تفسير تقديم الاسم والفعل مضارع:
١٠٩ - وجملةُ الأَمرِ أنَ تقديَم الاسمِ يَقْتضي أنَّك عَمَدتَ بالإِنكارِ إِلى ذاتِ مَنْ قيلَ "إِنَّه يَفْعل" أو قالَ هو "إني أفعلُ"، وأردتَ ما تُريدُه إِذا قلتَ: "ليسَ هوَ بالذي يفعلُ، وليس مثلُه يَفعل" ولا يكونُ هذا المعنى إِذا بدأتَ بالفعل فقلتَ: "أَتفعل؟ ". أَلا ترى أن من المُحالَ أنْ تَزعم أنَّ المعنى في قولِ الرجلِ لصاحبهِ: "أتَخْرجُ في هذا الوقتِ؟ أتغرِّرُ بنفسكَ؟ أتمضي في غيرِ الطريق؟ "، أنَّه أَنكَرَ أنْ يكونَ بمثابةِ مَن يفعلُ ذلك، وبموْضعِ من يجيء منه ذاكَ؛ لأنَّ العِلمَ مُحيطٌ بأنَّ الناسَ لا يُريدونه، وأنَّه لا يَليقُ بالحالِ التي يُستعملُ فيها هذا الكلامُ. وكذلك مُحالٌ أن يكونَ المعنى في قولِهِ جلَّ وعلاَ: ﴿أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا
[ ١١٨ ]
كَارِهُونَ﴾ [هود: ٢٨]، أنَّا لسْنا بمثابةِ مَنْ يجيءُ منه هذا الإلزامُ، وأَنَّ غيرَنا مَنْ يَفعله، جلَّ الله تعالى.
وقد يَتوهَّمُ المتوهمُ في الشيءِ مِن ذلك أنه يحتملُ، فإِذا نَظَر لم يَحْتمل، فمِنْ ذلك قولُه:
أيقتلُني والمشرفيُّ مُضاجِعي١
وقد يَظنُّ الظانُّ أنه يَجوز أن يكونَ في معنى أنه ليس بالذي يَجيء منه أن يَقْتلَ مثْلي، ويَتعلَّق بأنه قالَ قَبْلُ:
يَغِطُّ غَطيطَ البَكر شُدَّ خِنَاقُهُ لِيَقْتُلَنِي والمرءُ ليسَ بقتَّالِ
ولكنهُ إِذا نظَر عَلِمَ أنَّه لا يَجوز، وذاكَ لأنه قالَ: "والمشرفيُّ مضاجِعي" فذكَرَ ما يكونُ مَنْعًا منَ الفعل، ومحالٌ أن يقولَ: "هو ممَّنْ لا يَجيءُ منه الفعلُ"، ثم يقولُ: "إِني أَمنعُهُ"، لأنَّ المَنْعَ يُتَصَوَّر فيمن يَجيءُ منه الفعلُ، ومَع مَنْ يَصِحُّ منه، لا مَنْ هو منه مُحالٌ، ومَن هو نفسه عنه عاجز، فاعرفه.
تفسير الاستفهام الدال على الإنكار:
١١٠ - واعلمْ أَنَّا وإِنّ كنَّا نُفَسِّر "الاستفهامَ" في مثلِ هذا بالإِنكار فإنَّ الذي هو مَحْضُ المعنى: أَنه لِيَتَنَبَّه السامعُ حتى يَرجعَ إِلى نفسِه فيخجلَ ويرتدعَ ويعيي بالجواب٢، إمَّا لأنه قدِ ادَّعَى القدرةَ عَلَى فِعْلٍ لا يَقدرُ عليه، فإِذا ثبتَ على دَعْواه قيل له: "فافْعَلْ"، فيَفْضحُه ذلك٣ وإمَّا لأنه هم
_________________
(١) ١ انظر البيت في رقم: ١٠٧. ٢ في "س": "لقيته السامع"، وأسقط "ليرتدع". ٣ في "ج": "ففضحه".
[ ١١٩ ]
بأنْ يفعلَ ما لا يَسْتصوِبُ فِعْلَه، فإِذا رُوجع فيه تنبَّه وعرَفَ الخطأَ وإِمّا لأَنه جوَّزَ وجودَ أمرٍ لا يُوجَدُ مثلُه، فإِذا ثبت على تجويزه قبح على نفسه١، وقيلَ له: "فأَرِناهُ في موضعٍ وفي حالٍ، وأقِمْ شاهدًا على أنَّه كان في وقْت".
ولو كانَ يكونُ للإِنكار، وكان المعنى فيه مِنْ بَدْء الأمر٢، لكان يَنْبغي أَنْ لا يَجيءَ فيما لا يَقولُ عاقلٌ إنه يكونُ، حتى يُنْكَرَ عليه، كَقَولهم: "أَتصعدُ إِلى السماء؟ "، "أتستطيعُ أن تَنْقلَ الجبالَ؟ "، "أَإِلى رَدِّ ما مضَى سبيلٌ؟ ".
١١١ - وإذْ قد عرفْتَ ذلك، فإِنَّه لا يُقرِّر بالمُحال، وبما لا يقولُ أَحدٌ إِنه يكونُ، إلاَّ على سبيلِ التمثيلِ، وعلى أنْ يُقالَ له: "إنَّكَ في دَعْواك ما ادَّعَيْتَ بمنزلةِ مَنْ يَدَّعي هذا المُحال، وإنكَ في طَمَعك في الذي طمعْتَ فيه بمنزلةِ مَنْ يَطْمعُ في الممتنع".
١١٢ - وإِذ قد عَرَفْتَ هذا، فَمِمَّا هو مِنْ هذا الضربِ قولُه تعالى: ﴿أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ﴾ [الزخرف: ٤٠]، ليس سماع الصُّم مما يدَّعيه أَحدٌ فيكون ذلك للإِنكار٣، وإِنَّما المعنى فيه التمثيلُ والتَّشبيهُ، وأَنْ يُنْزَّل الذي يُظَنُّ بهم أنهم يَسْمعون، أو أنه يستطيعُ إسماعِهم، مَنْزلةَ مَنْ يَرى أنه يُسْمِعُ الصمَّ ويَهدي العُمْيَ ثمَّ المعنى في تَقديم الاسمِ وأَنْ لم يُقَلْ: "أَتُسمع الصمَّ"، هو أن يُقال للنبيِّ ﷺ: "أأنت خصوصًا قد أوتيت
_________________
(١) ١ في المطبوعة: "وبخ على تعنته"، وأثبت ما في المخطوطتين. ٢ في هامش "ج" ما نصه: أي: وكان الإنكار المعنى، بمعنى أنه في "كان"، ضمير الإنكار". ٣ في "س": "ليس إسماعهم مما يدعيه".
[ ١٢٠ ]
أنْ تُسمِعَ الصمَّ؟ " وأن يُجْعَل في ظَنَّه أنَّه يستطيعُ إِسماعَهم، بمثابةِ مَنْ يَظُنُّ أنَّه قد أُوتيَ قدرةً على إِسماعِ الصُّمَّ.
ومن لطيف ذلك قول ابن أبي عيينة١:
فدَع الوعيدَ فَما وعيدُكَ ضائري أَطنِينُ أجنحةِ الذُّبَابِ يَضيرُ٢؟
جعلَه كَأنه قد ظَنَّ أنَّ طنينَ أجنحةِ الذبابِ بمثابةِ ما يَضيرُ، حتى ظن أن وعيده يضير.
تفسير تقديم المفعول على المضارع، وهو فعل لم يكن:
١١٣ - واعلمْ أنَّ حالَ المفعولِ فيما ذكرنا كحالِ الفاعلِ، أعني تقديمَ إسمِ المفعول يَقتضي أنْ يكونَ الإنكارُ في طريق الإِحالة والمنعِ مِنْ أن يكونَ٣، بمثابةِ أَنَّ يُوقَع به مثلُ ذلك الفعلُ، فإِذا قلْتَ: "أزيدًا تضربُ؟ "، كنتَ قد أَنكرْتَ أن يكونَ "زيدٌ" بمثابة أن يُضرَبَ، أَو بموضعٍ أن يُجْترأَ عليه ويُسْتَجازَ ذلك فيه، ومِن أَجْل ذلك قُدِّمَ "غير" في قولهِ تعالى: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا﴾ [الأنعام: ١٤] وقولهِ ﷿: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ﴾ [الأنعام: ٤٠]، وكان له من الحُسْن والمزيَّة والفخامة، ما تَعلمُ أنه لا يكونُ لو أُخِّرَ فقيلَ: "قلْ أأتخذ غير الله وليًا".
_________________
(١) ١ في "س": "ابن عيينة": وهو خطأ، هو: "عبد اللهبن محمد بن أبي عيينة". ٢ من شعره، في كامل المبرد ١: ٢٤٨. يقوله لعلي بن محمد بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، وكان دعاه إلى نصرته حين ظهرت المبيضة، فلم يجبه، فتوعده علي بن محمد، فقال له هذا الشعر: أعلى إنك جاهل مغرور لا ظلمة لك ولا لك نور ٣ في المطبوعة: "أعني تقدم الاسم المفعول".
[ ١٢١ ]
و"أتدعون غيرَ الله؟ "١ وذلك لأنه قد حصَل بالتقديم معنى قولك: "أيكون غير الله بمثابة أن يتخذ وليًا؟ وأَيرْضى عاقلٌ مِنْ نفسهِ أنْ يفعلَ ذلك؟ وأيكونُ جهلٌ أجهلَ وعمّى أعمى من ذلك؟ "، ولا يكونُ شيءٌ مِن ذلك إِذا قيلَ: "أأتَّخِذُ غيرَ الله وليًا". وذلك لأنَّه حينئذٍ يَتَناولُ الفعلَ أن يكونَ فقط، ولا يَزيد على ذلك، فاعرفْه.
١١٤ - وكذلك الحكْمُ في قولِهِ تَعالى: ﴿فَقَالُوا أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ﴾ [القمر: ٢٤] ٢، وذلك لأنهم كُفْرَهم على أَنَّ مَنْ كان مثْلَهم بَشَرًا، لم يكُن بمثابةِ أنْ يُتَّبع ويُطاع، ويُنْتَهَى إِلى ما يَأْمر، ويُصدَّقَ أَنه مبعوثٌ منَ الله تعالى، وأنهم مأمورون بطاعتهِ، كما جاء في الأُخرى: ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا﴾ [إبراهيم: ١٠]، وكقوله ﷿ ﴿مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً﴾ [المؤنون: ٢٤].
فهذا هو القولُ في الضَّربِ الأَول، وهو أن يكونَ "يَفْعلُ" بَعد الهمزة لِفعلٍ لم يكن.
معنى التقديم والفعل موجود:
١١٥ - وأما الضربُ الثاني، وهو أن يكونَ "يَفْعَل" لفعلٍ موجودٍ، فإنَّ تقديمَ الاسم يَقتضي شَبَهًا بما اقتضاهُ في "الماضي"٣، منَ الأخذ بأن يُقرَّ أنه الفاعلُ، أو الإِنكارُ أنَ يكونَ الفاعل.
_________________
(١) ١ في هامش "ج" هنا حاشية لم أستطع أن أقرأها. ٢ في المطبوعة و"ج": ﴿قالوا أبشرًا﴾، وفي "س": "وقالوا"، والتلاوة ما أثبت. ٣ في المطبوعة: "شبهًا"، وكذلك في نسخة عند "س".
[ ١٢٢ ]
فمثالُ الأوَّلِ قولُك للرجل يَبْغي ويَظْلِمُ: "أَأنت تجيءُ إلى الضَّعيف فتغضبُ مالَه؟ "، "أأنتَ تَزْعُم أنَّ الأمرَ كَيْتَ وكَيتَ؟ " وعلى ذلك قولُه تعالى: ﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِين﴾ [يونس: ٩٩].
ومثال الثاني: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾ [الزخرف: ٣٢].
[ ١٢٣ ]