فصل: "في النظم يتحد في الوضع، ويدق فيه الصنع" ١
شواهد أخرى على دقة النظم:
٨٣ - واعلمْ أنَّ ممَّا هو أَصلٌ في أنَ يدِقَّ النظرُ، ويَغْمُضَ المَسْلكُ، في توخِّي المعاني التي عرفتَ: أنْ تتَّحِدَ أجزاءُ الكلامِ ويَدخلَ بعضُها في بعضٍ، ويشتدَّ ارتباطُ ثانٍ منها بأول، وأن تحتاج في الجِملة إِلى أن تضَعَها في النفس وضعًا واحد ًا، وأن يكونَ حالُكَ فيها حالَ الباني يَضعُ بيمينه ههنا في حالِ ما يَضَعُ بيَسارِه هناك. نَعم، وفي حالِ ما يُبْصر مكانَ ثالثٍ ورابعٍ يَضعُهما بَعْدَ الأَوَّلَيْن. وليس لِما شأْنهُ أن يجيءَ على هذا الوصفِ حَدٌّ يَحْصرُه، وقانونٌ يُحيطُ به، فإِنه يجيءُ على وجوهٍ شتَّى، وأنحاءَ مختلفةٍ.
فمن ذلك أن تُزاوِجَ بينَ معنيينِ في الشرط والجزاء معًا، كقول البحتري:
إِذا ما نَهى النّاهِي فلجَّ بيَ الهوى، أصاختْ إِلى الوَاشِي فلجَّ بها الهجرُ٢
وقوله:
إذا احتريت يومًا ففاضت دماؤها، تذكره القرى ففاضتْ دموعُها
فهذا نوعٌ.
ونوعٌ منه آخرُ، قول سليمان بن داود القضاعي:
_________________
(١) ١ هذا السطر ليس في المخطوطتين "ج"، و"س". ٢ الشعر والذي بعده في ديوانه.
[ ٩٣ ]
فبينا المرءُ في علياءَ أَهْوى ومُنْحطِّ أُتيحَ له اعتلاء
وبينا نعمة إذا حال بوس وبوس إذا تَعقَّبَه ثَراءُ١
ونوعُ ثالثٌ وهو ما كانَ كقول كثير:
وإِنّي وتَهيامي بعَزّة بعدما تخلَّيْتُ مما بَيْنَنا وتخلَّتِ
لَكالْمُرْتَجي ظلَّ الغمامةِ كلمَّا تَبَوَّأَ مِنها لِلْمَقيلِ اضْمَحلَّتِ٢
وكقول البحتري:
لعَمرُكَ إنَّا والزمانُ كما جَنَتْ على الأَضْعفِ الموهون عاديةُ الأَقْوى٣
ومنه "التقسيمُ"، وخُصوصًا إِذا قسمت ثم جمعت، كقول حسان:
قَومٌ إِذا حارَبوا ضَرُّوا عَدُوَّهُمُ أوْ حاوَلوا النفْعَ في أَشياعِهمْ نَفْعوا
سَجِيَّةٌ تلك منهمْ غيرُ مُحْدَثةٍ إنَّ الخلائقَ، فاعْلمْ، شرُّها البِدَعُ٤
ومن ذلك، وهو شيءٌ في غايةِ الحُسْن، قول القائل:
لو أنَّ ما أنتمُ فيهِ يدَومُ لكُمْ ظنَنْتُ ما أنا فيهِ دائِمًا أَبدا
لكنْ رأيتُ اللَّيالي غيرَ تاركةٍ ما سَرَّ مِنْ حادثٍ أوْ ساءَ مُطَّرِدا
فقد سكَنْتُ إِلى أني وأنكم سنستجد خلاف الحالتين غدا٥
_________________
(١) ١ لا أعرف الشاعر. ٢ في ديوانه. ٣ في ديوانه. في المطبوعة، وفي المخطوطتين "حنت"، وتحت الحاء حاء صغيرة دلالة على الإهمال، والصواب ما في الديوان. ٤ في ديوانه، وفي "س": "تلك فيهم". ٥ لم أعرف بعد قائله "على شهرة الشعر".
[ ٩٤ ]
قوله: "سنستجد خلاف الحالتين غدًا"، جميع فيما قسَمَ لطيفٌ، وقد ازدادَ لُطفًا بحُسنِ ما بَناه عليه، ولُطْفِ ما توصَّل به إِليه من قولِه: "فقد سكنتُ إِلى أنَّي وأنكم".
٨٤ - وإذْ قد عرفتَ هذا النمطَ منَ الكلام، وهو ما تتَّحِدُ أَجزاؤه حتى يُوضَعَ وَضْعًا واحدًا، فاعلمْ أَنه النمطُ العالي والبابُ الأَعْظم، والذي لا تَرى سلطانَ المزيةِ يَعْظُم في شيءٍ كَعِظَمه فيه.
وممَّا نَدرَ منه ولطُفَ مأْخذُه، ودقَّ نظرُ واضعِه، وجلَّى لكَ عن شأوٍ قد تحسر دونه العِتاقُ، وغايةٍ يعيى من قبلها المذاكي الفرح١ الأبيات المشهورة في تشبيه شيئين بشيئين، كبيت امرئ القيس:
كأنَّ قُلوبَ الطيرِ رَطْبًا ويابسًا لَدى وَكْرِها العناب والحشف البالي٢
وبيت الفرزدق:
والشيبُ يَنْهضُ في الشَّبابِ كأنَّهُ ليَلٌ يَصِيحُ بجانبيه نهار٣
_________________
(١) ١ "العتاق" يعني الخيل العتاق، و"المذاكي" جمع "المذكى"، وهي من الخيل الجياد التي بغلت الذكاء، وهي سن القروح، و"القرح"، جمع "قارح"، وهو من الخيل ما بلغ خمس سنين، وتم تمامه. ٢ في ديوانه، وفي المطبوعة: "بيت امرئ القيس" وفي "س": "كقول امرئ القيس"، والذي أثبته أرجح وأمضى في السياق. ٣ في ديوانه، وفي هامش المخطوطة "ج"، "يصبح، أي يطرده من كلا جانبين [كقوله]: فدع عنك نهبًا صيح في حجراته "على هذا المعنى نفسه، فقال فلافت بصحراء " الكلام متآكل.
[ ٩٥ ]
وبيت بشار:
كأن مثار النقع فوق رءوسنا وأسيافنَا، لَيْلٌ تَهَاوى كواكِبُهْ١
ومِمّا أَتى في هذا الباب مأْتىً أَعْجَبَ مِمّا مَضَى كله، قوله زياد الأعجم:
وإِنّا وما تُلقِي لَنا إنْ هجَوْتَنا لَكالبحر مَهْما يُلْقَ في البَحْرِ يَغْرقِ٢
وإِنَّما كان أعجبَ، لأنَّ عمله أدقُّ، وطريقَه أغمضُ، ووجهَ المُشابكةِ فيه أغربُ٣.
٨٥ - واعلمْ أنَّ مِن الكلام ما أنتَ تَعلمُ إِذا تدبَّرْتَهُ أنْ لم يحتجْ واضعُه إِلى فكْرٍ ورويّةٍ حتى انتظَمَ، بل ترى سبيلَه في ضمِّ بعضِه إِلى بعضٍ، سبيلَ مَنْ عمدَ إِلى لآلٍ فخرَطَها في سلك، لا يبغي أكثر من يَمْنعَها التفرُّقَ٥، وكمَنْ نَضَدَ أشياءَ بعضُها على بعضٍ، لا يُريد في نَضَده ذلكَ أن تجيء له منه
_________________
(١) ١ في ديوانه. ٢ الأغاني ١٥: ٣٩٢ "الدار"، وذلك حين أخبره الفرزدق أنه هم أن يهجو قومع عبد القيس، فاسمهله زياد وقال له: كما أنت، حتى أسمعك شيئًا، فقال: وما تركالهاجون لي إن هجوته مصحًا أراه في أديم الفرزدق وإنا وما تهدي لنا إن هجوتنا فقال له الفرزدق: حسبك، هلم نتتارك. قال زياد: ذاك إليك! ٣ في المطبوعة، "ووجه المشابهة"، وليست بشيء. ٤ "له" ساقطة في المطبوعة. ٥ في المطبوعة: "لا ينبغي"، وهو خطأ ظاهر.
[ ٩٦ ]
هيئةٌ أو صورةٌ، بل ليس إلاَّ أنْ تكونَ مجموعةً في رأْي العينِ. وذلك إِذا كان معناك، معنى لا تحتاج أن تَصْنَعَ فيه شيئًا غيرَ أنْ تَعْطِفَ لفَظًا عَلَى مثلهِ، كقولِ الجاحظ:
"جنّبَكَ اللهُ الشبهةَ، وعصَمَكَ منَ الحَيْرة، وجعَلَ بينكَ وبينَ المعرفةِ نَسَبًا، وبينَ الصِّدْق سَبَبًا، وحبَّبَ إِليك التثبُّتَ، وزَيَّن في عينكَ الإنصافَ، وأذاقَكَ حلاوةَ التَّقوى، وأشْعَرَ قلبَكَ عزَّ الحقِ، وأوْدَعَ صدْرَكَ برْد اليقينِ، وطردَ عنك ذُلَّ اليأسِ، وعرَّفَكَ ما في الباطلِ منَ الذَّلَّة، وما في الجهل من القِلَّة"١.
وكقولِ بعضِهم: "للهِ دَرُّ خطيبٍ قامَ عندكَ، يا أميرَ المؤمنين، ما أفصحَ لسانَه، وأحسَنَ بيانَه، وأَمضى جَنانَه، وأَبلَّ ريقَه، وأسهلَ طريقَة".
ومثلِ قولِ النابغةِ في الثّناءِ المسجوع: "أيفاخِرُك الملكُ اللخميُّ، فواللهِ لقَفاكَ خيرٌ من وجَهْهِ، ولَشِمالُكَ خيرٌ من يَمينه، ولأَخْمَصُكَ خيرٌ من رأْسه، ولَخَطَؤكَ خيرٌ من صَوابه، ولَعِيُّك خيرٌ من كلامه، ولَخَدَمُكَ خيرٌ من قَوْمه".
وكقولِ بعضِ البلغاء في وصف اللسانِ: "اللسانُ أداةٌ يظَهر بها حُسْنُ البيان، وظاهرٌ يُخْبِر عنِ الضمير، وشاهدٌ يُنبئكَ عن غائبٍ، وحاكِم يُفْصَل بهِ الخِطابُ، وواعظٌ يَنْهى عن القَبيحِ، ومُزَيِّنٌ يَدعو إِلى الحُسْن، وزارعٌ يَحْرثُ المودَّة، وحاصدٌ يحصِدُ الضَّغينة، ومُلْهٍ يُونِق الأسماع".
_________________
(١) ١ مقدمة كتاب الحيوان للجاحظ ١: ٣.
[ ٩٧ ]
فما كانَ من هذا وشَبَهه لم يَجِبْ به فضْلٌ إِذا وجَبَ، إلاَّ بمعناهُ أو بمُتون أَلفاظِه، دونَ نَظْمه وتأليفه، وذلك لأنه لا فضيلةَ حتى تَرى في الأمرِ مَصْنعًا، وحتى تَجدَ إِلى التخيُّر سبيلًا، وحتى تكونَ قد استدركْتَ صَوابًا.
٨٦ - فإِن قلْتَ: أفلَيْسَ هو كلامًا قد اطَّرد على الصَّواب، وسَلِم من العَيْب؟ أَفَما يكونُ في كثرةِ الصوابِ فضيلةٌ؟
قيلَ: أَمّا والصوابُ كما تَرى فَلاَ. لأنَّا لَسْنا في ذكْر تقويمِ الِلسان، والتحرُّز منَ اللحن وزيغ الإعراب، فتعتد بمثلِ هذا الصَّواب. وإِنما نحن في أمورٍ تُدرَك بالفِكَر اللطيفةِ، ودقائقَ يُوصلُ إِليها بثاقِب الفهم، فليس درك صواب دركًا يما نحنُ فيه حتى يَشْرُفَ موضعُه، ويَصعُبَ الوصولُ إِليه وكذلك لا يكونُ تَرْكُ خطأٍ تَرْكًا حتى يُحتاجَ في التحفُّظِ منه إِلى لُطْف نظَرٍ، وفَضْل رويةٍ، وقوةِ ذهنٍ، وشدةِ تيقظٍ. وهذا بابٌ يَنبغي أَن تُراعِيَه وأن تُعْنى به، حتى إِذا وازنْتَ بينَ كلامٍ وكلامٍ ودريتَ كيفَ تَصْنعُ، فضمَمْتَ إِلى كلَّ شَكْلٍ شكْلَه، وقابلْته بما هو نظيرٌ له، وميَّزْتَ ما الصَّنعةُ منه لفي لفظه، مما هو منه في نظمه.
المزية في اللفظ والمزية في النظم كيف تشتبه:
٨٧ - واعلمْ أنَّ هذا أعني الفرقَ بينَ أن تكونَ المزيةُ في اللفظِ، وبينَ أن تكونَ في النظم بابٌ يَكْثُر فيه الغَلطُ، فلا تزَالُ تَرى مُستحسِنًا قد أخطأَ بالاستحسانِ موضعَه، فينَحَلُ اللفظَ ما ليسَ له، ولا تزالُ تَرى الشُّبهةَ قد دخلتْ عليك في الكلامِ قد حَسُنَ من لفظِه ونظمهِ، فظننْتَ أنَّ حُسْنه ذلك كلَّه لِلَّفظِ منه دونَ النظْم.
٨٨ - مثالُ ذلك، أن تنظرَ إِلى قولِ ابن المعتز:
وإني على إشفاق عيني من العِدى لتجمح مني نظرة ثم أطرق١
_________________
(١) ١ في ديوانه، "باب الغزل".
[ ٩٨ ]
فترى أنَّ هذه الطُلاَوةَ وهذا الظَّرْفَ، إِنَّما هو لأنْ جعلَ النظرَ "يجمحُ" وليس هو لذلك، بل لأَنْ قالَ في أول البيت "وإنِّي" حتى دخلَ اللامُ في قولِه "لتجمحُ" ثم قولُه: "مني" ثم لأنْ قالَ "نظرةٌ" ولم يقل "النَّظرُ" مثلًا ثم لمكانِ "ثمَّ" في قولِه: "ثم أُطرق" وللطيفةِ أخرى نصرتْ هذه اللطائفَ، وهي اعتراضُهُ بينَ اسم "إنَّ" وخبرها بقوله: "على إشفاق عيني من العدي".
٨٩ - وإِنْ أردتَ أعجبَ من ذلك فيما ذكرتُ لك، فانظرْ إِلى قولِه وقد تقدَّم إِنشادُه قَبْلُ:
سالتْ عَلَيْهِ شِعابُ الحيِّ حينَ دَعا أَنْصَارَهُ بوجوهٍ كالدنانيرِ١
فإنَّكَ تَرى هذه الاستعارة، على لُطْفها وغَرابتها، إِنَّما تَمَّ لها الحسْنُ وانتهى إِلى حيثُ انتهى، بما تُوخِّيَ في وضْع الكلامِ من التقديمِ والتأخيرِ، وتَجدُها قد مَلُحَتْ ولَطُفتْ بمعاونةِ ذلك ومؤازرتِه لها. وإن شكَكْتَ فاعمدْ إِلى الجارَّيْن والظَّرْف، فأَزِلْ كلآ منها عن مكانِه الذي وضَعَه الشاعرُ فيه، فقلْ: "سالتْ شعابُ الحيَّ بوجوهٍ كالدَّنانير عليه حين دعا أنصارَهُ"، ثم انظرْ كيفَ يكونُ الحالُ، وكيف يَذهبُ الحسْنُ والحلاوةُ؟ وكيف تَعْدَم أرْيَحِيَّتَكَ التي كانت؟ وكيف تَذْهب النشوةُ التي كُنتَ تجدُها؟
٩٠ - وجُملُة الأمر أن ههنا كلامًا حُسْنُه لِلَّفظ دونَ النظمِ، وآخرَ حُسْنُه للنَّظمِ دونَ اللفظِ، وثالثًا قد أتاهُ الحسنُ من الجهتين٢، ووجبت له
_________________
(١) ١ مضى في رقم: ٦٨، والذي هنا يوهم أن الشعر لابن المعتز. ٢ في المطبوعة "قرى الحسن" جمعه، والذي أثبته هو من "س"، ونسخة عند رشيد رضا، وفي "ج": "قد الحسن" أسقط "أتاه".
[ ٩٩ ]
المزيةُ بكلا الأمرينِ. والإِشكالُ في هذا الثالثِ، وهو الذي لا تَزالُ تَرى الغلَطَ قد عارضَك فيه، وتَراكَ قَد حِفْتَ فيه على النَّظم١، فتركْتَه وطمحْتَ ببصرِكَ إِلى اللفظِ، وقدَّرْتَ في حُسْنٍ كان به وباللفظِ، أَنه لِلَّفظِ خاصَّة. وهذا هوَ الذي أردتُ حين قلتُ لك: "إنَّ في الاستعارةِ ما لا يُمكنُ بَيانُه إلاَّ مِنْ بَعد العلمِ بالنظْم والوقوفِ على حقيقته".
مثال على ما تقع الشبهة فيه بين اللفظ والنظم:
٩١ - ومن دقيقِ ذلك وخَفِيِّه، أنكَ ترى الناسَ إِذا ذَكَروا قولَه تعالى: ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ [مريم: ٤]، لم يَزيدوا فيه على ذِكْرِ الاستعارةِ، ولم ينسبوا الشرف لا إِليها، ولم يَرَوا لِلمزيَّة مُوجِبًا سِواها، هكذا ترى الأمر في ظ اهر كلامِهمْ. وليس الأَمرُ على ذلك، ولا هذا الشَّرفُ العظيمُ، ولا هذه المزيةُ الجليلةُ، وهذه الرَّوعةُ التي تدخلُ على النُّفوس عند هذا الكلامِ لمجرَّدِ الاستعارة، ولكن لأنْ سُلِك بالكلام طريقُ ما يسندُ الفعْلُ فيه إِلى الشيءِ٢، وهو لِما هو من سَبَبِهِ، فيُرفعُ به ما يُسند إِليه، ويُؤتى بالذي الفعلُ له في المعنى منصوبًا بَعده، مبينًا أنَّ ذلك الإِسنادَ وتلك النسبةَ إِلى ذلك الأولِ، إِنَّما كانا من أجلِ هذا الثاني، ولما بينَه وبينَه منَ الاتَّصالِ والملابسةِ، كقولهم: "طابَ زيدٌ نفسًا"، و"قر عمرو عينًا"، و"تصبب عرقًا"، و"كرم أصلًا"، و"حسن وجْهًا" وأشباهِ ذلك مما تَجِد الفعلَ فيه منقولًا عن الشيء إِلى ما ذلك الشيءُ من سببهِ.
وذلك أَنَّا نَعلم أَنَّ "اشتعل" للشيبِ في المعنى، وإنْ كانَ هو للرأسِ في اللفظ، كما أنَّ "طاب" للنفس، و"قر" للعين، و"تصبب" للعرق، وإن
_________________
(١) ١ "حاف عليه"، جار عليه وظلمه. ٢ في المطبوعة: "لأن يسلك"، وهي لا شيء.
[ ١٠٠ ]
أُسِند إِلى ما أُسنِد إِليه. يُبَيِّنُ أنَّ الشرَفَ كان لأَن سُلِكَ فيه هَذا المسلكُ، وتُوُخَّيَ به هذا المذهبُ أنْ تَدَع هذا الطريقَ فيه١، وتأخذَ اللفظَ فتُسنِده إِلى الشَّيب صريحًا فتقول: "اشتعلَ شَيبُ الرأسِ"، أو "الشيبُ في الرأس"، ثم تنظر هل تَجدُ ذلك الحُسْنَ وتلك الفخامَة؟ وهل تَرى الروعةَ التي كنتَ تَراها؟
٩٢ - فإِن قلْتَ: فما السببُ في أَنْ كان "اشتعلَ" إِذا استُعيرَ للشَّيْب على هَذا الوجهِ، كان لهُ الفضْلُ؟ ولمَ بانَ بالمزيَّةِ منَ الوَجهِ الآخرِ هذه البَيْنُونَة؟
فإنَّ السببَ أَنَّه يُفيدُ، معَ لمَعانِ الشيبِ في الرأسِ الذي هو أَصْلُ المعنى، الشُّمولَ٢، وأَنَّه قد شاعَ فيه، وأَخذَه من نواحيهِ، وأنه قد استغرقه وعمَّ جُمْلَتَه٣، حتى لم يَبْقَ من السَّوادِ شيءٌ، أوْ لم يبْقَ منه إلاَّ ما لا يُعْتَدُّ به. وهذا ما لا يكونُ إِذا قيلَ: "اشتعلَ شَيبُ الرأسِ، أو الشيبُ في الرأس"، بل لا يُوجِبُ اللفظُ حينئذٍ أكثرَ مِنْ ظهورهِ فيه على الجُملة. وَوِزانُ هذا أنك تقولُ: "اشتعلَ البيْتُ نارًا"، فيكونُ المعنى: أنَّ النارَ قد وقَعَتْ فيه وُقوع الشُّمولِ، وأنَّها قد استولَتْ عليه وأخذَتْ في طرفَيْه ووَسَطِه. وتقولُ: "اشتعلتِ النارُ في البيت"، فلا يُفيد ذلك، بل لا يُقْتضَى أكثرُ من وقوعِها فيه، وإِصابتها جانبًا منه. فأمَّا الشُّمول. وأنْ تكونَ قد استولتَ على البيت وابتزته، فلا يعقل من اللفظ البتة.
_________________
(١) ١ "أن تدع" فاعل "يبين" أي يبين ذلك أن تترك هذا الطريق. ٢ السياق: أنه يفيد الشمول". ٣ في المطبوعة: "استقر به"، وفي نسخة عند رشيد رضا: "استعر فهي"، وكلاهما لا شيء.
[ ١٠١ ]
٩٣ - ونَظيرُ هذا في التَّنزيلِ قولُه ﷿: ﴿وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا﴾ [القمر: ١٢]، "التفجيرُ" للعيون في المعنى، وأَوْقَعُ على الأرضِ في اللفظ، كما أُسنِد هناك الاشتعالُ إِلى الرأس، وقد حصَلَ بذلك منْ معنى الشُّمول ههنا، مثْلُ الذي حصلَ هناك. وذلك أَنَّه قد أَفادَ أنَّ الأرضَ قد كانت صارتْ عُيونًا كلُّها، وأنَّ الماءَ قد كان يَفُور مِنْ كلَّ مكانٍ منها. ولو أُجريَ اللفظُ على ظاهرهِ فقيلَ: "وفجَّرْنا عيونَ الأرضِ، أو العيونَ في الأرض"، لم يُفِد ذلك ولم يَدُلَّ عليه، ولَكانَ المفهومُ منه أنَّ الماءَ قد كان فارَ من عيونٍ متفرقةٍ في الأرض، وَتَبجَّس مِن أماكنَ منها.
واعلمْ أَنَّ في الآيةِ الأُولى شيئًا آخرَ من جنْس "النظّم"، وهو تَعريفُ الرأسِ" بالأَلِف واللاَّم، وإفادةُ معنى الإضافةِ من غَيْر إضافةٍ، وهو أَحدُ ما أوجبَ المزيَّةَ. ولو قيل: "واشتعلَ رأسي"، فصُرَّحَ بالإضافة، لذهب بعض الحسن، فاعرفه.
مثال آخر لذلك في الاستعارة:
٩٤ - وأنا أكتبُ لك شيئًا مما سَبيلُ "الاستعارةِ" فِيه هذا السبيلُ، ليَستحْكِمَ هذا البابُ في نفسِك، ولِتأْنَسَ به.
فمِن عجيبِ ذلك قولُ بعض الأعراب:
اللَّيْلُ داجٍ كَنَفا جِلْبابِهِ والبَيْنُ مَحْجورٌ على غُرَابهْ١
ليس كلُّ ما تَرى منَ الملاحَةِ لأنْ جعلَ لِلَّيل جلبابًا، وحَجَر على الغرابِ، ولكنْ في أنْ وضعَ الكلامَ الذي تَرى، فَجعلَ "الليلَ" مبتدأ، وجعل "داجٍ" خبرًا له وفعلًا لما بعده وهو "الكنفانُ"، وأضافَ "الجلبابَ" إلى
_________________
(١) ١ في "ج"، "والليل محجور"، كأنه سهور من الناسخ.
[ ١٠٢ ]
ضميرِ "الليل"، ولأنْ جعلَ كذلك "البينُ" مبتدأ، وأجرى محْجورًا خبرًا عنه١، وأنْ أخرجَ اللفظَ عَلَى "مفعولٍ". يُبيِّنُ ذلك أَنَّكَ لو قلْتَ:
"وغرابُ البينِ محجورٌ عليه، أو: قد حُجرَ على غُرابِ البين"، لم تجد لههذه المَلاحة. وكذلك لو قلتَ: "قد دَجا كَنَفَا جلبابِ اللَّيل"، لم يكنْ شيئًا.
٩٥ - ومن النَّادِر فيه قول المتنبي:
غَصَبَ الدهرَ والملوكَ عَلَيْها فَبنَاها في وَجْنة الدَّهرِ خَالا٢
قد تَرى في أَول الأمرِ أنَّ حُسْنه أَجْمَع في أنْ جَعلَ للدَّهرِ "وَجْنةً"، وجَعَلَ البُنيَّة "خالًا" في الوجنة٣، وليسَ الأَمرُ على ذلك، فإنَّ مَوْضعَ الأُعجوبةِ في أنْ أَخْرج الكلام مخْرجَهُ الذي تَرى، وأَنْ أَتَى "بالخالِ" منصوبًا على الحال من قوله "فَبنَاها". أفَلاَ ترى أَنك لو قُلْتَ: "وهي خالٌ في وَجْنة الدَّهر"، لوجدْتَ الصورة غيرَ ما تَرى؟ وشبيهٌ بذلك أنَّ ابنَ المعتزَّ قال:
يا مِسْكةَ العطَّارِ وخالَ وَجْهِ النهارِ٤
وكانت المَلاحَةُ في الإِضافةِ بعد الإضافة، لا في استعارةِ لفظةِ "الخالِ" إذْ معلومٌ أَنه لو قالَ: "يا خالا في وجهِ النهار" أو "يا مَنْ هو خالٌ في وجْه النهار"، لم يكن شيئًا.
_________________
(١) ١ في "ج": "خبرًا عليه". ٢ في ديوانه. ٣ "البنية"، البناء، يعني قلعة الحدث التي بناها سيف الدولة، وهو يقاتل الروم في سنة ٣٤٤ هـ. ٤ في ديوانه، "باب الأوصاف والذم والملح"، بقوله لجارية سوداء.
[ ١٠٣ ]
ما يقال في تتابع الإضافات:
٩٦ - ومِنْ شأنِ هذا الضربِ أن يَدْخلَه الاستكراهُ، قال الصاحبُ: "إياكَ والإضافاتِ المُتَداخلةَ١، فإنَّ ذلك لا يَحْسُن"، وذكَر أَنَّه يُستعملُ في الهجاء كقول القائل:
يا عليُّ بنُ حمزةَ بنِ عمارَةْ أنتَ والله ثلجة في خياره٢
ولا شبهة فيثقل ذلك في الأَكثر، ولكنه إِذا سَلِمَ منَ الاستكراهِ لطُفَ ومْلحَ.
ومما حَسُنَ فيه قولُ ابن المعتز أيضًا؟
وظَلَّتْ تُديرُ الراحَ أَيْدي جآذرٍ عتاقِ دَنانيرِ الوجوهِ مِلاحِ٣
ومما جاءَ منه حَسَنًا جميلًا قول الخالدي في صفة غلام له:
ويَعرِفُ الشِّعْرَ مثْلَ مَعْرِفَتي وهْو عَلَى أنْ يزيد مجتهد
وصيرفي القريض، وزان دينار المـ ـعاني الدقاق، منتقد٤
ومنه قول أبي تمام:
خُذْها ابْنَةَ الفكْرِ المهذَّب في الدُّجى والليلُ أَسْوَدُ رُقْعَةِ الجِلْبابِ٥
٩٧ - ومما أكثرُ الحُسْنِ فيه بسبب النظم، قول المتنبى:
_________________
(١) ١ في المطبوعة وحدها: "المتداخلة". ٢ "علي بن حمزة بن عمارة الأصفهاني"، له ترجمة في معجم الأدباء لياقوت. ٣ في ديوانه، "باب الشراب"، وفي "ج": "يدير الكأس". ٤ ديوان: الخالدين: ١٢٢، من شعر له في غلامه "رشأ"، و"الخالدي" هو أحد الأخوين: "أبو عثمان سعيد بن هاشم الخالدي". ٥ في ديوانه.
[ ١٠٤ ]
وقَيَّدتُ نَفْسي في ذَرَاك مَحَبةً ومَنْ وَجَدَ الإِحسانَ قَيْدًا تَقيَّدا١
الاستعارةُ في أصْلها مُبْتذلة معروفةٌ، فإنَّك ترَى العاميَّ يقولُ للرجل يَكْثُر إحسانُه إِليه وَبرُّهُ له، حتى يألَفَه ويختارَ المقامَ عنده: "قد قيَّدني بكثرةِ إِحسانِه إليَّ، وجميلِ فِعْله معي، حتى صارتْ نَفسي لا تُطاوِعُني على الخروجِ من عنْدِه"، وإِنّما كان ما تَرى منَ الحُسْن، بالمَسْلك الذي سلَكَ في النظم والتأليف.
[ ١٠٥ ]