فصل: إرادة معنى بعبارتين، ما معناه:
٣٠٠ - لا يكونُ لإِحدى العبارتين مزيةٌ عَلَى الأُخرى، حتى يكونَ لها في المعنى تأثيرٌ لا يكونُ لصاحبتها.
فإِنْ قلتَ: فإِذا أفادتْ هذه ما لا تُفيدُ تلكَ، فليسَتا عبارتَيْنِ عَنْ معنى واحدٍ، بل هما عبارتان عن معنَيَيْن اثنينِ.
قيل لكَ: إنَّ قولَنا "المعنى" في مثل هذا، يُرادُ به الغرضُ، والذي أرادَ المتكلمُ أن يُثْبته أو يَنْفِيَه، نَحْو إنْ تَقْصد تشبيهَ الرجلِ بالأسد فتقولَ "زيدٌ كالأسد"، ثم تريدُ هذا المعنى بعينهِ فتقولُ: "كأن زيدًا الأسدُ"، فتُفيدُ تشبيهَهُ أيضًا بالأَسد، إلاَّ أنك تَزيدُ في معنى تشبيهِهِ به زيادةً لم تَكُنْ في الأولِ، وهي أنْ تَجعله من فَرْط شَجاعته وقوةِ قَلْبه، وأنه لا يَرُوعُه شيءٌ، بحيث لا يتَميَّزُ عن الأسدِ، ولا يُقَصِّر عنه، حتى يتوَّهم أنه أسدٌ في صورة آدميٍّ.
وإِذا كان هذا كذلك، فانظرْ هل كانت هذه الزيادةُ وهذا الفرقُ إلاَّ بما تُوَخِّيَ في نظمِ اللفظِ وترتيبهِ، حيثَ قُدِّم "الكافُ" إِلى صدرِ الكلامِ ورُكِّبتْ مع "أنَّ"؟ وإِذا لم يكنْ إِلى الشكِّ سبيلٌ أنَّ ذلكَ كانَ بالنظم، فاجعلْه العِبْرَة في الكلام كله، ورضى نَفْسَك على تفهُّم ذلكَ وتَتبُّعه، واجعلْ فيها أنك تزاولُ منه أمْرًا عظيمًا لاَ يُقادَرُ قَدْرُه، وتَدخُلُ في بحرٍ عميقٍ لا يُدْرَك قعرُه.
[ ٢٥٨ ]
فصل: هو فَنٌّ آخره يرجع إلى هذا الكلام
تفصيل آخر، في العبارتين ترى أنهما يؤديان غرضا واحدا:
٣٠١ - قد عُلِمَ أنَّ المُعارِضَ للكلام معارِضٌ له من الجهة التي منها ويوصف بأنه فَصيحٌ وبَليغٌ، ومتخيَّر اللفظُ جيدُ السبْكِ، ونحوُ ذلك من الأوصافِ التي نَسَبُوها إلى اللفظِ. وإذا كان هذا هكذا، فبِنا أنْ نَنْظرَ فيما إِذا أُتيَ به كان مُعارضًا ما هوَ؟ أهو أنْ يجيءَ بلفظٍ فيضعَه مكانَ لفظٍ آخرَ، نحوُ أنْ يقولَ بدلَ "أسدٍ" "ليثٌ"، وبدلَ "بَعُدَ" "نأى"، ومكانَ "قرُبَ" "دنا"، أمْ ذلك ما لا يذهبُ إليه عاقلٌ ولا يقولُه مَنْ به طَرْقٌ؟ ١ كيفَ؟ ولَوْ كان ذلك معارَضةً لكان الناسُ لا يَفصلِون بين الترجمةِ والمعارَضَة، ولكان كلُّ مَنْ فَسَّرَ كلامًا معارِضًا له. وإِذا بطَل أن يكونَ جهةً للمعارَضَة، وأن يكونَ الواضِعُ نفسُه في هذِه المنزلةِ معارِضًا على وجهٍ منَ الوجوهِ، علمتَ أنَّ الفصاحةَ والبلاغةَ وسائرَ ما يَجري في طريقِهما أوصافٌ راجعةٌ إلى المعاني، وإلى ما يُدَلُّ عليه بالألفاظِ، دونَ الألفاظِ أنفُسِها، لأنه إذا لم يكنْ في القسمةِ إِلا المعاني والألفاظُ، وكانَ لا يُعْقَل تعارضٌ في الألفاظِ المجرَّدة٢، إِلا ما ذكرتُ، لم يَبْقَ إلا أنْ تكونَ المعارضةُ معارضةً من جهةٍ تَرجعُ إِلى معاني الكلام المعقولةِ، دون ألفاظِه المسموعَةِ. وإِذا عادتِ المعارضةُ إِلى جهةِ المعنى، وكانَ الكلامُ يعارَض من حيثُ هو فَصيحٌ وبليغٌ ومُتخيَّرُ اللفظِ، حصَلَ من ذلك "الفصاحة" و"البلاغة" و"تخير اللفظ" عبارة عن خصائص ووجوه تكون
_________________
(١) ١ "طرق"، بكسر الطاء، قوة، وأصله السمن والشحم. ٢ في "س": "معارض"، وفي هامشها "تعارض"، نسخة أخرى.
[ ٢٥٩ ]
معاني الكلامِ عليها، وعن زياداتٍ تَحْدثُ في أصولِ المعاني، كالذي أريتُكَ فيما بينَ "زيدٌ كالأسد" و"كأنَّ زيدًا الأسدُ"، وبأنْ لا نَصيبَ للألفاظِ من حيثُ هي ألفاظٌ فيها بوجهٍ من الوُجوه.
٣٠٢ - واعلمْ أنك لا تَشْفي الغُلَّة ولا تنْتهي إِلى ثلجِ اليقينِ، حتى تتجاوزَ حدَّ العلمِ بالشيء مجْملًا، إِلى العِلْم به مفصَّلًا، وحتَّى لا يُقْنِعَك إِلاّ النظرُ في زواياهُ، والتَّغلغلُ في مكامنه، وحتى تكون كمَنْ تتَبَّع الماءَ حتى عرَفَ منْبَعهَ، وانتهى في البحثِ عن جوهرِ العُود الذي يُصْنَع فيه إِلى أنْ يعْرِفَ منْبِتَه، ومَجرى عُروقِ الشجرِ، الذي هو منه، وإنَّا لنراهُم يقيسونَ الكلامَ في معنى المعارَضة على الأعمالِ الصناعيةِ، كنَسْج الديباجِ وصَوْغِ الشَّنْفِ والسِّوَار وأنواعِ ما يُصاغُ١، وكلِّ ما هو صَنْعةٌ وعملُ يَدٍِ، بعد أن يَبلُغَ مبلغًا يقعُ التفاضُلُ فيه، ثم يَعظُم حتى يَزيدَ فيه الصانعُ على الصانِع زيادةً يكونُ له بها صيتٌ، ويدخُلُ في حدِّ ما يَعْجَزُ عنه الأكثرونَ.
وهذا القياسُ، وإِن كان قياسًا ظاهِرًا معلومًا، وكالشيءِ المركوزِ في الطباعِ، حتى ترَى العامَّةَ فيه كالخاصَّة فإنَّ فيه أمرًا يجبُ العلمُ به: وهو أنه يُتصوَّر أنْ يَبْدأ هذا فيَعْمل ديباجًا ويُبْدِعَ في نقشِه وتصويره، فيجيءُ آخرُ ويَعْمل ديباجًا آخرَ مثْلَه في نقْشهِ وهيئتِه وجملةِ صفتِه، حتى لا يَفْصِلَ الرائي بينهما، ولا يقَعَ لمن لم يَعْرِفْ القصةَ ولم يَخْبُر الحالَ إلا أنهما صنعةُ رجلٍ واحدٍ، وخارجان من تحت يدٍ واحدةٍ. وهكذا الحكْم في سائرِ المصنوعاتِ، كالسِّوار يَصوغُه هذا، ويجيءُ ذاكَ فيعمل سوارًا مثله، ويؤدي صفته كما هي٢، حتى لا يُغادِرَ منها شيئًا البتة.
_________________
(١) ١ "الشنف"، القرط يلبس في أعلى الأذن، أو القرط عامة، والجمع "شنوف وأشناف". ٢ في المطبوعة: "صنعته"، وعند رشيد رضا في نسخة أخرى كما هنا.
[ ٢٦٠ ]
٣٠٣ - وليس يُتَصوَّر مثلُ ذلك في الكلامِ، لأنه لا سبيلَ إِلى أن تجيء إلى معنى بيتٍ مِنَ الشعرٍ، أو فْصِلٍ منَ النثرِ، فتؤديه بعينه وعلى خاصيته وصفته بعبارةأخرى١، حتى يكونَ المفهومُ مِن هذهِ هو المفهومُ مِن تلكَ، لا يُخالِفُه في صِفَةٍ ولا وَجْهٍ ولا أمرٍ من الأُمور. ولا يَغُرَّنَّكَ قولُ الناسِ: "قد أتى بالمعنى بعينِه، وأخَذَ معنى كلامِهِ فأَدَّاهُ على وجههِ"، فإِنه تَسَامحٌ منهم، والمرادُ أنه أدَّى الغرَضَ، فأمَّا أن يؤدِّيَ المعنى بعينهِ على الوجْه الذي يكونُ عليه في كلامِ الأوَّلِ، حتى لا تَعْقِلَ ههنا إِلاّ ما عقَلْتَه هناك، وحتى يكونَ حالُهما في نفْسِك حالَ الصورَتَيْنِ المشتبهتَيْنِ في عينك كالسوارَيْن والشَّنْفَيْن، ففي غاية الإِحالةِ، وظنٌّ يُفضي بصاحبهِ إِلى جهالةٍ عظيمةٍ، وهي أنْ تكونَ الألفاظُ مختلفةَ المعاني إِذا فُرِّقتْ، ومتَّفِقَتهَا إِذا جُمِعَتْ وأُلِّفَ منها كلامٌ. وذلك أنْ ليسَ كلامُنا فيما يُفْهَمُ من لفظتينِ مفردَتْين نحوُ "قعد" و"جلس"، ولكنْ فيما فُهم من مجموعِ كلامٍ ومجموعِ كلامٍ آخرَ، نحوُ أنْ تنظر في قولِهِ تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩]، وقولِ الناسِ: "قتلُ البعضِ إحياءٌ للجميع"٢، فإِنَّه وإنْ كان قد جرَتْ عادةُ الناسِ بأنْ يقولوا في مثل هذا: "إنهما عباراتان معبَّرُهما واحدٌ"، فليس هذا القولُ قولًا يمكنُ الأخذُ بظاهرِهِ، أوْ يَقَعُ لعاقلٍ شكٌّ أنْ لَيسَ المفهومُ مِن أحدِ الكلامَيْن المفهومَ من الآخر.
_________________
(١) ١ في المطبوعة: "وصنعته"، وعند رشيد رضا في نسخة اخرى كما هنا. ٢ انظر ما سيأتي رقم: ٤٦١.
[ ٢٦١ ]
فصل:
بيان في شأن الكناية والاستعارة والتمثيل:
٣٠٤ - الكلامُ على ضَرْبين: ضربٌ أنتَ تَصِلُ منه إِلى الغَرضِ بدلالةِ اللفظِ وحدَه، وذلك إِذا قصَدْتَ أن تُخْبِر عن "زيدٍ" مثلًا بالخروجِ على الحقيقة، فقلتَ: "خرجَ زيدٌ"، وبالانطلاقِ عن "عمرو" فقلتَ: "عمروٌ منطلِقٌ"، وعلى هذا القياسِ. وضربٌ آخرُ أنتَ لا تصِلُ منه إِلى الغرضِ بدلالة اللفظِ وحدَه، ولكنْ يدلُّكَ اللفظُ على معناه الذي يَقْتضيه موضوعُهُ في اللغُّة، ثُمَّ تَجدُ لذلك المعنى دَلالةً ثانيةٌ تَصِلُ بها إلى الغَرَض. ومَدارُ هذا الأمر على "الكناية" و"الاستعارة" و"التمثيل"، وقد مضتِ الأمثلةُ فيها مشروحة مُستقصاةً١. أوَ لا تَرى أنكَ إذا قلْتَ: "هو كثيرُ رمادِ القِدْر"، أو قلتَ: "طويلُ النجادِ"، أو قلتَ في المرأةِ: "نَؤُومُ الضحى"، فإنَّكَ في جميعِ ذلك لا تُفيدُ غرضَك الذي تعني من مجرد اللفظ، ولكن نيدل اللفظُ على معناه الذي يُوجِبُهُ ظاهرهُ، ثم يَعْقِلُ السامعُ من ذلك المعنى، على سبيلِ الاستدلالِ، معنًى ثانيًا هو غَرَضُك، كمعرفتِكَ مِنْ "كثيرِ رمادِ القدرِ" أنه مضيافٌ، ومن "طويلِ النِّجاد" أنه طويلُ القامة، ومن "نؤوم الضحى" في المرأة أنها مُتْرفَةٌ مخدومةٌ، لها مَنْ يَكفيها أَمْرَها.
وكذا إِذا قال: "رأيتُ أسدًا"، ودلَّكَ الحالُ على أنه لم يُرِدِ السبعَ، علمتَ أنه أرادَ التشبيهَ، إِلا أنَّه بالغَ فجعلَ الذي رآه بحيث لا يتميِّزُ عن الأسد في شجاعته.
_________________
(١) ١ انظر ما سلف من أول الفقرة: ٥٧.
[ ٢٦٢ ]
وكذلك تعلم من قولهِ: "بَلَغَني أنك تُقَدِّمُ رجلًا وتؤخر أَخرى"، أنَّه أراد التردُّدَ في أمرِ البَيْعة واختلافِ العَزْم في الفعلِ وتَرْكِه، على ما مضى الشرح فيه١.
بيان في شرح قوله: "المعنى"، و"معنى المعنى" وهو فصل جيد:
٣٠٥ - وإذ قد عرفت هذه الجملة، فههنا عبارة مختصرة وهي أن تقول: "المعنى"، و"معنى المعنى"، تعني بالمعنى المفهومَ من ظاهرِ اللفظِ والذي تَصِلُ إليه بغير واسطة و"بمعنى المعنى"، أن تَعْقِل من اللفظِ معنًى، ثم يُفضي بكَ ذلكَ المعنى إِلى معنى آخرَ، كالذي فسَّرْتُ لك.
٣٠٦ - وإذْ قد عرفتَ ذلك، فإِذا رأيتَهم يجعلونَ الألفاظَ زينةً للمعاني وحِلْيةً عليها أو يجعلونَ المعاني كالجواري، والألفاظَ كالمعارضِ لها٢، وكالوشْيِ المحبَّر واللباس الفاخرِ والكُسْوة الرائقة، إِلى أشباهِ ذلك مما يُفخِّمون به أمرَ اللفظِ، ويجعلونَ المعنى يُنبل به ويشرُفُ٣ فاعلمْ أنهم يضعون كلامًا قد أعطاكَ المتكلمُ أغراضَه فيهِ مِنْ طريقِ معنى المعنى٤، فكنَّى وعرَّضَ، ومثَّل واستعارَ، ثم أحْسَنَ في ذلك كلِّه وأصابَ، ووضعَ كلَّ شيءٍ منه في موضعِهِ، وأصابَ به شاكلتَه، وعمَد فيما كنَّى به وشبَّهَ ومثَّلَ، لما حسُنَ مأخذُه، ودَقَّ مسلَكُه، ولطُفَتْ إشارتُه، وأن المِعْرَضَ وما في معناه، ليس في اللَفْظَ المنطوقَ به، ولكنْ معنى اللفظِ الذي دَلَلْتَ به على المعنى الثاني، كمعنى قولِه:
_________________
(١) ١ انظر ما سلف من أول الفقرة: ٥٧. ٢ "المعارض" جمع "معرض"، بكسر الميم، وهو الثوب تعرض فيه الجارية وتجلي. ٣ السياق: "فإذا رأيتهم يجعلون الألفاظ فاعلم". ٤ في المطبوعة: "فاعلمْ أنهم يَضَعونَ كلامًا قد يُفخِّمون به أمر اللفظ، ويجعلون المعنى أعطاك المتكلم فيه أعراضه ". وليس هذا في "ج" ولا "س"، فأثبت ما فيهما، وهو الصواب.
[ ٢٦٣ ]
فإِنّي جبانُ الكَلْبِ مهزولُ الفصيلِ١
الذي هو دليلٌ على أنَّه مِضْيافٌ، فالمعاني الأُوَلُ المفهومةُ من أنْفُس الألفاظِ هي المَعارِضُ والوشْيُ والحَلْيُ وأشباهُ ذلكَ، والمعاني الثَّواني التي يُومَأُ إِليها بتلكَ المعاني، هي التي تُكْسَى تلك المعارضَ، وتزين بذلك الوشي والحلي٢.
_________________
(١) ١ بيت شعر، وسيأتي بتمامه في رقم: ٣٦٤، وصدر: وما يك في من عيب فإني ٢ في هامش "ج" حاشية هي من كلام عبد القاهر، كما رجحت، هذا نصها: "ههنا نكتة، وهي أن الوشي من الثياب يكون وشيًا كان على اللابس، أو كان قد خلع وترك دلوا بها على معان ثوان تكون وشيًا وحليًا ما دامت لباسًا لتلك المعاني، فإذا خلعت عنها ونظر إليها منزوعة منها، لم تكن وشيًا ولا حليًا. فلو قلت: "فصلان فلان [هزلي] "، وأنت لا تكنى بذلك عن نحره أمهاتها للضيافة، لم يكن من معنى الوشى والحلى في شيء. وكذلك يتغير الحال بأن تحول الشيء من ذلك عما كنوا به عنه، فلو جعلت قوله: ولا ابتاع إلاقرينة الأجل في صفة قصاب، لم يكن من الحسن الذي هو له الآن في شيء، فاعرفه". يقول أبو فهر: مكان النقط مطموس في التصوير، وسيأتي البيت الذي أنشده بعد قليل، برقم: ٣١١، وصدره: لا أمتع لاعوذ بالفصال وقوله آنفا: "فصلان فلان [هزلي] "، إشارة إلى البيت الذي سيأتي بعد قليل: "فإني جبان الكلب مهزول الفصيل".
[ ٢٦٤ ]
٣٠٧ - وكذلك إِذا جَعَلُوا المعنى يُتَصَوَّرُ من أجلِ اللفظِ بصورةٍ، ويبدو في هيئةٍ، ويتشكَّل بشكلٍ يُرجِع المعنى في ذلكَ كلِّه إِلى الدلالاتِ المعنوية، ولا يصلُح شيءٌ منه حيثُ الكلامُ على ظاهرهِ، وحيثُ لا يكون كناية ولا تمثل ولا استعارةٌ١، ولا استعانةٌ في الجملةِ بمعنىً على معنًى، وتكونُ الدلالةُ على الغَرض مِنْ مجرَّد اللفظِ، فلو أَنَّ قائلًا قال: "رأيتُ الأسَدَ"، وقال آخرُ: "لَقِيتُ الليثَ"، لم يَجُزْ أن يقال في الثاني انه صورالمعنى فيغير صورتِهِ الأُولى، ولا أنْ يُقال أبرزَهُ في معرضٍ سِوى معرضِه، ولا شيئًا من هذا الجنسِ.
وجملةُ الأمر أنَّ صُوَرَ المعاني لا تتغيَّر بِنَقْلها من لفظٍ إلى لفظٍ، حتى يكونَ هناك اتساعٌ ومجازٌ، وحتى لا يُرادَ منَ الألفاظِ ظواهرُ ما وُضِعَتْ له في اللغة، ولكنْ يُشارُ بمعانيها إِلى معانٍ أُخَرَ.
٣٠٨ - واعلمْ أن هذا كذلكَ ما دامَ النظْمُ واحدًا، فأمَّا إِذا تغيَّر النظْمُ فلا بدَّ حينئذٍ من أنْ يتغيَّر المعنى، على ما مضى منَ البيانِ في "مسائلِ التقديمِ والتأخيرِ"٢، وعلى ما رأيت في المسئلة التي مضَت الآنَ٣، أعني قولَك: "إنَّ زيدًا كالأسد"، و"كأن زيدًا الأسدُ"، ذاكَ لأَنَّه لم يتغيَّر من اللفظِ شيءٌ، وإِنَّما تغيَّرَ النظمُ فقط. وأما فتْحُكَ "أَنْ" عندَ تقديم الكاف وكانتْ مكسورةً فلا اعتدادَ بها، لأنَّ معنى الكَسْرِ باقٍ بحاله.
_________________
(١) ١ في المطبوعة: "وحيثُ لا يكونُ كنايةٌ وتمثيلٌ به ولا استعارة"، وهو فاسد. ٢ انظر ما سلف برقم: ٩٨، وما بعده. ٣ انظر ما سلف قريبًا رقم:
[ ٢٦٥ ]
٣٠٩ - واعلمْ أنَّ السببَ في أَنْ أَحالوا في أشباهِ هذِه المحاسنِ التي ذكرْتُها لكَ على اللفظِ، أنها ليستْ بأنفُس المعاني، بل هي زياداتٌ فيها وخصائصُ. ألا ترى أنْ ليستِ المزيةُ التي تجدُهَا لِقولك: "كأنَّ زيدًا الأسدُ" على قولك: "زيد كالأسد"، لشيء خارجٍ عن التشبيه الذي هو أصْل المعنى١، وإِنما هو زيادةٌ فيه وفي حُكْم الخصوصيَّةِ في الشَّكْلِ، نحْو أن يُصاغَ خاتمٌ على وجهٍ، وآخرُ على وجهٍ آخرَ، تَجمعُهما صورةُ الخاتَمِ، ويفترقان بخاصَّةٍ وشيءٌ يُعْلَم، إلاَّ أنه لا يُعْلَم منفردًا.
ولمَّا كانَ الأمرُ كذلك، لَم يُمكِنْهم أنْ يُطلِقوا اسمَ المعاني على هذه الخصائص، إِذا كان لا يَفترِقُ الحالُ حينئذٍ بينَ أصْلِ المَعنى، وبين ما هو زيادةٌ في المعنى وكيفيةٌ له وخصوصيةٌ فيه، فلمَّا امتنعَ ذلكَ تَوصَّلوا إِلى الدَّلالة عليها بأنْ وَصفوا اللفْظَ في ذلك بأوصافٍ يُعْلمُ أنها لا تكونُ أوصافًا له من حيثُ هو لفظٌ، كنحْوِ وصْفِهم له بأنَّه لفظٌ شريفٌ، وأنه قد زانَ المعنى، وأنَّ له ديباجةً، وأنَّ عليه طُلاوة، وأنَّ المعنى منه في مثلِ الوشْي، وأنه عليه كالحَلْي، إِلى أشباهِ ذلك مما يُعْلَم ضرورةً أنه لا يُعنَى بمثلِه الصوتُ والحرفُ. ثمَّ إِنه لمَّا جرَت به العادةُ واستمرَّ عليه العُرفُ وصارَ الناسُ يقولون اللفظَ واللفظ لزم من ذلكَ بأنفُسِ أقوامٍ بابًا منَ الفسادِ٢، وخامَرهم منه شيء لست أحسن وصفه.
_________________
(١) ١ في المطبوعة: "شيئًا خارجًا". ٢ يقال: "لزه يلزه لزًا"، شده وألصقه وقرنه به، وأصله من "لزاز البيت"، وهو الخشبة التي يلز بها الباب. في "ج": "لز ذلك"، وفي المطبوعة: "لز ذلك بابًا"، وكلاهما خطأ والصواب في "س".
[ ٢٦٦ ]
فصل: بيان في استعمال "اللفظ"، والمراد به دلالة المعنى على المعنى:
٣١٠ - ومِن الصفاتِ التي تجدهُم يُجْرُونها على "اللفظ"، ثمَّ لا تَعترضِكُ شُبهةٌ ولا يكونُ منكَ توقُّفٌ في أنها ليستْ له، ولكنْ لمعناه، قولُهم: "لا يكونُ الكلامُ يستحقُّ اسمَ البلاغةِ حتى يُسابِقَ معناهُ لفظَهُ، ولفظُه معناه، ولا يكونَ لفظُه أسبقَ إِلى سمعك من معناه إِلى قلبكَ" وقولُهم: "يدخلُ في الأُذن بلا إذْن"، فهذا مما لا يَشُكُّ العاقلُ في أنه يَرجِعُ إِلى دلالةِ المعنى على المعنى، وأنه لا يُتصوَّر أنْ يُرادَ به دلالةُ اللفظِ على معناه الذي وُضِع له في اللغةِ.
ذاك لأَنهُ لا يَخلو السامِعُ من أنْ يكونَ عالِمًا باللغةِ وبمعاني الألفاظِ التي يَسمعُها، أو يكونَ جاهلًا بذلك. فإِن كانَ عالِمًا لم يُتَصوَّرْ أنْ يَتفاوتَ حالُ الألفاظِ معه، فيكونَ معنى لفظٍ أسرعَ إِلى قلبِه من معنى لفظٍ آخرَ وإنْ كان جاهلًا كان ذلك في وصفهِ أبْعدَ.
وجملةُ الأمرِ أنَّه إِنما يُتصوَّر أن يكونَ لمعنى أسرعَ فهمًا منه لِمعنىً آخرَ، إِذا كانَ ذلك مما يدرَكُ بالفكْر، وإِذا كان مما يتجدَّد له العلمُ به عند سَمْعِه للكلامِ. وذلك مُحالٌ في دلالاتِ الألفاظ اللغوية، لأن طريقَ معرفتها التوقيف، والتقديم بالتعريفِ.
٣١١ - وإذا كان ذلك كذلك، عُلِمَ عِلْمَ الضرورةِ أنَّ مصْرِفَ ذلك إِلى دلالات المعاني على المعاني، وأنهم أرادوا أنَّ مِن شَرْط البلاغة أنيكون المعنى الأولُ الذي تجعلُه دليلًا على المعنى الثاني ووَسيطًا بينَكَ وبينَه، متمكِّنًا في دلالتِه، مستقلًا بوسّاطَتهِ، يَسْفُرُ بينَكَ وبينَه أحْسَنَ سِفارة، ويُشيرُ لك إليهِ
[ ٢٦٧ ]
أبْيَنَ إِشارةٍ، حتى يخيَّلَ إِليكَ أنَّك فهِمْتَه من حاقِّ اللفظِ، وذلك لقِلَّة الكُلفة فِيه عليكَ، وسرعةِ وصولهِ إِليكَ، فكانَ من "الكنايةِ" مثل قوله:
لا أُمتِعُ العُوذَ بالفِصَالِ، ولا أبتاعُ إِلاَّ قريبة الأجل١
ومن "الاستعارة" مثل قوله:
وصَدْرٍ أراحَ الليلُ عازِبَ هَمِّهِ تضاعَفَ فيه الحُزْنُ مِنْ كُلِّ جانِبِ٢
ومن "التمثيلِ" مثلَ قوله:
لا أَذُودُ الطيرَ عَنْ شَجَرٍ قد بلَوْتُ المُرَّ مِنْ ثَمَرِهْ٣
٣١٢ - وإِنْ أردتَ أنْ تعرِفَ ما حالُه بالضِّدِّ من هذا٤، فكانَ منقوصَ القوَّة في تأديةِ ما أريدَ منه، لأَنَّهُ يعترِضُه ما يَمنعه أن يَقْضيَ حقَّ السِّفارةِ فيما بينكَ وبينَ معناكَ، ويُوضحَ تمامَ الإيضاحِ عن مَغْزاك، فانظرْ إِلى قولِ العباسِ بنِ الأحنف:
سأَطلبُ بُعْد الدارِ عنكُمْ لِتَقْربوا وتَسْكُبُ عينايَ الدموع لتجمدا٥
_________________
(١) ١ الشعر لإبراهيم بن هرمة في شعره "المجموع: ١٥٨. و"العوذ" جمع "عائذ"، وهي الناقة الحديثة النتاج، إذا ولدت من عشرة أيام إلى خمسة عشر يومًا، ثم هي "مطفل"، تعوذ بولد وتقيم معه، أو يعوذ بها ولدها ليرضعها. و"الفصال" جمع "فصيل"، وهو ولد الناقة، ويجمع على "فصلان" أيضًا، وسيأتي برقم: ٣٦٥، ثم رقم: ٣٦٩. ٢ هو للنابغة الذبياني، في ديوانه. ٣ هو لأبي نواس في دويانه. ٤ في المطبوعة: "ما له بالضد". ٥ في ديوانه.
[ ٢٦٨ ]
بدأَ فدلَّ بسَكْبِ الدموعِ على ما يُوجِبه الفِرَاقُ منَ الحُزْن والكَمَد، فأحْسَنَ وأصابَ، لأنَّ مِن شأنِ البكاءِ أبدًا أن يكونَ أمارةً للحُزنِ، وأنْ يُجْعَلَ دَلالةً عليه وكنايةً عنه، كقولِهم: "أبكاني وأضْحكَني"، على معنى "ساءني وسرَّني"، وكما قال:
أبكانيَ الدهرُ، ويا رُبّما أضْحَكني الدهْرُ بِما يُرْضي١
ثم ساقَ هذا القياسَ إِلى نقيضِه، فالتمسَ أن يَدُلَّ على ما يُوجبهُ دوامُ التَّلاقي من السرورِ بقولِه: "لتجمُدا"، وظنَّ أنَّ الجمودَ يَبْلغُ له في إفادةِ المسرَّة والسلامةِ من الحزنِ ونظرَ إِلى أن الجمودَ خُلُوُّ العينِ من البَكاء وانتفاءُ الدموعِ عنها، وأنه إِذا قالَ "لتجمدا"، فكأنَّه قال: "أحزنُ اليومَ لئلاَّ أحزنَ غدًا، وتبكي عيناي جهدَهما لئلاَّ تبكيا أبدًا" وغَلِطَ فيما ظنَّ، وذاك أنَّ الجمودَ هو أن لا تبكي العين، ويستراب في أنْ لا تَبْكي٢، ولذلكَ لا ترَى أحدًا يذكرُ عينَه بالجمودِ إلاَّ وهُوَ يشكوها ويذمُّها وينسبها إلى البخل، ويعدُّ امتناعها من البكاءِ تَرْكاَ لمعونةِ صاحِبها على ما بهِ من الهم، ألا ترى إلى قوله:
ألاَ إِنَّ عَينًا لم تَجُدْ يومَ واسِطٍ عليك بجاري دمعها لجمود٣
_________________
(١) ١ هو لحطان بن المعلي، والشعر في الحماسة شرح التبريزي ١: ١٥٢، والزهرة ٢: ١٨٨. ٢ في المطبوعة: "ويشتكي من أن لا تبكي"ن وفي "ج" و"س": "وتستراد في أن لا تبكي"، ورجحت ان الصواب: "يستراب"، أي يدخل على المرء فيها لاريبة والشك. ٣ لشعر لأبي عطاء السندي، بقوله في ابن هبيرة، وقلته المنصور بواسط بعد أن آمنه، شرح الحماسة للتبريزي ٢" ١٥١.
[ ٢٦٩ ]
فأتَى بالجمودِ تأكيدًا لنفي الجُودِ، ومُحالٌ أن يَجْعَلها لا تَجودُ بالبكاءِ وليس هناك التماسُ بكاءٍ، لأنَّ الجودَ والبُخْل يَقْتضيانِ مطلوبًا يُبْذَلُ أو يُمْنَعُ، ولو كان الجمودُ يَصْلُح لأنْ يُرادَ به السلامةُ منَ البكاء، ويصِحَّ أن يُدَلَّ به على أنَّ الحالَ حالُ مَسَّرةٍ وحُبورٍ، لجازَ أن يُدْعى به للرجلِ فيقالَ: "لا زالتْ عينُك جامدةً"، كما يقالُ: "لا أبكى اللهُ عينَكَ"، وذاك مما لا يُشَكُّ في بُطْلانه.
وعلى ذلك قولُ أهل اللغةِ: "عينٌ جَمُودٌ، لا ماءَ فيها، وسنةٌ جمادٌ، لا مطرَ فيها، وناقةٌ جمادٌ، لا لَبَن فيها"، وكما لا تُجْعَلُ السنةُ والناقةُ جمادًا إلاَّ على مَعْنى أنَّ السنةَ بخيلةٌ بالقَطْر، والناقةُ لا تَسْخُو بالدُّرِّ، كذلك حُكْمُ العينِ لا تُجْعَل "جَمُودًا" إِلا وهناكَ ما يَقْتضي إرادةَ البكاءِ منها، وما يَجْعَلُها إِذا بكَتْ مُحْسِنةً موصوفَةً بأنْ قَدْ جادَتْ وسخَتْ وإِذا لم تَبْكِ، مسِيئةً موصوفةً بأنْ قد ضنَّتْ وبَخِلَتْ.
٣١٣ - فإنْ قيلَ: إِنه أرادَ أن يقولَ: "إِني اليومَ أَتجرَّعُ غُصَصَ الفِراقِ، وأحْمِلُ نَفْسي على مُرِّهِ، واحْتمِلُ ما يُؤدِّيني إِليه من حُزْنٍ يُفيضُ الدموعَ مِنْ عَيني ويَسْكُبُها، لكي أتسبَّب بذلك إلى وصْلٍ يدومُ، ومسَرَّةٍ تتَّصِلُ، حتى لا أعرِفَ بعدَ ذلك الحزنَ أصْلًا، ولا تعرِفَ عيني البكاءَ، وتصيرَ في أنْ لا تُرى باكيةُ أبدًا، كالجَمودِ التي لا يَكُونُ لها دَمْعٌ".
١فإنَّ ذلكَ لا يَستقيمُ ولا يستتب، لأنه يُوقِعُه في التناقضِ، ويَجْعَلُه كأنه قال: "احْتَمِل البكاءَ لهذا الفراقِ عاجلًا، لأصيرَ في الآجِل بدَوَام الوصْلِ واتِّصالِ السُّرورِ في صُورةِ مَنْ يُريد مِنْ عَينِه أنْ تَبكي ثم لا تَبْكي، لأَنها خُلِقَتْ جامدةٌ لا ماءَ فيها"، وذلك مِن التهافُتِ والاضطرابِ بحيثُ لا تنجع الحيلة فيه.
_________________
(١) ١ هو جواب قوله في اول الفقرة: "فإن قيل".
[ ٢٧٠ ]
وجملةُ الأمرِ أَنَّا لا نعلمُ أحدًا جعلَ جمود العين دليل سرورة وأمارةَ غِبْطةٍ، وكنايةٍ عن أنَّ الحالَ حالُ فرحٍ.
فهذا مثالٌ فيما هو بالضدِّ مما شرَطوا من أنْ لا يكونَ لفظُه أسبقَ إلى سَمعك، من معناهُ إِلى قلبكِ لأنَك ترى اللفظَ يصِلُ إِلى سمعِكَ، وتحتاجُ إِلى أن تحب وتُوضِعَ في طلبِ المعنى.
ويَجْري لكَ هذا الشرحُ والتفسيرُ في "النظْمِ" كما جرَى في "اللفظِ"، لأنه إِذا كان النظْمُ سَويًّا، والتأليفُ مستقيمًا، كان وُصولَ المعنى إِلى قلبِك، تِلوَ وصولِ اللفظِ إِلى سَمْعك. وإِذا كان على خلافِ ما ينبغي، وصَلَ اللفظُ إلى السمعِ، وبقيت في المعنى تطلبه وتنعب فيه، وإِذا أفرطَ الأمرُ في ذلكَ صارَ إِلى التعقيدِ الذي قالوا: "إِنه يسْتَهِلكُ المعنى".
٣١٤ - واعلمْ أنْ لمْ تَضِقِ العبارةُ ولم يُقَصِّرِ اللفظُ ولم يَنْغَلقِ الكلامُ في هذا الباب١، إلاَّ لأنَّه قد تَناهى في الغُموض والخَفَاء إلى أقصى الغايات، وأنكَ لا ترى أغْربَ مَذْهبًا، وأعجَبَ طريقًا، وأحْرى بأن تَضْطرِبَ فيه الأراءُ، منه. وما قولُك في شيءٍ قد بلَغ مِنْ أمرِه أن يُدَّعَى على كبار العلماء أنهم لم يَعْلَموه ولم يَفْطِنوا له؟ فقد ترى أنَّ البحتريَّ قال حينَ سُئِلَ عن مسلمٍ وأبي نُوَاس: أيُّهما أشعرُ؟ فقال: أبو نُوَاس. فقيل: فإنَّ أبا العباس ثَعلبًا لا يوافقُك على هذا. فقال: ليس هذا من شأنَ ثَعْلَب وذويهِ مِن المُتعاطينَ لعلْمِ الشعرِ دُون
_________________
(١) ١ في "ج": "يتعلق"، تحت العين "ع"، تثبيتًا لإهمالها، وليس بجيد.
[ ٢٧١ ]
عَمله، إنما يَعْلَمُ ذلك مَنْ دُفِع في مَسْلك طريقِ الشعر إِلى مضايقِه وانتهى إلى ضروراته١.
٣١٥ - ثم لم ينفَكَّ العالِمونَ به والذين هُمْ مِنْ أهلِه، من دُخولِ الشُّبهة فيه عليهم، ومن اعتراض السَّهْو والغلطِ لهم. رُويَ عن الأصمعي أنه قال: كنت أشدو من أبي عمرِو بنِ العلاء وخلفٍ الأَحمر٢، وكانا يأتيان بشارًا فيُسلِّمانِ عليه بغايةِ الإعظامِ، ثم يقولانِ: يا أبا مُعاذٍ، ما أحدثْتَ؟ فيُخْبِرُهما ويُنْشِدُهما، ويَسْألانِه ويكتبانِ عنه متواضِعَيْن له، حتى يأتيَ وقتُ الزوالِ، ثم ينصرفان. وأتيَاه يومًا فقالا: ما هذه القصيدةُ التي أحدثْتَها في سَلمِ بنِ قُتَيْبَةَ؟ قالَ: هي التي بلَغَتْكُم. قالوا: بلَغَنا أنَّك أكْثَرتَ فيها مِنَ الغَريب. قال: نعَمْ، بلغني أنَّ سَلْم بْنَ قتيبةَ يَتباصَرُ بالغريب، فأحببْتُ أن أوردَ عليه ما لا يَعْرَفُ. قالوا: فانْشِدْناها يا أبا مُعاذ. فأنشدهما:
بكرًا صاحبي قبل الهجير إذا ذاكَ النجاحَ في التَّبْكيرِ
حتى فرَغ منها، فقال له خلفٌ: لو قلتَ يا أبا مُعاذٍ مكانَ "إن ذاك النجاحَ في التبكيرِ".
_________________
(١) ١ انظر ما سلف رقم: ٢٩٣. ٢ في المطبوعة: "كنتُ أسيرُ مع أبي عمرِو بنِ العلاء"، وفي الأغاني: "كنت أشهد مع خلف بن أبي عمرو بن العلاء". وصاحب الأغاني ساق هذه القصة نفسها منسوبة إلى "خلف بن أبي عمرو بن العلاء"، كا يدل عليه سياقه، ولكن الذي هنا من نسبتها إلى أبيه "أبي عمرو بن العلاء"، أرجع عندي. وهذا يحتاج إلى تفصيل ليس هذا مكانه. وفي هامش المخطوطة "ج" ما نصه: "الشادي، الذي يشدو شيئًا في الأدب، أي يأخذ طرفًا منه كانه ساقه وجمعه، صحاح"، وهو نقل من صحاح الجوهري لكاتب غير كاتب هذه النسخة، وقصيدة بشار في ديوانه.
[ ٢٧٢ ]
بكِّرا فالنَّجاحُ في التَّبْكيرِ
كان أحسَنَ. فقال بشارٌ: إِنما بنَيْتُها أعرابية وَحْشيَّة فقلتُ: إنَّ ذاكَ النجاح في التبكير، كما يَقولُ الأعرابُ البدويون، ولو قلتُ: "بكِّرا فالنجاحُ"، كانَ هذا من كلامِ المولَّدينَ، ولا يُشْبِهُ ذاكَ الكلامَ، ولا يَدْخُل في معنَى القصيدةِ. قالَ: فقامَ خلَفُ فقبَّلَ بَيْنَ عينيه"١، فهل كان هذا القولُ من خَلَف والنقدُ عَلَى بشارٍ، إِلاّ لِلُطفِ المعنى في ذلك وخفائه؟
"إن"، تغني غناء "الفاء"، في ربط الجملة بما قبلها:
٣١٦ - واعلمْ أنَّ مِنْ شأنِ "إنَّ" إِذا جاءتْ على هذا الوجهِ، أَن تُغْني غَناء "الفاءِ" العاطِفةِ مثلًا، وأنْ تُفيدَ من رَبْط الجملةِ بما قبلَها أمرًا عجيبًا. فأنتَ تَرى الكلامَ بها مستأنفًا غير مستأنف، ومقطوعًا موصولًا معًا. أفلا تَرى أنك لو أَسْقَطْتَ "إنَّ" من قولِهِ: "إنَّ ذاك النجاحَ في التبكيرِ"، لم تَرَ الكَلاَم يلتئِمُ، ولرأيتَ الجملةَ الثانيةَ لا تتَّصل بالأولى ولا تكونُ منها بسبيلي، حتى تجيءَ بالفاءِ فتقولُ: "بكِّرا صاحبيَّ قبلَ الهجير، فذاك النجاح في التبكير" ومثله قوله بعضِ العرب:
فغَنِّهَا وهْي لكَ الفِداءُ إنَّ غِناءَ الإِبلِ الحُداءُ٢
فانظرْ إِلى قولِه: "إنَّ غِناءَ الإبلِ الحداءُ"، وإِلى ملاءمَتِهِ الكلامَ قبلَه، وحسْنِ تشبثِه به، وإِلى حُسْن تعطُّفِ الكلامِ الأول عليه. ثم انظر إذا تركت
_________________
(١) ١ هذه القصة بهذا اللفظ في الأغاني ٣: ١٩٠، وفيها الخلاف الذي أشرت إليه في التعليق السابق. وستأتي الإشارة إليه في رقم: ٣٧٢. ٢ سيأتي أيضًا في رقم: ٣٧٢.
[ ٢٧٣ ]
"إنَّ" فقلتَ: "فغنِّها وهيَ لك الفداءُ، غناءُ الإِبلِ الحداءُ"، كيفَ تكونُ الصورةُ؟ وكيفَ يَنْبو أحَدُ الكلامَيْن عنِ الآخَرِ؟ وكيف يُشئِم هذا ويعرق ذلك؟ حتى لا تَجدَ حيلةً في ائتلافِهما حتى تَجْتَلِبَ لهما "الفاءَ" فتقول: "فغنِّها وهيَ لكَ الفداءُ، فغناءُ الإبلِ الحُداء"، ثم تعلَّمْ أنْ ليستِ الأُلفةُ بينهما مِنْ جنسِ ما كانَ، وأنْ قد ذَهبتِ الأنَسَة التي كنتَ تَجِدُ، والحسن الذي كنت ترى.
فصل في "كاد"، وتفسير قولهم: "لم يكد يفعل":
٣١٧ - ورويَ عن [عَنبسة] أنه قال: قدِمَ ذو الرمة الكوفةَ فوقفَ يُنشِدُ الناسَ بالكناسة قصيدته الحائية التي منها١:
هِيَ البُرْءُ، والأسقامُ، والهمُّ، والمُنى، وموتُ الهَوى في القَلْبِ مِنّي المبرِّحُ
وكانَ الهَوى بالنأْي يُمْحَى فيمَّحي، وحُبُّكِ عِنْدي يَستجِدُّ ويَرْبَحُ
إِذا غيَّرَ النّأيُ المحبِّينَ لمْ يَكَدْ رسَيسُ الهَوى مِنْ حُبِّ ميَّةَ يَبْرَحُ
قال: فلما انتهى إِلى هذا البيتِ ناداه ابنُ شُبْرُمَة: يا غيلانُ، أراه قد بَرِحَ! قالَ: فشنَق ناقَتَه وجعَل يتأَخَّر بها ويفكر٢، ثم قال:
إِذا غيَّر النأيُ المحبينَ لم أَجِدْ رسَيسَ الهوى مِن حُبِّ مَيَّةَ يَبْرَحُ
_________________
(١) ١ هكذا هنا "عن عنبسة"، وأرجح أنه خطأ، ولذلك وضعته بين قوسين لأن راوي الخبر هو "عبد الصمد بن المعذل، عن جده غيلان بن الحكم بن البختري بن المختار"، كما في المراجع التالية، و"الكناسة"، محلة بالكوفة، كان الناس يجتمعون في سوقها. وشعر ذي الرمة في ديوانه، ورواية البيت الثاني: وبعض الهوى بالهجر "، وهي أجود. و"رسيس الهوى"، ما ثبت منه في سرارة قلبه. ٢ "شنق البعير"، جذبه بزمامه حتى يرفع رأسه، وفي "س": "شنق بناقته"، وفي المطبوعة وحدها: ويتفكر".
[ ٢٧٤ ]
قال: فلما انصرفتُ حدثتُ أبي١، قال: أخطأَ ابنُ شُبْرُمة حين أنكَرَ على ذي الرُّمة ما أنكر٢، وأخطأ ذو الرُّمة حين غيَّر شِعْرَه لقولِ ابن شبرمة، إِنما هذا كقولِ اللهِ تعالى: ﴿ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ [النور: ٤٠]، وإِنما هُوَ: لم يَرَها ولم يَكَدْ٣.
٣١٨ - واعلمْ أنَّ سبَبَ الشُّبهةِ في ذلكَ أَنَّه قد جَرَى في العُرفِ أن يقالَ: "ما كادَ يفعل" و"لم يكدْ يفعلُ" في فعلٍ قد فُعِلَ، على معنى أنَّهُ لم يَفْعل إلاَّ بعْدَ الجهدِ، وبعد أن كان بعيدًا الظنِّ أنْ يَفْعَله، كقولِه تعالى: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة: ٧١]، فلمَّا كانَ مجيءُ النفيِ في "كادَ" على هذا السبيلِ، توهَّم ابنُ شُبْرُمةَ أنَّه إِذا قال: "لم يكَدْ رسيسُ الهوى مِن حبِّ ميَّةَ يبرحُ" فقد زَعم: أنَّ الهَوى قد بَرِح، ووقعَ لذي الرُّمة مثلُ هذا الظنِّ.
وليس الأمرُ كالذي ظنَّاهُ، فإنَّ الذي يقتضيهِ اللفظُ إذا قيل: "لم يكد يفعل" و"ما كادَ يَفعل"، أنْ يكونَ المرادُ أنَّ الفعلَ لم يكنْ من أصْله، ولا قارَبَ أن يكونَ، ولا ظُنَّ أنَّه يكونُ. وكيفَ بالشكِّ في ذلك؟ وقد عَلِمْنا أنَّ "كادَ" موضوعٌ لأنْ يَدُلَّ على شدَّةِ قُرْب الفِعلِ من الوقوعِ، وعلى أنه قد شارَفَ الوجودَ. وإِذا كان كذلك، كان مُحالا أن يوجِبَ نَفْيُه وجودَ الفعلِ، لأنه يؤدِّي إِلى أن يوجِبَ نفيُ مقاربةِ الفعلِ الوجودَ وجودَه٤، وأن يكون قولك:
_________________
(١) ١ "حدثت أبي" قائله "غيلان بن الحكم"، وأبوه هو "الحكم بن ابختري بن البختار"، و"ابن شبرمة"، هو "عبد الله بن شبرمة الضبي"، كان شاعرًا فقيهًا قاضيًا جوادًا ورعًا، من الرجال الكبار. ٢ "ما أنكر" زيادة من "س"، وفي الأغاني: "ما أشند". ٣ الخير بتمامه في الموشح: ١٧٩، ١٨٠، والأغاني ١٨: ٣٤، "الهيئة". ٤ "وجوده" منصوب مفعول "يوجب" أي يوجب هذا النفي وجوده.
[ ٢٧٥ ]
"ما قاربَ أنْ يَفْعل"، مقْتضِيًا على البتَّ أنه قد فعل١.
٣١٩ - وإذا قد ثبتَ ذلك، فمن سبيلكَ أن تَنْظُر. فمتى لم يكنِ المعنى على أنه قد كانت هناك صورةٌ تقتضي أنْ لا يكونَ الفعلُ، وحالٌ يَبعُدُ معَها أن يكونَ، ثُمَّ تغيَّرَ الأمرُ، كالذي تراهُ في قولِهِ تعالى: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة: ٧١]، فليس إلاَّ أن تُلزِمَ الظاهرَ، وتجعلَ المعنى على أنك تَزْعمُ أنَّ الفعلَ لم يقارِبْ أن يكونَ، فضلًا عن أن يكون.
فالمعنى إذن في بيتِ ذي الرّمة على أنَّ الهوى مِنْ رسوخِه في القلبِ، وثُبوته فيه وغلَبَته على طِباعِه، بحيثُ لا يُتوَهَّم عليه البِراحُ، وأنَّ ذلك لا يقارِبُ أن يكونَ، فضلًا عن أن يكونَ، كما تقولُ: "إِذا سَلاَ المُحِبُّونَ وفَتَروا في محبتهم، لم يقع لي في وهم، ولم يجر متى على بالٍ: أنه يجوزُ عَلَيَّ ما يُشْبِه السلوة، وما بعد فترةً، فضلًا عن أنْ يُوجَدَ ذلك مني وأصبر إِليه.
وينبغي أنْ تعلمَ أنَّهُمْ إِنما قالوا في التفسير: "لم يَرها ولم يكد"، فبدأُوا فنقوا الرؤية، ثم عطفوا "لم يكد" عليه، ليعموك أنْ ليس سبيلُ "لم يكد" ههنا سبيلَ "ما كادوا" في قولهِ تعالى: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة: ٧١]، في أنه نَفْيٌ معقِّبٌ على إثباتٍ، وأنْ ليس المعنى على أنَّ رؤيةً كانت مِنْ بعْدِ أن كادتْ لا تكون، ولكنَّ المعنى على أنَّ رؤيتَها لا تُقارِب أنْ تكونَ، فضلًا عن أن
_________________
(١) ١ في هامش "ج" حاشية لعبد القاهر، هذا نصها: "إذا لم يقع في جواب "إذا"، وجب أن يتقدمه نفي كقولك: "ما فعله ولا كاد يفعل، فاعرفه". يقول أبو فهر: قوله: "إذا لم يقع، يعني نفي "كاد".
[ ٢٧٦ ]
نكون، ولو كان "لَم يكَدْ" يُوجِب وجودَ الفعلِ، لكان هذا الكلام متهم مُحالًا جاريًا مَجْرى أن تقولَ: "لم يَرَها ورآها"، فاعرفْه.
٣٢٠ - وههنا نكتةٌ، وهي أنَّ "لم يكد" فيالآية والبيت واقع في جواب "إذا"، والمضاي إِذا وقَعَ في جوابِ الشرطِ على هذا السبيلِ، كان مستقبَلًا في المعنى فإِذا قلتَ: "إِذا خرجْتَ لمْ أخرُجْ"، كنتَ قد نفَيْتَ خروجًا فيما سيتقبل. وغّا كان الأَمر كذلكَ، استحالَ أن يكونَ المعنى في البيتِ أو الآيةِ على أنَّ الفعلَ قد كانَ، لأنه يؤدِّي إِلى أن يجيءَ "بلم أفعلْ" ماضيًا صريحًا في جوابِ الشرطِ فتقول: "إِذا خرجتَ لم أخرجْ أمسِ"، وذلك محالٌ. ومما يتَّضِحُ فيه هذا المعنى قولُ الشاعر:
ديارٌ لجهمَةَ بالمُنْحَنى سَقاهُنَّ مرتجزٌ باكرُ
وراحَ عليهنَّ ذو هَيْدَبِ ضعيفُ القُوى، ماؤهُ زاخِرُ
إذا رامَ نَهْضًا بها لَمْ يَكَدْ كذِي الساقِ أَخْطأَها الجابِرُ١
٣٢١ - وأعودِ إِلى الغرضِ. فإِذا بلغَ من دقةِ هذه المعاني أنْ يَشْتَبهِ الأمرُ فيها على مثْل خَلَفٍ الأحمرِ وابنِ شُبرمة، وحتى يشْتبهِ على ذي الرُّمة في صواب قاله، فيرى أنه غير صواب، فمنا ظنك بغيرهم؟ وما يعجبك من أن يكثر التخليط فيه؟
_________________
(١) ١ أذكر الشعر، ولكن لا أدري أين هو. يصف سحابًا، وهو "المرتجز الباكر"، و"المرتجز" السحاب المتتابع الرعد، يكون بطيء الحركة لكثرة مائة. و"الباكر"، السحاب الذي يأتي من أخر الليل عند السحر.
[ ٢٧٧ ]
"كل"، وتفصيل القول فيها في النفي والإثبات، وأمثلة ذلك:
٣٢٢ - ومِنَ العَجَب في هذا المعنى قولُ أبي النجم:
قدْ أصبَحَتْ أُمُّ الخيارِ تدَّعي عليَّ ذَنْبًا كُلُّه لَمْ أصْنَعِ١
قد حمَلَهُ الجميعُ على أنَّه أَدْخَلَ نَفْسَه مِنْ رفع "كلُّ" في شيءٍ إِنما يجوزُ عندَ الضَّرورةِ، مِنْ غيرِ أن كانت به إليه ضرورةٌ. قالوا: لأَنَّه ليس في نَصْبِ "كلّ" ما يَكْسِرُ له وَزْنًا، أو يَمنَعُهُ مِنْ معنى أَرادهُ. وإِذا تأمَّلتَ وجدْتَه لم يَرتكِبْه ولم يَحْمِل نفسَه عليه إلاَّ لحاجةٍ له إِلى ذلكَ، وإلاَّ لأنَّه رأى النَّصْبَ يَمنعُه ما يريدُ. وذاك أنه أرادَ أنها تدَّعي عليه ذَنبًا لم يَصْنع منه شيئًا البتَّةَ لا قليلًا ولا كثيرًا ولابعضًا ولا كُلًاّ. والنصْب يَمنعُ من هذا المعنى، ويَقْتضي أن يكونَ قد أتى منَ الذنبِ الذي ادَّعته بعْضَه.
وذلك أنَّا إِذا تأملْنا وجَدْنا إِعمالَ الفِعلِ في "كل" والفعلُ منفيٌّ، لا يَصْلُحُ أن يكونَ إلاَّ حيثُ يُراد بعضًا كان وبعضًا لم يكن. تقولُ: "لم ألق كل القوم"، و"لم آخذْ كلَّ الدراهم"، فيكونُ المعنى أنك لقِيتَ بعضًا من القومِ ولم تَلْقَ الجميعَ، وأخذْتَ بعضًَا من الدراهمِ وتركْتَ الباقي ولا يكونُ أَنْ تريدَ أنك لم تَلْقَ واحدًا من القوم، ولم تأخذ شيئًا من الدارهم.
وتعرَّفْ ذلك بأن تَنْظرَ إِلى "كل" في الإِثبات وتتعرفَ فائدتَه فيه.
وإِذا نظرتَ وجدتَهُ قد اجْتُلِبَ لأنْ يُفيدَ الشُّمولَ في الفعلِ الذي تُسْنِدُه إِلى الجملةِ أو تُوقِعُه بها.
تفسيرُ ذلك، أنكَ إِنما قلْتَ: "جاءني القومُ كلُّهم"، لأنكَ لو قُلْتَ: "جاءَني القومُ" وسكَتَّ، لكانَ يَجوزُ أن يَتوهَّم السامعُ أنه قد تخلَّفَ عنكَ
_________________
(١) ١ في المجموع من شعره، وهو في سيبويه ١: ٤٤، ٦٩، وسائر كتب النحاة وكتب ضرورة الشعر.
[ ٢٧٨ ]
بَعضُهم، إلاَّ أنكَ لم تعتدَّ بهم، أو أنَّكَ جَعَلْتَ الفعلَ إِذا وقَعَ مِن بَعْضِ القومِ فكأنَّما وَقَعَ منَ الجميع، لِكَوْنهم في حُكْمِ الشخصِ الواحدِ، كما يقالُ للقبيلة: "فعلْتُم وصنعْتُم"، يُرادُ فِعْل قد كانَ مِنْ بَعْضِهم أوْ واحدٍ منهم. وهكذا الحُكْم أبدًا.
فإذا قلت: "رأيت القوم كلهم" و"مررت بالقومِ كلِّهم"، كُنْتَ قد جئتَ "بكلٍّ" لئلاَّ يُتَوهَّمَ أنه قد بَقِيَ عليكَ مَنْ لم تَرَهُ ولم تَمُرَّ به.
وينبغي أن يُعْلَم أنَّا لا نَعْني بقولنا "يفيدُ الشُّمولَ"، أنَّ سبيلَه في ذلك سبيلُ الشيءِ يُوجِبُ المعنى مِن أصْله، وأنه لولا مكانُ "كلّ" لَمَا عُقِلَ الشُّمولُ ولم يكنْ فيما سَبَق مِن اللفظِ دليلٌ عليه. كيفَ؟ ولو كانَ كذلكَ لم يكنْ يُسمَّى "تأكيدًا". فالمعنى أنه يمنعُ أن يكونَ اللفظُ المقتضِي الشُّمولَ مستعمَلًا على خلافِ ظاهرِه ومتجوَّزًا فيه.
٣٢٣ - وإِذ قد عرفت ذلك، فههنا أصْلٌ، وهو أَنَّه مِن حُكْم النفي إِذا دَخل على كلامٍ، ثُمَّ كان في ذلكَ الكلام تقييد على وجهه من الوجوهِ، أن يتوجَّه إِلى ذلكَ التقييدُ، وأن يقعَ له خصوصًا.
تفسيرُ ذلك: أنَّك إِذا قلتَ: "أتاني القومُ مجتمِعينَ"، فقالَ قائلٌ: "لم يأْتكِ القومُ مجتمعين"، كانَ نَفْيُه ذلك متوجِّهًا إِلى الاجتماعِ الذي هو تقييدٌ في الإِتيان دونَ الإِتيان نفْسِه، حتى إنَّه إنْ أرادَ أنْ ينفيَ الإِتيانَ مِنْ أصلهِ، كان مِنْ سَبيله أن يقولَ: "إنَّهم لم يأْتوكَ أصْلًا، فما مَعْنى قولِكَ: مجتمعين". هذا مما لا يَشُكُّ فيه عاقلٌ.
[ ٢٧٩ ]
وإِذا كانَ هذا حكْمُ النفي إِذا دَخَلَ على كلامٍ فيه تقييدٌ، فإنَّ التأكيدَ ضربٌ منَ التقييدِ. فَمتى نَفَيْتَ كلامًا فيهِ تأكيدٌ، فإنَّ نَفْيكَ ذلكَ يتوجَّه إلى التأكيدِ خصوصًا ويَقَعُ له. فإِذا قلتَ: "لم أرَ القومَ كلَّهم" أوْ "لَمْ يأتِني القومُ كلُّهم" أوْ "لم يأتِني كلُّ القومِ" أو "لَمْ أَرَ كلَّ القومِ"، كنتَ عمدْتَ بنَفْيِكَ إِلى معنى" كل" خاصة، وكانَ حكْمُه حُكْمَ "مجتمعين" في قولِكَ: "لم يأتِني القومُ مجتمعين" وإِذا كان النفيُ يَقَعُ "لكلِّ" خصوصًا، فواجبٌ إِذا قلتَ: "لم أتني القومُ كلُّهم" أوْ "لم يأتِني كلُّ القومِ"، أَنْ يكونَ قد أتاكَ بعضُهم كما يجبُ إِذا قلتَ: "لم يأتني القومُ مجتمعين"، أنْ يكونوا قد أتوك أشاتًا. وكما يستحيلُ أن تقولَ: "لم يأتني القومُ مجتمعينَ"، وأنتَ تُريد أنهم لم يأتوكَ أصْلًا لا مجتمعين ولا منفردين كذلك محالٌ أنْ تقول: "لا يأتِني القومُ كلُّهُمْ"، وأنتَ تريدُ أنَّهم لم يأتوك أصْلًا، فاعرفْه.
٣٢٤ - واعلمْ أَنَّك إِذا نظرْتَ وجَدْتَ الإثباتَ كالنَفْي فيما ذكرتُ لكَ، ووجدتَ النفيَ قد احتذاهُ فيه وتَبِعَه، وذلك أنك إِذا قلتَ: "جاءني القومُ كلُّهم"، كان "كُلّ" فائدةَ خبرِك هذا، والذي يتوجَّه إِليه إثباتُك، بدلالةِ أنَّ المعنى على أنَّ الشكَّ لم يقَعْ في نفسِ المجيءِ أنه كانَ من القومِ على الجملةِ، وإِنَّما وَقعَ في شُموله "الكل"، وذلك الذي عناكَ أمرُه مِن كلامِكَ.
٣٢٥ - وجملةُ الأَمْرِ أَنَّه ما مِنْ كلامٍ كانَ فيه أمرٌ زائدٌ على مجرَّدِ إثباتِ المعنى للشيء، إلاَّ كان الغرضَ الخاصَّ من الكلام، والذي يُقْصَد إِليه ويزْجى القولُ فيه. فإذا قلت: "جاءني زيد راكبًا"، و"ما جاءني زيدٌ راكبًا" كنتَ قد وضعْتَ كلامَكَ لأن نثبت مجيئه راكبًا او ننفي ذلك، لا لأن تُثْبِتَ المجيءَ وتنْفِيَه مطلقًا. هذا ما لا سبيلَ إِلى الشَّكَّ فيه.
[ ٢٨٠ ]
٣٢٦ - واعلمْ أنَّه يَلزَمُ مَنْ شكَّ في هذا فتوهَّمَ أنَّه يجوزُ أن تقولَ: "لم أرَ القومَ كلَّهم"، على معنى أنك لم تَرَ واحدًا منهم١ أن يُجْريَ النهيَ هذا المَجرى فتقولَ: "لا تَضْرب القومَ كلَّهم"، على معنى لا تضْربَ واحدًا منهم وأن تقولَ: "لا تَضْربِ الرجلَيْن كليهما"، على معنى لا تَضْرِبْ واحد منهما. فإِذا قال ذلك لَزِمه أن يُحيلَ قولَ الناس٢: لا تَضْرِبْهما معًا، ولكنِ اضْرِبْ أحدهما"، و"لا تأخذهما جميعًا، لكن واحدًا منهما"، وكفى بذلك فسادًا.
٣٢٧ - وإذْ قد بانَ لَكَ من حالِ النَّصْب أنه يقتضي أن يكونَ المعنى على أنه قد صنَعَ منَ الذنبِ بعْضًا وتركَ بعضًا٣، فاعلمْ أنَّ الرفعَ على خلافِ ذلك، وأنه يقتضي نفْيَ أن يكونَ قد صَنَع منه شيئًا، وأتى منه قليلًا أو كثيرًا وأنك إِذا قلتَ: "كلُهم لا يأتيك"، و"كلُّ ذلك لا يكونُ"، و"كلُّ هذا لا يَحْسُن"، كنتَ نَفَيْتَ أن يأتِيَه واحدٌ منهم، وأبيْتَ أن يكونَ أو يَحْسُنَ شيءٌ مما أشرتَ إِليه.
٣٢٨ - ومما يشهدُ لكَ بذلك من الشّعرِ قولُه:
فكيفَ؟ وكلٌّ ليسَ يَعْدُو حِمَامَه ولا لامرئٍ عما قضى الله مزحل٤
_________________
(١) ١ السياق: "واعلمْ أنَّه يَلزَمُ مَنْ شكَّ في هذا أن تجري النهي". ٢ في المطبوعة وحدها: "أن يختل قول الناس"، ومعنى "يحيل"، أي يجعله محالًا. ٣ رجع إلى القول في "علي دنبا كله لم أصنع"، رقم: ٣٢٢، وما بعده. ٤ هو شعر إبراهيم بن كنيف النبهاني، شرح حماسة التبريزي ١: ١٣٦، وأمالي القالي ١: ١٧٠، وهي عند الهجري في النوادر والتعليقات منسوبًا لبكر بن النطاح. و"مزحل"، مصدر ميمي من "زخل"، إذا تباعد، يعني ليس منه مهرب.
[ ٢٨١ ]
المعنى عَلَى نفْي أن يَعْدُوَ أحدٌ منَ الناسِ حِمَامَه، بلا شُبْهة. ولو قلتَ: "فكيفَ وليس يعدو كلُّ حِمامَه": فأَخَّرْتَ "كلاّ"، لأفسدتَ المعنى، وصرْتَ كأنكَ تقولُ: "إنَّ منَ الناس من يسمل من الحمام ويبقى خالد ًا لا يموت".
٣٢٩ - ومثله قول دعبل:
فواللهِ ما أَدري بأيِّ سِهامِهَا رَمَتني وكلٌّ عندنا ليس بالمكدي
أبا الجيد أمْ مَجْرى الوِشاحِ، وإنني لأُنْهِمُ عَينَيها مع الفاحِمِ الجَعْدِ١
المَعْنى عَلَى نَفْي أن يكونَ في سِهامها مُكْدٍ على وجهٍ منَ الوجوهِ.
٣٣٠ - ومن البَيِّنِ في ذلك ما جاء في حديث ذي اليدين حين قال للنبيّ ﷺ: "أقَصُرَتِ الصلاةُ أم نَسِيْتَ يا رسولَ الله؟ فقال ﷺ: "كلُّ ذلك لم يَكُنْ". فقال ذو اليدين: بَعْضُ ذلكَ قَدْ كان"٢، المعنى لا محالَة على نفي
_________________
(١) ١ هو في المجموع من شعره، و"المدي" الذي يخيب، ولا يصيب هدفه. وقوله: "لأنهم"، أي أنهم عينها، واعلم أن التاء في "التهمة" مبدلة من الواو، فقولهم: "تهمة" أصلها "وهمة"، ولكنهم في هذا الفعل أجروا التاء المبدلة مجرى الصل، فقالوا: "أتهمه إتهامًا"، ويقال أيضًا "أوهمه" بمعنى ابتهمه، على الأصل. ٢ حديث ذي اليدين في السهور في الصلاة، مذكور في دواوين السنة من طريق "محمد بن سيرين عن أبي هريرة"، وليس فيه هذا اللفظ، ولكنه جاء في صحيح مسلم، في كتاب المساجد، "باب السهو في الصلاة والسجود"، من حديث أبي سفيان مولى بن أبي أحمد قال: سمعت أبا هريرة، ولفظه: "كلُّ ذلك لم يَكُنْ! " فقال ذو اليدين: قد كان بعض ذلك"، وهو عند أحمد في المسند٢: ٤٦٠ "المطبوعة الأولى" وقال: "عن عبد الرحمن مولى ابن أبي أحمد، قال: سمعت أبا هريرة"، وفيه: "قال: "كل ذلك لم يكن"، فقال ذو اليدين: قد كان ذلك يا رسول الله"، وهو عند أبي داود في سننه، في كتاب الصلاة، "باب السهو في السجدتين" من حديث سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة، وفيه "قال: "كل ذلك لم أفعل". فقال الناس: قد فعلت". يقول أبو فهر: قوله هنا "بعض ذلك قد كان"، وقولهم في حديث مسلم: "قد كان بعض ذلك"، يعني أنه قد كان السهو: لا قصر الصلاة. وكذلك ما جاءني في حديث أحمد قول ذي اليدين: "قد كان ذلك يا رسول الله"، وما جاء في حديث أبي داود: "فقال الناس: قد فعلت"، يعنون به السهو بلا شك، لا قصر الصلاة.
[ ٢٨٢ ]
الأَمرين جميعًا، وعلى أنه ﵇ أرادَ أنه لم يكنْ واحدٌ منهما، لا القِصَرُ ولا النِّسْيانُ. ولو قِيلَ: "لَمْ يكنْ كلُّ ذلك"، لكانَ المعنى أنه قد كانَ بعضُه.
٣٣١ - واعلمْ أنَّه لمَّا كانَ المعنى مع إِعمال الفعلِ المِنفيِّ في "كل" نحوُ: "لمْ يأتِني القوم كلهم" و"لم أرَ القومَ كلَّهم"، على أنَّ الفعلَ قد كانَ مِن البعضِ، ووَقَع على البعضِ، قلتَ: "لم يأتِني القومُ كلُّهم، ولكنْ أتاني بعضُهم" و"لم أرَ القومَ كلَّهم، ولكنْ رأيتُ بعضَهم" فأثبتَّ بعد ما نَفَيْتَ، ولا يكونُ ذلك معَ رَفْع "كلّ" بالابتداءِ. فلو قلتَ: "كلُّهم لم يأتني، ولكن أتاني بعضهم" و"كل ذلك لم يكُنْ، ولكنْ كان بعضُ ذلك"، لم يَجُزْ، لأنَّه يؤدِّي إلى التناقُضِ، وهو أنْ تقولَ: "لم يأتِني واحدٌ منهم، ولكنْ أتاني بعضُهم".
٣٣٢ - واعْلمْ أنَّه ليس التأثيرُ لِما ذكَرْنا من إِعمالِ الفعلِ وتَرْك إِعمالِه على الحقيقةِ، وإِنَّما التأثيرُ لأَمرٍ آخَر، وهو دخولُ "كل" في حيِّز النَّفْي، وأن لا يَدْخُل فيه. وإِنما علَّقْنا الحكْم في البيتِ وسائرِ ما مَضى بإِعمالِ الفعلِ وتركَ إِعمالِه١، من حيثُ كان إعمالُه فيه يقتضي دخولَه في حيِّز النفي، وتَرْكُ إعمالهِ يُوجبُ خروجَه منه، من حيثُ كان الحرفُ النافي في البيتِ حرفًا لا ينفصِلُ عن الفعلِ، وهو "لم" لا أنَّ كَوْنَهُ مَعْمولًا للفعل وغير معمول،
_________________
(١) ١ "البيت" يعني بيت أبي النجم: "كله لم أصنع".
[ ٢٨٣ ]
بمقتضى ما رأيتَ من الفَرْق. أفَلاَ تَرى أنك لو جئتَ بحرْفِ نَفي يُتَصوَّر انفصالُه عن الفعلِ، لرأيتَ المعنى في "كل" مع تَرْكِ إِعمالِ الفعلِ، مِثْلَه مع إعمالِه، ومثالُ ذلكَ قوله:
ما كلُّ ما يتمنَّى المرءُ يُدرِكُه١
وقولُ الآخر:
ما كلُّ رَأْي الفتى يَدْعو إِلى رَشَد٢
"كلٌ" كما ترى غيرُ مُعْمَلٍ فيه الفعلُ، ومرفوعٌ، إِما بالابتداءِ، وإِما بأنه اسمُ "ما"، ثم إِنّ المعنى مع ذلك على ما يكون عليه إذا أعملْتَ فيه الفعلَ فقلتَ: "ما يُدرِكُ المرءُ كلَّ ما يتمناه"، و"ما يدعو كلُّ رأيِ الفتى إِلى رَشَد"، وذلك أن التأثيرَ لوقوعِه في حيِّز النفي، وذلك حاصلٌ في الحالين. ولو قدَّمْتَ "كلاّ" في هذا فقلت: "كلُّ ما يتمنى المرءُ لا يدركه" و"كل رأي الفتى لا يدعو إِلى رَشَد" لتغيَّرَ المعنى، ولصارَ بمنزلةِ أنْ يقالَ: "إنَّ المرءَ لا يدرك شيئًا مما يتمناه"، و"لا يكونُ في رأيِ الفتى ما يدعو إِلى رَشَدٍ بوجْهٍ من الوجوه".
٣٣٣ - واعلمْ أنَّكَ إِذا أدخلْتَ "كلاّ" في حيِّز النفي، وذلك بأن تُقدِّم النفيَ عليه لفظًا أو تقديرًا، فالمعنى على نفي الشمول دون نفي الفعل
_________________
(١) ١ هو شعر المتنبي في ديوانه، وعجزه: تجرى الرياح بما لا تشتهي السفن ٢ ذكره ابن هشام في مغني اللبيب في "باب كل"، وذكره غيره من النحاة، وكأنهم أخذوه، من عبد القاهر ولا يعرف تمامه.
[ ٢٨٤ ]
والوصفِ نَفْسِه. وإذا أخرجتَ "كلاّ" من حيِّز النفي ولمْ تُدْخِلْه فيه، لا لفظًا ولا تقديرًا، كان المعنى على أنَّك تتبَّعْتَ الجملةَ، فنَفَيْتَ الفعلَ والوصفَ عنها واحدًا واحدًا. والعلةُ في أنْ كانَ ذلك كذلكَ، أنكَ إِذا بدأتَ "بكلٍّ" كنتَ قد بنَيْتَ النفيَ عليه، وسلَّطْتَ الكلِّية على النفْي وأعملْتَها فيه، وإعمالُ معنى الكُلِّيةِ في النفي يَقْتضي أن لا يَشُذَّ شيءٌ عن النفي، فاعرفْه.
٣٣٤ - واعلمْ أنَّ مِن شأنِ الوجوهِ والفُروقِ أنْ لا يزالَ يَحْدثُ بسببِها وعلى حَسبِ الأغراضِ والمعاني التي تَقَعُ فيها، دقائقُ وخفايا لا إِلى حدٍّ ونهايةٍ وأنَّها خفايا تكْتُم أنفُسَها جَهْدَها حتى لا يتنبه لأكثرِها، ولا يُعلَمُ أنها هي، وحتى لا تَزالُ تَرى العالِمَ يَعرِضُ له السهوُ فيه، وحتى إنه ليقصِدُ إلى الصواب فيقعُ في أثناء كلامه ما يوهم الخطأ، كل ذلك لشدة الخفاء وفرط الغموض.
[ ٢٨٥ ]
فصل: القول في آية: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِن﴾
٣٣٥ - واعلمْ أنه إِذا كان بيِّنًا في الشيء أنه لا يَحتمِلُ إِلاّ الوجْهَ الذي هو عليه حتى لا يُشْكِلَ، وحتى لا يُحْتاج في العلم بأنَّ ذلك حقُّه وأنه الصوابُ، إِلى فكْرِ ورويةٍ١ فلا مَزِيَّةَ، وإِنما تكونُ المزيةُ ويجِبُ الفضلُ إِذا احتمَلَ في ظاهِر الحالِ غيرَ الوجه الذي جاءَ عليه وجهًا آخرَ، ثمَّ رأيتَ النفسَ تَنْبو عن ذلكَ الوجهِ الآخرِ، ورأيتَ للذي جاء عليه حُسْنًا وقبولًا تعدمهما إِذا أنتَ تركْتَه إِلى الثاني.
٣٣٦ - ومثالُ ذلكَ قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ﴾ [الأَنعام: ١٠٠]، ليس بخافَ أن لتقديمِ "الشركاءِ" حُسْنًا وروعةً ومأخذًا من القلوبِ، أنتَ لا تجدُ شيئًا منه إِنْ أنتَ أخَّرْتَ فقلتَ: "وجعَلوا الجنَّ شركاء الله"، وأنك ترى حالَك حالَ مَنْ نُقِلَ عن الصورةِ المُبْهجة والمَنْظر الرائقِ والحُسْنِ الباهرِ، إِلى الشيءِ الغُفْل الذي لا تَحْلَى منهُ بكثيرِ طائلٍ، ولا تصيرُ النفسُ به إِلى حاصلٍ. والسببُ في أن كانَ ذلك كذلكَ، هو أن للتقديم فائدة شريفة ومعنى جليلًا لا سبيلَ إِليه مع التأخيرِ.
٣٣٧ - بيانه، أنَّا وإنْ كنَّا نرى جملةَ المعنى ومحصولَه أنَّهم جعلوا الجنَّ شركاءَ وعبدوهُمْ مع الله تعالى، وكان هذا المعنى يَحصُلَ مع التأخيرِ حصولَه مع التقديمِ، فإِنَّ تقديمَ "الشركاءِ" يفيدُ هذا المعنى، ويفيدُ معه معنى آخر، وهو أنه ما كانَ يَنبغي أن يكونَ لله شريكٌ، لا من الجن ولا غير الجن.
_________________
(١) ١ السياق: "واعم أنه إذا كان بيتًا فلا مزية".
[ ٢٨٦ ]
وإذا أخر فقيل: "جعلوا الجن شركاء الله"، لم يُفِدْ ذلكَ، ولم يكنْ فيه شيءٌ أكثرُ من الإِخبارِ عنهم بأنهم عبَدوا الجنَّ مع اللهِ تعالى، فأما إنكارُ أنْ يُعْبَد مَعَ الله غيرُه، وأنْ يكونَ له شريكٌ مِنَ الجنِّ وغيرِ الجنِّ، فلا يكونُ في اللفظِ مع تأخيرِ "الشركاءِ" دليلٌ عليه. وذلك أنَّ التقديرَ يكونُ مع التقديمِ: أنَّ "شركاءَ" مفعول أول لجعل، و"الله" في موضعِ المفعولِ الثاني، ويكونُ "الجنّ" على كلام ثانٍ، وعلى تقديرِ أنه كأنه قيل: "فمن جَعلوا شركاءَ لله تعالى؟ "، فقيل: "الجنَّ". وإِذا كان التقديرُ في "شركَاء" أنه مفعولٌ أوّلُ، و"لله" في موضعِ المفعولِ الثاني، وقَعَ الإِنكارُ على كونِ شركاء لله تعالى على الإطلاق، من غيرِ اختصاصِ شيءٍ دونَ شيءٍ. وحصَلَ مِن ذلك أنَّ اتخاذَ الشريكِ من غَيْرِ الجنِّ قد دخَلَ في الإِنكارِ دخولَ اتِّخاذِه من الجنِّ، لأَنَّ الصفةَ إِذا ذُكرت مُجَرَّدة غيرَ مُجْراة على شيءٍ، كانَ الذي تَعَلَّقَ بها من النَّفْي عامَّا في كلِّ ما يجوزُ أن تكونَ له تلك الصفةُ.
فإِذا قلتَ: "ما في الدار كريمٌ"، كنتَ نفَيْتَ الكينونَةَ في الدارِ عنْ كلِّ مَنْ يكون الكرَمُ صفةً له. وحكْمُ الإِنكارِ أبدًا حكْمُ النفي. وإِذا أُخِّر فقيلَ: "وجعَلوا الجنَّ شركاءَ لله"، كان "الجنَّ" مفعولًا أولَ، و"الشركاء" مفعولًا ثانيًا. وإِذا كان كذلك، كان "الشركَاء" مخصوصًا غيرَ مُطْلَق، من حيثُ كانَ مُحالًا أن يَجْريَ خبرًا على الجنِّ، ثم يكونَ عامًّا فيهم وفي غيرهم. وإِذا كان كذلكَ، احْتَمَلَ أن يكونَ القصدُ بالإِنكار إِلى "الجنِّ" خصوصًا، أن يكونوا "شركاءَ" دون غيرهم، جل الله تعالى عن أن يكونَ له شريكٌ وشبيهٌ بحالٍ.
٣٣٨ - فانظرْ الآنَ إِلى شرَفِ ما حصَل من المعنى بأن قُدِّم "الشركاءُ"، واعتبرْهُ فإنهُ يَنبِّهك لكثيرٍ منَ الأمورِ، ويدُلُّك على عِظَمِ شأنِ
[ ٢٨٧ ]
"النظمِ"، وتعلمُ به كيف يكونُ الإيجازُ بهِ وما صُورَتُه؟ ١ وكيفَ يُزادُ في المعنى من غيرِ أن يُزاد في اللفظِ، إِذ قدْ ترَى أنْ ليس إِلاّ تقديمٌ وتأخيرٌ، وأنه قد حصَل لك بذلك من زيادةِ المعنى، ما إِنْ حاولتَ مع تَرْكِهِ لم يحصُلْ لك، واحتجْت إِلى أن تَسْتَأْنِفَ له كلامًا، نحو أن تقول: "وجعلوا الجن شركاء الله، وما يَنْبغي أن يكونَ للهِ شريكٌ لا مِنَ الجنِّ ولا مِنْ غَيْرهم"، ثم لا يكونُ له إِذا عَقَلَ من كلامَيْن من الشَّرَف والفخامةِ ومِن كَرَمِ الموقعِ في النفسِ، ما تَجِدُه له الآنَ وقد عَقلَ من هذا الكلام الواحد.
القول في: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاة﴾:
٣٣٩ - ومما يُنظرُ إِلى مثلِ ذلكَ٢، قولُه تعالى: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ﴾ [البقرة: ٩٦] إِذا أنتَ راجعتَ نفسَك وأذكيتَ حسَّك، وجدتَ لهذا التنكيرِ وأنْ قِيلَ: "على حياةٍ"، ولم يُقَلْ: "على الحياةِ"٣، حُسْنًا وروعةً ولطفَ موقعٍ لا يقادره قدرُه، وتَجِدُكَ تَعْدَمُ ذلكَ مع التعريفِ، وتخرجُ عن الأريحيةِ والأُنْس إِلى خلافِهما. والسببُ في ذلك أنَّ المعنى على الازدِياد منَ الحياةِ لا الحياة من أصلها، وذلك أنه لا يَحْرِصُ عليه إِلاّ الحيُّ، فأمَّا العادِمُ للحياة فلا يصحُّ منه الحرْصُ على الحياةِ ولا على غيرها٣. وإِذا كانَ كذلكَ، صارَ كأنه قيلَ: "ولتجدنَّهُمْ أحْرَصَ الناسِ، ولو عاشوا ما عاشوا، على أن يزدادوا إِلى حياتِهم في ماضي الوقت وراهِنِه، حياةً في الذي يَستقْبِل"٤. فكما
_________________
(١) ١ في "س": كيف يكون الإعجاز وما صورته". ٢ "ومما ينظر إلى مثل ذلك"، ليس في "ج" ولا "س". ٣ من أول قوله: "حسنًا" إلى قوله هنا: " الحرص على الحياة، ساقط من "ج". ٤ في هامش المخطوطة "ج"، بخط الناسخ، وهو من تعليقات عبد القاهر على الأرجح، ما نصه: "أي: أن يزدادوا إلى حياتهم في راهن الحياة، بمنزلة أن تقول: يحبون أن يزدادوا إلى حياتهم في راهن الحال مثل الحياة من أصلها. وكلاهما غاية الحسن".
[ ٢٨٨ ]
أنك لا تقول ههنا: "أن يزدادوا إِلى حياتِهم الحياةَ" بالتعريفِ، وإِنما تقولُ: "حياةً" إِذْ كانَ التعريفُ يَصْلحُ حيثُ تُراد الحياةُ على الإطلاق، كقولنا: "كلُّ أحدٍ يُحب الحياةَ، ويَكرهُ الموتَ"، كذلك الحكْمُ في الآية.
٣٤٠ - والذي ينبغي أَنْ يُراعى: أنَّ المعنى الذي يُوصفُ الإنسانُ بالحرصِ عليهِ، إِذا كانَ موجودًا حالَ وصفِك له بالحرصِ عليه، لم يُتصوَّر أن تجعَلَه حريصًا عليه من أصلِه. كيف؟ ولا يُحْرَصُ على الراهن ولا الماضي، وإِنما يكونُ الحِرصُ على ما لم يُوجَدْ بعد.
تنكير "حياة" في: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾
٣٤١ - وشبيهٌ بتنكير الحياةِ في هذه الآية تنكيرُها في قوله ﷿: [البقرة: ١٧٩]، وذلكَ أنَّ السببَ في حُسنِ التنكيرِ، وأنْ لم يَحْسُن التعريفُ، أنْ ليسَ المعنى على الحياةِ نفسِها، ولكنْ على أنه لمَّا كانَ الإنسانُ إِذا عَلمَ أنه إِذا قتلَ قُتِل، ارتدعَ بذلك عن القتل، فسلم صاحبُه، صار حياةُ هذا المَهْمومِ بقتلِه في مستأنفِ الوقتِ، مستفادَةً بالقِصَاصِ١، وصارَ كأنَّه قد حَييَ في باقي عمره به. وإِذا كان المعنى على حياةٍ في بعضِ أوقاتِه، وجَبَ التنكيرُ وامتنعَ التعريفُ، من حيثُ كان التعريفُ يَقْتضي أن تكونَ الحياةُ قد كانَتْ بالقِصاص من أصْلها، وأن يكونَ القِصاص قد كان سببًا في كونِها في كافَّة الأوقاتِ. وذلك خلافُ المعنى وغيرُ ما هو المقصود.
_________________
(١) ١ أي صارت حياة الذي هم بقتله، مستفادة في مستأنف الوقت بالقصاص.
[ ٢٨٩ ]
ويُبَيِّنُ ذلك أنك تقولُ: "لكَ في هذا غِنًى"، فتنكِّرُ إِذا أردتَ أن تَجْعل ذَلك من بعضِ ما يُسْتَغْنى به، فإِنْ قلتَ: "لكَ فيه الغِنى"، كان الظاهرُ أنك جعلتَ كلَّ غِناه به.
٣٤٢ - وأمرٌ آخرُ، وهو أنه لا يكون ارتداعٌ حتى يكونَ همٌّ وإرادةٌ وليس بواجبٍ أن لا يكونَ إنسانٌ في الدنيا إلاَّ وله عَدوٌّ يَهمُّ بقتله ثم يردَعُه خوفُ القِصاصِ. وإِذا لم يَجِبْ ذلك، فمَن لم يَهُمَّ إِنسانٌ بقتلِه، فكُفيَ ذلك الهَمَّ لخوفِ القصاصِ، فليس هو ممَّن حَيِيَ بالقصاص. وإِذا دخَلَ الخصوصُ، فقد وَجَبَ أن يقالَ "حياةٌ" ولا يقالَ "الحياةُ"، كما وَجَبَ أن يقالَ "شفاءٌ" ولا يقالُ "الشفاءُ" في قولِه تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ [النحل: ٦٩]، حيثُ لم يكن شفاءٌ للجميع.
٣٤٣ - واعلمْ أنه لا يُتصوَّر أنْ يكونَ الذي هَمَّ بالقتلِ فلم يقْتُلْ خوفَ القِصاص داخلًا في الجملة١، وأن يكونَ القِصاصُ أفادَهُ حياةً كما أفادَ المقصودَ قتلُه. وذلك أنَّ هذه الحياةَ إِنَّما هي لمن كان يَقْتُل لولا القِصاصُ، وذلك محالٌ في صِفَةِ القاصِدِ للقتلِ، فإِنما يَصِحُّ في وصفِه ما هو كالضدِّ لهذا، وهو أن يقالَ: إِنه كان لا يُخافُ عليه القَتلُ لولا القصاصُ، وإِذا كانَ هذا كذلكَ، كان وجهًا ثالثًا في وجوب التنكير.
_________________
(١) ١ في هامش "ج" بخط الناسخ، وهو من تعليقات عبد القاهر، ما نصه: "جملة الأمر أن المعنى على أن الهلاك انتفى على العموم بقتله، من أجل خوف القصاص. ولا يتصور أن يقال: إن الهلاك انتفى عن الهام بقتل غيره من أجل خوف القصاص".
[ ٢٩٠ ]
فصل:
الآفة العظمى في ترك البحث عن العلة التي توجب المزية في الكلام:
٣٤٤ - واعلمْ أنه لا يصادِفُ القولَ في هذا البابِ موقعًا من السامِعِ، ولا يَجدُ لديه قَبولًا، حتى يكونَ من أهلِ الذوقِ والمعرفةِ، وحتى يكونَ ممن تُحدِّثهُ نفسُه بأنَّ لِمَا يُومئُ إِليه من الحُسْن واللطْف أصْلًا، وحتى يختلفَ الحالُ عليه عندَ تأمُّلِ الكلامِ، فيجَدَ الأريحيَّة تارةً، ويعْرى منها أخرى، وحتى إِذا عجَّبْتَه عَجِبَ، وإذا نَبَّهْتَه لَموضع المزيةِ انْتَبَه.
فأما من كان الحالانِ والوجهانِ عنده أبدًا على سَواء، وكان لا يفقد من أمرِ "النظمِ" إِلا الصحَّةَ المُطلقةَ، وإلاَّ إِعرابًا ظاهرًا، فما أقَلَّ ما يُجدي الكلامُ معه. فَلْيَكُنْ مَنْ هذه صِفتُهُ عندكَ بمنزلةِ مَنْ عَدِمَ الإحساسَ بوزِن الشِّعر، والذوقِ الذي يُقيمه به، والطَّبعَ الذي يُميٍّزُ صحيحَه من مكسورِه، ومَزاحِفه من سالِمِه، وما خرجَ مِن البحرِ ممَا لم يَخْرُجُ منهُ١ في أنك لا تتصدَّى له، ولا تتكلَّفُ تعريفَه، لِعلْمِكَ أنه قد عدمَ الأداةَ التي معها يَعرفُ، والحاسَّةَ التي بها يَجدُ. فليكُنْ قَدْحُكَ في زنَدٍ وارٍ، والحكُّ في عُودٍ أنت تطمعُ منه في نار.
٣٤٥ - واعلمْ أنّ هؤلاء، وإنْ كانوا همُ الآفةَ العظمى في هذا البابِ، فإنَّ مِن الآفَةِ أيضًا مَنْ زَعم أنه لا سبيلَ إِلى معرفةِ العِلَّةِ في قليلِ ما تعرف المزية
_________________
(١) ١ السياق: "فَلْيَكُنْ مَنْ هذه صِفتُهُ عندكَ بمنزلةِ مَنْ عدم الإحساس في أنك لا تتصدى له".
[ ٢٩١ ]
فيه وكثيرِه، وأنْ ليس إلاَّ أنْ تَعلمَ أنَّ هذا التقديمَ وهذا التنكيرَ، أو هذا العطْفَ أو هذا الفصْلَ حسَنٌ، وأنَّ له موقعًا من النفسِ وحظَّا من القَبول، فأمَّا أنْ تَعلم لمَ كان كذلك؟ وما السَّبَبُ؟ فَمِمَّا لا سبيلَ إِليه، ولا مطمعَ في الاطِّلاعِ عليه، فهو بتوانِيهِ والكَسل فيه، في حُكْم مَنْ قالَ ذلك.
٣٤٦ - واعلمْ أنه ليسَ إذا لم تمكن معرفةُ الكلِّ، وجَبَ تركُ النظرِ في الكلِّ. وأنْ تعرفَ العلَّةَ والسببَ فيما يُمْكِنك معرفةُ ذلك فيه وإِنْ قلَّ فتجعلَه شاهدًا فيما لم تَعْرِفْ١، أحْرَى مِن أنْ تَسُدَّ بابَ المعرفة على نفسِك، وتأْخذَها عن الفهم والتفهُّم، وتعوِّدَها الكسَل والْهُوَيْنا. قال الجاحظُ:
"وكلامٌ كثيرٌ قد جَرى على ألسنةِ الناس، وله مَضَرّةٌ شديدةٌ وثمرةٌ مُرَّةٌ. فمِنْ أَضَرَّ ذلك قولُهم: "لم يَدَع الأولُ للآخِرِ شَيئًا"، قال: فلو أنَّ علماءَ كلِّ عصر مذجرت هذه الكلمةُ في أسمْاعهم، ترَكُوا الاستنباطَ لِمَا لَمْ يَنتهِ إِليهم عَمَّن قَبْلَهم، لرأيتَ العِلم مُختلًاّ. واعلمْ أنَّ العلمَ إِنما هو معدِنٌ٢، فكما أنه لا يمنعك أن ترى ألوف وِقْرِ قد أُخرجَتْ من معدنِ تبْرٍ٣، أنْ تطلُبَ فيه، وأن تأخُذَ ما تَجد ولو كَقَدْرِ تُومةٍ٤، كذلكَ، ينبغي أن يكون رأيْكَ في طلبِ العلمِ"٥. ومنَ الله تعالى نَسألُ التوفيق.
_________________
(١) ١ "وأن تعرف العلة"، يعني "معرفتك العلة أحرى من النار تسد باب المعرفة". ٢ المعدن" هو الموضع الذي تستخرج منه جواهر الأرض كالذهب والفضة، وهو الذي نسميه اليوم المنجم". ٣ في المطبوعة وحدها: "ألف وقر" و"الوفر" بكسر فسكون، جمل ما يحمله البعير أو البغل. و"التبر"، الذهب. ٤ "التومة"، حبة تعمل من الفضة كالدرة مستديرة. ٥ نص الجاحظ هذا، أعيان أن أقف عليه في كتبه التي بين يدي الآن.
[ ٢٩٢ ]