فصل- تحقيق القول في البلاغة والفصاحة:
٣٤ - في تحقيق القول على "البلاغة" و"الفصاحة"، و"البيان" و"البراعة"١، وكل ما شاكر ذلك، مما يُعبَّر به عن فضلِ بعضِ القائلين على بعضٍ، من حيثُ نَطقوا وتكلَّموا، وأخبروا السامعين عن الأغراض والمقاصد، وواموا أنْ يُعْلِمُوهم ما في نفوسهم؛ ويَكشفوا لهم عن ضمائر قلوبهم٢.
أول قضية "اللفظ" عند المعتزلة وبيان فسادها:
٣٥ - ومنَ المعلوم أنْ لا معنى لهذه العباراتِ وسائرِ ما يَجْري مَجراها، مما يُفرد فيه اللفظُ بالنعتِ والصفةِ، وينسبُ فيه الفضلُ والمزيةُ إليه دونَ المعنى٣، غيرُ وصْفِ الكلام بِحُسْنِ الدَّلالة وتمامِها فيما له كانت دَلالةٌ، ثم تَبرُّجهِا في صورةٍ هي أبهى وأزْيَنُ وآنَقُ وأَعْجَبُ وأَحقُّ بأنْ تستوليَ على هَوى النفس٤، وتنالَ الحظَّ الأوفرَ من مَيْل القلوب، وأولى بأن تُطْلِقَ لسانَ الحامدِ، وتُطِيلَ رغْمَ الحاسد ولا جهةَ لاستعمال هذه الخصالِ غيرُ أنْ تأتي المعنى من الجهة هي أصح لتأديته٥، وتختار له اللفظُ الذي هو أَخصُّ به، وأَكْشَفُ عنه وأَتمُّ له، وأَحرى بأن يَكسبه نُبلًا، ويظهر فيه مزية.
_________________
(١) ١ انظر الفقرة: رقم: ٢٧. ٢ في هامش المطبوعة: "نسخة: ما في ضمائر". ٣ السياق: "لا معنى لهذه العبارات غير وصف الكلام ". ٤ في "س": "هوى النفوس". ٥ في "ج": "تأتي من الجهة" بإسقاط "المعنى"، وفي المطبوعة: "يؤتى المعنى" بالبناء للمجهول.
[ ٤٣ ]
وإِذا كان هذا كذلك، فينبغي أن يُنظَر إلى الكلمةِ قبلَ دخولها في التأليف، وقبلَ أنْ تصيرَ إلى الصورة التي بها يكونُ الكَلِمُ إخبارًا وأمْرًا ونَهيًا واستخبارًا وتعجبًا، وتؤدِّيَ في الجملة معنًى من المعاني التي لا سبيل إلى إفادتها إلاَّ بضَمِّ كلمةٍ إلى كلمةٍ، وبناءِ لفظةٍ على لفظةٍ١ هل يُتَصوَّر أن يكونَ بين اللفظتين تَفاضُلٌ في الدَّلالة حتى تكونَ هذه أدلَّ على معناها الذي وُضعتْ له من صاحبتها على ما هيَ موسومةٌ به٢، حتى يقالَ إنَّ "رجلًا" أدلُّ على معناه مِنْ "فرسٍ" على ما سُمِّي به وحتى يتصور في الاسمين يوضعان لشيءٍ واحد٣، أن يكونَ هذا أحْسَنَ نَبأً عنه وأَبْيَن كَشْفًا عن صورتِه مِنَ الآخر، فيكونُ "الليثُ" مثلًا أدلَّ على السَّبُع المعلوم مِنَ "الأَسد" وحتى إنَّا لو أردنا الموازنةَ بينَ لغتينِ كالعربيةِ والفارسيةِ، ساغَ لنا أَن نَجْعل لفظةَ "رجلٍ" أَدلَّ على الآدميَّ الذكَر من نظيرهِ في الفارسية؟
وهَلْ يقع في وَهْم وإنْ جُهِد، أن تتفاضلَ الكلمتانِ المُفردتان، مِنْ غيرِ أن يُنظَر إلى مكانٍ تقعانِ فيه منَ التأليِف والنظمِ، بأكثرَ من أن تكونَ هذهِ مألوفةً مستعملةً، وتلك غريبةً وحشية، أو أن تكونَ حروفُ هذهِ أَخَفَّ، وامتزاجُها أَحسنَ، ومما يَكُدُّ اللسانَ أَبْعَدَ؟
وهل تَجد أحدًا يقولُ: "هذه اللفظةُ فصيحةٌ"، إلاَّ وهو يعتبرُ مكانَها منَ النظم، وحسنَ مُلائمةِ معناها لمعاني جاراتها، وفضل مؤانستها لخواتها؟
_________________
(١) ١ السياق: "فينبغي أن يُنظَر إلى الكلمةِ قبلَ دخولها في التأليف هل يتصور ". ٢ في "س": "مرسومة". ٣ في المطبوعة: الاسمين الموضوعين"، وفي الهامش أن في نسخة "يوضعان".
[ ٤٤ ]
وهل قالوا: "لفظةٌ متمكَّنةٌ، ومقبولةٌ"، وفي خلافهِ: "قلقة، ونابية، ومستكرهة"، إلا وغضرهم أن يعبروا ببالتمكن عن حسنِ الاتفاقِ بينَ هذه وتلك مِن جهةِ معناهُما، وبالقَلَقِ والنُّبوِّ عن سوء التَلاؤم، وأنَّ الأولى لم تَلِقْ بالثانية في مَعناها، وأن السابقَةَ لم تصلُحْ أن تكونَ لِفْقًا للتالية في مؤادها؟ ١
٣٦ - وهل تشكُّ إِذا فكَّرْت في قولهِ تعالى ﴿وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ٤٤]، فتَجلَّى لك منها الإعجازُ، وبَهَركَ الذي تَرى وتَسْمَعُ٢ أَنك لم تَجد ما وَجَدْتَ منَ المزية الظاهرة، والفضيلة القاهرة، إلا لمر يَرجعُ إلى ارتباطِ هذه الكَلِم بعضِها ببعضٍ، وأن لم يَعرِضْ لها الحُسْنُ والشرفُ إلاَّ مِنْ حيثُ لاقَتْ الأُولى بالثانية، والثالثة بالرابعة، وهكذا، إلى أن تستقريَها إلى آخِرها وأنَّ الفضلَ تَناتَجَ ما بينها، وحصَل من مجموعها؟
٣٧ - إن شكَكْتَ، فتأملْ: هل ترى لفظة منها بحيثُ لو أُخِذَتْ من بين أَخواتها وأُفردتْ، لأَدَّت منَ الفصاحة ما تُؤدِّيه وهي في مكانها منَ الآية؟ قُل: "إبلَعي"، واعتبرْها وحْدَها من غيرِ أن تَنْظُرَ إلى ما قَبْلَها وما بعدَها، وكذلك فاعتبرْ سائرَ ما يليها.
وكيفَ بالشكَّ في ذلك، ومعلومٌ أنَّ مبْدَأ العظمةِ في أن نُوديت الأرضُ، ثم أُمرَتْ، ثم في أن كان النداء "بيا" دُوْنَ "أيّ"، نحوُ "يا أيتها الأرضُ"، ثم
_________________
(١) ١ "اللفق" الشقة من شقتي الملاءة، وهما "لفقان"، ما داما متضأمين، فإذا فتقت خياطة الملاءة لا يسميان "لفقين"، ويطلق اسم "اللفقين"، على الصاحبين المتلازمين. ٢ "أنك"، معفول "تشك".
[ ٤٥ ]
إضافةِ "الماءِ" إلى "الكافِ"، دونَ أن يقالَ: "ابلعي ماءك"١، ثم أنْ أُتبعَ نداءُ الأرض وأمرُها بما هو من شأنها، نداءَ السماء وأمرَها كذلك، بما يَخصُّها، ثم أنْ قيل: و﴿وَغِيضَ الْمَاء﴾، فجاء الفعلُ على صيغة "فُعِل" الدالَّةِ على أنَّه لم يَغِضْ إلاَّ بأَمر آمرٍ وقُدرةِ قادرٍ، ثم تأكيدُ ذلك وتقريرُه بقولهِ تعالى: ﴿وَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾، ثم ذكرُ ما هو فائدةُ هذه الأمور، وهو: ﴿اسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِي﴾، ثم إضمارُ "السفينةِ" قَبْل الذكْر، كما هو شرطُ الفخامةِ والدلالةِ على عِظَم الشأن، ثم مقابلة "قيل" في الخاتمة "بقيل" في الفاتحة؟ أَفَتَرى لِشيءٍ من هذه الخصائصِ التي تملوك بالإِعجازِ روعةً٢، وتحضُرُكَ عندَ تصورِها هيبةٌ تُحيطُ بالنفس من أقطارِها٣ تعلُّقًا باللفظ من حيثُ هو صوتٌ مسموعٌ وحروفٌ تَتوالى في النُّطق؟ أم كلُّ ذلك لما بينَ معاني الألفاظِ مِنَ الاتِّساقِ العجيب؟
فقد اتَّضحَ إذن اتَّضاحًا لا يَدَعُ لِلشكِ مجالًا، أنَّ الألفاظَ لا تتفاضَلُ من حيث هي ألفاظٌ مجرَّدة، ولا من حيثُ هي كلمٌ مفردةٌ، وأن الفضيلة وخلاقها، في ملائمة معنى اللفظة لمعنى التي تليها٤، وما أشبهَ ذلك، مما لا تَعلُّقَ له بصريحِ اللفظ.
اللفظ الواحد يقع مقبولا، ومكروها:
٣٨ - وممَّا يَشهد لذلك أَنَّك تَرى الكلمةَ تروقُك وتُؤنسك في موضعٍ، ثم تَراها بعينِها تَثْقُلُ عليكَ وتُوحِشُك في موضعٍ آخرَ، كلفظِ "الأَخدع" في بيت الحماسة:
_________________
(١) ١ "دون أن يقال ابلعي" ساقط في "ج". ٢ في "ج": "تملؤك روعة"، وفي "س": "الإعجاز"، بلا باء. ٣ السياق: "افترى لشيء من هذه الخصائص تعلقًا". ٤ في المطبوعة: "وأن الألفاظ تثبت لها الفضيلة وخلافها"، وهو غير جيد.
[ ٤٦ ]
تلفَّتُّ نَحْو الحَيَّ حَتّى وجدْتُني وجِعْتُ من الإصغاء ليتا وأخدعا١
وبيت البحترى:
وإني وإن بلغني شرَفَ الغِنى وأَعتقْتَ مِنْ رِقِّ المَطامع أَخْدَعي٢
فإنَّ لها في هذين المكانَين ما لا يَخْفى مِن الحُسْن، ثم إنّكَ تتأَمُّلها في بيت أبي تمام:
يا دَهْرُ قوِّمْ مِن اخْدَعَيْكَ فقدْ أضْجَجْتَ هذا الأنامَ مِن خَرُقكْ٣
فتَجدُ لها مِنَ الثقل على النفس، ومن التبغيص والتكْدير، أضعافَ ما وجدتَ هناك منَ الروْح والخفة، ومن الإيناس والبهجة.
ومِنْ أَعجبِ ذلك لفظةُ "الشيءِ"، فإنكَ تَراها مقبولة حسنةً في موضعٍ، وضعيفةً مستكْرَهة في موضع. وإنْ أردْتَ أن تَعْرف ذلك، فانظرْ إلى قولِ عمرَ بن أبي ربيعة المخزومي:
ومن مالئ عينيه مِنْ شيء غيرِهِ إذا راحَ نحو الجمرة البيض كالذمي٤
وقوله أبي حية:
_________________
(١) ١ البيت للصمة بن عبد الله القشيري، في شرح حماسة أبي تمام للتبريزي ٣: ١١٤، و"الليت"، صفحة العنق، و"الأخدع" عرق في العنق. ٢ في ديوانه، فانظره. ٣ في ديوانه، فانظره، و"الخرق"، الحمق، وضم الراء قياسًا مطردًا. ٤ في ديوانه، فانظره، وقبله متصلًا به: وكم من قتيل لا يباء له دم ومن غلق رهنًا، إذا ضمه مني
[ ٤٧ ]
إذا ما تَقاضي المرءَ يومٌ ولَيلةٌ تَقاضاهُ شيءٌ لا يَملُّ التَّقَاضِيا١
فإِنك تَعرف حُسْنَها ومكانها من القبول، ثم انظر إليها فيبيت المتبني:
لَو الفَلَكُ الدوَّارُ أبغضْتَ سَعْيَهُ لعوَّقَهُ شيءٌ من الدوران٢
فإنك تراها تقل وتضول، بحَسب نُبْلها وحُسْنها فيما تقَدَّم.
٣٩ - وهذا بابٌ واسعٌ، فإِنك تَجدُ متى شئْتَ الرجلَيْن قد استعملا كَلِمًا بأَعيانها، ثم تَرى هذا قد فَرعَ السِّماكَ٣، وتَرى ذاكَ قد لَصِقَ بالحَضيض، فلو كانتِ الكلمةُ إِذا حَسُنتْ حَسُنتْ من حيث هي لفظٌ، وإذا اسْتَحقَّت المزيةَ والشرفَ استحقَّتْ ذلك في ذاتِها وعلى انفرادِها، دونَ أن يكونَ السببَ في ذلك حالٌ لها مع أَخَواتها المجاورةِ لها في النَّظْم، لما اختلفَ بها الحال، ولكانت غما أن تحسن أبدًا، ولا تحسن أبدًا.
ولا ترى قولًا يضطربُ عَلَى قائلهِ حتى لا يَدْري كيف يُعبِّر، وكيف يُورد ويُصْدر، كهَذا القول. بل إنْ أردتَ الحقَّ، فإنَّه من جِنسِ الشَّيءِ يُجْري به الرجلُ لسانَه ويُطْلِقُه، فإِذا فتَّش نفْسَه، وجدَها تَعْلَم بُطْلانَه، وتنطوي عَلَى خلافه، ذلك لأَنَهُ مِمَا لا يقومُ بالحقيقةِ في اعتقادٍ، ولا يكون له صورة في فؤاد.
_________________
(١) ١ في ديوانه المجموع. ٢ في ديوانه، فراجعه. والضمير في "أبغضت" لكافور، وهو من القصيدة التي قالها في سنة ٣٤٨، والتي قال فيها أيضًا قصيدته الميمية حين ركبته الحمى، والتي عرض فيها بالرحيل عن كافور، وهي قصيدة مدح، ولكني أرى أنه كان ينفث في بعضها عما في صدره من الغيظ على كافور واستهانته به، ولذلك فأنا أعد لفظ "شيء" هنا مما يكشف عن هذه الاستهانة بكافور، ولو لحظ الشيخ عبد القاهر هذا الملحظ، لما عدها قليلة ضئيلة، بل كبيرة موجبة بما في نفسه. ٣ "السماك" نجم، وهما "سماكان" والرامح والأعزل. و"فرغ السماك" غلاه وجاوزه في الارتفاع.
[ ٤٨ ]
فصل- الفرق بين "حروف منظومة" و"كلم منظومة":
٤٠ - ومما يجبُ إحكامهُ بِعَقب هَذا الفصلِ، الفَرْقُ بين قولنا: "حروف منظومة"، و"كلم منظومةٌ".
وذلكَ أنَّ "نظْمَ الحروفِ" هو تَواليها في النطق، وليس نظمُها بمقتضى عن معنى١، ولا الناظمُ لها بمُقْتَفٍ في ذلك رَسْمًا منَ العقلِ اقتضَى أَنْ يَتَحرَّى في نظمِهِ لها ما تَحرَّاه. فلو أَنَّ واضع اللُّغة كان قد قال "ربضَ" مكان "ضرَبَ"، لما كَانَ في ذلك ما يؤدي إلى فَسَاد، وأما "نظمُ الكَلِم" فليس الأمر فيه كذلك، لأنك تتفي في نظمِها آثارَ المعاني، وتُرتِّبها على حسبِ ترتب المعاني في النفس٢. فهو إذن نظمٌ يعتبرُ فيه حالُ المنظوم بعضهُ معَ بعضٍ، وليسَ هو "النَّظم" الذي معناهُ ضمُّ الشيء إلى الشيء كيف جاء واتفق. ولذلك كان عندهم نظيرا للنسخ والتّأليفِ والصياغةِ والبناءِ والوَشْيِ والتحبير وما أَشبَه ذلك٣، مما يُوجب اعتبارَ الأجزاءِ بَعْضِها معَ بعضٍ، حتى يكونَ لوضعِ كلِّ حيثُ وُضع، علةٌ تَقْتَضي كونَه هناك، وحتى لو وُضِع في مكان غيره لم يصلح.
٤١ - والفائدة ي معرفة هذا الفرقِ: أَنكَ إذا عرَفْتَه عرفْتَ أنْ ليس الغَرضُ بنَظْم الكَلِم، أَنْ توالَتْ ألفاظُها في النُّطق٤ بل أَنْ تناسَقَتْ دلالتُها.
_________________
(١) ١ أي ليس واجبًا لمعنى اقتضاه. ٢ في المطبوعة: "على حسب ترتيبها" وفي الهامش: "في نسخة: وترتبها على حسب ترتب". ٣ في "ج" والمطبوعة: "وكذلك كان عندهم". ٤ في "س": في "التطويل"، وهي خطأ ظاهر.
[ ٤٩ ]
وتلاقتْ مَعانيها، على الوجهِ الذي اقتضاهُ العقلُ. وكيف يُتَصَّور أنْ يُقصَد به إلى توالي في النُّطق، بعد أن ثَبَتَ أنّهُ نظْمٌ يعتبرُ فيه حالُ المنظوم بعضهُ معَ بعضٍ، وأنه نَظيرُ الصَّياغةِ والتَّحْبِير والتَّفْويفِ والنَّقشِ، ١ وكلِّ ما يُقصَد به التَّصويرُ، وبعْدَ أن كنَّا لا نَشكُّ في أنْ لا حال لِلفظةٍ معَ صاحبتها تُعْتَبر إذا أنتَ عزلْتَ دلالَتَهما جانبًا؟ وأَيُّ مساغٍ للشكَّ في أنَّ الأَلفاظَ لا تستحقُّ من حيثُ هي ألفاظٌ، أن تنظم على وجه دون وجه؟
٤٢ - وفو فرَضْنا أنْ تَنْخلِعَ مِن هذهِ الألفاظ، التي هيَ لغاتٌ، دلالَتُها٢، لَمَا كان شيءٌ منها أحق بالتقديم من شيء، ولا تصور أنْ يَجِبَ فيها تَرتيبٌ ونَظْمٌ٣.
ولو حفَّظْتَ ضبيبًا شطْرَ "كتابِ العين" أو "الجمهرة"، مِنْ غيرِ أن تُفَسِّر له شيئًا منه، وأخذْتَه بأن يَضْبِطَ صُوَرَ الألفاظِ وهيأَتَها٤، ويؤدِّيها كما يؤدِّي أصنافَ أصواتِ الطيور٥، لرأيتَهُ ولا يَخْطرُ له ببال أن من شانه أن يوخر لَفْظًا ويقدِّم آخرَ، بل كان حالُه حالَ من يرم ى الحصبى ويعد الجوز، اللهم إلا أنتسومه أنتَ أَنْ يأتيَ بها على حُروفِ المعجم ليحفظ نسق الكتاب.
_________________
(١) ١ يقال: "برد مفوف"، رقيق فيه خطوط بياض على هيئة الوشي. ٢ "دلالتها" فاعل "نتخلع". ٣ في "س"، وفي نسخة بغداد وعند رشيد رضا: ولا تصور"، وفي المطبوعة: "ولا يتصور". ٤ في المطبوعة: "وهيئتها" بالإفراد. ٥ في "ج": "كما يؤدي أصوات الطيور"، وفي نسخة بغداد "كما أرجح" في هامش المخطوطة: كما يحكى أصوات الطيور".
[ ٥٠ ]
٤٣ - ودليلٌ آخرُ، وهو أنه لو كان القصْدُ بالنَّظم إلى اللفظِ نَفْسِه، دونَ أن يكونَ الغرضُ ترتيبَ المعاني في النَّفس١، ثم النطقَ بالألفاظ على حَذْوها، لَكانَ يَنْبغي أن لا يَخْتلف حالُ اثنين في العِلْم بحُسْن النظُم أو غير الحسن فيه، لأنهما يحسبان بِتَوالي الألفاظِ في النُّطق إحساسًا واحدًا، ولا يَعْرِفُ أحدُهما في ذلك شيئًا يَجْهلُهُ الآخرُ.
بيان معنى "النظم":
٤٤ - وأوْضحُ من هذا كلِّه، وهو أنَّ هذا "النظْمَ" الذي يتواصَفُه البلغاءُ، وتَتَفاضَلُ مراتِبُ البلاغةِ من أجلهِ، صَنْعةٌ يُستعانُ عليها بالفكرةِ لا مَحالة. وإذا كانت مما يُستعانُ عليها بالفكرةِ٢، ويُسْتخرَجُ بالرَّويَّة، فينبغي أن يُنْظَر في الفِكَر، بماذا تلبس؟ أبا المعاني أم بالأَلفاظ؟ فأَيُّ شيءٍ وجدْتَه الذي تلبِّس به فِكَركَ من بينِ المعاني والألفاظِ، فهو الذي تَحَدثُ فيه صَنْعتُك٣، وتَقع فيه صياغتُك ونظمُك وتصويرُك. فَمُحالٌ أن تتفكَّرَ في شيءٍ وأَنت لا تَصنَعُ فيه شيئًا، وإنما تَصْنع في غيرِه. لو جازَ ذلك، لجازَ أن يُفكِّر البنَّاءُ في الغَزْل، ليَجْعل فكرَهُ فيه وُصلةً إلى أن يُصْنَعَ من الآجُرّ، وهو من الإِحالةِ المُفْرطة.
٤٥ - فإِنْ قيلَ: "النظْمُ" موجودٌ في الألفاظِ على كلَّ حالٍ، ولا سبيلَ إلى أن يُعْقَل الترتيبُ الذي تزعُمُه في المعاني، ما لم تَنْظم الألفاظَ ولم ترتَّبْها على الوجه الخاص.
_________________
(١) ١ في "ج" أسقط "في النفس". ٢ في المطبوعة: "عليه بالفكرة". ٣ في "ج": "صنيعتك"، وضبطها.
[ ٥١ ]
قيل: إنَّ هذا هو الذي يُعيد هذه الشبْهة جَذعة أبدًا١، والذي يَحلُّها٢: أن تَنْظر: أتتصوَّرُ أَن تكُون معْتَبِرًا مفكِّرًا في حالِ اللفظ مع اللفظ حتى تضَعَه بجنبهِ أو قبلَه، وأن تقولَ: "هذه اللفظية إنما صلت ههنا لكونِها على صفةِ كذا" أم لا يُعقل إلا أن تقول: "صلحت ههنا، لأن معناها كذا، ولدلالتها على كذا، ولن معنى الكلامِ والغرضِ فيه يُوجب كذا، ولأن معنى ما قبلها يَقْتضي معناها؟ ".
فإِن تصورتَ الأولَ، فقلْ ما شئْتَ، واعلمْ أنَّ كلَّ ما ذكرناهُ باطلٌ وإنْ لم تتصورْ إلا الثاني، فلا تخْدَعنَّ نفْسَك بالأَضاليل، ودعِ النظرَ إلى ظواهر الأمور٣، ليس هو الذي طلبْتَه بالفكرِ، ولكنه شيءٌ يقعُ بسببِ الأَولِ ضرورةً، من حيثُ إِنَّ الألفاظَ إذا كانتْ أوعيةً للمعاني، فإِنَّها لا محالةَ تَتَبْع المعاني في مواقعها، فإِذا وجَبَ لِمعنًى أنْ يكونَ أولًا في النفسِ، وجَب للفظ لادال عليه أن يكونَ مثْلَه أوَّلًا في النُّطق، فأمَّا أَن تتصورَ في الألفاظِ أن تكونَ المقصودةَ قبلَ المعاني بالنَّظم والترتيبِ، وأن يكونَ الفكر في النظم الذي يتواصفه البغاء فكرًا نظْم الألفاظ، أو أن تحتاجَ بَعْد ترتيبِ المعاني إلى فكْرٍ تستأنفُه لأن تجيءَ بالألفاظِ على نَسَقها، فباطلٌ منَ الظنَّ، ووهْمٌ يُتخيَّل إلى من
_________________
(١) ١ "أعاد الشيء جذعًا" أي جديدًا. وأصل "الجذع" ما قبل الثنى من البهائم، ويطلق على الشاب من الناس والأنثى "جذعة"، "رشيد". ٢ في "ج": "الذي يحله"، وفي "س": "والذي يحله عنك" وفي هامش المطبوعة: "في نسخة: يحيله عنك". ٣ في المطبوعة: "ترتيب الألفاظ".
[ ٥٢ ]
لا يُوفي النظرَ حقَّه. وكيف تكونُ مفكِّرًا في نظم الألفاظ، وأنت لا تعقل لها أوصافًا وأحوالًا إذا عرفتَها عرفتَ أنَّ حقها أَن تُنْظَم على وجه كذا؟
رد شبهة في شأن "النظم":
٤٦ - ومما يلبِّس على الناظِر في هذا الموضع ويُغلِّطه، أنه يَستَبْعد أن يُقال: "هذا كلامٌ قد نُظِمتْ معانيهِ"، فالعُرْفُ كأنه لم يَجْرِ بذلك، إلاَّ أَنهم وإنْ كانوا لم يسَتعملوا "النظْمَ" في المعاني، قد استعملوا فيها ما هوَ بمعناهُ ونَظيرٌ له، وذلك قولُهم: "إنَّه يُرتِّبُ المعانيَ في نفسِه، ويُنْزِلها، ويَبْني بعضَها على بَعضٍ"، كما يقولون: "يُرتِّب الفروعَ على الأصول، ويُتْبع المعنَى المعنى، ويُلْحِق النظِير بالنظير".
وإذا كنت تعلم أنهم قد استعاروا النَّسْجَ والوشيَ والنقشَ والصياغَةَ لنفسِ ما استعاروا له "النظْم"، وكان لا يُشَكُّ في أنَّ ذلك كلَّه تشبيهٌ وتمثيلٌ يَرجع إلى أمورٍ وأوصافٍ تتعلقُ بالمعاني دونَ الألفاظِ، فمن حَقِّك أنْ تَعلم أنَّ سبيلَ "النظمِ" ذلكَ السبيلُ.
٤٧ - واعلمْ أنَّ مِنْ سبيلك أن تَعتمِدَ هذا الفصْلَ حَدًّا، وتَجْعل النُّكَتَ التي ذكرتُها فيه على ذُكْرٍ منكَ أبدًا، فإِنها عَمَدٌ وأُصولٌ في هذا الباب١، إذا أنت مكَّنْتَها في نَفْسك، وجدْتَ الشُّبَه تنزاحُ عنك، والشكوكَ تَنْتفي عن قَلبك، ولا سيَّما ما ذكرتُ من أنه لا يُتَصوَّر أنْ تَعرِفَ للفظ موضعًا
_________________
(١) ١ "عمد"، جمع "عمدة"، وهو ما يعتمد عليه.
[ ٥٣ ]
من غيرِ أن تَعْرف معناه، ولا أنْ تَتوخَّى في الألفاظِ من حيثُ هي ألفاظٌ ترتيبًا ونظمًا، وأنَّك تَتوخَّى الترتيبَ في المعاني وتُعْمِل الفكْرَ هناك، فإِذا تَمَّ لك ذلك أتْبَعْتَها الألفاظَ وقَفَوْتَ بها آثارَها، وأَنَّك إِذا فرَغْتَ من ترتيبِ المعاني في نفسِك، لم تحتجْ إلى أن تستأنفَ فكْرًا في ترتيبِ الألفاظِ، بل تَجدُها تَترتَّب لك بحُكْم أنها خَدَمٌ للمعاني، وتابعةٌ لها، ولاحِقةٌ بها، وأن العِلْم بمواقعِ المعاني في النَّفُس، علمٌ بمواقعِ الألفاظ الدالة عليها في النطق.
[ ٥٤ ]
فصل- النظم هو توخي معاني الإعراب:
٤٨ - واعلمْ أَنك إِذا رجعتَ إلى نفسِك علمتَ علْمًا لا يعترضُه الشكُّ، أنْ لا نَظْمَ في الكَلِم ولا ترتيبَ، حتى يُعلَّقَ بعضُها ببعضٍ، وَيْبني بعضُها على بَعض، وتُجعلَ هذه بسبب من تلك. هذا ما لا يَجهلُه عاقلٌ ولا يخْفَى على أحدٍ منَ الناس.
وإِذا كانَ كذلك، فبِنا أَنْ نَنْظر إلى التَّعليق فيها والبناءِ، وجعْلِ الواحدةِ منها بسببٍ من صاحِبَتِها، ما معناهُ وما مَحْصولُه؟ وإِذا نَظَرْنا في ذلك، عَلمْنا أنْ لا محصولَ لها غيرُ أنْ تَعْمدَ إلى اسمٍ فتَجْعلَه فاعلًا لفعلٍ أو مفعولًا، أو تَعْمَدَ إلى اسمَيْن فتَجْعلَ أحدَهما خبرًا عنِ الآخر أو تُتْبعَ الاسمَ اسمًا على أن يكونَ الثاني صفة للأول، أو تأكيد له، أو بدلًا منه أو تَجِيءَ باسمٍ بَعْد تمامِ كلامكَ على أن يكونَ الثاني صفةً أو حالًا أو تمييزًا١ أوْ تتوخَّى في كلامٍ هو لإِثباتِ معنى، أن يصَير نفْيًا أو استفهامًا أو تمنيًا، فتُدخِلَ عليه الحروفَ الموضوعةَ لذلك أَوْ تُريد في فعلينِ أن تَجعل أحدَهما شَرْطًا في الآخر، فتجيءَ بهما بعدَ الحرفِ الموضوع لهذا المعنى، أو بَعْد اسمٍ منَ الأسماءِ التي ضَمِنَتْ معنى ذلكَ الحرفِ، وعلى هذا القياس.
وإِذا كانَ لا يكونُ في الكِلِم نَظْمٌ ولا ترتيبٌ إلاَّ بأنْ يُصْنَع بها هذا الصنيعُ ونحوَهُ، وكان ذلك كلُّه مما لا يَرْجِعُ منه إلى الفظ شيءٌ، ومما لا يُتَصوَّر أن يكونَ فيه ومِنْ صفتهِ، بَانَ بذلك أنَّ الأَمرَ على ما قلناه، من أن اللفظ تبع
_________________
(١) ١ في المطبوعة: "أن يكون الثاني صفة"، وليست في المخطوطتين، وأشار في هامش المطبوعة أنها محذوفة في نسخة أخرى.
[ ٥٥ ]
للمعنى في النظْم، وأنَّ الكلمَ تَترتَّب في النُّطقِ بسببِ تَرتُّبِ معانيها في النَّفس، وأنها لَوْ خَلَتْ من مَعانيها حتى تَتجرَّد أصواتًا وأصداءَ حروفٍ، لما وقعَ في ضميرٍ ولا هَجَس في خاطرٍ، أن يَجب فيها ترتيبٌ ونَظْم، وأن يُجْعَل لها أمكنةٌ ومنازِلُ، وأنْ يجبَ النطقُ بهذه قَبْل النطقِ بتلك. واللهُ الموفق للصواب.
[ ٥٦ ]
فصل- الرد على من يقول: الفصاحة للفظ وتلاؤم الحروف:
٤٩ - وهذه شُبهةٌ أُخرى ضعيفةٌ، عسى أن يتعلَّقَ بها مُتعلِّقٌ ممَّن يُقْدم على القولِ من غيرِ رويّةٍ: وهي أنْ يَدَّعي أنْ لا معنى للفصاحة سِوى التلاؤمِ اللَّفظيّ، وتعديلِ مِزَاجِ الحُروفِ حتى لا يتلاقى في النُّطقِ حروفٌ تَثْقلُ على اللسَان، كالذي أنَشْدَه الجاحظ من قول الشاعر:
وقَبْرَ حَرْبٍ بمكانٍ قَفْرِ وليسَ قُرْبَ قبرِ حرب قبر١
وقول ابن يسير٢:
لا أُذِيل الآمالَ بَعدك إنِّي بَعْدَها بالآمالِ جدُّ بخيلِ
كَمْ لَهَا موقفًا ببابِ صديقٍ رجَعتْ مِنْ نَداه بالتعطيلِ
لَمْ يَضِرْها والحمدُ للهِ شيءٌ وانثنتْ نحْوَ عَزْفِ نَفْسٍ ذَهُول٣
قال الجاحظُ: فتفقَّدِ النِّصْفَ الأخيرَ من هذا البيت فإِنك ستجدُ بعضَ ألفاظه يتبرَّأ من بعضٍ"٤ ويُزعمُ أنَّ الكلامَ في ذلك على الطبقات فمنه المُتناهي في الثِّقَل المفرطُ فيه، كالذي مَضَى، ومنه ما هو أَخَفُّ منه كقولِ أبي تمام:
_________________
(١) ١ البيان والتبيين ١: ٦٥. ٢ في "س": "قول ابن سيرين"، وهو خطأ صرف، والشعر لمحمد بن يسير الرباشي، وهو في البيان والتبيين ١: ٦٥، ٦٦. ٣ البيان والتبيين ١: ٦٥، ٦٦. "لا أذيل الآمال"، لا أهينها، و"التعطيل"، الإهدار والإبطال. و"عزف"، مصدر "عزفت نفسه عن الشيء عزفًا وعزوفًا"، زهدت فيه وانصرفت عنه. و"الذهول"، التي تناست الشيء وتغافلت عنه. وفي المطبوعة: "كم لها موقف". ٤ "ويزعم"، معطوف على قوله: "وهي أن يدعي ".
[ ٥٧ ]
كَرِيمٌ مَتَى أَمْدَحْهُ أَمْدَحْهُ والوَرى جَميعًا ومَهْما لمته لمته وحدي١
أي لا أمدحه بشيء إلا صدقني الناس فيه٢.
ومنه ما يكونُ فيه بعضُ الكُلْفة على اللسان، إلاَّ أَنه لا يَبلغُ أن يُعابَ به صاحبه ويشهر أمره في ذلك ويفحظ عليه٣ ويزعمُ أن الكلامَ إذا سَلمَ من ذلك وصفَا من شَوْبِه٤، كان الفصيحَ المشادَ به والمُشارَ إليه٥، وأنَّ الصفاءَ أيضًا يكونُ على مراتبَ يعلو بعضُها بعْضًا، وأنَّ له غايةً إذا انتهى إليها كانَ الإِعجاز.
والذي يبطل هذه المشبهة، إن ذَهب إليها ذاهبٌ، أنَّا إنْ قَصرْنا صِفةَ "الفصاحةِ" على كَوْن اللفظِ كذلك٦، وجَعلْناه المراد بها، لزمنا أن نخرج "الفصاحةِ" على كَوْن اللفظِ كذلك، وجَعلْناه المرادَ بها، لَزِمَنَا أنْ نُخرج "الفصاحةَ" من حيِّز "البلاغةِ"، ومِنْ أنْ تكونَ نَظيرةً لها. وإِذا فعلنا ذلك، لم نحل من أجد أَمْرين: إمَا أنْ نَجْعَله العُمْدةَ في المفاضلةِ بينَ العبارتين ولا نُعرِّجَ على غيرِه، وإِمَّا أن نَجعلَه أَحدَ ما نُفاضل به، ووَجْهًا منَ الوجوه التي تَقْتضي تقديمَ كلامٍ على كلام٧.
_________________
(١) ١ البيت في ديوانه، وروايته عجزه: "معي، ومتى ما لمته"، وفي المطبوعة: "معي، وإذا ما لمته". ٢ شرح البيت من "س"، وحدها. ٣ "ويزعم" معطوف على ما قبله، انظر التعليق السالف ص: ٥٧، رقم: ٤. ٤ "الشوب"، الخليط الذي يكدر الماء وغيره. ٥ "أشاذ به"، أنثى عليه ورفع ذكره. ٦ في "ج": "إن اقتصرنا" وأسقط أيضًا "كذلك"، ففسد الكلام. ٧ في "ج": "تقدم كلام ".
[ ٥٨ ]
فإنْ أَخَذْنا بالأولِ، لزِمَنا أنْ نُقْصِر الفَضيلةَ عليه حتى لا يكونَ الإعجازُ إلاَّ به وفيه١، وفي ذلك ما لا يخفى من الشناغة، لأنه يُؤدِّي إلى أنْ لا يكونَ للمعاني التي ذكرُوها في حدودِ البلاغة: مِنْ وُضوح الدَّلالة، وصوابِ الإشارةِ، وتَصحيحِ الأقسام، وحُسْن الترتيبِ والنظام، والإبداع في طريقة وتوفية الحذف والتأكيد والتقديم والتأخير شروطها٢ مدخلٌ فيما له كان القرآنُ مُعْجزًا، حتى يدعي أنَّهُ لم يكن مُعْجزًا مِن حيثُ هو بليغٌ، ولا من حيثُ هو قولٌ فصْلٌ، وكلامٌ شريفُ النظم بديعُ التأليف، وذلك أنه لا تَعلُّقَ لشيءٍ من هذه المعاني بتلاؤمِ الحروف.
وإِنْ أخذنا بالثاني، وهو أن يكونَ تلاؤمُ الحروفِ وَجْهًا من وجوُهِ الفضيلةِ، وداخِلًا في عِداد ما يُفاضَلُ به بين كلامٍ وكلامٍ على الجُملة، لم يكن لهذا الخلافِ ضرر علينا، لأنه ليس باكثر أن نعمد إلى "الفصاحة" فتخرجها من حيَّز "البلاغةِ والبيانِ"، وأن تكونَ نظيرةً لها، وفي عداد ما هو شبههما من البراعية والجزالة وأشباه ذلك، ما يُنبئ عنْ شرفِ النظْمِ، وعنِ المزايا التي شرحتُ لك أَمْرَها، وأعملتك جنسها٣ أو نجعلها اسمًا مُشتركًا يقَعُ تارة لِمَا تَقعُ له تلكَ، وأخرى لِما يَرْجع إلى سلامةِ اللّفظِ مما يُثْقِل على اللَّسان. وليس واحدٌ منَ الأمرين بقادح فيما نحن بصدده.
_________________
(١) ١ "وفيه"، ليست في المطبوعة. ٢ السياق " أن لا يكون للمعاني مدخل". ٣ "أو نجعلها" معطوفة على قوله: "أن نعمد إلى الفصاحة"، والأفعال في هذا الجمل مبدؤه بالنون، أما في المطبوعة فهي مبدؤه بالياء، وهو غير مستقيم.
[ ٥٩ ]
وإنْ تعَسَّفَ متعسفٌ في تلاؤُمِ الحروفِ، فبَلغَ به أن يكون الأصلَ في الإِعجازِ، وأَخرجَ سائرَ مَا ذكروه في أقسامِ البلاغة من أن يكونَ له مَدْخلٌ أو تأثيرٌ فيما له كان القرآنُ معجزًا، كان الوجهُ أن يُقالَ له: إنَّه يَلزمُكَ، على قياسِ قولِكَ، أن تجوز أن يكون ههنا نظمٌ للألفاظِ وترتيبٌ، لا على نَسَقِ المعاني، ولا على وجْهٍ يُقْصَد به الفائدةُ، ثم يكونَ مع ذلك مُعْجزًا، وكَفى به فسادًا.
٥١ - فإنْ قالَ قائلٌ: إني لا أجعلُ تلاؤمَ الحروفِ مُعْجزًا حتى يكونَ اللفظُ مع ذلك دالا، وذاك أنه إنَّما تصعبُ مراعاةُ التعادلِ بينَ الحروفِ، إذا احتيجَ مع ذلك إلى مراعاةِ المعاني، كما أنه إنَّما تصْعبُ مراعاةُ السجعِ والوزنِ، ويصعبُ كذلك التجنيسُ والترصيعُ، إذا رُوعي معه المَعْنى.
قيلَ له: فأنتَ الآنَ، إنْ عقَلْتَ ما تَقولُ، قد خرجْتَ من مسئلتك، وتركْتَ أن يَسْتحِقَّ اللفظُ المزيةَ من حيثُ هو لفظ١، وجئت به تَطْلبُ لِصعوبةِ النظْمِ فيما بينَ المعاني طريقًا، وتَضَعُ له علَّةً غيرَ ما يعرفُه الناسُ، وتدَّعي أنَّ ترتَيبَ المعاني سهْل، وأنَّ تفاضُلَ النَّاس في ذَلك إلى حَدِّ، وأَنَّ الفضيلةَ تَزْداد وتَقْوى إذا تُوَخِّي في حُروفِ الألفاظِ التعادلُ والتلاؤمُ. وهذا مِنك وَهُمٌ.
وذلكَ أنَّا لا نَعلمُ لِتَعادُلِ الحروفِ معنًى سِوى أنْ تَسْلَم من نَحْوِ ما تَجدُهُ في بيتِ أبي تمامٍ:
كريمٌ متى أمدحْه أمْدَحْهُ والوَرى
_________________
(١) ١ في "ج" كتب: "من حيث وجئت تطلب"، أفسد الكلام، وفي "س": "من حيث هو لفظ، وحيث تطلب"، أفسده أيضًا.
[ ٦٠ ]
وبيتِ ابنِ يَسِير:
وانثنتْ نحوَ عَزْفِ نفسٍ ذهولِ١
وليس اللّفظُ السليمُ من ذلك بِمُعْوِزٍ، ولا بعزيزِ الوجودِ، ولا بالشّيءِ لا يَستطيعُه إلاَّ الشاعرُ المُفْلِق والخطيبُ البليغ، فيستقيمَ قياسُه على السجعِ والتَّجنيس ونحوِ ذلك، مما إذا رامَه المتكلمُ صَعُبَ عليه تصحيحُ المعاني وتأديةُ الأغراض. فقولُنا: "أطالَ اللهُ بقاءك، وأدامَ عزَّك، وأَتمَّ نِعمتَهُ عليك، وزادَ في إحسانه عندَكَ"، لفْظٌ سليمٌ مما يَكُدُّ اللسانَ، وليس في حُروفه استكراهُ، وهكذا حالُ كلامِ الناس في كُتُبهم ومُحاوراتِهم، لا تكادُ تَجد فيه هَذا الاستكراهَ، لأنه إنَّما هو شيءٌ يَعْرِضُ للشّاعرِ إذا تكلَّف وتَعمَّل٢، فأمَّا المُرْسِلُ نفْسَه على سَجيَّتها، فلا يَعْرض له ذلك.
٥٢ - هذا، والمتعلَّلُ بمثلِ ما ذكرتُ من أنه إنَّما يكونُ تلاؤمُ الحروفِ مُعْجزًا بعد أن يكوْنَ اللّفظُ دالًا، لأنَّ مراعاةَ التّعادلِ إنَّما تَصْعبُ إذا احتيجَ معَ ذلك إلى مُراعاةِ المعاني، إذا تأملَت٣ يَذْهب إلى شيءٍ ظريفٍ، وهو أن يُصْعُبَ مَرامُ اللفظِ بسببِ المعنى، وذلك مُحالُ، لأن الذي يَعْرفُه العقلاءُ عكْسُ ذلك، وهو أَن يصْعُبَ مرامُ المعنى بسبب اللفظ، فصعوبةُ ما صَعُبَ من السَّجع، هي صعوبةٌ عرضَتْ في المعاني من أجلِ الألفاظ، وذاك أنَّهُ صعب.
_________________
(١) ١ مضى الشعران في ص: ٥٧، ٥٨، وكتب هنا في "س": "ابن سيرين" أيضًا، انظر ص: ٥٧، التعليق رقم: ٢. ٢ في: "س": "وتعمد". ٣ السياق: "والمتعلل بما ذكرت، يذهب"، وفي هامش "ج" عند "يذهب" قال: "أي المتعلل".
[ ٦١ ]
عليك أن تُوفِّقَ بين مَعاني تلكَ الأَلفاظِ المسجَّعة وبين مَعاني الفُصول التي جُعلتْ أردافًا لها، فلم تَسْتطعْ ذَلك إلاَّ بعد أن عَدلْتَ عن أسلوبٍ إلى أسلوبٍ، أوْ دخلْتَ في ضرْبٍ منَ المجازِ، أو أخذْتَ في نوعٍ منَ الاتِّساع، وبعد أن تَلطَّفْتَ على الجملةِ ضَربًا منَ التلطُّف. وكيف يُتَصوَّرُ أنْ يَصعُبَ مرامُ اللفظِ بسببِ المعنى، وأنتَ إن أردْتَ الحقَّ لا تَطْلبُ اللفظَ بحالٍ، وإنَّما تَطْلبُ المعنى، وإِذا ظفِرْتَ بالمَعنى، فاللفظُ معكَ وإزاءَ ناظرِك؟ وإِنما كان يُتَصوَّرُ أن يصْعُبَ مَرامُ اللفظِ من أجلِ المعنى، أنْ لو كنتَ إذا طلبْتَ المعنى فحصَّلْتَه، احتجْتَ إلى أن تَطْلبَ اللفظَ على حِدَة. وذلك مُحَال.
٥٣ - هذا، وإِذا توهَّمَ متوهِّمٌ أَنَّا نحتاجُ إلى أنْ نَطْلبَ اللفظَ، وأنَّ مِن شأْن الطلبِ أنْ يكونَ هناك، فإنَّ الذي يتَوَّهم أنَّهُ يَحتاج إلى طَلَبه، هو ترتيبُ الألفاظ في النطق لا مَحالة،. وإذا كان كذلك، فينبغي لنا أنْ نَرْجِع إلى نفوسِنا فنَنْظر: هل يُتَصوَّر أن نُرتِّب مَعاني أسماءٍ وأفعالٍ وحروفٍ في النفس، ثم يَخْفى علينا مواقِعُها في النطق، حتى نحتاج في ذلك إلى فكْرٍ ورويَّةٍ؟ وذلك ما لا يَشكُّ فيه عاقلٌ إِذا هو رَجَعَ إِلى نفسهِ.
وإِذا بطَلَ أنْ يكونَ ترتيبُ اللفظ مطلوبًا بحال، لم يكنِ المطلوبُ أبدًا إلا ترتيبُ المعاني، وكان معوَّلُ هذا المخالفِ على ذلك، فقد اضمحلَّ كلامُه، وبانَ أنه ليس لِمنْ حامَ في حديثِ المزيةِ والإعجازِ حَوْل "اللفظِ"، ورامَ أنْ يجعلَه السببَ في هذه الفضيلةِ، إِلا التسكُّعُ في الحَيرة، والخروجُ عن فاسدٍ منَ القول إلى مثلهِ. واللهُ الموفِّق للصَّواب.
٥٤ - فإنْ قيل: إذا كانَ اللفظُ بمَعْزِلٍ عنِ المزيَّةِ التي تنازعْنا فيها، وكانت
[ ٦٢ ]
مقصورةً على المعنى، فكيف كانتِ "الفصاحةُ" من صفاتِ اللفظِ البتَّةَ؟ وكيف امْتَنَع أن يَوصفَ بها المعنى فيقالُ: "معنًى فَصِيحٌ، وكلامٌ فصيحُ المعنى"؟
قيل: إنَّما اختُصَّت الفصاحةُ باللفظِ وكانت مِنْ صِفته، من حيثُ كانت عبارةً عن كونِ اللفظِ على وَصْفٍ إذا كان عليه، دلَّ على المزيّةِ التي نحنُ في حديثها، وإِذا كانت لِكَوْن اللفظ دالآ، استحالَ أنْ يُوصفَ بها المعنى، كما يَسْتحيلُ أن يوصَف المعنى بأنه "دال" مثلًا، فاعرفه.
الرد على المعتزلي القاضي عبد الجبار في مسألة "اللفظ":
٥٥ - فإنْ قيل: فماذا دَعا القدماءَ إلى أن قَسَموا الفضيلةَ بينَ المعنى واللفظِ فقالوا: "معنى لطيفٌ، ولفظٌ شريفٌ"، وفَخَّموا شأنَ اللَّفظِ وعظَّموه حتى تَبِعَهم في ذلك مَن بَعْدَهم١، وحتى قالَ أهلُ النَّظر: "إنَّ المعاني لا تَتزايد، وإِنما تتزايدُ الألفاظُ"٢، فأَطلقوا كما ترى كلامًا يُوهِمُ كلَّ مَنْ يَسمعهُ أنَّ المزيَّةَ في حاق اللفظ؟ ٣.
_________________
(١) ١ في "ج" أسقط: "فقالوا معنى لطيفٌ ولفظٌ شريفٌ، وفَخَّموا شأنَ اللفظ"، سهوًا. ٢ "أهل النظر"، هو المتكلمون، ويعني بهم هنا المعتزلة. وقولهم هذا هو نص كلام القاضي عبد الجبار المعتزلي في كتابه المغني في الجزء ١٦: ١٩٩، بعنوان: "فصل في الوجه الذي له يقع التفاضل في فصاحة الكلام"، ونص كلام القاضي هو: " علي أن نعلم أن المعاني لا يقع فيها تزايد، فإذن يجب أن يكون الذي يعتبر، التزايذ عند الألفاظ التي يعبر بها عنها، كما ذكرنا". هذا، واعلم أن أكثر ردود عبد القاهر في كتاب دلائل الإعجاز، هو ردود على مقالة المعتزلة، وعلى عبد الجبار خاصة، فاعرفه، وسأذكر إشارة عبد القاهر إلى ذلك في مواضعه. ٣ في هامش "ج" حاشية نصها: "يعني في اللفظ حقيقة، فذلك قوله: في حاقَّ اللفظ".
[ ٦٣ ]
قيلَ له: لما كانتِ المعاني إنما تَتبيَّنُ بالألفاظِ، وكانَ لا سبيلَ للمرتِّب لها والجامعِ شَمْلَها، إلى أن يُعْلمكَ ما صنَعَ في ترتيبها بفِكْره، إلا بترتيبِ الألفاظِ في نُطْقه، تجوَّزوا فكنُّوا عن ترتيبِ المعاني بترتيبِ الألفاظِ، ثم بالأَلفاظ بحذْفِ "الترتيبِ"، ثم أَتْبَعوا ذلك منَ الوصفِ والنعْت ما أبانَ الغرضَ وكشفَ عن المُراد: كقولهم: "لفظٌ متمكّنٌ"، يُريدون أنه بموافقةِ معناهُ لمعنى ما يليهِ كالشَّيءِ الحاصلِ في مكانٍ صالحٍ يطمئنُّ فيه "ولفظٌ قلِقٌ نابٍ"، يُريدون أنه مِنْ أجْل أنَّ معناهُ غيرُ موافقٍ لِما يَليه، كالحاصل في مكانٍ لا يَصْلُح له، فهو لا يستطيعُ الطمأنينةَ فيه إلى سائرِ ما يجيءُ في صفةِ اللفظِ١، مما يُعْلَم أنه مستعارٌ له مِنْ معناه، وأنهم نَحَلوه إيّاهُ، بسببِ مضمونهِ ومؤدَّاه.
هذا، ومَنْ تَعلَّق بهذا وَشَبهِه واعترضَهُ الشكُّ فيه، بعدَ الذي مضَى منَ الحِجَج، فهو رجلٌ قد أَنِسَ بالتقليدِ، فهو يَدْعو الشبهة إلى نفسه من ههنا وثَمَّ. ومَنْ كان هذا سبيلَه، فليسَ له دواءٌ سِوى السكوتِ عنه، وتَرْكِهِ وما يَختارُه لنفسِه من سُوءِ النظرِ وقِلَّةِ التدبُّرْ.
٥٦ - قد فرَغْنا الآنَ من الكلامِ على جنسِ المزيَّة، وأنها من حيِّز المعاني دونَ الألفاظ، وأنها ليستْ لك حيثُ تَسْمعُ بأُذَنك، بل حيثُ تَنْظرُ بقلِبك، وتَستعينُ بفكرك، وتُعْمل رَوِيَّتَك، وتَراجع عقْلَك، وتَسْتنجِدُ في الجملة فَهْمَك، وبلغَ القولُ في ذلك أقصاهُ، وانتهى إلى مَدَاه. وينبغي أن نأخذَ الآنَ في تفصيل أمرِ المزيَّةِ، وبيانِ الجهاتِ التي منها تَعْرِض. وإنَّه لَمَرامٌ صعْبٌ ومطْلَبٌ عسير٢، ولولا أَنه على ذلك، لما وجَدْت الناسَ بين مُنْكِرٍ له من أصله،
_________________
(١) ١ في المطبوعة: "ما يجيء صفة من صفة اللفظ". ٢ في "ج": "مطلبه"، وفي "س": "عسر".
[ ٦٤ ]
ومتحيل له على غيرِ وَجْههِ١، ومعتقِدٍ أَنه بابٌ لا تقوى عليه العبارة، ولا يملك فيه إلاَّ الإِشارةَ، وأنَّ طريقَ التعليم إليه مسدُودٌ، وبابَ التفهيم دَونَه مغْلقٌ، وأنَّ معانيَك فيه مَعانٍ تَأبى أنْ تَبْرُز مِن الضَّمير، وأنْ تَدِينَ للتبيينِ والتَّصوير٢، وأن تُرى سافرةً لا نِقابَ عليها، وبادية لا حِجابَ دونها٣، وأن ليسَ للواصِفِ لها إلاَّ أن يُلَوِّح ويُشيرَ، أَوْ يَضربَ مثَلًا يُنْبئُ عن حُسْنٍ قد عرَفَه على الجُملة، وفضيلةٍ قد أَحسَّها، من غيرِ أنْ يُتْبعَ ذلك بَيانًا، ويُقيمَ عليه بُرهانًا، ويَذكُرَ له عِلَّةً، ويُورِدَ فيه حَجَّة. وأنا أُنْزِلُ لكَ القولَ في ذلك وأُدرِّجه شيئًا فشيئًا، واستعينُ الله تعالى عليه، وأسأله التوفيق.
_________________
(١) ١ في المطبوعة: "ومتخيل"، بالخاء المعجمة. ٢ في "ج": "التصور". ٣ في المطبوعة: "نادية"، وفسرها في التعليق بوجه يستغرب!!
[ ٦٥ ]