١٠٢ - وكذلك صَنعوا في سائرِ الأبواب، فجعلوا لا ينظرون في "الحذف والتكرار" و"الإظهار والإضمار"، و"الفصل والوصلِ"، ولا في نَوْع من أنواعِ الفُروق والوجوه إِلا نَظَرُك فيما غيرُه أهمُّ لك، بل فيما إِنْ لم تعلَمْه لم يَضُرَّك.
لا جَرَمَ أَنَّ ذلك قد ذَهَبَ بهم عن معرفةِ البلاغةِ، ومنَعَهم أن يَعرفوا مقاديَرها، وصد بأوجههم عن الجهةِ التي هي فيها١، والشِّقِّ الذي يَحْويها. والمَداخِلُ التي تَدخُلُ منها الآفةُ على الناس في شأنِ العلم، ويَبْلُغ الشيطانُ مُرادهَ منهم في الصدِّ عن طَلبهِ وإِحراز فضيلتهِ كثيرة، وهذه من أعجبها، وإن وجَدْتَ متعجِّبًا.
وليتَ شِعْري، إِن كانت هذه أمورًا هيِّنة، وكان المدى فيها قريبًا والجَدى يسيرًا٢، من أينَ كانَ نَظْمٌ أشرَفَ من نَظمٍ؟ وبِمَ عَظُمَ التفاوتُ، واشتدَّ التباينُ، وتَرقَّى الأمرُ إِلى الإِعجازِ، وإِلى أن يَقْهر أعناقَ الجبابرة؟ أو ههنا أمورٌ أُخَرٌ نُحيلُ في المزيّةِ عليها، ونَجْعلُ الإعجازُ كان بها، فتكونَ تلكَ الحوالةُ لنا عذْرًا في تركِ النَّظرِ في هذهِ التي معنا، والإعراضِ عنها، وقلَّة المبالاةِ بها؟ أَوَ ليس هذا التهاونُ، إنْ نَظَر العاقلُ، خِيانةً منه لِعقله ودينهِ، ودخُولًا فيما يُزري بذي الخَطَر، ويغضُّ من قَدْر ذَوي القَدر؟ وهل يكون أضعفُ رأيًا، وأبعدُ من حُسْن التدبُّر، منك إِذا أهمَّك أن تعرفَ الوجوهَ في "أأنذرتهم"٣، والإِمالة في "رأى القمر" وتعرفَ "الصَّرَاطَ"
_________________
(١) ١ في المطبوعة: "وصد أو جههم". ٢ "الجدى"، النفع. ٣ في المطبوعة: "إذا همك"، وفي "س": "إذا أهمك".
[ ١٠٩ ]
و"الزراط"١، وأشباهَ ذلك مما لا يَعْدُو عِلْمُك فيه اللفظَ وجَرْسَ الصوت، ولا يَمنعُكَ إنْ لم تَعلمْه بلاغةً٢، ولا يَدْفعُكَ عن بيانٍ، ولا يُدخِلُ عليك شَكًّا، ولا يُغْلق دونَكَ بابَ معرفةٍ، ولا يُفْضى بك إِلى تحريفٍ وتبديلٍ، وإِلى الخطإ في تأويلٍ، وإِلى ما يَعظُمُ فيه المَعابُ عليكَ، ويُطيلُ لسانَ القادحِ فيك٣ ولا يَعْنيكَ ولا يَهُمُّك أنْ تَعرف ما إِذا جهلْتَه عرَّضْتَ نفسَك لكلَّ ذلك، وحصلْتَ فيما هنالك، وكان أكثرُ كلامِك في التفسيرِ، وحيثُ تخوضُ في التأويل، كلامَ مَنْ لا يينى الشيءَ على أصلِه، ولا يأخذُهُ من مَأْخذه، ومَنْ ربَّما وَقَعَ في الفَاحش من الخطإ الذي يَبقى عارُه، وتَشنُع آثارُه. ونَسأل اللهَ العِصْمةَ من الزلَلِ، والتوفيقَ لما هو أقربُ إلى رضاه من القول والعمل.
الخطأ في تقسيم التقديم والتأخير، إلى مفيد وغير مفيد:
١٠٣ - واعلمْ أَنَّ مِن الخطإ أَنْ يُقْسَم الأَمرُ في تقديمِ الشيءِ وتأخيرهِ قسميْن، فيُجْعَلَ مفيدًا في بعضِ الكلامِ، وغيرَ مفيدٍ في بعضٍ وأَنْ يُعلَّل تَارةً بالعناية، وأخرى بأنه تَوْسِعةٌ على الشاعرِ، والكاتب، حتى تَطَّردَ لهذا قَوافيهِ ولِذاكَ سجعُهُ. ذاك لأنَّ منَ البعيد أَنْ يكونَ في جملةِ النظْم ما يدلُّ تارةً ولا يَدلُّ أُخْرى. فمتى ثبتَ في تقديمِ المفعولِ مَثلًا على الفِعل في كثيرٍ من الكلامِ، أَنَّه قد اخْتُصَّ بفائدةٍ لا تكونُ تلك الفائدةُ معَ التأخيرِ، فقد وَجَب أن تكونَ تلك قضيةً في كلَّ شيءٍ وكلِّ حالٍ. ومِنْ سبيلِ مَنْ يجعلُ التقديمَ وتركَ التقديم سواء،
_________________
(١) ١ هذه الأحرف إشارة إلى القراءات في الآيات التي فيها هذه الألفاظ. ٢ في "ج": "لم تمنعه"، سهو من الناسخ. ٣ معطوف على قوله قبل: "إذا أهمك أن تعرف الوجوه ".
[ ١١٠ ]
أنْ يدَّعي أنه كذلك في عمومِ الأحوال، فأما أن يجعله شريجين١، فيزعُمُ أنه للفائدةِ في بعضِها، وللتصرُف في اللفظِ مِنْ غيرِ معنًى في بعض، فمما ينبغي أن يَرْغَبَ عن القولِ به.
١٠٤ - وهذه مسائلُ لا يَستطِيع أحدٌ أن يَمتنِعَ من التَّفرقةِ بينَ تقديمِ ما قُدِّمَ فيها وتَرْكِ تقديمه.
مسائل الاستفهام بالهمزة والفعل ماض:
ومِنْ أَبْيَن شيءٍ في ذلك "الاستفهامُ بالهمزةِ"، فإنَّ موضعَ الكلام على أَنك إِّذا قلتَ: "أَفَعلْتَ؟ "، فبدأتَ بالفعل، كان الشكُّ في الفِعل نَفْسِه، وكان غَرضُكَ مِن استفهامِك أنْ تَعْلم وُجودَه.
وإِذا قلتَ: "أأَنْتَ فعلتَ؟ "، فبدأْتَ بالاسمِ، كان الشكُّ في الفاعِل مَنْ هوَ، وكان التردُّدُ فيه. ومثالُ ذلك أَنَّك تقولُ: "أَبَنَيْتَ الدارَ التي كنتَ على أنْ تَبْنِيهَا؟ "، "أَقُلْتَ الشِّعرَ الذي كان في نفسكَ أنْ تقولَهُ؟ "، "أفرغت من الكتائب الذي كنتَ تَكتُبُه؟ "، تبدأ في هذا ونحْوهِ بالفعل، لأنَّ السؤالَ عنِ الفعلِ نفْسهِ والشكَّ فيه، لأنَّك في جميع ذلك متردِّدٌّ في وجودِ الفعل وانتفائه، مُجوِّزٌ أَنْ يكونَ. قد كانَ، وأنْ يكونَ لم يَكُنْ.
وتقولُ: "أأَنْتَ بَنَيْتَ هذهِ الدارَ؟ "، "أأنْتَ قلتَ هذا الشعرَ؟ "، "أأَنتَ كتبْتَ هذا الكتابَ؟ "، فتَبْدأ في ذلك كله بالاسم، ذاك لأنك لم تَشُكَّ في الفعل أنه كانَ. كيفَ؟ وقد أشرْتَ إلى الدارِ مَبْنية، والشِّعر مَقُولًا، والكتابِ مكتوبًا، وإِنما شكَكْتَ في الفاعل مَن هو؟
_________________
(١) ١ في المطبوعة "أن يجعله بين بين"، و"شريحان"، لونان مختلفان في كل شيء، يعني قسمين متساويين.
[ ١١١ ]
فهذا منَ الفَرْق لا يَدْفعُه دافعٌ، ولا يَشكُّ فيه شاكٌّ، ولا يَخْفى فسادُ أحدِهما في موضع الآخر.
فلو قلتَ: "أأَنْتَ بَنيتَ الدارَ التي كنتَ على أنْ تَبنيها؟ "، "أَأَنْتَ قلتَ الشعرَ الذي كان في نفسِك أن تَقولَه؟ "، "أأَنْتَ فرغْتَ منَ الكِتاب الذي كنتَ تكْتُبه؟ "، خرَجْتَ منِ كلام الناس. وكذلك لو قلْتَ: "أبَنَيْتَ هذه الدارَ؟ "، "أَقلت هذا الشعرَ؟ "، "أَكتبتَ هذا الكتابَ؟ "، قلْتَ ما ليس بقولِ. ذاكَ لِفَساد أنْ تقولَ في الشيء المُشَاهَدِ الذي هو نُصْبُ عينيكَ أَموجودٌ أم لا؟
ومما يُعلَمُ به ضرورةً أنه لا تكونُ البدايةُ بالفعل كالبداية بِالاسم أَنك تقولُ: "أقلتَ شعرًا قط؟ "، "أرأيتَ اليومَ إِنسانًا؟ "، فيكونُ كلامًا مستقيمًا. ولَو قلتَ: "أأنتَ قلت شعرًا قط؟ "، "أأنت رأيت إنسانًا"، أحلت١، وذاك أَنه لا مَعْنى للسؤالِ عن الفاعلِ مَنْ هو في مثلِ هذا، لأنَّ ذلك إِنما يُتَصوَّر إِذا كانتِ الإشارةُ إِلى فعلٍ مخصوصٍ نَحْوَ أَنْ تقولُ: "مَنْ قال هذا الشعر؟ "، و"من بنى هذا الدار؟ " و"من أتاك اليوم؟ "، و"من أذن لك من الذي فعلتَ؟ "، وما أشبَه ذلك مما يُمكنُ أن يُنَصَّ فيه على مُعَيَّنٍ. فأمَّا قيلُ شعرٍ على الجملة، ورؤيةُ إنسانٍ على الإِطلاق، فمُحَالٌ ذلك فيه، لأَنه ليس مما يُخْتصُّ بهذا دون ذاكَ حتى يُسْأَلَ عن عينِ فاعلهِ.
ولو كان تقديمُ الاسم لا يُوجب ما ذكَرْنا، من أنْ يكونَ السؤالُ عن
_________________
(١) ١ في المطبوعة: "أخطأت"، وقال إنها أثبتها مكان "أحلت"، وهو خطأ منه. و"أحلت"، أتيت بالمحال.
[ ١١٢ ]
الفاعل مَنْ هو؟ وكان يَصِحُّ أن يكونَ سؤالًا عن الفعلِ أكانَ أمْ لم يكُنْ؟ لكانَ ينبغي أَنْ يستقيمَ ذلك١.
١٠٥ - واعلمْ أَنَّ هذا الذي ذكرتُ لك في "الهمزة وهي للاستفهام" قائمٌ فيها إِذا هيَ كانت للتقرير. فإِذا قلتَ: "أَأَنْتَ فعلتَ ذاك؟ "، كان غرضك أن تقرره بأنه الفاعل.
الاستفهام للتقرير:
يُبَيِّنُ ذلكَ قولُه تعالى، حكايةً عن قَوْل نمروذ٢: ﴿أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيم﴾ [الأنبياء: ٦٢] لا شبْهةَ في أنَّهم لم يقولوا ذلك له ﵇ وهم يُريدون أنْ يُقِرَّ لهم بأَنَّ كَسْرَ الأصنام قد كانَ، ولكنْ أن يقر بأنه منه كان، وكيف؟ ٣ وقد أشاروا له إِلى الفِعل في قولهم: ﴿أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا﴾، وقال هو ﵇ في الجواب٤: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ [الأنبياء: ٦٣]، ولو كان التقريرُ بالفعلِ لَكانَ الجوابُ: "فَعلْتُ، أوْ: لم أَفْعَل".
فإِن قلتَ: أوَ ليسَ إِذا قال "أَفَعَلْتَ؟ " فهو يريدُ أيضًا أن يُقرِّره بأَنَّ الفعلَ كان منه٥، لا بأنه كان على الجملة، فأيُّ فَرْقٍ بينَ الحالَيْنِ؟
_________________
(١) ١ أسقط كاتب "س" فكتب: "أن يكون السؤال عن الفاعل أكان أم لم يكن". ٢ "حكاية عن قول نمرود"، ليس في "س". ٣ "كيف"، ليس في المطبوعة، ولا في "ج"، وهي من "س"، وأسقط "ج": "كان" التي قبلها. ٤ في "س": قال ﵇، بل فعله". ٥ في "ج": "أن يقرره بالفعل".
[ ١١٣ ]
فإِنَّه إِذا قال١: "أَفَعَلْتَ؟ " فهو يقرره بالفعلِ مِنْ غيرِ أن يُردِّدَه بينَه وبينَ غيرهِ٢، وكان كلامُه كلامَ مَنْ يُوهِمُ أنه لا يَدْري أنَّ ذلك الفعلَ كان على الحقيقةِ وإِذا قال: "أأنت فعلتَ؟ "، كان قد ردَّدَ الفعلَ بينهُ وبين غيره، ولم يكُنْ منهُ في نفيِ الفعلِ تردُّدٌ٣، ولم يكنْ كلامُه كلامَ مَنْ يُوهم أنه لا يَدْري أَكانَ الفعلُ أمْ لم يَكُنْ، بدلالةِ أَنك تقولُ لك والفعلُ ظاهرٌ موجودٌ مشارٌ إِليهِ، كما رأيْتَ في الآية.
١٠٦ - واعلمْ أنَّ "الهمزةَ" فيما ذكرنا تَقريرٌ بفعلٍ قد كان، وإنكارٌ له لِمَ كان، وتوبيخٌ لفاعِلِه عليه.
ولها مذهبٌ آخَرُ، وهو أن يكون الإنكار أَنْ يكونَ الفعلُ قد كانَ مِنْ أَصْله. ومثالُه قولُه تعالى ﴿أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلائِكَةِ إِنَاثًا إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا﴾ [الإسراء: ٤٠]، وقولُه: ﷿: ﴿أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِين، مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [الصافات: ١٥٣، ١٥٤]، فهذا رَدٌّ على المشركينَ وتكذيبٌ لهم في قولِهم ما يُؤَدِّي إِلى هذا الجهلِ العظيم، وإذا قدم الاسم فيهذا صارَ الإنكارُ في الفاعل. ومثالُه قولُكَ للرجل قد انْتَحلَ شِعرًا: "أأَنْتَ قلتَ هذا الشعرَ؟ كذبتَ، لسْتَ ممنْ يُحْسِن مِثلَه"، أَنْكَرْتَ أنْ يكون القائل ولم تنكر الشعر.
_________________
(١) ١ "فإنه"، جواب قوله: "فإن قلت". ٢ في "ج" فوق: "يردده" ما نصه: "أي الفعل"، يعني أن الضمير يعود إلى، "الفعل" لا إلى المسئول. ٣ في "ج" أسقط جملة: "ولم يكن تردد".
[ ١١٤ ]
وقد يكون أن يُرادُ إنكارُ الفعلِ من أَصْله١، ثم يُخرَجُ اللفظُ مخرجَه إِذا كان الإِنكار في الفاعل. مثالُ ذلك قولُه تعالى: ﴿قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ﴾ [يونس: ٥٩]، "الإذْنُ" راجعٌ إِلى قوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلالًا﴾ [يونس: ٥٩]، ومعلومٌ أَنَّ المعنى على إِنكارِ أنْ يكونَ قد كانَ منَ الله تعالى إذْنٌ فيما قالوه، من غيرِ أن يكونَ هذا الإذْنُ قد كانَ من غيرِ الله، فأضافوه إِلى الله، إلاَّ أَنَّ اللفظَ أُخرجَ مخرَجَهُ إِذا كانَ الأمرُ كذلك، لأنْ يُجعَلوا في صورةٍ مَنْ غَلِطَ فأضافَ إِلى الله تعالى إذْنًا كان من غير الله، فإذا حقق عليها ارتدع.
ومثال ذاك قولُكَ للرجلِ يَدَّعي أنَّ قولًا كان ممَّن تَعْلَم أنه لا يقولُه: "أهوَ قالَ ذاك بالحقيقةِ أم أنتَ تَغْلَطُ؟ "، تضَعُ الكلامَ وضْعهَ إِذا كنتَ علمتَ أنَّ ذلك القولَ قد كان مِنْ قائلٍ، لينصرِفَ الإنكارُ إِلى الفاعل، فيكونَ أَشَدَّ لنفيِ ذلك وإِبطالِه.
ونظيرُ هذا قولُه تعالى: ﴿قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [الأنعام: ١٤٣]، أُخرجَ اللفظُ مَخْرجَه إِذا كان قد ثبتَ تحريمٌ في أحدِ أشياءَ، ثم أُريدَ معرفةُ عينِ المحرَّم، معَ أنَّ المُرادَ إنكارُ التَّحريم مِنْ أصلهِ، ونَفْيُ أنْ يكونَ قد حُرم شيءٌ مما ذكروا أنه محرَّم. وذلك أنْ الكلامُ وُضعَ على أن يُجعلَ التحريمُ كأنه قد كانَ٢، ثم يُقال لهم: "أَخْبِرونا عن هذا التَّحريم الذي زعمتُمْ، فيمَ هو؟ أفي هذا أم ذاك أم في الثالث؟ " ليتبيَّنَ بُطْلانُ قولِهمْ، ويَظْهَرَ مكانُ الفِرْية مِنهم على الله تعالى.
_________________
(١) ١ في المطبوعة وحدها: "إذ يراد"، فاضطربت الجملة. ٢ في المطبوعة: "وذلك أن كلام الكلام"، وفي "س": "وذلك لأن الكلام".
[ ١١٥ ]
ومثلُ ذلك قولُكَ للرجلِ يدَّعي أمرًا وأنتَ تُنْكِره١: "متى كان هذا؟ أفي ليلٍ أم نهار؟ " وتضع الكلامَ وضْعَ مَنْ سَلَّم أنَّ ذلك قد كانَ، ثم تُطالبه ببيانِ وقتهِ، لكي يَتَبيَّنَ كذبَهُ إِذا لم يَقْدر أن يَذكُرَ له وقتًا ويُفتضَح. ومثلُهُ قولُكَ: "مَنْ أَمرَكَ بهذا مِنَّا؟ وأَيُّنا أَذِنَ لكَ فيه؟ "، وأنتَ لا تَعني أنَّ أَمْرًا قد كانَ بذلك مِنْ واحدٍ منكمِ، إِلاّ أنَّكَ تَضَعُ الكلامَ هذا الوضْعَ لكي تُضيِّقَ عليه، ولِيَظْهَر كَذِبُه حينَ لا يَستطيعُ أنْ يقولُ: "فلانٌ"، وأَنْ يُحيلَ على واحد٢.
تقديم الفعل وتقديم الاسم والفعل مضارع في الاستفهام:
١٠٧ - وإِذ قد بينَّا الفَرْقَ بينَ تَقديمِ الفعلِ وتقديم الاسم، والفعلُ ماضٍ، فينبغي أن تنظر فيه والفعلُ مضارعٌ.
والقولُ في ذلك أَنك إِذا قلت: "أَتفَعلُ؟ " و"أَأَنْتَ تَفعل؟ " لم يَخْلُ من أن تُريدَ الحالَ أوِ الاستقبالَ. فإِنْ أردتَ الحالَ كان المعنى شَبيهًا بما مَضى في الماضي، فإِذا قلتَ: "أتفعلُ؟ " كان المعنى على أنكَ أردتَ أن تُقرِّره بفعلٍ هو يفعلُه، وكنتَ كمَن يُوهِمِ أنه لا يَعلمُ بالحقيقةِ أنَّ الفعلَ كائنٌ وإِذا قلتَ: "أأَنتَ تَفْعل؟ "، كان المعنى على أنك تريدُ أن تُقرِّره بأنه الفاعلُ، وكانَ أمْرُ الفعلِ في وجودِه ظاهرًا، وبحيثُ لا يُحتاج إِلى الإِقرارِ بأنه كائن وإِن أردتَ بـ "تَفْعلُ" المستقبلَ، كان المعنى إِذا بدأْتَ بالفعلِ على أنك تَعْمد بالإِنكارِ إِلى الفعل نفسه، وتَزعم أنه لا يكونُ، أو أنَّه لا ينبغي أن يكون، فمثال الأول:
_________________
(١) ١ في "ج": "قول الرجل"، سهو منه. ٢ في "س": "على أحد".
[ ١١٦ ]
أَيقتُلُني والمَشْرَفيُّ مُضَاجِعي وَمَسْنونةٌ زُرْقٌ كأَنيابِ أغوالِ؟ ١
فهذا تكذيبٌ منه لإنسانٍ تهَدَّدَهُ بالقتل٢، وإنكارٌ أن يَقْدر على ذلك ويَستطيعَه. ومثْلُه أن يَطمعَ طامعٌ في أمرٍ لا يكونُ مثْلَهُ، فتُجهِّلَه في طمعهِ فتقولَ: "أيرضِى عنكَ فلانٌ وأنتَ مقيمٌ على ما يَكرهُ؟ أتَجِدُ عندَه ما تُحبُّ وقد فَعلتَ وصنَعْت؟ "، وعلى ذلك قولُه تعالى: ﴿أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ﴾ [هود: ٢٨].
ومثال الثاني، قولك لرجل يركَب الخطرَ: "أتَخرجُ في هذا الوقتِ؟ أتذْهَبُ في غير الطريق؟ أتغرر بنفسك" وقولك لرجل يُضيعُ الحقَّ: "أَتنسى قديمَ إحسانِ فلانٍ؟ أتترْكُ صُحبتَه وتَتغيرُ عن حالك معَهُ لأنْ تغيَّر الزمان؟ " كما قال:
أأتركُ أنْ قلَّتْ دراهمُ خالدٍ زيارتَه إِنّي إذا للئيم٣
تفسير تقديم الفعل المضارع:
١٠٨ - وجملةُ الأمر أَنك تَنْحو بالإِنكارِ نَحْوَ الفعلِ، فإنْ بدأتَ بالاسمِ فقلتَ: "أأنتَ تَفعلِ؟ " أو قلتَ" "أهوَ يفعلُ؟ "، كنتَ وجَّهْتَ الإنكارَ إِلى نفسِ المذكورِ، وأبيْتَ أن تكونَ بموضعِ أَنْ يجيءَ منه الفعلُ وممن يجيءُ منه، وأن يكونَ بتلك المثابة.
_________________
(١) ١ شعر امرئ القيس، في ديوانه. ٢ في "س": "يهدده". ٣ كامل المبرد١: ١٨٣، وفي مجموع شعر عمارة بن عقيل: ٧٥، بقوله في خالد بن يزيد ابن مزيد الشيباني.
[ ١١٧ ]
تفسير ذلك، أنك إذا قلت: "أأنت تمنعي؟ "، "أأنتَ تأخذُ على يدي؟ "، صرتَ كأنك قلتَ: إنَّ غيرَك الذي يستطيعُ منْعي والأخْذَ على يدي، ولستَ بذاك، ولقد وضعتَ نفسَك في غيرِ موضعِك هذا، إِذا جعلْتَه لا يكونُ منه الفعلُ للعَجْز، ولأنه ليس في وُسْعه.
وقد يكونُ أن تجعلَه لا يجيءُ منه، لأنه لا يَختارُه ولا يَرْتضيه، وأنَّ نفْسَه نفسٌ تَأْبى مثلَه وتَكْرَهُه. ومثالُهُ أن تَقول: "أَهو يسأَل فلانًا؟ هو أَرفعُ همَّةً من ذلك"، "أَهو يمَنعُ الناسَ حقوقَهم؟ هو أكرمُ من ذاك".
وقد يكونُ أن تَجعله لا يَفْعله لصِغَر قدْره وقِصَر همَّته، وأَنَّ نفْسَه نَفسٌ لا تَسمو. وذلك قولُك: "أهوَ يَسْمح بمثلِ هذا؟ أهوَ يرتاحُ للجميل؟ هو أقصرهمة من ذلك١، وأَقلُّ رغبةً في الخيرِ مما تظن".
_________________
(١) ١ "من ذلك"، ساقطة من "س".
[ ١١٨ ]