فصل:
مسألة في تفسير: "إِنَّ فِي ذَلِكَ لذكرى لِمَن كَانَ لَهُ قلب"، ومعنى "القلب"
٣٦٠ - هذه مسئلة قد كنتُ عمِلْتُها قديمًا، وقد كتبتُها ههنا لن لها اتصالًا بهذا الذي صارَ بنا القولُ إليه. قولُه تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ [ق: ٢٧]، أي لِمَنْ أعْمَلَ قلْبَه فيما خُلِق القلبُ لهُ مِنَ التدبُّر والتفكُّر والنظرِ فيما ينبغي أن يُنْظَرَ فيه. فهذا على أن يُجْعلَ الذي لا يَعِي ولا يسَمعُ ولا يَنْظرُ ولا يتفكَّرُ، كأنه قد عَدِمَ القلبَ من حيثُ عَدِمَ الانتفاعَ به، وفاتَه الذي هو فائدةُ القلبِ والمطلوب منه كما يجعل الذي لا يَنْتفِعُ بِبصرِهِ وسَمْعه ولا يُفكِّر فيما يؤدِّيان إليه، ولا يَحْصُل من رؤية ما يُرَى وسَماعِ ما يُسْمَعُ على فائدةٍ، بمنزلةِ مَنْ لا سَمْعَ له ولا بَصَرَ.
فأمَّا تفسيرُ مَنْ يُفَسِّرهُ على أنه بمعنى "من كان له عقلٌ"، فإِنه إنما يَصحُّ على أن يكونَ قد أرادَ الدلالةَ على الغرضِ على الجملة، فأمَّا أن يؤخذَ به على هذا الظاهر حتى كأنَّ "القلبَ" اسمٌ "للعقل"، كما يتوهمه الحَشْوِ ومَنْ لا يَعرِفُ مخارِجَ الكلامِ١، فمحالٌ باطلٌ، لأنه يؤدي إلى إبطالِ الغرَضِ من الآيةِ، وإلى تَحْريفِ الكلامِ عن صورتِه، وإزالةِ المعنى عن جهته. وذاك أنَّ المرادَ به الحثُّ على النظرِ، والتقريعُ على تَرْكه، وذمُّ مَنْ يُخِلُّ به وَيغْفِل عنه. ولا يَحْصُل ذلك إلا بالطريقِ الذي قدَّمْتُه، وإلاَّ بأنْ يكونَ قد جُعِل من لا يَفْقَه بقلبهِ ولا يَنْظُر ولا يَتفكَّر، كأنه ليس بذي قلبٍ، كما يُجْعَل كأنه جمادٌ، وكأنه ميْتٌ لا يَشْعر ولا يُحِسّ. وليس سبيلُ مَنْ فسَّر "القلبَ" ههنا على "العقل"، إلا سبيلَ من
_________________
(١) ١ في المطبوعة: "أهل الحشو"، وهو فساد. و"الحشو" من الكلام، الفضل الذي لا يعتمد عليه. و"الحشو" من الناس صغارهم وأراذلهم.
[ ٣٠٤ ]
فسر عليه "العين" و"السمع" في قول الناس: "هذا بَيِّنٌ لمن كانت له عَينٌ، ولِمَنْ كان له سَمْع" وفسَّرَ "العمى" و"الصمم" و"الموت" في صفةِ من يُوصَفُ بالجهالة، على مُجرَّد الجهل، وأجْرى جميعَ ذلك على الظاهر، فاعرفْه.
٣٦١ - ومن عادةِ قومٍ ممَّن يتعاطى التفسيرَ بغير علمٍ، أن يتوهَّموا أبدًا في الألفاظ الموضوعةِ على المجاز والتمثيلِ، أنها على ظواهرِها، فُيُفسدوا المعنى بذلك، ويُبطلوا الغرضَ، ويمنعوا أنفسَهم والسامعَ منهم العلمَ بموضع البلاغة، ومكان الشرف. وناهيكَ بهم إِذا هم أخذوا في ذكرِ الوجوه، وجعَلوا يُكثرون في غيرِ طائل، هناكَ تَرى ما شئتَ من بابِ جهلٍ قد فتَحُوه، وزنْدِ ضلالةٍ قد قَدَحوا به، ونسألُ الله تعالى العصمة والتوفيق.
[ ٣٠٥ ]
فصل:
فصل دقيق في "الكناية"، وإثبات الصفة عن طريقها، وأمثلة ذلك:
٣٦٢ - هذا فنٌّ من القول دقيق المسلك، لطيفُ المأخذ، وهو أَنَّا نراهم كما يصنعون في نفسِ الصفة بأن يذهبوا بها مذهب الكنايةِ والتعريضِ، كذلك يذهبون في إِثباتِ الصفة هذا المذهبَ. وإذا فعلوا ذلك، بدتْ هناك محاسنُ تملأ الطرْفَ. وَدقائقُ تُعجزُ الوصفَ، ورأيتَ هنالك شعرًا شاعرًا، وسحْرًا ساحرًا، وبلاغةً لا يكمل لها إلا الشاعرُ المُفْلِق، والخطيبُ المِصْقَع. وكما أنَّ الصفةَ إذا لم تأتِكَ مُصرَّحًا بذِكْرها، مكشوفًا عن وجهها، ولكن مدلولًا عليها بغيرها، كان ذلك أفخمَ لشأنها، وألطفَ لمكانِها، وكذلك إثباتك الصفة للشيء ثبتها له، إِذا لم تُلْقِه إلى السامع صريحًا، وجئتَ إليه من جانبِ التعريضِ والكنايةِ والرمزِ والإِشارة، كان له من الفضلَ والمزيَّة، ومن الحسْن والرونق، ما لا يقلُّ قليلُه، ولا يُجْهَلُ موضِعُ الفضيلةِ فيه.
٣٦٣ - وتفسيرُ هذه الجملةِ وشرحُها: أنهم يرومون وصْفَ الرجل ومدْحَه، وإثباتَ معنًى من المعاني الشريفةِ له، فيَدَعونَ التصْريحَ بذلك، ويُكَنُّونَ عن جَعْلها فيه بِجَعْلها في شيءٍ يَشْتمِلُ عليه وَيتَلبَّس به، ويتوصَّلون في الجملة إلى ما أَرادوا من الإِثباتِ، لا من الجهةِ الظاهرةِ المعروفةِ، بل من طريقٍ يَخْفى، ومَسْلكٍ يَدِقُّ؟ ومثالُه قولُ زيادٍ الأعجمِ:
إنَّ السَّماحَةَ والمُروءةُ والنَّدَى في قُبَّةِ ضُرِبَتْ على ابْنِ الحَشْرجِ١
_________________
(١) ١ الشعر في الأغاني ١٥: ٣٨٦ "الدار"، وكان زياد الأعجم نزل على عبد الله بن الحشرج وهو باسبور، فأنزله وألطفه. وفي هامش المخطوطة "ج" ما نصه: وبعده. ملكٌ أغَرُّ مُتَوَّجٌ ذُو نائِلٍ للمُعْتَفِيْنَ، يَمِيْنهُ لَم تَشْنَجِ يا خَيْرَ من صَعِدَ المنابِرَ بالتُّقى بعدَ النَّبِيِّ المُصْطفى المُتَحَرِّجِ لمَّا أَتَيْتُكَ رَاجِيًا لِنَوالِكُمْ أَلفَيْتُ بَابَ نوالِكُمْ لَمْ يرتج
[ ٣٠٦ ]
أرادَ، كما لا يخفى، أنْ يُثْبِتَ هذه المعاني والأوصافَ خلالًا للمدوح وضرائبَ فيه١، فتركَ أنْ يُصرَّحَ فيقولَ: "إنَّ السماحةَ والمروءةَ والندى لمجموعةٌ في ابنِ الحَشْرج، أو مقصورةٌ عليه، أو مختصَّة به"، وما شاكَلَ ذلك مما هو صريحٌ في إثباتِ الأوصافِ للمذكورين بها، وعدَلَ إِلى ما تَرى مَن الكناية والتَّلويح، فجعل كونَها في القُبَّة المضروبةِ عليه، عبارةً عن كونها فيه، وإِشارةً إِليه، فخرَجَ كلامُه بذلك إِلى ما خَرَجَ إِليه منَ الجَزالةِ، وظهرَ فيه ما أنت تَرى منَ الفخَامة، ولو أنه أَسْقَط هذه الواسِطَة من البَيْن، لما كان إِلاَّ كلامًا غُفْلًا، وحديثًا ساذَجًا.
٣٦٤ - فهذه الصنعةُ في طريقِ الإثباتِ، هي نظيرُ الصنعةِ في المعاني، إِذا جاءتْ كناياتٍ عن معانٍ آخَر، نحو قوله:
وما يَكُ فيِّ مِنْ عيبٍ فإنِّي جبانُ الكلبِ مهزولُ الفَصيل٢
فكما أَنَّه إِنَّما كان مِنْ فاخرِ الشِّعر، وممَّا يقَعُ في الاختيار٣، لأجل أنه أَرادَ أنْ يذْكُرَ نفسَه بالقرى والضيافةِ، فكنَّى عن ذلك بجُبْنِ الكَلْب وهُزالِ الفصيلِ، وتَرَكَ أن يُصرِّحَ فيقولَ: "قد عُرِفَ أنَّ جَنابِي مألوف، وكلبي
_________________
(١) ١ "الضرائب" جمع "ضريبة". وهي الخليقة والسجية والطبيعة. ٢ غير منسوب، في شرح الحماسة للتبريزي ٤: ٩٣، والحيوان ١: ٣٨٤، وهو بيت عائر، إلا ثاني له، وقد سلف شطره في رقم: ٣٠٦. ٣ يعني اختيار أبي تمام له في الحماسة.
[ ٣٠٧ ]
مؤدَّبٌ لا يَهِرُّ في وجوهِ مَنْ يَغْشاني من الأضياف، وأني أنحر المتالي من إبل، وأَدَعُ فِصالَها هَزْلى"١ كذلك، إِنما راقَكَ بيتُ زياد، لأنه كنَّى عن إثباتِه السماحةَ والمروءةَ والندى كائنةً في الممدوحِ، بجعلها كائنةً في القبةِ المضروبةِ عليه.
٣٦٥ - هذا، وكما أنَّ مِنْ شأنِ الكنايةِ الواقعةِ في نفسِ الصفةِ أن تجيءَ على صورٍ مختلفةٍ، كذلك مِنْ شأنها إذا وقعَتْ في طريقِ إثباتِ الصفةِ أنْ تجيءَ على هذا الحدِّ، ثم يكونُ في ذلك ما يتناسَبُ، كما كان ذلك في الكنايةِ عن الصفةِ نفسِها.
تفسيرُ هذا: أنك تَنظُرُ إِلى قولِ يزيد بن الحَكَم يمدح به يزيدَ بنَ المهلَّبِ، وهو في حَبْسِ الحَجّاجِ:
أَصْبَحَ في قَيْدِكَ السَّمَاحَةُ والمجدُ وفَضْلُ الصَّلاحِ والحسَبُ٢
فتراه نظيرًا لبيتِ "زياد"، وتَعْلم أنَّ مكان "القيد" ههنا هو مكانُ "القبَّة" هناك.
كما أنَّك تَنْظُر إلى قوله: "جبانُ الكلب"، فتعلمُ أنَّه نظيرٌ لقوله:
زجرت كلابي أن يهر عقورها٣
_________________
(١) ١ "المتالي" الأمهات من النوق تتلوها أولادها وتتبعها. ٢ هو من شعره في الأغاني ١٢: ٢٩١، "الدار". ٣ هو شعر شبيب بن البرصاء، في الأغاني ١٢: ٢٧٥، "الدار" وتمامه: ومستنبح يدعو وقد حال دونه من الليل سجفا ظلمة وستورها رفعت له ناري، فلما اهتدى بها زجرتُ كلابي أَنْ يهِرَّ عَقُورها
[ ٣٠٨ ]
مِنْ حَيثُ لم يكُنْ ذلك "الجبنُ" إلاَّ لأَنْ دامَ منهُ الزجْرُ واستمرَّ، حتى أخرجَ الكَلْبَ بذلك عمَّا هو عادتُه منَ الهَريرِ والنَّبْح في وجْه مَنْ يَدْنو مِنْ دارٍ هو مُرْصَدٌ لأن يَعُسَّ دونها.
وتنظُرُ إلى قولهِ: "مهزولُ الفصيل"، فتعلمُ أنه نظيرُ قولِ ابن هَرْمَةَ:
لا أُمْتِع العُوذَ بالفصال١
وتنظُر إلى قول نصيب:
لِعَبْدِ العَزيزِ على قَوْمِهِ وغيرهمُ منَنٌ ظاهِرَهْ
فبابك أسهل أبوابهم ودارك مأهولةعامرة
وكلبك آنس بالزائين مِنَ الأُمّ بالإبْنَةِ الزائرَهْ٢
فَتَعلمُ أنه من قول الآخر:
يكادُ إذا ما أبصرَ الضيفَ مَقْبلًا يَكلّمه مِنْ حُبِّهِ وهْوَ أَعْجَمُ٣
وأنَّ بينهُما قرابةً شديدة ونسبًا لاصقًا، وأن صورتهما فيفرط التناسُب صورةُ بيتَي "زيادٍ" و"يزيدَ".
٣٦٦ - ومما هو إثباتٌ للصفةِ على طريقِ الكنايةِ والتَّعريض، وقولهم "المجْدُ بَيْنَ ثَوْبَيْه، والكَرَمُ في بُرْدَيْه"، وذلك أن قائلَ هذا يتَوصَّلُ إلى إثباتِ المجدِ
_________________
(١) ١ هو شعر إبراهيم قبن هرمة، وقد سلف برقم: ٣١١، وسيأتي بعد قليل برقم: ٣٦٩. ٢ هو في شعره المجموع، والرواية الصحيحة: "أرأف بالزائرين"، كما سيأتي برقم: ٣٦٨. ٣ هو لإبراهيم بن هرمة في شعره المجموع، والبيان والتبيين ٣: ٢٠٥.
[ ٣٠٩ ]
والكَرَم للممدوحِ، بأن يَجعلَهما في ثوبِه الذي يلْبَسُه، كما توصَّل "زيادٌ" إلى إثباتِ السماحةِ والمروءة والنَّدى لابنِ الحَشْرج، بأنْ جَعَلَها في القُبَّة التي هو جالسٌ فيها. ومن ذلك قوله:
وحيْثُما يكُ أمرٌ صالحٌ فَكُنِ١
وما جاءَ في معناه من قوله:
يَصيرُ أَبانٌ قَرينَ السَّماحِ والمَكْرُماتِ مَعًا حيثُ صارا٢
وقولُ أبي نُواسَ:
فَما جازَهُ جُوْدٌ ولا حلَّ دُونَه ولكنْ يَصيرُ الجُودُ حَيْثُ يَصيرُ٣
كلُّ ذلك تَوصُّلٌ إلى إثباتِ الصِّفة في الممدوح بإِثباتها في المكانِ الذي يكونُ فيه، وإلى لُزومها له بلُزومها الموضِعَ الذي يَحُلُّه. وهكذا إنِ اعتبرْتَ قولَ الشَّنفَرى يصف امرأة بالعفة:
يبيتُ بمنجاةٍ مِنَ اللَّوْم بيْتُها إِذا ما بُيوتٌ بالملامَةِ حُلَّتِ٤
وجدْتَهُ يَدْخُل في معنى بيتِ "زيادٍ"، وذلك أنه توصَّلَ إلى نفي اللوم
_________________
(١) ١ هو شعر زهير بن أبي سلمى، وكان في المطبوعة والمخطوطة، "تكن" بالتاء، وهو خطأ. والشعر يقوله لهرم بن سنان، وصدره: هناك ربك ما أعطاك من حسن ٢ هو للكميت في شعره المجموع ٣ هو في ديوانه. ٤ هي من المفضلية رقم: ٢٠، وفي هامش المخطوطة بخط كاتبها فوق كلمة: "بمنجاة"، وكأنه قول عبد القاهر، ما نصه: "الرواية الصحيحة: بمنحاة، بالحاء غير المعجمة".
[ ٣١٠ ]
عنها وإبعادِها عنه، بأن نَفَاه عن بيتها وباعَدَ بينَهُ وبَيْنَهُ، وكان مَذْهبُه في ذلك مذْهَبَ "زيادٍ" في التوصُّلِ إلى جَعْلِ "السماحةِ والمروءةِ والنَّدى" في ابنِ الحَشْرَجِ، بأن جعَلَها في القبَّة المضروبةِ عليه. وإنَّما الفرقُ أنَ هذا يَنْفي، وذاك يُثْبِتُ. وذلك فَرْقٌ لا في موضِعِ الجمعِ، فهو لا يَمْنَعُ أن يكونا من نصاب واحد.
٣٦٧ - ومما هو حُكْم المناسِب لبيتِ "زيادٍ" وأمثالهِ التي ذكَرْتُ، وإنْ كانَ قد أُخْرِجَ في صورةٍ أغربَ وأبدع، قول حسان ﵁:
بَنَى الْمَجْدَ بَيْتًا فَاسْتَقَرَّتْ عِمَادُه عَليْنا، فأعْيى الناس أن يتحولا١
وقول البحتري:
أوما رأيتَ المجدَ أَلْقى رحْلَه في آلِ طلحةَ ثُمَّ لَمْ يَتحوَّلِ٢
ذاكَ لأنَّ مدَارَ الأمرِ على أنَّه جَعَلَ المجْدَ والممدوحَ في مكانٍ، وجعَلَه يكونُ حيثُ يكونُ.
٣٦٨ - واعلمْ أنه ليس كلُّ ما جاء كنايةً في إثباتِ الصفةِ يَصْلحُ أَنْ يُحْكَمَ عليه بالتناسُبِ.
معنى هذا: أنَّ جعْلَهمُ الجُودَ والكَرَمَ والمجْدَ يَمْرضُ بِمَرضِ الممدوح كما قال البحتري:
ظَلِلْنا نَعودُ الجودَ من وَعْكِكَ الذي وجَدْتَ وقلنا اعتل عضو من المجد٣
_________________
(١) ١ في ديوانه. ٢ في ديوانه. ٣ في ديوانه.
[ ٣١١ ]
وإنْ كان يَكونُ القصْدُ منه إثباتَ الجودِ والمجدِ للممدوحِ، فإِنَّه لا يَصِحُّ أنْ يقالَ إِنه نظيرٌ لبيتَ "زيادٍ" كما قلنا ذاك في بيتِ أبي نواس:
ولكنْ يصَيرُ الجودُ حيثُ يصَيرُ
وغيرِه مما ذكَرْنا أنه نظيرٌ له كما أنه لا يجوزُ أن يُجْعَل قَولُه:
وكلبُكَ أرافُ بالزائرينَ١
مثلًا، نظيرًا لقوله:
مهزولُ الفصيل٢
وإنْ كان الغَرضُ منهما جميعًا الوصفَ بالقِرى والضيافةِ، وكانا جميعًا كنايتين عن معنى واحدٍ، لأنَّ تعاقُبَ الكناياتِ على المعنى الواحدِ لا يُوجِبُ تَناسُبَها، لأنه في عَرُوض أنْ تَتَّفِقَ الأشعارُ الكثيرةٌ في كونها مَدْحًا بالشجاعة مَثَلًا أو بالجودِ أو ما أشبه ذلك.
كيف تختلف "الكنايتان"، فلا تكون إحداهما نظيرا للأخرى:
٣٦٩ - وقد يَجْتمِعُ في البيت الواحدِ كنَايتانِ، المغْزى منهما شيءٌ واحدٌ، ثم لا تكونُ إِحداهما في حكْم النظيرِ للأُخرى. مثالُ ذلك أنه لا يكون قوله: "جبان الكلب" نظير لقوله: "مهزولُ الفصيل"، بل كلُّ واحدةٍ من هاتينِ الكنايَتْينِ أَصْلٌ بنفسِه، وجنسٌ على حدة، وكذلك قولِ ابن هَرْمَةَ:
لا أُمْتِع العُوذَ بالفصال ولا أَبْتاعُ إلا قريبةَ الأَجَلِ٣
ليس إحدى كنايتَيْه في حُكْمِ النظيرِ للأخرى، وإن كانَ المكنى بهما عنه واحدًا، فاعرفه.
_________________
(١) ١ انظر رقم: ٣٦٥، والتعليق عليك هناك. ٢ انظر رقم: ٣٦٤. ٣ انظر ما سلف رقم: ٣١١، ٣٦٥.
[ ٣١٢ ]
٣٧٠ - وليس لِشُعَبِ هذا الأصْلِ وفروعِه وأمثلتِه وصُورهِ وطُرُقِهِ ومسالِكِه حدٌّ ونهايةٌ. ومن لطيفِ ذلك ونادره قول أبي تمام:
أَبَيْنَ فمَا يَزُرْنَ سِوى كَريم وحسْبُكَ أَن يَزُرْنَ أبا سَعيدِ١
ومثلُه، وإنْ لم يَبلُغْ مبلغه، قول الآخر:
مَتى تَخْلُو تَميمٌ مِنْ كَريمٍ ومَسْلمَةُ بْنُ عَمْروٍ مِنْ تميمِ٢
وكذلك قولُ بعضِ العربِ:
إذا لله لم يَسْقِ إلاَّ الكِرامَ فسقَى وجوهَ بني حَنْبَلِ
وسَقى ديارَهُمُ باكِرًا مِنَ الغَيْثِ في الزمن الممحل٣
_________________
(١) ١ في ديوانه، وفي هامش "ج" بخط كاتبها، وكأنه تعليق لعبد القاهر. " أي: وحسبك في الدلالة على أنهن لا يزرن سواه، أنهن يزرن أبا سعيد، والخطاب في مثل هذا لكل من سمع الشعر". ٢ لم أقف عليه بعد. ٣ هذا الشعر في الأغاني ٢٢: ٢٦٩ - ٣٧١ منسوبًا لزهير بن عروة بن جلهمة بن حجر بن خزاعي، التميمي المازني، ولقبه السكب" وهو في الأزمنة والأمكنة ٢: ٤٦، ٢٤٧، لبعض بني مارن، ونسب المبرد بيتًا منه في الكامل ٢: ٦٨ للمازني مبهمًا، وذكر بعضه في اللسان (ربب"، وقال ابن بري: "ورأيت من نسبه لعروة بن جلهمة المازني"، وذلك لأن صاحب اللسان نسبه لعبد الرحمن بن حسان، إذا روى عن الأصمعي، أنه قال: "أحسن بيت قالته العرب في وصف الرباب "السحاب" يعني قوله: كأن الرباب دوين السحاب نعام تعلق بالأرجل ونسبه لعبد الرحمن أيضًا أبو عبيد القاسم بن سلام (معجم الأدباء ٦: ١٦٥"، ورواية البيت الثاني في الأغاني: فنعم بنو العم والأقربون لدى حطمة الزمن الممحل وأخشى أن يكون الشيخ جمع بين بيتين في بيت.
[ ٣١٣ ]
وفنٌّ منه غريبٌ، قَولُ بعضِهم في البرامكة:
سألت الندى والجود مالي أراكُما تَبدَّلتُما ذُلاَّ بِعِزٍّ مؤيَّدِ
وما بالُ ركْنِ المجْدِ أَمْسَى مُهَدَّما فَقالا: أُصِبْنا بابنِ يَحيى مُحمَّدِ
فقلتُ فهلاَّ مُتَّمَا عِنْدَ موتهِ فقَدْ كُنْتُما عبْدَيْه في كُلِّ مَشْهدِ
فقالا: أقمنا كي نعزى بفقده سافة يوم، ثم تتلوه في غد١
_________________
(١) ١في البيت الأول "عز مؤيد"، من "أيده" إذا قواه وعزره، وكان في المطبوعة والمخطوطتين "مؤيد" بالباء الموحدة، وهو عندي ليس بشيء.
[ ٣١٤ ]