فصل: هذا فَنٌّ من المجازِ لم نذكره فيما تقدم
بين في المجاز الحكمي، وأمثلته وهو كنز من كنوز البلاغة:
٣٤٧ - إِعلم أنَّ طريقَ المجازِ والاتِّساعِ في الذي ذكَرْناه قبلُ١، أنَّكَ ذكرتَ الكلمةَ وأنتَ لا تُريد معناها، ولكنْ تُريد معنىً ما هو رِدْفٌ له أو شبيهٌ، فتجوَّزْتَ بذلك في ذات الكلمة وفي اللفظ نفسه. وإذا قد عرفْتَ ذلكَ فاعلمْ أنَّ في الكلامِ مجازًا على غيرِ هذا السبيلِ، وهو أن يكونَ التجوُّزُ في حُكْم يَجْري على الكلمة فقط، وتكونَ الكلمةُ متروكةً على ظاهرِها، ويكونُ معناها مقصودًا في نفسهِ ومُرادًا مِنْ غَير توريةٍ ولا تعريض.
٣٤٨ - والمثالُ فيه قولُهم "نهارُك صائم وليلك قائم" و"نام ليلي وتجلَّى همي"، ٢ وقولُه تعالى: ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾ [البقرة: ١٦]، وقول الفرزدق:
سَقَتْهَا خُروقٌ في المَسامِع، لَمْ تَكُنْ عِلاطًا، ولا مخبوطة في الملاغم٣
_________________
(١) ١ انظر ما سلف من رقم: ٥٧، وما بعدها. ٢ "نام ليلى وتجلي همي"، سيأتي برقم: ٣٤٩، فانظره. ٣ ليس في ديوان الفرزدق، وهو له في الكامل للمبرد ١: ٤٥، وسيأتي رقم ٤٦٧ وفي المطبوعة وحدها: "سقاها" هنا وفيما سيأتي. والضمير في "سقتها" للإبل. و"العلاط" وسم يكون في عتق البعير عرضًا، خطأ أو خطين أو خطوطًا في كل جانب. و"الخياط" سمه فوق الحد، والناقة. "مخبوطة" عليها هذه السمة. و"الملاغم"، ما حول الفم مما يبلغه اللسان ويصل إليه، من اللغام"، وهو زيد أفواه الإبل. ويقول: لم تكن هذه سمات إبله، بل سماتها خروق في آذانها، فلما رآها الذائدون عن الحوض سقوها، وإنما يسقونها لعرة أصحابها. فكان الحروق في المسامع هي التي أوردتها الماء وكفت الذائدين عنها.
[ ٢٩٣ ]
أنت ترى مجازًا في هذا كلِّه، ولكنْ لا في ذَواتِ الكَلِم وأنْفُس الألفاظِ، ولكنْ في أحكامٍ أُجْرِيَتْ عليها. أفلاَ تَرى أنك لم تتجوَّز في قولك: "نهارُكَ صائمٌ وليلُك قائم" في نفس "صائم، و"قائم"، ولكنْ في أنْ أجْرَيْتَهما خَبَرَيْنِ على النَّهارِ والليلِ. وكذلك ليس المجازُ في الآية في لفظة "ربحتْ" نفسِها، ولكن في إِسنادها إِلى التجارة. وهكذا الحكمُ في قولهِ: "سقتها خروق" ليس التجوّزُ في نفس "سقتها"، ولكنْ في أن أسْنَدَها إِلى الخُروق. أفلا ترى أنك لا تَرى شيئًا منها إلاَّ وقد أريدَ به معناه الذي وُضِع له على وجهِه وحقيقتِه، فلم يُرِدْ بصائمٍ غيرَ الصَّوْمِ، ولا بقائمٍ غيرَ القيام، ولا بربحت غير الريح، ولا بسقت غير السقى، كما أريد "بسالت" في قوله:
وسالتْ بأعناقِ المطيِّ الأباطِحُ١
غيرَ السَّيْلِ.
٣٤٩ - واعلمْ أنَّ الذي ذكرتُ لك في المجاز هناك٢، مِنْ أنَّ مِنْ شأنِه أنْ يفْخُمَ عليه المعنى وتحدُثَ فيه النباهةُ، قائمٌ لك مثلُه ههنا، فليس يَشْتَبِه عَلى عاقلٍ أنْ ليس حالُ المعنى وموقعه في قوله:
فنامَ لَيْلي وتجلَّى همِّي٣
كحالِه وموقِعِه إذا أنتَ تركتَ المجازَ وقلتَ: "فنمتُ في ليلي وتجلى
_________________
(١) ١ سلف في رقم: ٧٠. ٢ يعني فيما سلف رقم: ٥٧، وما بعده. ٣ هو رجز رؤية في ديوانه، يقوله للحارث بن سليم، وقبله: حارث، وقد فرجت عني غمي
[ ٢٩٤ ]
همِّي"، كما لم يكنِ الحالُ في قولكُ: "رأيتُ أسدًا"، كالحالِ في "رأيتُ رجلًا كالأسدِ". ومَنْ الذي يَخْفى عليه مكانُ العُلُوِّ وموضِعُ المزية وصورةُ الفُرقان بينَ قولِه تعالى ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾، وبينَ أنْ يُقال: "فما رَبحوا في تجارتِهم؟ ".
٣٥٠ - وإنْ أردتَ أَنْ تزدادَ للأمرِ تَبيُّنًا، فانظر إلى بيت الفرزدق:
يَحْمي إذا اختُرِطَ السيوفُ نِساءَنا ضَرْبٌ تطيرُ لَه السواعدُ أرعَلُ١
وإلى رَونِقه ومائِه، وإلى ما عليه مِنَ الطَّلاوة. ثم ارْجِع إلى الذي هو الحقيقةُ وقُل: "نحمي إذا اخْتُرِطَ السيوفُ نساءَنا بضربٍ تطيرُ له السواعدُ أرعلِ"، ثم اسْبرْ حالَكَ؟ هل ترَى مما كنتَ تراه شيئًا؟
٣٥١ - وهذا الضربُ منَ المجاز على حدَّته كنزٌ من كنوزِ البلاغةِ، ومادَّةُ الشاعرِ المُفْلِق والكاتبِ البليغِ في الإِبداع والإحسانِ، والاتِّساع في طرقِ البيان، وأنْ يجيءَ بالكلام مَطبوعًا مصنوعًا، وأن يضَعه بَعيدَ المرامِ، قريبًا منَ الأفهامِ. ولا يَغُرَّنَّكَ مِنْ أمرِه أنَّك تَرى الرجُلَ يقولُ: "أتى بيَ الشوقُ إلى لقائكَ، وسارَ بيَ الحنينُ إلى رؤيتك، وأقدَمني بلدَك حقٌّ لي على إنسان"، وأشباهُ ذلك مما تَجدُه لِسَعَته وشُهْرته يَجْري مَجْرى الحقيقةِ التي لا يُشْكِلُ أمرُها، فليس هو كذلك أبدًا، بل يَدِقُّ ويَلْطُفُ حتى يَمْتِنعَ مثْلُه إلاَّ على الشاعرِ المُفْلِقِ، والكاتبِ البليغِ، وحتى يأتيَك بالبِدعةِ لم تَعرفْها، والنادرةِ تأنَقُ لها.
_________________
(١) ١ البيت في ديوانه، و"اخترط السيف"، و"أرعل"، يريد ضرب أهوج لا يبالي ما أصاب، ومثله "أرعن".
[ ٢٩٥ ]
٣٥٢ - وجملةُ الأمرِ أنَّ سبيلَه سبيلُ الضرْبِ الأولِ الذي هو مجازٌ في نفسِ اللفظ وذاتِ الكلمة، فكما أنَّ مِن الاستعارة والتَّمثيل عاميَّا مثل: "رأيت أسدًا" و"وردت بحرًا"، و"شاهدت بدرًا"، و"سل من رأيه سيفًا ماضيًا"١، وخاصّيًا لا يكمُلُ له كل أحد، مثله قوله:
وسالتْ بأعْناقِ المطيِّ الأباطحُ٢
كذلك الأمرُ في هذا المجازِ الحُكْميِّ.
٣٥٣ - واعلمْ أنه ليس بواجبٍ في هذا أن يكونَ للفعل فاعلٌ في التقدير إذا أنتَ نَقَلْتَ الفعلَ إليه عدْتَ به إلى الحقيقة، مثلَ أنَّكَ تقول في: ﴿رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾ [البقرة: ١٦] ٣ "ربحوا في تجارتهم"، وفي "يحمي نسائنا ضَرْبٌ"٤، "نَحمي نساءنا بضرب" فإِنَّ ذلك لا يتأتَّى في كلِّ شيءٍ. ألا تَرَى أنه لا يُمكِنُكَ أن تُثْبِتَ للفعل في قولك: "أقدَمني بلدَك حقٌّ لي على إنسان"٥، فاعلًا سوى الحقِّ، وكذلك لا تستطيعُ في قولهِ:
وصيَّرني هَواكِ وَبي لِحَيني يُضْرَبُ المَثَلُ٦
وقوله:
يزيدُكَ وجْهُهُ حُسْنًا إِذا ما زِدْتَه نَظَرا٧
_________________
(١) ١ "ماضيًا"، من "ج" و"س". ٢ مضى برقم: ٣٤٨. ٣ انظر رقم: ٣٤٧، ٣٤٩. ٤ انظر رقم: ٣٤٩. ٥ انظر رقم: ٣٥١. ٦ انظر الشعر في الفقرة رقم: ٨٢، لابن البواب، ولغيره. ٧ لأبي نواس في ديوانه.
[ ٢٩٦ ]
أنْ تزعُمَ أنَّ "لصيَّرني" فاعلًا قد نُقِلَ عنه الفعلُ، فجُعِلَ "للهوى" كما فُعِلَ ذلك في "ربحت تجارتهم" و"يحمي نساءنا ضرْبُ"، ولا تستطيعُ كذلك أن تُقدِّر "ليزيد" في قوله: "يزيدُك وجهُه" فاعلًا غيرَ "الوجهِ"، فالاعتبار إذنْ بأنْ يكونَ المعنى الذي يرجِعُ إليه الفعلُ موجودًا في الكلام على حقيقته.
معنى ذلك أن "القدوم" في قولك: "أقدمي بلدَك حقٌّ لي على إنسان"، موجودٌ على الحقيقة، وكذلك "الصيرورةُ" في قوله: "وصيَّرني هواك"، و"الزيادة" في قوله: "يزيدُك وجهُه" موجودتان على الحقيقة، وإذا كان معنى اللفظِ موجودًا على الحقيقةِ، لم يكُنِ المجازُ فيه نَفْسَه، وإِذا لم يكنِ المجازُ في نفسِ اللفظِ، كان لا مَحالة في الحُكْم. فاعرفْ هذه الجملةَ، وأَحْسِنْ ضبْطَها، حتى تكونَ على بصيرةٍ من الأمر.
٣٥٤ - ومنَ اللطيف في ذلك قولُ حاجزِ بنِ عوف:
أَبي عَبَرَ الفوارسَ يومَ دَاجٍ وعمِّي مالكٌ وضع السهاما
فلو صاحبتنا لرضيت منا إذا لم تعبق المائة الغلاما١
_________________
(١) ١ حاجز بن عوف بن الحارث الأردي، جاهلي صعلوك عداء، والشعر في الأغاني ١٣: ٢١٠، ٢١١ ورواية صاحب الأغاني "أبي ربع الفواس "، أي أخذ ربع الغنائم. وأما "عبر الفرواس"، كما هنا، فهي بمعنى، استدل لهم حتى يعرف من أمرهم ما يعنيه، وذلك لأن أباه قال لأصحابه: "انزلوا حتى أعبتر لكم" و"يوم داج"، قال صاحب الأغاني، أغار عوف بن الحارث على بني هلال بن عامر بن صعصعة في يوم داج مظلم"، والذي يظهر أن "داج" اسم موضع، والله أعلم. وقوله "وعمي مالك"، فقال صاحب الأغاني هو "عم أبيه: مالك بن ذهل بن سلامان الأزدي" ثم فسر قوله: "وضع السهاما"، في قصة طويلة. وقوله: "لم تغبق المئة"، هو من "الغبوق"، وهو شرب اللبن آخر النهار. وشرحه الشيخ بعد. وفي المطبوعة وحدها "لرضيت عنا".
[ ٢٩٧ ]
يُريد إذا كان العامُ عامَ جَدْب وجفَّت ضروعُ الإبل، وانقطع الدَّرُّ، حتى إن حلَبَ منها مئةٌ لم يَحْصل من لبنها ما يكونُ غَبُوقَ غلامٍ واحدٍ. فالفعلُ الذي هو "غبَق" مستعملٌ في نفسه على حقيقته، غيرَ مخرج من معناهُ وأصْلِه إلى معنى شيءٍ آخر، فيكونُ قد دخلَه مجازٌ في نفسِه، وإنما المجازُ في أن أُسنِد إلى الإِبلِ وجُعِل فِعْلًا لها، وإسنادُ الفعلِ إلى الشيءِ حُكْم في الفعلِ، وليس هو نفسَ معنى الفعلِ، فاعرفْه.
ليس كل شيء يصلح للمجاز الحكمي بسهولة، ومثال ذلك:
٣٥٥ - واعلمْ أنَّ مِن سبَب اللطفِ في ذلك أنَّه ليس كلُّ شيء يَصْلُح لأن يُتعاطى فيه هذا المجازُ الحُكْمي بسهولةٍ، بل تَجدُك في كثيرٍ من الأمر، وأنتَ تحتاجُ إلى أن تُهيِّئَ الشيءَ وتصلِحَه لذلك، بشيءٍ تتوخاه في النظْم. وإنْ أرَدْت مثالًا في ذلك فانظْر إلى قوله:
تناسَ طِلابَ العامِريَّة إذْ نأتْ بأسْجَحَ مِرْقالِ الضُّحَى قَلقِ الضَّفْرِ
إذا ما أحسَّتْهُ الأفاعي تحيَّزتْ شواةُ الأفاعي مِنْ مُثَلَّمةٍ سُمْرِ
تجوبُ له الظَّلْماءَ عينٌ كأنَّها زجاجةُ شَرْبٍ غيرُ مَلأى ولا صِفْرِ١
يَصِفُ جَملًا، ويريد أنه يهتديَ بنورِ عينِه في الظلْماءِ، ويُمكنه بها أن يَخْرُقَها ويمضيَ فيها، ولولاها لكانتِ الظلماءُ كالسدِّ والحاجزِ الذي لا يجد شيئًا
_________________
(١) ١ "أسجح"، يعني خده، قليل اللحم سهل طويل، يعني بعيرًا. و"مرقال الضحى"، كثيرة الإرقال. وهو سرعة السير، و"فلق الضفر"، وهو ما شددت به البعير من الشعر المضفور، وقلق لضمره من طول السير. و"تحيزت الأفعى، وتحوزت، وانحازت"، تلوت وتقبضت وتحرقت. و"شواة الأفعى" يعني جلدها. و"المثلمة" التي انسكر حرفها، يعني مناسم البعير.
[ ٢٩٨ ]
يفرجه به، ويجعل لنفسه فيه سبيلًا. فأت الآن تعلم أن لولا أنه قال: "تجوبُ له": فعلَّق "له الحبوب، لَمَا صلحَتْ "العَينُ" لأن يُسْنَد "تجوب" إليها، ولكان لا تَتَبَيَّنُ جهةَ التجوُّز في جعْل "تجوب" فعَلًا للعين كما ينبغي. وكذلك تَعْلم أنه لو قال مثلًا: "تجوبُ له الظلماءَ عينُه"، لم يكنْ له هذا الموقعُ، ولاضطْرَبَ عليه معناهُ، وانقَطَع السِّلْكُ من حيثُ كان يَعيبه حينئذٍ أن يَصِفَ العينَ بما وصفَها به الآنَ١ فتأملْ هذا واعتَبِرْهُ. فهذه التهيئةُ وهذا الاستعدادُ في هذا المجاز الحُكْمي، نظيرُ أنك تَراك في الاستعارةِ التي هي مجازٌ في نفسِ الكلمةِ وأنتَ تحتاجُ في الأمر الأكثرِ إلى أنْ تُمهِّد لها وتُقدِّم أو تؤخِّر ما يُعْلَمُ به أَنكَ مستعيرٌ ومُشبِّهٌ، ويُفتَحُ طريقُ المجاز إلى الكلمة.
٣٥٦ - ألا تَرى إلى قوله:
وصاعقةٍ من نَصْلِه يَنْكفي بها عَلى أَرْؤُسِ الأقرانِ خمسُ سحائبِ٢
عنَى بخمسِ السحائبِ، أناملَه، ولكنه لم يأتِ بهذه الاستعارة دفعةَ، ولم يَرْمها إليك بغْتةً، بل ذكر ما يُنْبئ عنها، ويُسْتَدلُّ به عليها، فذكَر أن هناكَ صاعقةً، وقال: "مِنْ نصلِه"، فبيَّن أنَّ تلك الصاعقة من نصل سيفه ثم قال: "أروس الأقرانِ"، ثم قال: "خمسُ"، فذكر "الخمسَ" التي هي عدَدُ أناملِ اليدِ، فبانَ مِن مجموعِ هذه الأمور غرضه.
٣٥٧ - وأنشدوا لبعض العرب:
فإنْ تعافُوا العدلَ والإيْمانا فإنَّ في أيْمَاننا نيرانا٣
_________________
(١) ١ في المطبوعة: "يعيبه"، وفي "س": "يعينه". ٢ هو للبحتري في ديوانه. ٣ الرجز في الخصائص ٣: ١٧٦، ومعاهد التنصيص ٢: ١٣١ غير منسوب.
[ ٢٩٩ ]
يريدُ أنَّ في أيماننا سيوفًا نَضْربكُم بها، ولولا قولُه أوَّلًا: "فإِنْ تعافوا العدلَ والإيمانَ"، وأنَّ في ذلك دلالةً على أنَّ جوابَه أنَّهم يُحَارَبُون ويُقْسَرُون على الطاعةِ بالسيفِ، ثم قولُه: "فإنَّ في أيماننا"، لمَا عُقِلَ مرادُه، ولما جازَ له أنْ يَستعيرَ النيرانَ للسيوفِ، لأنه كان لا يَعْقِل الذي يُريد، لأنَّا وإنْ كنَّا نقول: "وفي أيديهم سيوفٌ تلمع كأَنها شُعَلُ نارٍ"١ كما قال:
ناهضتَهُمْ والبارقاتُ كأنَّها شُعَلٌ على أيديهِمُ تَتَلهَّبُ٢
فإنَّ هذا التشبيه لا يبلُغُ مَبْلَغَ ما يُعْرَفُ مَعَ الإِطلاق، كمعرفتنا إذا قال: "رأيتُ أسدًا"، أنهُ يُريد الشجاعةَ، وإذا قال: "لقيتُ شمسًا وبدرًا"، أنه يُريدُ الحُسْنَ ولا يقوى تلك القوة، فاعرفه٣.
ضرب مما طريق المجاز فيه، هو "الحكم"، ومثال وبيانه:
٣٥٨ - وممَّا طريقُ المَجاز فيه الحكْمُ، قولُ الخنساء:
تَرْتَعُ ما رتعَتْ، حَتّى إذا ادَّكَرَتْ فإنَّما هيَ إقْبالٌ وإِدبارُ٤
وذاك أنها لم تُرِدْ بالإِقبال والإِدبارِ غيرَ معناهُما، فتكونَ قد تجوَّزت في نفسِ الكلمةِ، وإنما تجوَّزَتْ في أَنْ جعلَتْها لكثرةِ ما تُقبِلُ وتُدْبِرُ، ولِغَلَبة ذاكَ عليها واتصاله منها٥، وإنه لم يكن لها حال غيرها، كأنها قد تجسمت من الإقبال
_________________
(١) ١ في المطبوعة وحدها: "شغل النيران". ٢ هو للبحتري في ديوانه. ٣ السياق "فإن هذا التشبيه لا يلغ مبلغ ما يعرف ولا يقوى تلك القوة". ٤ هو في ديوانها، تقوله في بقرة وحشية فقدت ولدها، وأدنوا إليها "بوا"، فحنت، وقبله: فما عجول على بو تطيف به لها حنينان إصغار وإكبار ٥ في "المطبوعة، و"س": "واتصاله بها".
[ ٣٠٠ ]
والإِدبارِ. وإِنما كان يكونُ المجازُ في نفْس الكلمةِ، لو أنها كانت قد استعارتِ "الإقبالَ والإدبارَ" لمعنىً غيرِ معناهُما الذي وُضعا له في اللغة. ومعلومٌ أنْ ليس الاستعارةُ مما أرادته في شيء.
تنبيه على فساد من جعل هذا المجاز من باب ما حذف منه المضاف، وأقيم المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه:
٣٥٩ - واعلمْ أنْ ليس بالوجهِ أنْ يُعَدَّ هذا على الإِطلاق مَعدَّ ما حُذِفَ منه المضافُ وأقيمَ المضافُ إليه مُقامه، مثلَ قولِه ﷿: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَة﴾ [يوسف: ٨٢]، ومثل قول النابغة الجعدي:
وكيفَ تُواصِلُ مَنْ أصْبَحَتْ خُلاَلَتُهُ كأَبي مَرْحَبِ١
وقول الأعرابي:
حَسِبْتَ بُغَام راحلتي عنَاقا وما هيَ وَيْبَ غَيْرِك بالعَنَاقِ٢
وإنْ كنَّا نراهُم يذكرونَه حيثُ يذكرون حذف المضاف٣، ويقولون
_________________
(١) ١ في مجموع شعره، و"الخلالة" الصداقة، و"أبو مرحب"، كنية الذئب. ويقال: "أبو مرحب" للرجل الحسن الوجه، يلقاك ببشره، وباطنه خلاف ما نرى، أكنه الذي يقول لك: "مرحبًا"، بلسانه، وقلبه غير مرحب. وكان في "ج": "من أبي مرحب" وذكر الأخرى في الهامش. ٢ الشعر لذى الخرق الطهوى، يخاطب الذئب، في نوادر أبي زيد: ١١٦، ومجالس ثعلب: ٧٦، ١٨٥، وتفسير الطبري ٣: ١٠٣، يقولها لذئب تبعه في طريقه، وقيل البيت: ألم تعجب لذئب باتب يسرى ليؤذن صاحبًا له باللحاق و"البغام"، صوت الظبية والناقة وحنينهما. و"العتاق": أنثى المعز، وفي هامش المطبوعة بخط الناسخ ما نصه: "يخاطب ذئبًا، أي حسبت ناقتي عناقًا، وبغامها بغام عناق" ٣ الضمير في "يذكرونه" لبيت الخنساء في الفقرة السالفة
[ ٣٠١ ]
إنه في تقدير: "فإِنما هي ذاتُ إقبالٍ وإدبارٍ"، ذاكَ لأنَّ المضافَ المحذوفَ مِن نحوِ الآية والبيتينِ، في سبيل ما يُحْذفُ من اللفظِ ويُرادُ في المعنى، كمثل أن يُحْذَفَ خبر المبتدإ والمبتدأ، إذا دَلَّ الدليلُ عليه إلى سائرِ ما إذا حُذِفَ كان في حكْم المنطوق به.
وليس الأمرُ كذلك في بيتِ الخنساء، لأنَّا إِذا جعلْنا المعنى فيه الآن كالمعنى إِذا نحنُ قلنا: "فإِنما هي ذاتُ إقبالٍ وإدبارٍ"، أفسَدْنا الشِّعرَ على أنفسِنا وخرَجْنا إلى شيءٍ معسول، وإلى كلامٍ عامِّيٍّ مرذولٍ، وكان سبيلُنا سبيلَ من يزعم مثلًا في بيت المتبني:
بدَتْ قَمرًا، ومالتْ خُوطَ بانٍ، وفاحَتْ عَنْبَرًا، ورنَتْ غَزالا١
أَنه في تقديرِ محذوفٍ، وأنَّ معناه الآن كالمعنى إذا قلتَ: "بدتْ مثلَ قمرٍ، ومالتْ مثلَ خوطِ بانٍ، وفاحَتْ مثلَ عنبرٍ، ورَنَتْ مثلَ غَزالٍ"، في أنَّا نَخْرجُ إلى الغَثاثة، وإلى شيءٍ يَعْزِلُ البلاغةَ عن سلطانها، ويخْفِضُ من شأنها، ويَصُدُّ أوجُهَنا عن محاسنها، ويسد باب المعرفة وبلطائفها علينا.
فالوجْهُ أن يكون تقديرُ المضافِ في هذا على المعنى أنه لو كان الكلامُ قد جيءَ بهِ على ظاهرهِ ولم يُقْصدْ إلى الذي ذكرنا من المبالغة والاتِّساع، وأنْ تُجْعَلَ الناقةُ كأَنها قد صارتْ بجملتها إقبالًا وإدبارًا، حتى كأَنها قد تجسَّمَتْ منهما، لَكانَ حقُّه حينئذٍ أن يُجاء فيه بلفظِ "الذاتِ" فيُقال: "إنما هي ذاتُ إقبالٍ وإدبارٍ". فأَمَّا أن يكونَ الشعرُ الآن موضوعًا على إرادةِ ذلك وعلى تنزيلهِ منزلةَ المنطوقِ به حتى يكونَ الحالُ فيه كالحال في:
_________________
(١) ١ هو في ديوانه.
[ ٣٠٢ ]
حسبتَ بُغَامَ راحِلتي عَناقًا
حينَ كان المعنى والقصْدُ أن يقولَ: "حسبتَ بغامَ رَاحلتي بغامَ عناق"١، فمما لا مساغَ له عندَ مَنْ كان صحيحَ الذوق صحيح المعرفة نسابة للمعاني.
_________________
(١) ١ السياق: "فأَمَّا أن يكونَ الشعرُ الآن موضوعًا على إرادة ذلك فمما لا مساغ له".
[ ٣٠٣ ]