٤٥٧ - قد أردنا أن نستأنِفَ تقريرًا نزيدٌ به الناسَ تَبصيرًا أنَّهم في عمياءَ من أمرِهم حتَّى يسلكوا المسلَكَ الذي سلكناه، ويُفْرِغوا خواطِرَهُم لتأمُّلِ ما استخرجناه وأنَّهم، ما لم يأخذوا أنفسَهم بذلك، ولم يُجرِّدوا عناياتِهم له١ في غرورٍ، كمن يَعِدُ نفسه الريَّ من السَّرابِ اللامع، ويخادعها بأكاذيب المطامع.
بيان في معنى "التحدي"، وأي شيء طولبوا أن يأتوا به؟ وهو مهم:
٤٥٨ - يقال لهم: إنكم تتْلون قولَ اللهِ تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ [هود: ١٣]، وقوله: ﴿بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِه﴾ [البقرة: ٢٣]، فقولوا الآن: أيجوزُ أنْ يكونَ تعالى قد أمرَ نبيه ﷺ بأنْ يتحدَّى العربَ إلى أن يُعارضوا القرآنَ بمثلِهِ، من غيرِ أن يكونوا قد عَرَفوا الوصفَ الذي إذا أتَوا بكلامٍ على ذلك الوصفِ، كانوا قد أَتَوا بمثلِه؟
ولا بُدَّ من "لا"، لأنَّهم إنْ قالوا: "يجوزُ"، أبطلوا التحدِّي، من حيث إنَّ التحدي -كما لا يخفى- مطالبةٌ بأن يأتوا بكلامٍ على وصفٍ، ولا تصحُّ المطالبةُ بالإِتيان به على وصفٍ من غيرِ أن يكونَ ذلك الوصفُ معلومًا للمطالَبِ٢ ويبطلُ بذلك دعوى الإِعجاز أيضًا؛ وذلك لأنه لا يتصور أن
_________________
(١) ١ السياق: "وأنهم في غرور". ٢ السياق: " إن قالوا: يجوز، أبطلوا التحدي ويبطل بذلك".
[ ٣٨٥ ]
يقالَ: إنه كانَ عَجْزٌ، حتى يثبتَ معجوزٌ عنه معلوم؛ فلا يقومُ في عَقْل عاقلٍ أن يقول لخصمٍ له: "قد أعجزَك أن تفعل مثل فعلي"، وهو لا يشير له إلى وصفٍ يَعلَمُه في فعله، ويراهُ قد وقعَ عليه؛ أفلا تَرى أنَه لو قالَ رَجلٌ لآخرَ: "إني قد أحدثتُ في خاتَمٍ عملتهُ صنعة أنتَ لا تستطيعُ مثلَها"، لم تَتَّجه له عليه حجةٌ، ولم يثبُتْ به أنه قد أتى بما يعجزُه، إلا من بعدِ أن يرِيَهُ الخاتمَ، ويشيرَ له إلى ما زعمَ أنه أبدعَه فيه منَ الصَّنعة، لأنه لا يصحُّ وصفُ الإِنسانِ بأنه قد عَجزَ عن شيءٍ، حتى يريدَ ذلك الشيءَ ويقصدَ إليه، ثم لا يتأتَّى له. وليس يتصوَّرُ أن يقصِدَ إلى شيءٍ لا يعلَمُه. وأن تكونَ منه إرادةٌ لأمرٍ لم يعلمْه في جملةٍ ولا تفصيلٍ.
٤٥٩ - ثم إنَّ هذا الوصفَ ينبغي أنْ يكونَ وصْفًا قد تجدَّد بالقرآن، وأمر لم يُوجَدْ في غيرهِ، ولم يُعْرف قَبْلَ نزولِه. وإِذا كان كذلك؛ فقد وَجَب أنْ يُعْلَم أَنه لا يجوزُ أن يكونَ في "الكَلم المفردةِ"، لأَن تقديرَ كونِه فيها يؤدِّي إلى المُحال، وهو أن تكونَ الألفاظُ المفردةُ التي هي أوضاعُ اللُّغة، قد حدَثَ في مذاقة حروفِها وأصدائها أوصافٌ لم تكُنْ١، لتكونَ تلك الأوصاف فيها أقبل السامعون عليها إِذا كانتَ متلوَّة في القرآن، لا يَجدونَ لها تلكَ الهيئاتِ والصفاتِ خارِجَ القرآنِ٢. ولا يجوزُ أن تكونَ في "معاني الكلم المفردة"، التي هي لها بوضع
_________________
(١) ١ في المطبوعة وحدها: "حذاقة حروفها"، خطأ صرف. ٢ معطوف على قوله في أول البقرة: " لا يجوزُ أن يكونَ في الكَلم المفردةِ ".
[ ٣٨٦ ]
اللغة؛ لأنه يؤدي إلى أن يكونَ قد تجدد في معنى "الحمد" و"الرب"، ومعنى "العالمين" و"الملك" و"اليوم" و"الذين"، وهكذا، وصْفُ لم يكُنْ قَبْل نزولِ القرآن. وهذا ما لَوْ كان ههنا شيءٌ أَبَعدُ من الحال وأشنعُ لكان إيَّاه١.
ولا يجوزُ أَن يكون هَذا الوصفُ في "ترتيب الحَركاتِ والسَّكَناتِ"، حتى كأَنهم تُحُدُّوا إلى أن يأتوا بكلام تكون كلماته على تواليه في زِنَةِ كلماتِ القرآنِ، وحتى كأنَّ الذي بانَ به: القرآنُ مِن الوَصْف في سبيلِ بَيْنُونَة بِحُور الشِّعْر بعضِها مِنْ بَعضٍ، لأنه يخرج إلى ما تعاطه مُسيلِمَةُ من الحماقة في: "إنا أعطيناكَ الجَماهر، فَصَل لِربِّك وجاهِرْ"، "والطَّاحناتِ طحنًا".
وكذلك الحكْمُ إنْ زَعم زِاعمٌ "أنَّ الوصْفَ الذي تُحُدُّوا إليه هو أَن يَأْتوا بكلامٍ يَجعلونَ له مَقاطعَ، وفواصلَ، كالذي تَراهُ في القرآن"؛ لأنه أيضًا ليس بأكثرَ مِن التَّعويلِ على مراعاةِ وزْنٍ. وإنَّما الفواصلُ في الآيِ كالقوافي في الشِّعر، وقد عَلِمْنا اقتدارَهم على القوافي كيف هوَ، فلَوْ لم يكنِ التحدِّي إلا إلى فُصولٍ منَ الكلامِ يكونُ لها أواخرُ أشباهِ القوافي، لم يُعْوِزْهُم ذلك، ولم يتعذَّرْ عليهم. وقد خُيِّل إلى بعضهم إن كان الحكاية صححية شيءٌ من هذا، حتى وَضعَ على ما زَعموا فصولَ كلام أواخرُها كأواخرِ الآيِ٢، مثْلَ "يعلمون" و"يؤمنون" وأشباه ذلك٣.
_________________
(١) ١ أيضًا، معطوف آخر على أول البقرة. ٢ في المطبوعة وحدها: فصول الكلام، خطأ. ٣ معطوف على ما أشرت إليه في الفقرة السالفة. وهذه العبارة الآتية كلها ليست في "س".
[ ٣٨٧ ]
ولا يَجوزُ أَن يكونَ الإِعجازُ بأن لم يُلْتَقَ في حُروفه ما يَثْقُلُ على اللسانِ.
أي شيء بهر العقول من القرآن، وكلام الوليد بن المغيرة، وابن مسعود، والجاحظ:
٤٦٠ - وجملةُ الأمرِ أَنه لَن يَعرِضَ هذا وشَبهُهُ من الظنونِ لِمَنْ يَعرِضُ لهُ إلاَّ مِن سوءِ المعرفةِ بهذا الشأنِ، أوْ للخذلانِ، أو لِشهوةِ الإِغرابِ في القولِ. ومَنْ هذا الذي يَرْضى مِنْ نَفْسه أنْ يَزعمَ أنَّ البرهانَ الذي بان لهم، والأمر الذي بهرهم، والهيبة التي ملأتْ صدُورَهم١، والروعةَ التي دخلتْ عليهم فأزعَجَتْهم حتَّى قالوا: "إنَّ له لحلاوةً، وإنَّ عليه لطولاة، وأن أسفله لمعذق، وإنَّ أعلاه لَمْثْمِرٌ٢، إنما كان لِشيءٍ راعَهُم من مَواقعِ حركاتِه، ومِن تَرتيبٍ بيْنَها وبَيْنَ سكناته؟ أم لِفَواصلَ في أواخرِ آياته؟ مِنْ أَيْنَ تَليقُ هذه الصفةُ وهذا التشبيهُ بذلك؟
أم ترَى ابنَ مَسْعود حين قال في صفةِ القرآن: "لا يَتْفَه ولا يَتَشَانُّ"٣، وقال: "إِذا وقعتُ في آلِ حم، وقعتُ في روضاتٍ دَمِثاتٍ
_________________
(١) ١ في المطبوعة وحدها: "والهيئة"، خطأ. ٢ هذه رواية مشهورة، والذي في كتب السير "سيرة ابن هشام" وأن الوليد بن املغيرة قال: "إن لقوله حلاوة، وإن أصله لعذق، وإن فرعه لجناة"، هذه رواية ابن إسحاق، وروى ابن هشام "إن أصله لغذق". و"الغذق"، النخلة التي ثبت أصلها، وطاب فرعها إذا جنى، و"الغذق"، الروي المخصب، وكذلك تفسير "المغذقط الذي ثبتت أصوله، و"المغذق"، المخصب. وكان في المطبوعة "لمغذق" بالغين المعجمة والدال المهملة، والذي في "ج" و"س": "لمغذق" بالغين المهملة والذال المعجمة. ٣ الخبر بهذا اللفظ في غريب الحديث لأبي عبيد القاسم بن سلام ٣: ١٥٣/ ٤: ٥٥، بغير إسناد، وهو في مسند أحمد بن حنبل رقم: ٣٨٤٥ من حديث طويل: "إن هذا القرآ لا يختلف، ولا يستشن، ولا ينفه لكثرة الرد" و"ينشان" لا يخلق، وهو مأخوذ من "الشن" وهو الجلد الخلق البالي، و"يستشن"، يصير شنًا باليًا. و"يتفه"، من الشيء "التافه"، أي لا يبتذل حتى يلحق بالخسيس.
[ ٣٨٨ ]
أتأنَّق فيهنَّ"١، أي أَتتبَّع محاسنَهنَّ قال ذلك من أجْل أوزانِ الكلماتِ، ومن أجْل الفواصِلِ في أواخرِ الآيات؟
أم تَرى أنَّهم لذلك قالوا: "لا تَفْنى عجائِبُه، ولا يَخْلُقُ على كثرة الردِّ"٢.
أم تَرى الجاحظَ حينَ قال في كتابِ النبوَّة: "ولو أَنَّ رجلًا قرأَ على رجُل مِن خطبائِهم وبُلغائهم سورةً واحدةً، لَتبيَّنَ له في نظامِها ومَخْرجها، منْ لفظِها وطابَعِها أنه عاجز عن مثلها، لو تَحدَّى بها أبلَغَ العربِ لأَظْهَر عجْزَه عنها"٣ لغا ولغط٤.
فليسَ٥ كلامُه هذا مما ذهَبوا إليه في شيء.
٤٦١ - وَينبغي أن تكونَ موازَنَتُهم بيْنَ بعضِ الآي وبين ما قاله الناس في
_________________
(١) ١ خبر عبد الله بن مسعود هذا في تفسير ابن كثير في أول سورة غافر (٧: ٢٧٥) غير مسند. و"ذمثاث"، جمع "ذمثة"، وهي المخصبة اللينة السهلة المعيشة. ٢ انظر ما سلف في التعليق رقم: ٣، ص: ٣٨٨ وهو في خبر علي ﵁ في صحيح الترمذي، كتاب "ثواب القرآن"، "باب ما جاء في فضل القرآن، بإسناد فيه كلام". ٣ مضى كلام الجاحظ هذا آنفًا برقم: ٢٩٠. ٤ "لغا يلغو" أتى باللغو من الكلام، وهو ما لا يمتد به، ولا يحصل منه على فائدة ولا نفع. و"لفظ يلغط لغطًا"، أتى بأصوات مبهمة وألفاظ ذات جلبة لا يفهم لها معنى. وكان في المطبوعة وحدها: "لغًا ولفظًا"، وهو سيء جدًا، لأن السياق: "أم ترى الجاحظ حين قال لغا ولغط". ٥ الصرف في "لامه" مرودد إلى الجاحظ.
[ ٣٨٩ ]
معناها، كموازنَتِهِمْ بيْن: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩]، وبَيْن: "قَتْلُ البعضِ إحياءٌ للجميع"١ خطأً مهم٢؛ لأنَّا لا نَعْلم لحديثِ التحريكِ والتسْكينِ وحديثِ الفاصلةِ مذهبًا في هذه الموازنة، ولا نَعْلمهُم أرادوا غيرَ ما يُريده الناسُ إذا وازَنُوا بين كلامٍ وكلامٍ في الفصاحةِ والبلاغةِ ودقَّةِ النظم وزيادة الفائدة. ولولا أن الشطيان قد استحوذَ على كثيرٍ من الناس في هذا الشأنَ، وأنهم -بِتَرْك النظرِ، وإهمالِ التدبُّر وَضعفِ النيَّةِ، وقِصَر الهِمَّة- قد طرَّقوا له حتى جعَل يُلْقي في نفوسِهم كلَّ محالٍ وكلَّ باطلٍ٣، وجَعَلوا هُمْ يُعطون الذي يُلْقيه حَظَّا من قبولهم، ويبوؤونه مكانًا مِن قلوبهم، لمَا بلغَ من قَدْر هذه الأقوالِ الفاسدةِ أنْ تدخُلَ في تصنيفٍ، ويعادَ ويُبْدأَ في تبيينٍ لوجهِ الفسادِ فيها وتعريف.
الحجة على إبطال "الصرفة" وهي مقالة المعتزلة:
٤٦٢ - ثُم إنَّ هذه الشناعاتِ التي تقدَّمَ ذِكْرُها، تَلزَمُ أصحابَ "الصَّرْفة" أيضًا؛ وذاكَ أَنه لو لم يكنْ عجْزُهم عن مُعَارضةِ القرآن وعن أنْ يأتوا بمثلِه، لأنه مُعْجِزٌ في نفسه؛ لكنْ لأن أُدخِلَ عليهمُ العَجزُ عنه، وصُرفَتْ هِمَمهُمُ وخَواطرُهم عن تأليفِ كلامٍ مثْلهِ، وكان حالُهم على الجملةِ حالَ مَن أُعْدِمَ العلمَ بشيءٍ قد كان يَعلَمُه، وحيل بينَه وبينَ أمرٍ قد كانَ يَتَّسِعُ له٤، لكانَ ينبغي أنْ لا يتعاظَمَهُمْ، ولا يكون منهم ما يدل على إكبارهم امره،
_________________
(١) ١ مضى ذلك في رقم: ٣٠٣. ٢ السياق: "وينبغي أن تكون موازنتهم خطأ منهم". ٣ "طرفوا له"، جعلوا له طريقًا يسلكه إلى ما يسوله لهم من الفساد. ٤ السياق: "وذاك أنه لو لم يكن عجزهم لكان ينبغي".
[ ٣٩٠ ]
وتعجُّبهم منه، وعلى أَنه قد بَهَرَهُم، وعظُمَ كل العظم عندهم؛ بل كان ينبغي أن يكون الإكبار منهم والتعجب للذي دخل من العجز عليهم١، ورأوه مِن تَغيُّرِ حالِهم، ومِنْ أَن حِيلَ بينَهم وبينَ شيءٍ قد كانَ عليهِمْ سَهْلًا، وأنْ سُدَّ دونَه بابٌ كانَ لهُم مفتوحا، أرأيتَ لو أنَّ نبيًا قال لقومِهِ: "إنَّ آيتي أنْ أَضعَ يدي على رأسي هذه الساعةَ، وتُمْنَعون كلُّكُم من أَن تستطيعوا وَضْعَ أَيديكُمْ على رؤسكم"، وكان الأمرُ كما قال، مِمَّ يكونُ تعجُّبُ القومِ، أَمِنْ وضعِه يدَه على رأسهِ، أمْ من غجزهم أن يضعوا أيديهم على رؤسهم؟
"النظم" و"الاستعارة" هما موضع الإعجاز:
٤٦٣ - ونعودُ إلى النَّسَق فنقولُ: فإِذا بطَلَ أن يكونَ الوصْفُ الذي أعجزَهم من القرآنِ في شيءٍ ممَّا عدَدَناه، لم يَبْقَ إلاَّ أن يكون في "النظم"؛ لأنه ليس مِنْ بَعْدِ ما أَبطَلْنا أن يكون فيه إلا "النظم" و"الاستعارة". ولا يمكنُ أنْ تُجْعَلَ "الاستعارةُ" الأَصْلَ في الإعجاز وأن يُقْصَرَ عليها؛ لأنَّ ذلك يؤدي إلى أَن يكونَ الإِعجازُ في آيٍ معدودةٍ في مواضعَ مِن السورِ الطوالِ مخصوصةٍ، وإذا امتنع ذلك فيها، ثبت أن "النظم" مكانه الذي ينبغي أن يكون فهي. وإذا ثبت أنه في "النظم"، و"التأليف"٢، وكنَّا قد عَلِمْنا أنْ ليسَ "النظمُ" شيئًا غير
_________________
(١) ١ في "ج": "وعظم كل العظم عندهم، ورواه من تغير حالهم"، أسقط فأفسد الكلام. وفي المطبوعة: "وعظم كل العظم عندهم، والتعجب للذي دخل عليهم من العجز، ولما رأوه"، وهو فاسد أيضًا. ٢ كان في المطبوعة مختلًا، وغير مطابق لما في "س"، وهو الذي أثبتناه هنا، أما كاتب "ج"، فقدسها فأسقط جملًا كثيرة، وهذا نص سياق "ج": "فإذا بطل أن يكون الوصوف الذي أعجزَهم من القرآنِ في شيءٍ ممَّا عددناه؛ إلاَّ أَن يكونَ في النظْمِ والتأليفِ، لأنه ليس مِنْ بَعْدِ ما أَبطَلْنا أن يكونَ فيه إلاَّ النظْمُ، وإذا ثبتَ أنَّه في النظم والتأليف " = وأما المطبوعة، فكان كما يلي، فمرا على مواضعه: "لم يبق إلا أن تكون في الاستعارة ولا يمكن الاستعارة"؛ فأسقط ما بين الكلامين عند موضع العلامة، ثم أتى به بعد قوله: "من السور الطوال مخصوصة، على هذا السياق: "وإِذا امتنعَ ذلكَ فيها لم يبْقَ إلاَّ أَن يكونَ في النظْمِ والتأليفِ، لأنه ليس مِنْ بَعْدِ ما أَبطَلْنا أن يكونَ فيه إلا النظم". ولم يرد في المطبوعة ما ههنا: "وإذا امتنع ذلك فيها ثبت أن النظم مكانه .. ". وأيضًا كتب مكان "يقصر عليها" "يقصد إليها"؛ فكان ما في المطبوعة كلامًا ملفقًا سيئًا.
[ ٣٩١ ]
توخي معاني النحو وأحكامِه فيما بينَ الكلمِ، وأنا إن يقينا الدهر تجهد أفكارَنا حتى نَعْلَم، للكلِمِ المفردةِ سِلْكًا يَنْظِمُها، وجامعًا يَجْمعُ شمْلَها ويؤلِّفها، ويَجْعل بعضَها بسبَبٍ مِنْ بعضٍ، غيرَ توخِّي معاني النحو وأحكامهِ فيها١، طَلَبنا ما كلُّ محالٍ دُونَه٢؛ فقد بانَ وظهَرَ أنَّ المتعاطيَ القَوْلَ في "النظم"، والزاعمَ أنه يحاولُ بيانَ المزيةِ فيه، وهو لا يَعْرِض فيما يُعيدُه ويُبديهِ للقوانين والأصول التي قدَّمْنا ذِكْرَها، ولا يَسْلك إليه المَسالِكَ التي نَهَجْناها٣، في عمياءَ مِنْ أمره، وفي غرورٍ من نفسه، وفي خِداعٍ من الأماني والأضاليلِ٤؛ ذاك لأنَّه إذا كان لا يكونُ "النظمُ" شيئًا غيرَ توخِّي معاني النحو وأَحكامهِ فيما بينَ الكَلِمِ، كان مِن أَعجْب العَجَبِ أَنْ يزَعُمَ زاعم أنه يطلب المزية في
_________________
(١) ١ السياق هنا: "وأنا إن بقيا الدهر، نجهد أفكارنا طلبنا ما كل محال دونه". ٢ والسياق هنا: "وإذا ثبت أنه في النظم، وكنا قد علمنا فقد بان وظهر"، وهو جواب "إذا" في صدر الجملة. ٣ السياق: "بان وظهر أن المتعاطي في عمياء من أمره". ٤ يعني بقوله "المتعاطي القول في النظم" و"الزاعم أنه يحاول بيان المزية وهو لا يعرض فيما يعيده ويبديه للقوايين والأصول التي قدمنا ذكرها في عمياء من أمره، ومن غرور في نفسه"، يعني بهذا كله المعتزلي الكبير القاضي عبد الجبار، وما كتبه في "المغني" ١٦: ١٩٧، وما بعدها؛ لأنه هو الذي استخدام لفظ "النظم"، فأكثر، ولم يخرج بطائل، وقد أشرت إلى ذلك فيما سلف في رقم: ٥٥، التعليق رقم: ٢.
[ ٣٩٢ ]
"النَّظْم"، ثم لا يَطْلبُها في معاني النحو وأحكامِه التي "النظْمُ" عبارةٌ عن توخِّيها فيما بين الكلم.
"الاستعارة" و"الكناية" و"التمثيل" من مقتضيات "النظم":
٤٦٤ - فإنْ قيل: قولُكَ "إلاَّ النظم"١، يقتضي إخراجَ ما في القرآنِ مِن الاستعارةِ وضروبِ المجازِ من جملةِ ما هوَ به مُعْجِزٌ؛ وذلك ما لا مَساغَ له.
قيلَ: ليس الأمرُ كما ظننْتَ؛ بل ذلك يقتضي دُخولَ الاستعارةِ ونَظائرِها فيما هو بهِ مُعْجزٌ؛ وذلك لأنَّ هذه المعاني التي هي "الاستعارة"، و"الكناية" و"التمثيل"، وسائرُ ضُروبِ "المجاز" مِن بَعْدِها من مُقْتَضياتِ "النظم"، وعنه يحدث وبه يكونُ٢؛ لأنه لا يُتصوَّر أن يَدخُلَ شيءٌ منها في الكَلِم وهي أفرادٌ لم يُتَوخَّ فيما بينَها حكْمٌ من أحكام النحو؛ فلا يُتَصَّورُ أن يكونَ ههنا "فعلٌ" أو "اسمٌ" قد دَخلَتْهُ الاستعارةُ، مِن دونِ أنْ يكونَ قد أُلِّفَ مع غيره؛ أفلا تَرى أَنه إنْ قدَّر في "اشتعلَ" من قوله تعالى: ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ [مريم: ٤]، أنْ لا يكونَ "الرأسُ"، فاعلًا له، ويكونَ "شيبًا" منصوبًا عنه عَلَى التمييز، لم يُتصوَّرْ أن يكونَ مستعارًا؟ وهكذا السبيلُ في نظائرِ "الاستعارةِ"، فاعرفْ ذلك٣.
خطأ المعتزلة في ظنهم أن المزية في "اللفظ"، واضطرابهم في ذلك:
٤٦٥ - واعلمْ أَن السببَ في أنْ لم يقع النظر منهم موقعه، أنهم
_________________
(١) ١ يعني قوله في أول الفقرة السالفة: "لأنه ليس مِنْ بَعْدِ ما أَبطَلْنا أن يكون فيه إلا النظم والاستعارة". ٢ في المطبوعة: "وعنها يحدث، وبها يكون". ٣ هذه الفقرة "٤٦٤" كلها ساقطة من "س".
[ ٣٩٣ ]
حين قالوا: "تطلب المزية"١، ظنوا أن موضعَها "اللفظُ" بناءً على أنَّ "النظْمَ" نظْمُ الألفاظِ، وأنه يَلْحقُها دونَ المعاني وحِينَ ظَنُّوا أنَّ موضِعَها ذلك واعتقدُوه، وقَفوا على "اللفظِ"، وجعَلوا لا يَرْمون بأَوهامِهم إلى شيءٍ سِواهُ؛ إلاَّ أَنهمْ، على ذاكَ، لم يَسْتطيعوا أن ينطِقوا في تصحيح هذا الذي ظَنّوه بحَرْف؛ بل لم يتكلَّموا بشيءٍ إلاَّ كان ذلك نَقْضًا وإبِطالًا لأنْ يكونَ "اللفظُ" -مِنْ حيَثُ هو لفظٌ- مَوْضعًا للمزيَّةِ وإلا رأيتَهم قدِ اعتَرفُوا، من حيثُ لم يذروا، بِأنْ ليسَ لِلْمزيةِ التي طلَبوها موضِعٌ ومكانٌ تكونُ فيه، إلاَّ معاني النحوِ وأحكامِه.
وذلك أنهم قالوا: "إنَ الفصاحةَ لا تَظْهرُ في أفرادِ الكلماتِ. وإنما تَظْهرُ بالضمِّ على طريقةٍ مخصوصةٍ"٢، فقولُهم "بالضم"، لا يَصِحُّ أن يُرادَ به النطقُ باللفظةِ بعْدَ اللفظةِ، مِنْ غيرِ اتصالٍ يكونُ بين مغعنييهما؛ لأنه لو جازَ أنْ يكونَ لِمجرَّدِ ضَم اللفظِ إلى اللفظِ تأثيرٌ في الفصاحةِ، لكانَ يَنبغي إذا قيلَ: "ضَحِكَ، خَرَجَ" أنْ يَحْدُثَ في ضَمِّ "خرجَ" إلى "ضحكَ" فصاحةٌ! وإِذا بطَل ذلك، لم يَبْقَ إلا أنْ يكونَ المعنى في ضمِّ الكلمةِ إلى الكلمةِ توَخِّيَ معنًى من معاني النحو فيما بينَهُما.
وقولُهم: "على طريقةٍ مخصوصةٍ"، يُوجِبُ ذلك أيضًا؛ وذلك أَنه لا يكونُ للطريقةِ إذا أنتَ أردْتَ مجرَّدَ اللفظ معنى.
_________________
(١) ١ إنما يعني بهذا كله القاضي عبد الجبار المعتزلي، كما أشرت إليه في ص: ٣٩٢، تعليق: ٤. ٢ هذا لفظ القاضي عبد الجبار بنصه في المغني ١٦: ١٩٩، "فصل في الوجه الذي له يقع التفاضل في فصاحة الكلام".
[ ٣٩٤ ]
وهذا سبيلُ كلِّ ما قالوه، إِذا أنتَ تأمَّلتَهُ تَراهُمْ في الجميعِ قد دفَعوا إلى جَعْل المزية في معاني النحو وأحكامِه مِنْ حيثُ لم يَشْعروا؛ ذلك لأنه أَمرٌ ضروريٌّ لا يمكن الخروج منه.
رد قول عبد الجبار المعتزلي: "إنَّ المعاني لا تَتزايد؛ وإِنما تتزايدُ الألفاظُ"
٤٦٦ - ومما تَجِدُهم يَعْتمِدونَه ويرجعِونَ إليه قولُهم: "إنَّ المعاني لا تتزايدُ؛ وإنَّما تَتزايدُ الألفاظُ"١، وهذا كلامٌ إذا تأملْتَه لم تَجِدْ له معنًى يَصِحُّ عليه؛ غيرَ أنْ تَجْعلَ "تزايُدَ الألفاظِ" عبارة على المزايا التي تَحْدُثُ مِن توخِّي معاني النحوِ وأَحكامهِ فيما بينَ الكَلِم؛ لأنَّ التزايُدَ في الألفاظِ من حيثُ هي ألفاظٌ ونُطْقُ لسانٍ، مُحالٌ.
٤٦٧ - ثم إنَّا نَعْلمُ أَنَّ المزيةَ المطلوبةَ في هذا البابِ، مزيةٌ فيما طريقُهُ الفكْرُ والنظَرُ مِن غَيرِ شُبْهة. ومحالٌ أَنْ يكونَ اللفظُ له صفةٌ تُسْتَنْبَطُ بالفِكْرِ، ويُسْتعانُ عليها بالرويَّة، أللهمَّ إلاَّ أنْ تُريد تأليفَ النغَمِ. وليس ذلك ممَّا نحنُ فيه بسبيلٍ.
ومِنْ ههنا لم يَجُزْ، إذا عُدَّ الوجوهُ التي تَظهر بها المزيةُ، أنْ يُعَدَّ فيها الإعرابُ؛ وذلك أنَّ العِلْم بالإِعرابِ مشترَكٌ بينَ العَربِ كلِّهم، وليس هو مما يُسْتنبَط بالفكْرِ، ويُسْتعانُ عليه بالرويَّة؛ فليسَ أحدُهم، بأنَّ إعرابَ الفاعل الرفعُ أو المفعولِ النصبُ، والمضاف إليه الجرُّ، بأعلم من غيره ولا ذاك مما يَحتاجون فيه إلى حِدَّةِ ذهنٍ وقوةِ خاطرِ٢، إنما الذي تقَعُ الحاجةُ فيه إلى ذلك،
_________________
(١) ١ هذا أيضًا قول القاضي عبد الجبار المعتزلي في المغني: ١٦: ١٩٩، وقد مضى آنفًا رقم: ٥٥، تعليق: ٢، وص: ٣٩٢، تعليق: ٤، وص ٣٩٤، تعليق: ٢. ٢ في المطبوعة: "ولا ذاك المفعولُ به مما يَحتاجون فيه" زيادة لإفساد الكلام لا غير.
[ ٣٩٥ ]
العلمِ بما يُوجِبُ الفاعليةَ للشيءِ إذا كان إيجابُها من طريقِ المجازِ، كقولهِ تعالى: ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُم﴾ [البقرة: ١٦]، وكقولِ الفرزْدق:
سقْتها خروقٌ في المسامِعِ١
وأشباهِ ذلِكَ، مما يَجعلُ الشيءَ فيه فاعلًا على تأويلٍ يَدقُّ، ومن طريقٍ تَلْطُفُ، وليس يكونُ هذا علمًا بالإِعراب، ولكن بالوصْفِ الموجبِ للإِعراب.
ومن ثَمَّ لا يجوزُ لنا أنْ نَعْتدَّ في شأنِنا هذا بأنْ يكونَ المتكلِّمُ قد اسْتَعملَ من اللغتين في الشيءِ ما يقالُ: "إنه أفصحهما"، أو بأن يكونَ قد تَحفَّظ مما تخطئ فيه العامَّة، ولا بأن يكونَ قد استعْمَلَ الغريبَ؛ لأنَّ العلمَ بجميع ذلك لا يعدو أن يكونَ عِلْمًا باللغةِ، وبأَنْفُس الكَلِمِ المفردة، وبما طريقُهُ طريقُ الحِفْظِ، دونَ ما يُستَعانُ عليه بالنظَرِ، ويُوصَلُ إليه بإعمالِ الفِكْر، ولئن كانتِ العامَّةُ وأشباهُ العامَّةِ لا يكادونَ يعرِفونَ الفصاحةَ غيرَ ذلك؛ فإنَّ مِن ضَعْف النَّحيزَة إِخطارَ مثْلِه في الفكْرِ٢، وإجراءَه في الذكْرِ، وأنتَ تزعمُ أَنكَ ناظرٌ في دلائلِ الإعجازِ. أترَى أنَّ العَرب تُحُدُّوا أن يَختاروا الفَتْحَ في الميمِ من "الشَّمَع"، والهاءِ منَ "النهْر" على الإسْكان وأنْ يتحفَّظوا مِن تخليطِ العامَّة في مثْلِ: "هذا يَسْوَى أَلفا"٣ أو إلى أنْ يأْتوا بالغريبِ الوحشيِّ في كلام يعارِضون به القرآنَ؟ ٤ كيفَ؟ وأنتَ تقرَأُ السورةَ من السور الطوال فلا
_________________
(١) ١ مضى في الفقرة رقم: ٣٤٧، بتمامه. ٢ "النحيزة"، الطبيعة المغروزة في الإنسان. ٣ لأن صوابه "هذا يساوي ألفًا". ٤ في "ج" والمطبوعة: "في الكلام" بالتعريف.
[ ٣٩٦ ]
تجد فيها من الغريب شيئًا، وتتأمل ما جَمَعهُ العلماءُ في غَريب القرآن؛ فترى الغريبَ منه إلا في القليلِ، إنما كان غريبًا من أَجْل استعارةٍ هي فيهِ، كمِثْل ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ﴾ [البقرة: ٩٣]، ومثْل: ﴿خَلَصُوا نَجِيًّا﴾ [يوسف: ٨٠]، ومثْلِ ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ [الحجر: ٩٤]، دون أن تكون اللفظةُ غريبةً في نفسها؛ إنما ترى ذلك في كلماتٍ معدودةٍ كَمِثلِ: ﴿عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا﴾ [ص: ١٦] و﴿ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُر﴾ [القمر: ١٣]، و﴿جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ [مريم: ٢٤].
غريب اللغة، ليس له مكان في الإعجاز:
٤٦٨ - ثم إنَّه لو كان أَكْثَرُ ألفاظِ القرآنِ غريبًا، لكانَ محالًا أن يَدْخُلَ ذلك في الإِعجازِ، وأنْ يَصِحَّ التحدِّي به. ذاك لأنه لا يَخْلو إذا وقَعَ التحدِّي به من أن يُتحدَّى مَنْ له علْمٌ بأمثالهِ منَ الغريبِ، أو مَنْ لا عِلْمَ له بذلك.
فلو تُحدِّي بهِ مَن يَعْلَمُ أمثالَه، لم يتَعذَّر عليه أن يعارِضَه بمثله.
ألا تَرى أنه لا يتعذَّرُ عليكَ إذا أنتَ عرفْتَ ما جاء منَ الغريبِ في معنى "الطويل" أَنْ تعارِض مَنْ يقولُ: "الشوقَبُ"، بأن تقولَ أنتَ "الشوذَبُ"، وإِذا قال: "الأمَقُّ" أن تقول "الأَشقُّ"؟ ١ وعلى هذا السبيل.
ولو تُحُدِّي به مَنْ لا عِلْمَ له بأمثالِ ما فيه من الغريبِ، كان ذلك بمنزلةِ أن يُتَحدَّى العربُ إلى أن يتكلموا بلسانِ التركِ.
٤٦٩ - هذا، وكيفَ بأنْ يدْخلَ الغريبُ في بابِ الفضيلة، وقد ثَبتَ عنهم أَنهم كانوا يَروْنَ الفضيلةَ في تَرْك استعمالِه وتجنُّبهِ؟ أفلاَ تَرى إلى قول عمر
_________________
(١) ١ هذه الألفاظ بمعنى الطويل مع فروق فيها.
[ ٣٩٧ ]
﵁ في زهيرٍ: "إنه كان لا يُعاظِل بَيْنَ القَوْل، ولا يَتَتَبَّعُ حُوشيِّ الكلام"؟ فقرنَ تَتَبُّعَ "الحُوشيِّ" وهو الغريبُ مِنْ غيرِ شُبْهة إلى "المُعاظلةِ" التي هيَ التعقيد١.
وقال الجاحظُ في "كتاب البيان والتبيين"٢: "ورأيتُ الناس يتداولون رسالة يحيى بن يعمر على لسانِ يزيدَ بنِ المهلَّب إلى الحجَّاج٣: "إنَّا لقينا العدو فقتلنا طائفة [وأسرنا طائفةً، ولحقتْ طائفةٌ] بعراعرِ الأَودية وأهضامِ الغِيطان، وبتْنا بعُرْعُرَةِ الجبلِ، وباتَ العدوُّ بحضيضِه"؛ فقال الحجَّاج: ما يزيدُ بأبي عُذْرِ هذا الكلامِ! [فقيل له: إن يحيى بن يعمر معه! فأمر بأن يحمل إليه؛ فلما "أتاه] قال: أينَ ولدتَ؟ فقال: بالأهواز؛ فقال: فأنى لك هذه الفصاحةُ؟ قال: أخذتُها عن أبي"٤.
قال: "ورأيتُهم يُديرون في كتُبِهم: أنَّ امرأةً خاصمتْ زوجَها إلى يحيى بنِ يَعْمر؛ فانْتَهَرها مرارًا، فقال له يحيى: إنْ سألتُكَ ثَمَنَ شَكْرها وشَبْرِك، أنشأتَ تطلها وتضهلها"٥.
_________________
(١) ١ انظر طبقات فحول الشعراء رقم: ٧٩، ص: ٦٣. ٢ في هذا الموضع كتب "كتاب البيان والتبيين"، مضبوطة في "ج" و"س" معًا. وهو خلاف مشهور، ومع ذلك سيأتي في النسختين أيضًا "البيان والتبيين"، كما سأشير إليه في التعليق. ٣ في المطبوعة: "عن لسان .. ". ٤ هو في البيان والتبيين: ١: ٣٧٧، ٣٧٨، وشرح الجاحظ ألفاظه فقال: "عراعر الأودية" أسافلها. و"عراعر الجبال" أعاليها. و"أهضام الغيطان"، مداخلها. و"الغيطان" جمع "غائط"، وهو الحائط ذو الشجر". وقوله: "ما يزيد بأبي عذر هذا الكلام"، أي ليس هو قائله، والمبتدئ به. ٥ هو في كتاب البيان ١: ٣٧٨، وفسره الجاحظ فقال: "قالوا: "الضهل"، التقليل و"الشكر"، الفرج، و"الشبر"، "النكاح. و"تطلها"، تذهب بحقها يقال: دم مطول. ويقال: "بئر ضهول"، أي قليلة الماء".
[ ٣٩٨ ]
ثم قال: "وإن كانوا إنما قَدْ روَوْا هذا الكلامَ لكي يَدلَّ على فصاحةٍ وبلاغةٍ؛ فقد باعدَه اللهُ من صفةِ البلاغة والفصاحة"١.
أصل فساد مقالة المعتزلة في ظنهم أن أوصاف "اللفظ" أوصاف له في نفسه:
٤٧٠ - واعلمْ أنك كلَّما نظرتَ وجدْتَ سببَ الفسادِ واحدًا، وهو ظنُّهم الذي ظنُّوه في "اللفظِ"، وجعلهم الأوصاف التي تجري عليها كلَّها أوصافًا له في نفسِه، ومن حيثُ هو لفظٌ، وترْكُهم أن يُميِّزوا بينَ ما كان وصْفًا لهُ في نفسِه، وبيْنَ ما كانوا قد كسبوه إياه من أجْلِ أمرٍ عَرَضَ في معناه٢. ولمَّا كان هذا دأْبَهم، ثم رأَوْا الناسَ وأظهرُ شيءٍ عندَهم في معنى "الفصاحةِ"، تقويمُ الإِعرابِ، والتحفظُ منَ اللَّحْن، لم يَشُكُّوا أنه ينبغي أن يُعتَدَّ به في جملةِ المزايا التي يفاضَلُ بها بينَ كلامٍ وكلامٍ في الفصاحةِ، وذهبَ عنهم أنْ ليس هُو من "الفصاحةِ" التي يَعْنينا أمرُها في شيء، وأنَّ كلاَمنا في فصاحةٍ تجبُ للَّفظِ لا من أجْلِ شيءٍ يدْخُلُ في النطقِ؛ ولكنْ من أجْل لطائفَ تُدْرَكُ بالفَهم، وإنَّا نعْتبرُ في شأنِنا هذا فضيلةً تَجبُ لأَحَدِ الكلامَيْنِ على الآخَر، مِن بَعْد أن يكونا قَد برِئا من اللَّحْن، وسَلِمَا في ألفاظِهما من الخَطَأ.
٤٧١ - ومن العَجَب أنَّا إذا نظَرْنا في الإعرابِ، وجَدْنَا التفاضُل فيه مُحالًا؛ لأنه لا يُتَصَوَّرُ أن يكونَ للرَّفْع والنصْبِ في كلامٍ، مزيةٌ عليهما في كلامٍ آخَر؛ وإنما الذي يُتَصَوَّرُ أنْ يكون ههنا: كلامانِ قد وقعَ في إعرابهما خللٌ، ثم كان أحَدُهما أكْثَر صوابًا من الآخر، وكلامانِ قد استمرَّ أحدُهما على.
_________________
(١) ١ هو في البيان ١: ٣٧٨، وفي نسخ الدلائل زيادة "وبلاغة"، وقوله: "والفصاحة"، زيادة ألحقتها من البيان. ٢ في المطبوعة وحدها: "أكسبوه إياه".
[ ٣٩٩ ]
الصَّوابِ ولم يَسْتمرَّ الآخَرُ، ولا يكونُ هذا تفاضُلًا في الإِعراب، ولكن تركًا له في شيء، واستعمالًا في آخَرَ، فاعرفْ ذلك.
٤٧٢ - وجملةُ الأمرِ أنك لا تَرى ظنًَّا هو أَنْأَى بصاحبِه عن أن يصِحَّ له كلامٌ، أو يستمِرَّ له نظامٌ، أو تَثْبُتَ له قدَمٌ، أو يَنْطِقَ منه إلاَّ بالمُحال فمٌ١، مِنْ ظَنِّهم هذا الذي حامَ بهم حَوْلَ "اللفظِ"، وجعلهم لا يعدونه، ولا يرون للمزية مكانًا دونه.
قوله: "إن الفصاحة تكون في المعنى" ورد شبهة المعتزلة وغيرهم في فهم ذلك
٤٧٣ - واعلمْ أنه قد يَجْري في العبارة منَّا شيءٌ، هو يُعيدُ الشُّبهةَ جَذَعة عليهم، وهو أنَّه يقَعُ في كلامِنا أنَّ "الفصاحةَ" تكونُ في المعنى دون اللفظ، فإذا سَمِعوا ذلك قالوا: كيف يكونُ هذا، ونَحْنُ نَراها لا تَصْلُح صفةً إلاَّ لِلَّفظِ، ونراها لا تَدخلُ في صفةِ المعنى البتَّةَ، لأنَّا نرى الناسَ قاطبةً يقولون: "هذا لفظٌ فصيحٌ، وهذه ألفاظٌ فصيحةٌ"، ولا نَرى عاقِلًا يقولُ: "هذا معنى فصيحٌ، وهذهِ معانٍ فِصاحٌ". ولو كانتِ "الفصاحةُ" تكونُ في المعنى، لكانَ ينبغي أن يقال ذلك، كما أنا لمَّا كان الحُسْنُ يكونُ فيهِ قيل: "هذا معنى حَسَنٌ، وهذه معانٍ حَسَنَةٌ".
وهذا شيء يَأخُذُ من الغِرِّ مأخذًا: والجوابُ عنه أنْ يُقالَ: إنَّ غَرَضَنا مِن قولنا: "إنَّ الفصاحةَ تكونُ في المعنى"، أنَّ المزيَّةَ التي مِنْ أجلها استحق اللفظ الوصف بأنه "فصيح"، هي في المعنى دون اللفظ، لأنه لو كانت بها المزية التي
_________________
(١) ١ السياق "لا ترى ظنًا هو أنأى بصاحبه من ظنهم هذا ".
[ ٤٠٠ ]
من أجلها يستحق اللفظ الوصف بأنه فصيح، تكونُ فيه دونَ معناهُ١، لكان ينبغي إِذا قلنا في اللفظةِ: "إِنها فصيحةٌ"، أن تكونَ تلك الفصاحة واجبة لها بكل حالي. ومعلومٌ أنَّ الأمْرَ بخلافِ ذلك، فإنَّا نَرى اللفظةَ تكونُ في غايةِ الفصاحةِ في موضعٍ، ونَراها بِعَيْنِها فيما لا يُحْصى من المواضِع وليس فيها مِن الفصاحةِ قليلٌ ولا كثيرٌ٢. وإِنما كان كذلك، لأنَّ المزيَّةَ التي مِنْ أجْلها نَصِفُ اللفظَ في شأننا هذا بأنه فصيحٌ، مزيةٌ تحدث من عبد أنْ لا تكونَ، وتظهرُ في الكَلِم من بَعْدِ أنْ يَدخُلَها النظْمُ. وهذا شيءٌ إِن أنتَ طلَبْتَه فيها وقد جئْتَ بها أفرادًا لم تَرُمْ فيها نَظْمًا، ولم تُحْدِث لها تأليفًا، طلبْتَ مُحالًا. وإِذا كان كذلك، وَجَبَ أن يعلم قطعًا وضورة أنَّ تلك المزيةَ في المعنى دونَ اللفظِ.
٤٧٤ - وعبارةٌ أُخرى في هذا بعينِه، وهي أن يُقال: قد علِمْنا عِلْمًا لا تَعْترِضُ معَه شُبْهةٌ: أنَّ "الفصاحةَ" فيما نحنُ فيه، عبارةٌ عن مزيَّةٍ هي بالمتكلِّم دونَ واضِع اللغةِ. وغذا كان كذلك، فينبغي لنا أنْ ننظُرَ إِلى المتكلم، هل يستطيعُ أن يَزيد مِنْ عنْدِ نفْسِه في اللفظِ شيئًا ليس هو له في اللغة، حتى يَجعَلَ ذلك من صَنيعِه مزيةً يُعبَّر عنها بالفصاحة؟ وإِذا نظَرْنا وجَدْناه لا يستطيعُ أن يصْنَعَ باللفظِ شيئًا أصْلًا، ولا أن يحدث فيها وصفًا. كيف؟ وهو إن فعل.
_________________
(١) ١ الذي كان في المطبوعة: " التي من أجلها استحق اللفظ بأنه فصيحٌ، عائدةٌ في الحقيقةِ إِلى معناه، ولو قيل إِنها تكونُ فيه دونَ معناهُ، لكان ينبغي". أسقط ما بين الكلامين كما ترى، والذي أثبتناه هو الصواب المحض، كما هو في "ج" و"س" وفي نسخة بغداد التي أشار إليها رشيد رضا، ونقل نصها مطابقًا لما في مخطوطتينا. ٢ سها كاتب "ج" فأسقط بعض اللفظ فساق الكلام هكذا: "تكون في غاية الفصاحة قليل ولا كثير".
[ ٤٠١ ]
ذلك أفسَدَ على نفسِه، وأبطلَ أن يكونَ متكلِّمًا، لأنه لا يكون متكلِّمًا حتى يَسْتَعمِل أوضاعَ لغةٍ على ما وضعت عليه١.
وإذا ثبت في حالِه أنه لا يستطيعُ أن يَصْنع بالألفاظِ شيئًا ليس هو لها في اللغة، وكنَّا قد اجتمعْنا على أنَّ "الفصاحةَ" فيما نحن فيه، عبارةٌ عن مزيةٍ هي بالمتكلِّم البتَّةَ وجب أن تعلم قطعًا وضورة أنَّهم وإِن كانوا قد جَعَلوا "الفصاحةَ" في ظاهرِ الاستعمالِ مِنْ صفةِ اللفظِ، فإِنَهم لم يَجْعلوها وصْفًا له في نفسه، ومِن حيثُ هو صدى صوتٍ ونطقُ لسانٍ، ولكنهم جَعلُوها عبارة عن مزية أفادها المتكلم في المعنى، لأنه إذا كان اتفاقًا أنها عبارة عن مزية أفادها المتكلم، ولم نره أفاد في اللفظِ شيئًا، لم يَبْقَ إِلا أنْ تكون عبارة عن مزية أفادها المتكلم، ولم نره أفاد في اللفظِ شيئًا، لم يَبْقَ إِلا أنْ تكون عبارة عن مزية أفادها في المعن٢.
"فصاحة اللفظ"، لا تكون مقطوعة بل موصولة بغيرها مما يليها:
٤٧٥ - وجملةُ الأمْرِ أنَّا لا نُوجِبُ "الفصاحَة" لِلْفَظةٍ مقطوعةٍ مرفوعةٍ من الكلامِ الذي هي فيه، ولكنا نوجبها لفها موصولةً بغيرها، ومعلَّقًا معناها بمعنى ما يَليها. فإِذا قلنا في لفظةِ "اشتعل" مِنْ قولِه تعالى: ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ [مريم: ٤]، إنها في أعلى رتبة من الفصاحة٣، لم توجب تلك
_________________
(١) ١ في المطبوعة: "على ما وضعت هي عليه"، زيادة بلا طائل. ٢ في "ج"، أسقط الكاتب سهوًا ما ترى هنا فاختل المعنى. كتب: "ولكنهم جعلوها عبارة عن مزية أفادها في المعنى. وجملة الأمر" وأما في المطبوعة فقد أسقط أيضًا وكتب: "ولكنهم جَعلُوها عبارةً عن مزيةٍ أفادَها المتكلِّمُ، ولمَّا لم تَزِدْ إفادتُه في اللفظِ شيئًا لم يَبْقَ إِلا أنْ تَكونَ عبارة عن مزية في المعنى"، وهذا لا شيء. ٣ في المطبوعة وحدها "أعلى المرتبة".
[ ٤٠٢ ]
"الفصاحةَ" لها وحَدْها، ولكِنْ موصولًا بها "الرأسُ" معرَّفًا بالألف واللام، ومَقْرونًا إليهما "الشيبُ" منكَّرًا منصوبًا.
٤٧٦ - هذا، وإِنما يقعُ ذلك في الوَهْم لِمَنْ يَقَعُ له أعني أن يوجب الفصاحةُ للَّفظةِ وحدَها١ فيما كان "استعارةً"، فأمَّا ما خَلاَ منَ الاستعارةِ من الكلامِ الفصيح البليغِ، فلا يَعْرِض توهُّمُ ذلك فيه لعاقلٍ أصْلًا.
أفلا تَرَى أنه لا يقَعُ في نفسِ مَن يَعْقِلُ أدنى شيءٍ، إِذا هو نظَرَ إِلى قولهِ ﷿: ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ﴾ [المنافقون: ٤]، وإلى إِكبارِ الناس شأنَ هذه الآيةِ في الفصاحة، أن يضَعَ يدَهُ على كلمةٍ كلمةٍ منها فيقولَ: "إِنها فصيحة؟ " كيفَ؟ وسبَبُ الفصاحةِ فيها أمور لا شك عاقلٌ في أنها معنويَّةٌ:
أوَّلُها: أنْ كانت "على" فيها متعلقةً بمحذوفٍ في موضِع المفعولِ الثاني.
والثاني: أنْ كانت الجملةُ التي هي "هُم العدوُّ" بعْدَها عاريةً من حرفِ عطفٍ.
والثالث: التعريفُ في "العدوِّ" وأنْ لم يقل: "هُمْ عدوٌّ".
ولو أنك علَّقْتَ "على" بظاهرٍ، وأدخلْتَ على الجملة التي هيَ "هم العدوُّ" حرف عطف، وأسقطت "الألف والألام" من "العدو" فَقُلْتَ: "يحسَبُون كلَّ صيحةٍ واقعة عليهم، وهُمْ عدوٌّ"، لرأيتَ الفصاحةَ قد ذهبتْ
_________________
(١) ١ السياق: "إنما يقعُ ذلك في الوَهْم لِمَنْ يَقَعُ له فيما كان استعارة".
[ ٤٠٣ ]
عنها بأسْرها، ولو أنك أخْطَرْتَ ببالِكَ أنْ يكونَ "عليهم" متعلِّقًا بنَفْس "الصَّيحة"، ويكونَ حالُه معها كحالِه إِذا قلتَ: "صحْتُ عليه". لأخرجْتَه على أنْ يكونَ كلامًا، فضْلًا عن أن يكونَ فصيحًا. وهذا هو الفيصل لمن عقل.
القول في "مات حتف أنفه":
٤٧٧ - ومِنَ العجيبِ في هذا، ما رُويَ عن أمير المؤمنين عليِّ رضوانُ اللهُ عليه أنه قال: "ما سَمِعتُ كلمةً عربيةً مِن العَربِ إلاَّ وسمعْتُها من رَسولِ اللهِ ﷺ، وسمِعْتُه يقول: "مات حتْفَ أنفِهِ"، وما سمعتُها من عَربيٍّ قبله"١ لا شُبْهَةَ في أنَّ وصْفَ اللفظِ "بالعربيّ" في مثْلِ هذا يكون في
_________________
(١) ١ هذا خبر مشهور نسبته إلى علي ﵁، ولكن لم أقف عليه منسوبًا إلى على في غير كتب الأدب، وإنما هو من حديث عبد الله بن عتيك ﵁، وهو في مسند أحمد: ٤: ٣٦ من زيادات ابنه عبد الله قال: "حدثنا عبد الله، حدثي أبي، حدثنا يزيد بن هرون قال: أنبأنا محمد بن إسحاق، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث، عن محمد بن عبد الله بن عتيك، أحد بني سلمة، عن أبيه عبد الله بن عتيك قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من خرج من بيته مجاهدًا في سبيل الله ﷿ ثم قال بأصابعه هؤلاء، الثلاث، الوسطى والسبابة والإبهام، فجمعهن، وقال: وأين المجاهدون فخر عن دابته ومات، فقد وقع أجره على الله، أو لدغته دابة فمات، فقد وقع أجره على الله أو مات حتف أنفه، فقد وقع أجره على الله ﷿ والله" إنها لكلمة ما سمعتها من أحد من العرب قبل رسول الله ﷺ "فمات فقد وقع أجره على الله، ومن مات قعصًا فقد استوجب المآب". وانظر أيضًا ترجمة "عبد الله بن عتيك" ﵁ في أسد الغابة، وانظر أيضًا غريب، الحديث لأبي عبيد القاسم بن سلام ٢: ٦٧، ٦٨.
[ ٤٠٤ ]
معنى الوصْف بأنه فصيحٌ. وإِذا كانَ الأمرُ كذلك، فانظُرْ هل يَقَعُ في وهْم مُتوهِّم أنْ يكونَ ﵁ قد جعَلَها "عربيةً" مِنْ أجْل ألفاظِها؟ وإِذا نظرْتَ لم تشك في ذلك.
بيان آخر في "النظم" وتوخي معاني النحو:
٤٧٨ - واعلمْ أنكَ تَجِدُ هؤلاءِ الذين يَشكُّون فيما قلناه، تجري على ألسنتهم ألفاظٌ وعباراتٌ لا يَصِحُّ لها معنى سِوى توخِّي معاني النحو وأحكامِه فيما بَيْن معاني الكَلِم، ثم تَراهُمْ لا يَعْلَمون ذلك.
فمِن ذلك ما يقولُه الناسُ قاطبةً من أنَّ العاقلَ يُرتِّبُ في نفسِه ما يُريد أن يَتكلَّم به. وغذا رجَعْنا إِلى أنفُسِنا لم نَجِدْ لذلك معنىً سوى أنه يَقْصِدُ إِلى قولِكَ "ضَرَبَ" فيجعلُه خبرًا عن "زيدٍ"، ويجعلُ "الضرْبَ" الذي أخْبَرَ بوقوعِه منه واقعًا على "عمروٍ" ويجعلُ "يومَ الجمعةِ" زمانَه الذي وقَعَ فيه، ويجعَلُ "التأديبَ" غرَضَه الذي فعَل "الضَرْبَ" من أجْله، فيقولُ: "ضَرَبَ زيدٌ عَمرًا يومَ الجمعةِ تأديبًا له". وهذا كما تَرى هُو تَوخِّي معاني النحو فيما بين معاني هذه الكَلِم.
ولو أنك فرضْتَ أنْ لا تتوخَّى في "ضرَب" أن تَجْعَلَه خبرًا عن "زيدٍ" وفي "عمرو" أن تجعله مفعولًا به الضرب، وفي "يومِ الجمعة" أن تَجْعله زمانًا لهذا الضرْب، وفي "التأديبِ"، أنْ تَجعله غَرَض زيدٍ من فعلٍ الضرب ما تصوِّرَ في عقلٍ، ولا وَقَع في وَهْم، أن تكونَ مرتِّبًا لهذه الكَلِم، وإذْ قد عرفْتَ ذلك، فهو العِبْرةُ في الكلام كلِّه، فمَنْ ظَنَّ ظنًا يؤدِّي إِلى خِلافِه، ظَنَّ ما يخرُج به عن المعقول.
ومِنْ ذلك إثباتُهم التعلُّقَ والاتِّصالَ فيما بينَ الكلم وصواحِبها تارة،
[ ٤٠٥ ]
ونفيهم لهما أُخْرى. ومعلومٌ علْمَ الضرورةِ أنْ لن يُتصوَّرَ أن يكونَ لِلَّفظِةِ تعلُّقٌ بلفظةٍ أُخرى من غير أن يعتبر حال معنى هذا مع معنى تِلكَ، ويُراعى هناك أمرٌ يصلُ إحداهما بالأُخرى، كمراعاةِ كون: "نَبْكِ"، جوابًا للأمر في قوله: "قفانبك"، وكيف بالشك في ذلك؟ ولو كنت الألفاظُ يتَعلَّقُ بعضُها ببعضٍ من حيثُ هي ألفاظٌ، ومع اطِّراح النظرِ في معانيها، لأدَّى ذلك إلى أنْ يكونَ الناسُ حينَ ضَحِكوا مَّما يصنَعُه المجان من قراءة أنصافِ الكتب، ضَحِكوا عن جهالةٍ، وأن يكونَ أبو تمام قد أخطأ حين قال:
عَذَلًا شَبيهًا بالجنونِ كأَنَّما قرأتْ بِهِ الوَرْهاءُ شَطْرَ كتابِ١
لأنَّهم لم يَضْحكوا إلاَّ من عَدمِ التعلُّقِ، ولم يجعلْهُ أبو تمام جُنونًا إلاَّ لذلك. فانظرْ إِلى ما يلزَمُ هؤلاءِ القوم من طرائف الأمور.
_________________
(١) ١ هو في ديوانه.
[ ٤٠٦ ]