فصل: [في أن هذه المزايا في النظم، بحسب المعاني والأغراض التي تؤم] ١
بيان محاسن النظم:
٨٠ - وإِذ قد عرفْتَ أنَّ مدارَ أمرِ "النظْم" على مَعاني النحو، وعلى الوجُوهِ والفُروق التي من شأْنها أَنْ تكونَ فيه، فاعلمْ أنَّ الفروقَ والوجوهَ كثيرةٌ ليسَ لها غايةٌ تقفُ عندها، ونهاية لا تجد لهال ازديادًا بَعْدها ثم اعْلَمْ أنْ ليستِ المزيةُ بواجبةٍ لها في أنْفُسِها، ومِنْ حيثُ هي على الإِطلاق، ولكنْ تعرضُ بسببِ المعاني والأغراضِ التي يُوضعُ لها الكلامُ، ثم بحَسَبِ موقعِ بعضِها من بعضٍ، واستعمالِ بعضِها معَ بعضٍ.
تفسيرُ هذا: أنَّه ليسَ إِذا راقَكَ التنكيرُ في "سؤددٍ" من قولِه: "تنقَّلَ في خلقَيْ سؤددِ"٢ وفي "دهرٌ" من قوله: "فلو إذْ نَبا دهرٌ"٣، فإِنه يَجبُ أنْ يروقَكَ أبدًا وفي كلَّ شيء ولا إِذا استحسنْتَ لفظَ ما لم يُسمَّ فاعلُه في قوله "وأنكرَ صاحبٌ"٣، فإِنه ينبغي أَن لا تراهُ في مكان إلا أعطيته مثل استحسانك ههنا بل ليسَ مِنْ فضلٍ ومزيةٍ إلاَّ بحسَبِ الموضع، وبحَسبِ المعنى الذي تُريدُ والغرض الذي تؤُمُّ. وإِنّما سبيلُ هذه المعاني سبيلُ الأَصباغِ التي تُعملُ منها الصورُ والنقوشُ، فكما أَنك ترَى الرجلَ قد تَهدَّى في الأصباغ التي عَمِلَ منها الصورةَ والنّقشَ في ثوبِه الذي نسج، إلى ضرب من التخير
_________________
(١) ١ هذا السطر كله، ليس في "ج"، ولا "س". ٢ انظر الفقرة رقم: ٧٨. ٣ انظر الفقرة رقم: ٧٩.
[ ٨٧ ]
والتدبُّر في أَنفس الأَصباغِ وفي مواقِعها ومقاديرِها وكيفيّةِ مَزْجه لها وتَرتيبه إِياها، إِلى ما لم يتَهدَّ إِليه صاحبُه١، فجاء نَقشُه من أجْل ذلك أَعجَبَ، وصورتُه أغرَبَ، كذلك حالُ الشاعرِ والشاعرِ في توخِّيهما مَعاني النَّحو ووجوهِه التي علمت أنها محصول "النظم".
صفة "النظْم":
٨١ - واعلمْ أنَّ مِن الكلام ما أنتَ تَرى المزيَّةَ في نَظْمه والحُسْنَ، كالآجزاءِ من الصِّبْغ تَتلاَحقُ وينْضَمُّ بعضُها إِلى بعض حتى تَكْثُرَ في العين، فأنتَ لذلك لا تُكْبِرُ شأْنَ صاحبهِ، ولا تَقْضِي له بالحِذْق والاستاذيَّة وسَعَةِ الذَّرْع وشدَّةِ المُنَّة٢، حتى تَستوفي القطعةَ وتأتيَ على عدّةِ أبياتٍ. وذلك ما كانَ مِن الشعر في طبقةِ ما أنشدْتُكَ من أبياتِ البُحتريَّ٣ ومنْهُ ما أَنْتَ تَرى الحُسْنَ يَهجُمُ عليك منه دفعةً، ويأتيكَ منه ما يملأُ العينَ ضَرْبَةً٤ حتى تعرفَ منَ البيت الواحد مكانَ الرَّجُلِ منَ الفضْل، وموضعَه منَ الحذْق، وتشْهَدَ له بفضلِ المُنَّة وطولِ الباع، وحتى تَعْلَم، إنْ لم تَعْلَم القائلَ، أنَّه مِنْ قِبَل شاعرٍ فحلٍ٥، وأنه خرجَ من تحتِ يَدٍ صَنَاعٍ، وذلك ما إذا أنْشَدْتَهُ وضعتَ فيه اليدَ على شيءٍ فقلتَ: هذا، هذا! وما كان كذلك فهو الشعر
_________________
(١) ١ في "س"، وفي نسخة عند رشيد رضا: "إلى ما لم يكن يهتدي إليه". ٢ "المنة"، القوة والضبط. ٣ انظر رقم: ٧٨. ٤ في المطبوعة: "غرابة"، وفي المخطوطتين، ونسخة أخرى عند رشيد رضا، كما أثبت و"ضربة"، دفعة واحدة. ٥ في المطبوعة: "من قبل".
[ ٨٨ ]
الشاعرُ١، والكلامُ الفاخر، والنمطُ العالي الشريفُ والذي لا تَجده إلاَّ في شعْر الفحولِ البُزْلِ٢، ثم المطبوعين الذين يلهمون القول إلهامًا.
شواهد من محاسن النظم:
٨٢ - ثم إِنّك تحتاجُ إِلى أن تستقريَ عدَّة قصائدَ، بل أن تَفْليَ ديوانًا من الشعر٣، حتى تَجْمعَ منه عدَّةَ أبياتٍ. وذلك ما كانَ مثْلَ قولِ الأَوّلِ، وتَمثَّل به أبو بكرِ الصّديقُ رضوانُ اللهِ عليه حين أَتاه كتاب خالد بالفتح في هزيمة الأعاجم:
تَمنَّانا ليَلْقانا بقومٍ تخالُ بياضَ لأْمِهمُ السَرَابا٤
فقد لاقيْتَنا فرأيْتَ حَرْبًا عَوانًا تمنعُ الشيخَ الشَرَابا٥
أُنظرْ إِلى موضعِ "الفاء" في قولهِ:
فقد لاقيتنا فرأيت حربًا
_________________
(١) ١ في المطبوعة: "فهو شعر الشاعر"، وليس لشيء. ٢ "البزل" جمع "بازل"، وهو البعير بنشق نابه ويبزل عند دخوله في السنة التاسعة، وتستحكم قوته. ٣ مستعار للتفتيش والتنقيب، من "فلي الشعر"، بحثًا عن القمل الدقيق وصئبانه. ٤ هذا من شعر الصحابي زياد بن حنظلة التميمي الذي بعثه رسولُ الله ﷺ إلى قيس بن عاصم والزبرقان بن بدر ليتاونا على مسيلمة وطليحة والأسود، وشهد مع أبي بكر حرب مانعي الزكاة يوم الأبرق، فقال زياد: ويوم بالأبارق قد شهدنا على ذبيان يلتهب التهابًا أتيناهم بداهية نسوف مع الصديق إذا ترك العتابا والخبر كله في تاريخ الطبري ٣: ٢٢٢ - ٢٢٥، وفيه البيتان اللذان ذكرتهما آنفًا. أما الذي أنشده عبد القاهر فقد أنسيت مكانه ومكان أبيات زياد بن حنظلة. ٥ "اللأم"، جمع "لأمة"، وهي أداة الحرب من درع وبيضة وسلاح.
[ ٨٩ ]
ومثل قول العباس بن الأحنف:
قَالُوا خراسانُ أَقصى ما يُرادُ بِنا، ثُمَّ القفولُ، فقد جئْنا خُراسانا١
أنظرْ إِلى موضعِ "الفاء" و"ثم" قبلها.
ومثلُ قولِ ابنِ الدمينة٢:
أبينى أفي يمنى يديك جعلتني فأقرح، أمْ صَيِّرْتِني في شِمالِكِ
أَبِيتُ كأَنّي بين شِقَّيْنِ من عَصَا حِذارَ الرَّدى، أو خيفة من زيالِكِ
تَعَالَلْتِ كيْ أشْجى، وما بكِ علَّةٌ تُريدينَ قَتْلِي قد ظفْرتِ بذلكِ٣
انظر إِلى الفصْل والاستئنافِ في قوله:
تُريدين قتلي، قد ظفرتِ بذلك
ومثلُ قولِ أبي حَفْصٍ الشَّطرنجيَّ، وقاله على لسانِ عُلَيَّةَ أُختِ الرَّشيد، وقد كان الرَّشيدُ عتبَ عليها:
لو كانَ يمنَعُ حسْنُ الفعْلِ صاحبَهُ مِنْ أنْ يكونَ له ذنبٌ إِلى أَحَدِ
كانتْ عليه أبرى الناس كلهم من أن نكافا بسوء آخر الأبد
ما أعجب الشيء نرجوه فتحرمه قد كنت أحسب أني ملأت يدي٤
_________________
(١) ١ في ديوانه: حين خرج مع الرشيد إلى خراسان، وفي هامش "ج" حاشية خفية الخط لم أحسن قراءتها. ٢ في "ج"، "ابن دمينة"، غير معرف. ٣ في ديوانه، و"الزيال"، الفراق، "زايله مزايلة وزيالا"، فارقه. ٤ أبو حفص الشطرنجي، شاعر علية بنت المهدي، والشعر في الأغاني "الهيئة" ٢٢: ٤٨، وأسقط الشيخ ﵀ بيتًا يقوم عليه معنى البيت الرابع، وهو: مالي إذا غبت لم أذكر بواحدة وإن سقمت فطال السقم لم أعد
[ ٩٠ ]
انظرْ إِلى قولهِ: "قد كنتُ أَحسبُ" وإِلى مكان هذا الاستئناف.
ومثل قول أبي داود:
ولقَدْ أَغْتَدِي يُدافِعُ رُكْني أَحْوَذِيٌّ ذُو مَيْعَةٍ إضْريجُ
سَلهبٌ شَرْجبٌ كأنَّ رِماحًا حَمَلتْهُ وَفِي السَّراةِ دُموجُ١
انظرْ إلى التنكيرِ في قولِه "كأن رماحًا".
ومثل قول ابن البواب:
أَتيتُكَ عائذًا بكَ مِنْـ ـكَ لمَّا ضاقَتِ الحِيَلُ
وصَيَّرني هواكَ وبي لَحَيْني يُضْرَبُ المَثَلُ
فإنْ سَلِمتْ لكُمْ نَفْسي فَما لاقَيْتُهُ جَلَلُ
وإنْ قَتل الهوى رجُلًا فإِني ذلك الرَّجُلُ٢
أُنُظرْ إِلى الإِشارةِ والتعريفِ في قولهِ: "فإِني ذلك الرَّجُل".
ومثل قولِ عبدِ الصمد:
مكْتَئِبٌ ذُو كَبدٍ حَرَّى تَبْكي عليهِ مُقلَةٌ عَبْرى
يَرْفعُ يُمنْاهُ إِلى رَبِّه يَدْعو وفوقَ الكبد اليسرى٣
_________________
(١) ١ في ديوانه "دراسات في الأدب العربي": ٢٩٩، يصف فرسًا، "أحوذي"، خفيف سريع العدو، "ذو ميعة"، ذو نشاط في حضره وعدوه، "إضريج"، جواد كثير العرق، وهو مما يحمد في الخيل. "سلهب"، طويل على وجه الأرض. و"شرجب"، طويل القوائم عاري أعالي العظام. و"السراة"، الظهر. و"دموج" ملاسة واجتماع وإحكام. ٢ نسبه هنا لابن البواب، ونسبه في الأغاني ٦: ١٦٨، ١٦٩ "الدار". لسليم بن سلام الكوفي المغني صاحب إبراهيم الموصلي، ونسبه المرزباني في نور القبس: ٨٧ إلى اليزيدي "عبد الله بن يحيىبن المبارك". ٣ هو "عبد الصمد بن المعذل"، والشعر في ديوانه المجموع، وهي في الزهرة ١: ٢٤، منسوبًا إلى ماني، أربعة أبيات، هذان ثم بعدهما:
[ ٩١ ]
انظر إلى لفظة: "يدعو" وإِلى موقعها.
ومثلُ قولِ جرير:
لِمَن الديارُ ببُرقة الرَّوَحانِ إِذ لا نَبيعُ زمانَنا بزمانِ
صَدعَ الغَواني إِذْ رَمَيْنَ، فؤادَهُ صَدْعَ الزجاجة مالذاك تَدانِ١
أُنظرْ إِلى قوله: "ما لذاك تدانِ"، وتأَمَّلْ حالَ هذا الاستئناف.
ليس من بصيرٍ عارفٍ بجوهر الكلام، حسَّاس مُتفهِّم لسرِّ هذا الشأنِ، يُنْشِدُ أو يَقرأ هذه الأبياتَ، إلاَّ لم يلبثْ أَنْ يضَعَ يدَه في كلَّ بيتٍ منها على الموضِع الذي أشرتُ إليه، يَعْجَبُ ويُعَجِّب ويُكْبِر شأنَ المزيةِ فيه والفضْلَ.
_________________
(١) يبقى إذا كلمته باهتًا ونفسه مما به سكرى تحسبه مستمعًا ناصتًا وقلبه في أمة أخرى ١ في ديوانه.
[ ٩٢ ]