ثم يقولون "إنَّ عبدَ الله قائمٌ"، ثم يقولونَ: "إنَّ عبدَ اللهَ لقائمٌ"، فالألفاظُ متكررةٌ والمعنى واحدٌ. فقال أبو العباس: بل المعني مختلفةٌ لاختلافِ الألفاظِ، فقولُهم: "عبدُ الله قائمٌ"، إخبار عن قيامه وقولهم: "إن عبد عبدَ الله قائمٌ"، جوابٌ عن سؤالِ سائلٍ وقوله: "إنَّ عبدَ اللهِ لقائمٌ"، جوابٌ عن إنكارِ مُنْكِرٍ قيامَهُ، فقد تَكرَرَّت الألفاظُ لتكرُّرِ المعاني. قال فما أَحَارَ المتفلسِفُ جوابًا١.
وإِذا كان الكنديُّ يذَهْبُ هذا عليهِ حتى يَرْكَبَ فيه ركُوبَ مستفهِمٍ أو معْترِضٍ، فما ظنُّكَ بالعامَّة، ومَنْ هو في عِدادِ العامَّة، ممَّنْ لا يَخْطُرُ شبْهُ هذا بباله؟
دخول "إن" في الكلام، وخصائصها:
٣٧٢ - واعلمْ أنَّ ههنا دقائقَ لو أنَّ الكنديَّ استقرى وتصفَّحَ وتَتَبَّع مواقِعَ "إنَّ"، ثم ألْطَفَ النظرَ وأكثرَ التدبُّرَ، لعَلِمَ عِلْمَ ضرورةٍ أنْ ليس سواء دخولها وأن لا تدخل.
_________________
(١) ١ ضل عني موضع هذا الخبر الآن.
[ ٣١٥ ]
فأوَّلُ ذلك وأعْجَبُه ما قدَّمتُ لك ذكْرَه في بيتِ بشارٍ:
بكِّرا صاحبيَّ قبلَ الهَجيرِ إنَّ ذاكَ النَّجاحَ في التبكيرِ١
وما أنشدتُه معه من قولِ بعضِ العرب:
فغَنِّهَا وهْي لكَ الفِداءُ إنَّ غناءَ الإِبِلِ الحُداءُ٢
وذلك أنه هَلْ شيءٌ أَبْينُ في الفائدةِ، وأَدلّ على أنْ ليس سواءً دخولُها وأنْ لا تدخل، أنكَ ترى الجملةَ إذا هيَ دخلَتْ تَرتبِطُ بما قبْلَها وتأتلفُ معه وتَتَّحدُ به، حتى كأنَّ الكلامَيْنِ قد أُفرِغا إفراغًا واحدًا، وكأَن أحدَهُما قد سُبِكَ في الآخَرِ؟
هذه هي الصورةُ، حتى إذا جئتَ إلى "إنَّ" فأسقطتَها، رأيتَ الثاني منهما قد نَبَا عن الأولِ، وتجافى معناه عن معناه، ورأيْتَه لا يتَّصلُ به ولا يكونُ منه بسبيلٍ، حتى تجيءَ "بالفاءِ" فتقولُ: "بكِّرا صاحبيَّ قبلَ الهجيرِ، فذاكَ النجاحُ في التبكير"، و"غنِّها وهيَ لكَ الفداءُ، فغناءُ الإِبلِ الحُداءُ"، ثم لا ترَى "الفاء" تعيد الجملتين إل ما كانتا عليه مِنَ الألفة، ولا تردُّ عليك الذي كنت تجد "بإن" من المعنى.
٣٧٣ - وهذا الضربُ كثيرٌ في التَّنزيلِ جدًَّا، من ذلك قولُه تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ [الحج: ١]، وقولُه عزَّ اسمُه ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى
_________________
(١) ١ مضى في رقم: ٣١٥. ٢ مضى في رقم: ٣١٦.
[ ٣١٦ ]
مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [لقمان: ١٧]، وقولُه سبحانه ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣]، ومن أبْيَن ذلك قولُه تعالى: ﴿وَلا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ﴾ [هود: ٢٧/ المؤمنون: ٢٧] وقد يتكرَّرَ في الآيةِ الواحدةِ كقوله عزَّ اسمُه: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [يوسف: ٥٣]، وهي عَلَى الجملةِ من الكَثْرة بحيثُ لا يدركها الإحصاء.
محاسن دخول "إن" على ضمير الشأن وأمثلته:
٣٧٤ - ومِنْ خصائِصِها أَنك تَرى لِضميرِ الأمرِ والشأنِ معها منَ الحُسْنِ واللطفِ ما لا تَراه إذا هي لم تَدْخُل عليه، بل تراه لا يصلحُ حيثُ صَلَحَ إلاَّ بها، وذلك في مثْلِ قولهِ تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: ٩]، وقولِه ﴿أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ﴾ [التوبة: ٦٣]، وقولِه: ﴿أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ﴾ [الأنعام: ٥٤] وقوله: ﴿إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٧]، ومن ذلك قولُه: ﴿فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الْأَبْصَار﴾ [بالحج: ٤٦] وأجاز أبو الحَسنِ فيها وجْهًا آخرَ١ وهو أنْ يكونَ الضميرُ في "إنها" للأَبصار، أُضْمِرَتْ قبْلَ الذكْرِ على شَريطة التفسير. والحاجةُ في هذا الوجْه أيضًا إلى "أنَّ" قائمةٌ، كما كانت في الوجهِ الأولِ فإِنه لا يُقال: "هيَ لا تَعْمى الأَبصار" كما لا يُقالُ: "هوَ مَنْ يَتَّقِ ويَصْبِرُ فإنَّ الله لا يُضيع".
فإِن قلتَ: أوَ ليسَ قد جاء ضميرُ الأمرِ مبتدأً به مُعرًّى مِن العوامِلِ في قولِهِ تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَد﴾؟
_________________
(١) ١ "أبو الحسن"، هو الأخفش.
[ ٣١٧ ]
قيل: هو وإنْ جاء ههنا، فإِنه لا يكادُ يُوجَدُ مع الجملة منَ الشَّرْط والجزاء، بل تراهُ لا يجيءُ إلاَّ "بإن" على أنهم قد أجازوا ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَد﴾، أنْ لا يكونَ الضميرُ للأَمر.
٣٧٥ - ومن لطيفِ ما جاء في هذا الباب ونادرِهِ، ما تجدُه في آخِرِ هذه الأبيات، أنشدها الجاحظ لبعض الحجازيين:
إذا طمع يومًا عراني قريته كتائب بأس كرَّها وطِرادَها
أَكُدُّ ثِمَادي والمياهُ كثيرةٌ أُعالِجُ مِنها حفْرَها واكْتِدادَها
وأَرْضى بها مِنْ بحرِ آخرَ، إنَّه هُوَ الرّيُّ أن تَرْضَى النفوسُ ثِمادَها١
المقصودُ قولُه: "إنه هو الرّيُّ"، وذلك أَن الهاءَ في "إنه" تحتَملُ أمرَيْن:
أحدُهما: أن تكونَ ضميرَ الأَمْرِ، ويكونَ قولُه: "هو" ضمير: "أن ترضى"، وقد أضمره قبل الذكْر على شريطةِ التفسير. الأصل: "إنَّ الأمرَ، أن ترضى النفوسُ ثِمادَها، الرِّيُّ"، ثم أُضمِر قبل الذكْرِ كما أُضمرِت "الأبصارُ" في "فإنها لا تَعْمَى الأبصار" على مذهب أبي الحسنِ، ثم أتى بالمضْمَرِ مصرَّحًا به في آخر الكلام٢، فعُلِمَ بذلك أن الضميرَ السابقَ له، وأنَّه المراد به.
_________________
(١) ١ هو في البيان والتبيين ٣: ٣٣٨، والبيتان الأخيران في مجالس ثعلب: ٦٦٤، واللسان "كدد". "عراني"، غشيني ونزل على نزول الضيف. "وكذا الشيء يكده"، و"أكنده"، نزعه بيده، يكون ذلك في السائل الجامد. و"الثماد"، الماء القليل، يقول: أرضى القليل وأقنع به. وفي هامش "ج" بخطه، ما نصه: " من بحر آخر، أي: بدلًا من بحر آخر". ٢ في المطبوعة وحدها: "ثم أتى بالمفسر".
[ ٣١٨ ]
والثاني: أن تكون الهاء في "إنه" ضميرَ "أنى تَرْضى" قبلَ الذكْرِ، ويكونَ "هو" فَصْلًا، ويكونُ أصْلُ الكلام: "إنَّ أنْ تَرضى النفوسُ ثِمادها هو الرِّيُّ" ثُم أُضمِر على شريطةِ التفسير.
وأَيَّ الأمَرْينِ كان، فإِنه لا بدَّ فيه من "إِنَّ"، ولا سبيلَ إلى إِسقاطها، لأنَّكَ إنْ أسقطْتَها أَفْضَى ذلكَ بكَ إلى شيءٍ شنيعٍ، وهو أن تقولَ: "وأَرْضى بها من بحر آخر هو الرى أن ترضى النفوس ثمادها".
"إن" تربط الجملة بما قبلها:
٣٧٦ - هذا، وفي "إنَّ" هذه شيءٌ آخرُ يُوجِبُ الحاجةَ إليها، وهو أَنها تَتولَّى من رَبْط الجملةِ بما قبْلَها نحوًا مما ذكرتُ لك في بيتِ بشارٍ١. ألا ترى أَنك لو أَسقطْتَ "إنَّ" والضميرَيْنِ معًا، واقتصَرْتَ على ذكرِ ما يَبْقى من الكلامِ، لم تَقلْهُ إلا "بالفاء" كقولك: "وأرضَى بها من بحرِ آخرَ، فالريُّ أن ترضَى النفوسُ ثِمادها".
فلو أنَّ الفيلسوفَ قد كان تَتَبَّع هذه المواضعَ٢، لَما ظَنَّ الذي ظنَّ. هذا، وإِذا كان خلَفُ الأحمرُ وهو القدوةُ، ومَنْ يُؤخذُ عنه، ومَن هُو بحيثُ يَقول الشعرَ فيَنْحَلُه الفحولَ الجاهليينَ فيخفَى ذلك له، ويجوزُ أَنْ يَشْتبه ما نحن فيه عليه حتى يقَعَ له أن يَنْتَقِد على بشَّار٣، فلا غروَ أن تَدْخُلَ الشُّبهةُ في ذلك على الكندي.
_________________
(١) ١ انظر رقم: ٣٧٢. ٢ انظر الخبر في رقم: ٣٧١. ٣ انظر ما سلف رقم: ٣١٥.
[ ٣١٩ ]
"إن"، تهيء النكرة لأن يكون لها حكم المبتدأ في الحديث عنها:
٣٧٧ - ومما تَصنعُه "إنَّ" في الكلام، أنَّك تَراها تهيئ النكِرةَ وتُصْلِحُها لأن يكونَ لها حكْمُ المبتدأ، أعنى أن تكونَ محدَّثًا عنها بحديثٍ من بعدها. ومثال ذلك قوله:
إنَّ شِواءَ ونَشْوَةً وخَبَب البازلِ الأمُونِ١
قد تَرى حسنَها وصحَّةَ المعنى معها، ثم إنَّك إنْ جئتَ بها من غيرِ "إنَّ" فقلتَ: "شواءٌ ونشوةٌ وخبَبُ البازلِ الأمونِ" لم يكنْ كلامًا.
٣٧٨ - فإنْ كانتِ النكرةُ موصوفةً، وكانتْ لذلك تَصْلحُ أن يبتدأ بها، فإن تَراها مع "إِنَّ" أحْسَنَ، وترى المعنى حينئذٍ أَوْلى بالصِّحَّة وأمْكَنَ، أفلاَ تَرى إلى قوله:
إنَّ دَهْرًا يلفُّ شَملي بسُعدى لَزَمانٌ يَهُمُّ بالإحسانِ
ليس بخفيٍّ وإنْ كانَ يستقيمُ أنْ تقولَ: "دهرٌ يلفُّ شملي بسُعدى دهرٌ صالحٌ"٢ أنْ ليسَ الحالانِ على سواءٍ، وكذلك ليس بِخَفيِّ أَنَّك لو غمدت إلى قوله:
إن أمرًا فادحًا عن جوابي شغلك٣
_________________
(١) ١ الشعر لسلمى بن ربيعة التيمي، شرح الحماسة للتبريزي ٣: ٨٣، وخبر "إن" في البيت الخامس، وهو: من لذة العيش، والفتى للدهر، والدهر ذو فنون و"البازل" من الإبل الذي تناهت قوته في السنة التاسعة، و"المون"، الناقة الموثقة الخلق. ٢ السياق: "ليس بخفي أن ليس الحالان على سواء". ٣ الشعر لأم الليك بن السلكة، ترثى ولدها. وشعرها الجيد في شرح الحماسة للتبريزي ٢: ١٩١، ١٩٢
[ ٣٢٠ ]
فأسقطتَ منه "إِن" لَعدِمْتَ منه الحسْنَ والطلاوةَ والتمكُّنَ الذي أنتَ واجِدُهُ الآنَ، ووجَدْتَ ضعفًا وفتورًا.
"إن"، أثرها في الجملة، أنها تغني عن الخبر، ومثال ذلك:
٣٧٩ - ومن تأثير "إن" في الجملة، أنها ت غني إذا كانتْ فيها عن الخَبر، في بعضِ الكلامِ١. ووَضَعَ صاحبُ الكتاب في ذلك بابًا فقال: "هذا بابُ ما يَحْسُنُ عليه السكوتُ في هذه الأحرُفِ الخمسةِ، لإضمارِكَ ما يكونُ مستقرًّا لها وموضعًا لو أظهرته. وليس هذا المضمطر بنفس المظهر، وذلك: "إن مالًا" و"إن ولدًا"، و"إن عددًا"، أي: "إنَّ لَهُمْ مالًا" فالذي أضمرتَ هو "لهم" ويقولُ الرجلُ للرَّجل: "هلْ لكُم أحدٌ؟ إنَّ الناسَ أَلْبٌ عليكمْ"، فَيَقول: "إنَّ زيدًا وإِنَّ عَمرًا" أَي: "لنا"، وقال [الأعشى]:
إنَّ مَحَلًاّ وإنَّ مُرْتحلا وإِنَّ في السَّفْرِ إذا مَضَوْا مَهَلا٢
ويقول: "إنَّ غيرَها إبلًا وشاءَ" كأنه قال: "إنَّ لنا، أو: عندَنا، غيرَها"، قال: وانتصبَ "الإِبلُ" و"الشاء" كانتصابِ "الفارسِ" إذا قلتَ: "ما في الناسِ مثله فارسًا"، وقال: ومثل ذلك قوله:
يا لَيْتَ أيَّام الصِّبَا رَوَاجِعا٣
قال: فهذا كقولِهم: "أَلاَ ماءً باردًا"، كأنه قال: "ألا ماءً لنا باردًا: وكأنه قال: يا ليتَ أيام الصبا أقبلت رواجع"٤.
_________________
(١) ١ في "س": " أنها إذا كانت فيها حذف الخبر"، ومثله في نسخة عند رشيد رضا. ٢ الشعر في ديوان الأعشى، وفي المطبوعة: "وإن في النفس إن مضوا"، وهو خطأ، وفي "ج" "إن مضوا"، والذي في نص سيبويه "وإن في السفر ما مضىِ". ٣ البيت للعجاج عند ابن سلام في طبقات فحول الشعراء رقم: ١٠١، وهو في محلقات ديوانه طبع أوربة. ٤ هذا النص كاملًا في كتاب سيبويه ١: ٢٨٣، ٢٨٤.
[ ٣٢١ ]
٣٨٠ - فقد أراك في هذا كلِّه أنَّ الخبرَ محذوف، وقد نرى حُسْنَ الكلامِ وصحَّتَه مع حذفِه وترْكِ النطقِ به. ثم إنَّك إِنْ عمَدْتَ إلى "إِنَّ" فأسقطتَها، وجدْتَ الذي كان حسُنَ من حذفِ الخبرِ، لا يَحْسُنُ أو لا يَسوغُ. فلو قلت: "مال"، و"عدد" و"محل" و"مرتحل" و"غيرها إبلًا وشاءً" لم يكنْ شيئًا. وذلك أنَّ "إِنَّ" كانت السَّببَ في أنْ حَسُنَ حذفُ الذي حُذِفَ من الخَبر، وأنها حاضِنتُهُ، والمترجِمُ عنه، والمتكفل بشأنه.
بيان في شأن "إن"، و"الفاء" التي يحتاج إليها إذا أسقطت "إن":
٣٨١ - واعلمْ أنَّ الذي قلنا في "إنَّ" من أنَّها تدخلُ على الجُملة١، من شأنها إذا هي أُسقطتْ منها أن يُحتاجَ فيها إلى "الفاءِ"٢ لا يَطِّردُ في كلِّ شيءٍ وكلِّ موضعٍ، بل يكونُ في موضعٍ دونَ موضعٍ، وفي حالٍ دونَ حالٍ، فإِنك قد تَراها قد دَخَلتْ على الجملةِ ليستْ هي مما يَقْتضي "الفاءَ"، وذلك فيما لا يُحصى كقولهِ تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ، فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾، وذاكَ أنَّ قبله ﴿إِنَّ هَذَا مَا كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُون﴾ [الدخان: ٥٠ - ٥٢]. ومعلومٌ أنَّك لو قلتَ: "إنَّ هذا ما كنتُم به تمترون، فالمتقون فيج ناب وعيونٍ"، لم يكنْ كلامًا وكذلك قولُه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾، لأنَّك لو قلتَ: ﴿لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لا يَسْمَعُونَ﴾ [الأنبياءِ١٠٠ - ١٠١] فالذين سبقت لهم من الحسنى، لم تَجِدْ لإِدخالِك "الفاء" فيه وجهًا وكذا قولُه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الحج: ٨٧]، ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾
_________________
(١) ١ في "ج": "تدخل على المبتدإ"، والسياق يأباه. ٢ السياق: و"اعلم أن الذي قلنا في "إن" لا يطرد".
[ ٣٢٢ ]
اسم "إنَّ"، وما بعدَه معطوفٌ عليه، وقولُه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ ١ جملةٌ في موضعِ الخبرِ، ودخولُ "الفاء" فيها محالٌ، لأنَّ الخَبر لا يُعطَف على المبتدأ، ومثلُه سواءٌ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٣٠].
٣٨٢ - فإذنْ، إنما يكونُ الذي ذكَرْنا في الجملة من حديثِ اقتضاءِ "الفاءِ"، إذا كان مصدرُها مصدرَ الكلام يُصحَّحُ به ما قبلَه، ويُحْتَجُ له، ويُبَيَّنُ وجهُ الفائدة. فيه. ألاَ ترى أنَّ الغرضَ من قوله:
إنَّ ذاكَ النجاحَ في التبكير٢
جُلُّه أن يُبيِّن المعنى في قوله لصاحبيه: "بَكِّرا"، وأن يحْتجَّ لنفسه في الأَمرِ بالتبكير، ويُبيَّنَ وَجْهَ الفائدةِ فيه؟
وكذلكَ الحكْم في الآي التي تَلَوْناها فقولُه: ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ ٣، بيانٌ للمعنى في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾، ولِمَ أُمروا بأَنْ يَتَّقُوا وكذلك قولُه: ﴿إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ ٣، بيانٌ للمعنى في أمر النبي ﷺ بالصلاة، أي بالدعاء لهم. وهذا سبيلُ كلِّ ما أنتَ تَرى فيه الجملةَ يُحتاجُ فيها إلى "الفاء"، فاعرفْ ذلك.
٣٨٣ - فأمَّا الذي ذُكر عن أبي العباس٤، مِنْ جَعْله لها جواب
_________________
(١) ١ من أول قوله: "إن الذي آمننوا: اسم إن "، إلى هنا من "س" وحدها. ٢ انظر ما سلف رقم: ٣٧٢. ٣ انظر ما سلف رقم: ٣٧٣. ٤ انظر رقم: ٣٧١.
[ ٣٢٣ ]
سائلٍ إذا كانتْ وحدَها، وجوابَ مُنْكِر إذا كان معها اللامُ، فالذي يدلُّ على أنَّ لها أصْلًا في الجوابِ، أنَّا رأيناهُمْ قد ألزمُوها الجملةَ من المبتدأ والخبر إذا كانت جوابًا للقَسَم، نحو: "واللهِ إِنَّ زيدًا مُنْطلِقٌ" وامتنعوا مِنْ أن يقولوا: "واللهِ زيدٌ منطِلقٌ".
مجيء "إن" في الجواب عن سؤال سائل، وأمثلته:
٣٨٤ - ثم إنَّا إذا استقرَيْنا الكلامَ وجَدْنا الأمرَ بيِّنًا في الكثير من مواقِعها، أنه يُقصَدُ بها إلى الجوابِ كقولهِ تعالى: ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا، إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ﴾ [الكهف: ٨٣، ٨٤]، وكقولِه: ﷿ في أَوَّلِ السورة: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ﴾ [الكهف: ١٣]، وكقوله تعالى: ﴿فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٦]، وقولِه تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ٥٦]، [سورة غافر: ٦٦]، وقوله: ﴿وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ﴾ [الحجر: ٨٩]، وأشباه ذلك مما يعلم قبه أنَّه كلامٌ أُمِرَ النَّبيُّ ﷺ بأن يُجيبَ به الكفارَ في بعضِ ما جادَلوا وناظَروا فيه. وعلى ذلكَ قولُه تعالى: ﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٦]، وذاك أنَّه يَعْلم أنَّ المعنى: فأتياهُ، فإِذا قالَ لَكُما ما شأْنُكُما؟ وما جاءَ بكُما؟ وما تقولانِ؟ فقُولا: إنَّا رسولُ ربِّ العالمينَ. وكذا قولُه: ﴿وَقَالَ مُوسَى يَا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ١٤]، هذا سبيلُهُ.
ومَنِ البيِّن في ذلك قولُه تعالى في قِصَّةِ السَّحَرة: ﴿قَالُوا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقلِبُونَ﴾ [الأعراف: ١٢٥]، وذلك لأنه عِيَانٌ أنه جوابُ فرعونَ عن قولِه: ﴿آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾ [الأعراف: ١٢٣]، فهذا هو وجْهُ القولِ في نُصْرةِ هذه الحكاية.
[ ٣٢٤ ]
بيان في "إن" ومجيئها للتأكيد:
٣٨٥ - ثم إنَّ الأصْلَ الذي ينبغي أنْ يكونَ عليه البناءُ، هو الذي دُوِّن في الكتبِ، من أنها للتأكيدِ، وإذا كانَ قد ثَبَت ذلكَ، فإِذا كان الخبرُ بأمْرٍ ليس للمخاطَبِ ظنٌّ في خِلافهِ البتَّةَ، ولا يكونُ قد عقد في نسه أنَّ الذي تزعُم أَنه كائنٌ غيرُ كائنٍ، وأنَّ الذي تزعُم أنه لم يكنْ كائنٌ فأنتَ لا تحتاجُ هناك إلى "إنَّ"، وإنما تحتاجُ إليها إذا كاَن له ظَنُّ في الخلاف، وعقد قلب على نفي ما ثبت أو إثبات ما ننفي. ولذلك تَراها تزدادُ حُسْنًا إذا كان الخبرُ بأمرٍ يَبْعُدُ مثْلُه في الظنِّ، وبشيءٍ قد جرتْ عادةُ الناسِ بخلافِهِ، كقول أبي نُوَاس:
عليكَ باليأسِ منَ الناسِ إنَّ غِنى نَفْسِك في الياسِ١
فقد تَرى حُسْنَ موقعِها، وكيف قبولُ النفسِ لها، وليسَ ذلك إلاَّ لأنَّ الغالِبَ على الناس أنهم لا يَحمِلون أنفسَهم على اليأس، ولا يدَعُونَ الرجاءَ والطمَعَ، ولا يعترفُ كلُّ أحدٍ ولا يُسلِّمُ أنَّ الغِنى في اليأس. فلمَّا كان كذلك، كان الموضعُ مَوْضعَ فقرٍ إلى التأكيدِ، فلذلك كان من حُسْنها ما تَرى.
ومثلُه سواءٌ قولُ محمد بن وهب:
أجَارتَنا إنَّ التَّعَفُّفَ باليَاسِ وصَبْرًا على اسْتِدْرارِ دُنْيا بإبْساسِ
حَرِيَّانِ أنْ لا يَقْذِفا بمذلَّةٍ كَريمًا وأنْ لا يُحوِجاهُ إلى الناسِ
أجارَتنا إنَّ القِداحَ كواذبٌ وأكْثرُ أَسْبابِ النّجاحِ معَ الياس٢
_________________
(١) ١ في ديوانه، في باب العتاب، وروايته هنا: "إن الغني ويحك في اليأس". ٢ هو في الأغاني ١٩: ٧٥، "الهيئة"، في خبر يدل على أن عدة أبيات القصيدة اثنان وسبعون بيتًا، يقولها في الحسن بن رجاء حين تولى الجبل. و"الإبساس" أن يمسح ضرع الناقة وصوت بها، لتسكن له وتذر، يريد الترفق بالدنيا إذا ضنت، حتى يأتي ما شاء الله من الرزق. وخبر "إن" هو قوا "حريان" في البيت الثاني. فالسياق: إن التعفف باليأس وإن صبرا على استدرار دنيا بإساس حريان".
[ ٣٢٥ ]
هو: كما لا يَخْفَى، كلامٌ معَ مَنْ لا يَرى أنَ الأمْرَ كما قال، بل يُنْكِرهُ ويَعْتقد خلافَه. ومعلومٌ أنه لم يقلْه إلاَّ والمرأةُ تَحْدوهُ وتبعثُه على التعرُّضِ للناس، وعلى الطلب.
"إن"، ومجيئها في التهكم، وشرطها إذا كانت في جواب سائل:
٣٨٦ - ومن لطيفِ مواقعِها أنْ يُدَّعى على المخاطَب ظَنَّ لم يظنَّه، ولكنْ يُرادُ التهكُّم به، وأنْ يُقالَ: "إنَ حالَكَ والذي صنَعْتَ يَقْتضي أن تكونَ قد ظننْتَ ذلكَ". ومثالُ ذلكَ الأول:
جاء شقيق عارضًا محه، إنَّ بَني عَمِّكَ فيهمْ رِماحْ١
يقولُ: إنَّ مجيئَه هكذا مُدِلًا بنَفْسِه وبشجاعَتِهِ قد وضعَ رمْحَه عرضًا، دليلٌ على إعجابٍ شديدٍ، وعلى اعتقاد منه أنه لا يقوم لهأحد، حتى كأنْ ليس مع أحدٍ منَّا رمحٌ يدفَعَهُ به، وكأنَّا كلَّنا عُزْلٌ.
وإِذا كان كذِلكَ، وَجَبَ إذا قيلَ أنَّها جوابُ سائلٍ، أنْ يُشْتَرَطَ فيه أنْ يكونَ للسائلِ ظنٌّ في المسئول عنه على خلافِ ما أنتَ تُجيبُهُ به. فأمَّا أَنْ يُجْعل مجرَّدُ الجوابِ أصْلًا فيه فلا، لأنه يؤدي إلى أنْ لا يَسْتقيم لنا إذا قال الرجلُ: "كيفَ زيد؟ " أنْ تقولَ: "صالحٌ"، وإِذا قال: "أينَ هو؟ " أن تقول: "في الدار" وأنْ لا يصحَّ حتى تقولَ: "إنه صالحٌ"، "وإنه في الدار"، وذلك ما لا يقولُه أحَد.
_________________
(١) ١ الشعر لخجل بن نضلة، أحد بني عمروبن عبد بن قتيبة بن معن بن أعصر، في البيان والتبيين ٣: ٣٤٠، والمؤتلف والمختلف: ٨٢.
[ ٣٢٦ ]
وأمَّا جعْلُها إذا جُمِعَ بينها وبين "اللام" نحو: "إنَّ عبدَ الله لقائم" للكلامِ مع المنكَّر، فجيِّدٌ، لأنَّه إذا كان الكلامُ مع المُنَكَّر، كانت الحاجةُ إلى التأكيدِ أشدَّ. وذلك أنَّك أحوجُ ما تكونُ إلى الزيادة في تثبيت خيرك، إذا كانَ هناك مَنْ يَدْفعُه ويُنْكِر صحَّتَه، إلاَّ أنه يَنبغي أن يُعْلَم أنه كما يكونُ للإنكارِ قد كانَ مِن السامعِ، فإِنه يكون للإنكار يعلم أو يرى أن يكون من السامعين. وجلمة الأمر أنك لا تقولُ: "إنَّه لكذلك"، حتى تريد أن تضع كلامك وضع من يزغ فيه عن الإنكار١.
"إن" تدخل للدلالة على أن ظنك الذي ظننت مردود:
٣٨٧ - واعْلَمْ أنها قد تَدْخلُ للدلالة على أنَّ الظنَّ قد كان منكَ أيُّها المتكلِّمُ في الذي كان أنَّه لا يكونُ. وذلك قولُكَ لِلشيءِ هو بمرأى من المُخاطَبِ ومَسْمع: "إنه كان من الأمْر ما تَرى، وكان منِّي إلى فلانٍ إحسانٌ ومعروفٌ، ثم إنه جَعلً جَزائي ما رأيْت"، فتجعلُكَ كأنك تَردُّ على نفْسِك ظَنَّكَ الذي ظنَنْتَ، وتُبيِّنُ الخطأ الذي توهَّمْتَ. وعلى ذلك، واللهُ أعلمُ، قولُه تعالى حكايةً عن أمِّ مريم ﵄: ﴿قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى والله أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾ [آل عمران: ٣٦]، وكذلك قولُه ﷿ حكايةً عن نوحٍ ﵇: ﴿قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُون﴾ [الشعراء: ١١٧]، وليس الذي يَعْرِضُ بسببِ هذا الحرفِ من الدقائق والأُمور الخفيَّةِ، بالشيء يُدْرَك بالهُوَينا. ونحن نَقْتصِر الآن على ما ذكَرْنا، ونأخذُ في القولِ عليها إذا اتصلتْ بها "ما".
_________________
(١) ١ "وزعه عن الأمر يزعه وزعًا"، كفه ورده، ودفعه عنه.
[ ٣٢٧ ]