النكث والعذر، ولا نظن به الخيانة والمكر أولى منك بذلك وأجدر١، وحقه عليك أكبر.
سبب تأليفه دلائل الإعجاز:
٢٦ - ثم إن النوق إلى أَن تقَرَّ الأُمورُ قَرارَها٢، وتُوضَعَ الأشياءُ مَواضِعَها، والنزاعَ إلى بَيانِ ما يُشْكل، وحلِّ ما يَنْعَقِد، والكَشْفِ عمَّا يَخْفَى، وتلخيصَ الصفةِ حتى يزدادَ السامعُ ثقةً بالحُجة٣، واستظهارًا على الشبهة، واستبانة للدليل، وتبينًا للسَّبيلَ٤، شيءٌ في سُوس العَقْل٥، وفي طباعِ النَّفس إذا كانت نَفْسًا.
٢٧ - ولم أزلْ منذُ خَدمْتُ العِلْمَ أنظرُ فيما قاله العلماءُ في معنى "الفصاحة"، و"البلاغة" و"البيان" و"البراعة"، وفي بيانِ المَغْزى من هذه العباراتِ، وتفسيرِ المرادِ بها، فأَجِدُ بعضَ ذلك كالرَّمز والإيماءِ، والإِشارةِ في خفاءٍ، وبعضَه كالتنَّبيه على مكانِ الخبئ لِيُطْلَبَ، ومَوْضعِ الدفينِ ليُبحَثَ عنه فيُخْرَج، وكما يُفتَحُ لكَ الطريقُ إِلى المطلوبِ لتَسْلُكَه، وتُوضَعَ لك القاعدةُ لتَبْنيَ عليها. ووجدتُ المعوَّلَ عَلى أن ههنا نظم ًا وترتيبًا، وتأليفًا وتركيبًا، وصياغةً وتصويرًا، ونَسْجًا وتَحْبيرًا، وأن سبيل هذه المعاني في
_________________
(١) ١ في المطبوعة: "أولى منه". ٢ "النوق"، "ناق إليه بنوق"، نوقًا"، اشتاق إليه، ومثله "النزاع" فيا لجملة التالية. ٣ "لخص الأمر تلخيصًا"، استقصى في تبيينه وشرحه وإزالة اللبس عنه. ٤ في "ج"، والمطبوعة: "وتبيينًا". ٥ "السوس"، الطبع والأصل.
[ ٣٤ ]
الكلام الذي هيَ مَجازٌ فيه، سَبيلُها في الأَشياءِ التي هي حقيقةٌ فيها، وأنه كما يَفْضُلُ هناك النظْمُ النظمَ، والتأليفُ التأليفَ، والنسجُ النسجَ، والصياغةُ الصياغةَ، ثم يَعْظُمُ الفضلُ، وتَكثُر المَزِيَّةُ، حتى يَفوقَ الشيءُ نظيرَه والمجانِسَ له درجاتٍ كثيرة، وحتى تَتفاوتَ القِيمُ التَّفاوُتَ الشديدَ، كذلك يَفْضُلُ بَعْضُ الكلام بَعضًا، ويتَقدَّمُ منه الشيءُ الشيءَ، ثم يزداد فضله ذلك يوترقى منزلةً فوقَ مَنزلةٍ١، ويَعْلو مَرْقبًا بعدَ مَرْقبٍ، ويَسْتأنِفُ له غايَةٌ بعدَ غايةٍ، حتى يَنتهيَ إلى حيثُ تَنْقطِعُ الأطماعُ، وتُحْسَرُ الظنونُ٢، وتَسقُطُ القُوى، وتستوى الأقدام في العجز.
فاتحة القول في الفصاحة والبلاغة:
٢٨ - وهذه جملةٌ قد يُرى في أوّلِ الأَمرِ وبادئ الظن، أنها تكفي وتعني، حتى إِذا نظَرْنا فيها، وعُدْنا وبدَأْنا، وجَدْنا الأمرَ على خِلاف ما حَسِبْناه، وصادَفْنَا الحالَ على غيرِ ما توهَّمْناه، وعلِمْنا أنَّهم لِئنْ أَقْصَروا اللّفظَ لقد أطالوا المعنى، وإنْ لم يعرقوا في النزاع٣، لقد أبعدوا على ذلك في المرمى.
وذاك أنه يقال لنا٤: ما زدتم على أن سقتم قِياسًا٥، فقُلْتم: نَظْمٌ ونَظْمٌ، وترتيبٌ وترتيبٌ، ونَسْجٌ ونَسْج، ثمَ بنَيْتم عليه أنه يَنبغي أن تظهر المزينة في هذه المعاني ها هنا، حسَب ظهورِها هناك، وأنْ يَعظُمَ الأمرُ في ذلك
_________________
(١) ١ في المطبوعة: "من فضله ذلك". ٢ "تحسر الظنون"، أي حتى تكل من التعب وتنقطع عن المضى. ٣ في "س": "لئن اقتصروا على اللفظ ولئن لم يغرقوا ". ٤ في المطبوعة: "وذاك لأنه". ٥ ي المطبوعة: "قستم قياسًا".
[ ٣٥ ]
كما عَظُمَ ثَمَّ، وهذا صحيحٌ كما قلْتم، ولكنْ بقيَ أنْ تُعْلِمونا مكانَ المزيَّة في الكلام، وتَصفوها لنا، وتَذْكُروها ذِكْرًا كما يُنَصُّ الشيءُ ويُعَيَّنُ، ويُكْشَفُ عن وجههِ ويُبَيَّنُ، ولا يكفي أن تقولوا: "إنَّه خُصوصيةٌ في كيفيَّة النَّظْم، وطريقةٌ مَخْصوصةٌ في نَسَق الكَلِم بَعْضِها على بَعض"، حتى تَصِفوا تلكَ الخصوصيةَ وتُبَيِّنوها، وتذكروها لها أمثلةً، وتقولوا: "مثْلَ كيتٍ وكَيْتٍ"، كما يذكر مَنْ تَسْتوصِفُه عَمَلَ الدَّيباج المنقَّش ما تَعْلَم به وجْهَ دِقَّةِ الصنعة، أَوْ يَعْمَلهُ بينَ يديكَ، حتى تَرى عِيانًا كيف تَذْهبُ تلك الخيوطُ وتَجيءُ؟ وماذا يَذْهَبُ منها طُولًا وماذا يَذهب منها عَرْضًا؟ وبِم يَبْدَأ وبم يُثَنِّي وبِمَ يُثَلِّثُ؟ ١ وتُبْصِرُ منَ الحِسَابِ الدَّقيق ومِنْ عجيب تصرف اليد، ما تعلم معه مكانَ الحِذْقِ ومَوضِعَ الأُستاذيَّة٢.
ولو كانَ قولُ القائل لك في تَفْسير الفصاحةِ: "إنها خصوصيةٌ في نَظْم الكَلِم وضَمِّ بَعْضِها إلى بعضٍ على طريقٍ مخصوصةٍ، أو على وُجوهٍ تَظْهَرُ بها الفائدةُ، أو ما أشبَهَ ذلكَ منَ القولِ المُجْمَل، كافيًا في مَعْرفتها، ومُغْنيًا في العِلْم بها، لكفى مِثْلُه في معرِفة الصِّناعات كلِّها. فكان يَكْفي في معرفةِ نَسْج الدِّيباجِ الكثيرِ التَّصاويرِ أَنْ تَعْلم أنه تَرتيبٌ للغَزْل على وَجْهٍ مخصوصٍ، وضَمٌّ لطاقاتِ الأبريسَم بعضِها إلى بعضٍ على طُرُقٍ شَتّى. وذلك ما لا يقوله عاقل.
_________________
(١) ١ "وتبصر" معطوف على قوله قبل: "حتى نرى عيانًا". ٢ في المطبوعة: "ما تعلم منه".
[ ٣٦ ]