فصل ١: التقديم والتأخير في الخبر المثبت وهو قسمان:
١٢١ - واعلم أن الذي بان لك في "الاستفهام" و"النفي" منَ المعنى في التقديمِ، قائمٌ مثْلُه في "الخَبَر المُثْبَت".
فإِذا عمدْتَ إلى الذي أردتَ أن تحدث عنه فعل فقدَّمْتَ ذِكرَه، ثُمَّ بنيتَ الفعلَ عليه فقلتَ: "زيد قد فعل" و"أنا فعلت"، و"أنت فعلْتَ"، اقتضى ذلك أن يكونَ القصدُ إلى الفاعلِ، إلاَّ أنَّ المعنى في هذا القصدِ ينقسم قسمين:
القسم الجلي:
أَحدُهما جليٌّ لا يُشْكِلُ: وهو أن يكون الفعلُ فِعْلًا قد أردتَ أن تَنُصَّ فيه على واحدٍ فتجعلَه له، وتزعمُ أنه فاعلُه دونَ واحدٍ آخرَ، أو دونَ كلِّ أحدٍ.
ومثالُ ذلك أن تقولَ "أنا كتبتُ في معنى فلانٍ وأنا شفعتُ في بابه"٢، تُريد أن تَدَّعِيَ الانفرادَ بذلك والاستبدادَ به، وتُزيلَ الاشتباهَ فيه، وتردَّ على من زَعم أنَّ ذلك كان مِنْ غيرِك، أو أَنَّ غيرَكَ قد كتَب فيه كما كتبتَ. ومن البيِّن في ذلك قولُهم في المثَل "أَتُعْلِمُنِي بِضَبٍّ أنا حرشته"٣.
القسم الثاني وتفسيره:
والقسمُ الثاني: أن لا يكونَ القصْدُ إلى الفاعلِ على هذا المعنى، ولكنْ على أنك أردتَ أن تُحقِّق على السامع أَنه قد فعل، وتمنعه من الشك، فأنت
_________________
(١) ١ "فصل"، في "ج" و"س"، وليس في المطبوعة. ٢ معنى "معنى فلان"، "باب فلان"، أي: في شأنه وأمره. ٣ المثل مشهور، في الميداني ١: ١٠٩، وجمهرة الأمثال ١: ٧٦، و"حرش الضباب"، صديها، بأن يحرك يده عند جحر الضب حتى يظنه الضب حية فيخرج ذنبه ليضربها فيأخذه الحارش. وقوله: "أتعلمن"، أي أتخبرني.
[ ١٢٨ ]
لذلك تبدأ بذِكْره، وتَوَقُّعِه أوّلًا ومِنْ قَبْلِ أن تَذكر الفعلَ في نفسه١، لكي تُباعِدَه بذلك من الشُّبْهة، وتَمْنعَه من الإِنكار، أَوْ مِنْ أن يُظَنَّ بك الغَلطُ أو التزيُّدُ. ومثالُه قولُك: "هو يعطي الجزيل"، و"هو يُحبُّ الثناءَ"، لا تُريد أن تَزعم أنه ليس هنا مَنْ يُعطي الجزيلَ ويُحِبُّ الثناءَ غيرَهُ، ولا أن تُعرِّض بإنسانٍ وتحطَّه عنه، وتجعلَه لا يُعطي كما يُعْطي، ولا يَرْغَبُ كما يَرغب٢، ولكنكَ تريدُ أن تُحقِّق على السامعِ أنَّ إعطاءَ الجزيل وحُبَّ الثناءِ دأْبُهُ، وأن تُمكِّن ذلك في نفسه.
١٢١ - ومثاله في الشعر:
همُ يفْرِشُونَ اللِّبدَ كلَّ طمِرَّةٍ وأَجْردَ سَبَّاحٍ يَبُذُّ المُغَالِبَا٣
لم يُرِدْ أنْ يدَّعي لهم هذه الصفةَ دَعْوى مَنْ يُفرِدُهم بها، ويَنصُّ عليهم فيها، حتى كأنهُ يَعرِّضُ بقومٍ آخرين، فينْفي أن يكونوا أصحابَها. هذا مُحال. وإِنَّما أرادَ أن يصِفَهم بأنهم فرسانٌ يَمتهِدون صَهَواتِ الخيلِ، وأنهم يَقْتعدون الجِيادَ منها٤، وأنَّ ذلك دأبُهُم، من غير أن يَعْرض لِنفْيه عن غَيرهم، إلاَّ أنه بدأَ بذكرِهم لِيُنبِّه السامعَ لهم، ويُعْلِمَ بَدِيًّا قصْدَه إليهم بما في نفسهِ من الصفة٥،
_________________
(١) ١ السياق: "وتوقعه أولًا في نفسه". ٢ يعني: يرغب في الثناء. ٣ "اللبد" الصوف أو الشعر المتلبد وقد جرت العادة بوضع قطعة منه على ظهر الفرس تحت السرج للينه. و"الطمرة" أنثى الطمر وهو الفرس الجواد أو المتجمع المتداخل الخلق كأنه متهيئ للوئب دائمًا. و"الأجرد" الفرس القصير الشعر. و"السباح" الذي يشبه عدوه السباحة. و"يبذ" يغلب "رشيد". ٤ عند رشيد رضا في نسخة: "يعتقدون"، أي يملكونها. ٥ "بديًا"، أي ابتداء من أول الأمر.
[ ١٢٩ ]
ليمنَعَه بذلك من الشكَّ، ومِنْ توهُّم أن يكونَ قد وصفَهم بصفةٍ ليستْ هي لهم، أو أن يكونَ قد أرادَ غيرَهم فغَلِط إليه.
١٢٣ - وعلى ذلك قول الآخر:
هُمُ يَضْرِبونَ الكَبْشَ يَبْرُقُ بَيْضُه، عَلى وَجْهِهِ مِنَ الدِّماءِ سَبَائِبُ١
لم يُرد أن يدَّعيَ لهم الانفرادَ، ويَجْعلَ هذا الضربَ لا يكونُ إلاَّ منهم، ولكنْ أراد الذي ذكرتُ لك، مِنْ تَنبيهِ السَّامع لِقَصْدهم بالحديثِ من قَبْل ذِكْر الحديثِ، ليُحقِّق الأَمرَ ويؤكِّدَه.
١٢٤ - ومن البَيِّنِ فيه قولُ عروةَ بنِ أذينة:
سليمى أزمعت بينا فأين نقولها أَينا٢
وذلك أنه ظاهرٌ معلومٌ أَنه لم يُرد أن يجعلَ هذا الإزْماعَ لها خاصة، ويجعلَها من جماعةٍ لم يُزْمِع البينَ منهُم أحدٌ سِواها. هذا محالٌ، ولكنه أرادَ أنْ
_________________
(١) ١ الشعر للأخنس بن شهاب التغلبي، الجاهل القديم، من قصيدته في المفضليات رقم: ٤١، "الكبش"، قائد القوم. و"سبائب" جمع "سببية"، يعني على وجهه طرائق من الدم. وفي "ج": "هم يترقون الكبش"، سهو وخطأ. ٢ في ديوان شعره: ٣٩٧ - ٤٠٠، وفي هامش المخطوطة، ما نصه: "وبعده: وقد قالت لأتراب لها زهر تلافينا تعالين، فقد طاب لنا العيش تعالينا وغاب البرم الليـ ـلة، والعين فلا عينا إلى مثل مهاة الرمـ ـل تكسو المجلس الزنيا تمنين مناهن فكنا ما تمنينا
[ ١٣٠ ]
يُحقِّق الأمرَ ويؤكدَه. فأَوقَعَ ذِكرَها في سَمْعِ الذي كلم ابتداء من أَول الأمر.
ليعلَم قَبْل هذا الحديث أنه أرادَها بالحديث، فيكون ذلك أبعدَ له من الشك.
١٢٥ - ومثله في الوضوح قوله:
هُمَا يلْبسان المجْدَ أَحْسَن لِبْسةٍ شَحيحانِ ما اسْطاعا عليهِ كلاهُما١
لا شُبْهة في أنه لم يُرد أن يَقْصُر هذه الصفةَ عليهما، ولكن نَبَّه لهما قبْلَ الحديثِ عنهما.
١٢٦ - وأَبْيَنُ من الجميع قولُه تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لاَّ يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ [الفرقان: ٣]، وقوله ﷿: ﴿وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ﴾ [المائدة: ٦١].
تقديم المحدث عنه يفيد التنبيه والتحقيق:
١٢٧ - وهذا الذي قد ذكرتُ من أنَّ تقديمَ ذكرِ المحدِّث عنه يفيدُ التنبيهَ له، قد ذكَرَه صاحبُ الكتاب في المفعولِ إذا قُدِّم فرُفِع بالابتداءِ، وبُنيَ الفعلُ الناصبُ كانَ له عليه٢ وعُدِّيَ إِلى ضميرهِ فشُغِلَ به. كقولنا في "ضربت عبد الله": "عبد الله ضربته"، فقال: و"إنما" قلتُ: "عبدُ اللَّه"، فنبَّهْتُه له، ثم بَنيتُ عليه الفعل، ورفعته بالابتداء"٣.
_________________
(١) ١ الشعر لعمرة الخثعمية، ترثى ابنها، وقال أبو رياش: هو لدرماء بنت سيار بن عبعبة الخثعمية، شرح الحماسة للتبريزي ٣: ٦٠ - ٦٤. ٢ معنى العبارة: وبنى الفعل الذي كان له ناصبًا، عليه. ٣ ما بين القوسين نص كلام سيبويه في الكتاب ١: ٤١، وسيأتي أيضًا بعد قليل، في آخر رقم: ١٤١.
[ ١٣١ ]
١٢٨ - فإِن قلتَ: فمِن أينَ وجَبَ أن يكونَ تقديمُ ذِكْر المحدِّثِ عنه بالفعلِ، آكَدَ لإِثباتِ ذلك الفعلِ له، وأن يكونَ قولُه: "هما يَلبسان المجْدَ"١، أبلغَ فى جعلِهما يلبسانهِ من أن يقال: "يلبسانِ المجد"؟
فإنِّ٢ ذلك من أَجْل أنه لا يُؤتى بالاسم مُعَرَّى منَ العوامل إلاَّ لحديثٍ قد نُويَ إسنادُه إليه، وإِذا كان كذلك، فإن قلت: "عبد الله"، فقد أشعرت قبله بذلك أنك قد أردتَ الحديثَ عنه، فإِذا جئتَ بالحديث فقلت مثلًا: "قامَ" أو قلتَ: "خرجَ"، أو قلتَ: "قَدِمَ" فقد عُلم ما جئتَ به وقد وطَّأْتَ له وقدَّمتَ الإِعلام فيه، فدخلَ على القلب دُخولَ المأنوسِ به، وقلبه قبول المهيأ له المطمئن إليه، ولك لا محالة أشد لثبوته، وأتقى للشُّبهة، وأَمنعُ للشكَّ، وأدخلُ في التَّحقيق.
١٢٩ - وجملةُ الأمر أنه ليس إعلامُك الشيءَ بغتةً غفلًا، مثْلَ إعلامِك له بعْدَ التنبيهِ عليه والتقدمةِ له، لأنَّ ذلك يَجْري مَجْرى تكريرِ الإِعلام في التأكيد والإحكام. ومن ههنا قالوا: إنَّ الشيءَ إذا أُضْمِر ثمَّ فُسِّر، كان ذلك أفخمَ له مِنْ أن يُذكَر من غير تقدمة إضمار٣.
ويدل على صحة ما قالوه أننعلم ضرورةً في قوله تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الْأَبْصَارُ﴾ [الحج: ٤٦] فخامةً وشرفًا وروعةً، لا نَجد منها شيئًا في قولنا: "فإن
_________________
(١) ١ انظر الفقرة رقم: ١٢٥ ٢ "فإن ذلك" جواب قوله آنفًا: "فمن أين وجب". وفي نسخة عند رشيد رضا: "قلت: ذلك من أجل ". ٣ في المطبوعة وحدها: "تقدم إضمار".
[ ١٣٢ ]
الأبصارَ لا تَعْمى"، وكذلك السبيلُ أبدًا في كلَّ كلامٍ كان فيه ضميرُ قصة. فقولُه تعالى: ﴿إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٧]، يُفيد من القوةً في نفيِ الفَلاحِ عنِ الكافرين، ما لو قيل: "إنَّ الكافرين لا يفلحون"، لم يستفد ذلك. ولم يكن ذلك كذلك إلا أنك تُعلمه إياهُ مِنْ بعدِ تقدمةٍ وتنبيهٍ، أنتَ به في حكْم مَنْ بدأَ وأعادَ ووطَّد، ثم بنى ولوَّح ثم صرَّح١. ولا يَخفى مكانُ المزيةِ فيما طريقه هذا الطريق.
تقديم المحدث عنه يقتضي تأكيد الخبر:
١٣٠ - ويَشْهد لِما قلنا مِنْ أنَّ تقديمَ المحدَّثِ عنه يَقْتضي تأكيدَ الخبرِ وتحقيقَه له، أنَّا إذا تأَملْنا وجَدْنا هذا الضَّرْبَ منَ الكلام يجيءُ فيما سبقَ فيه إنكارٌ من مُنْكِرٍ، نحوُ أنْ يقولَ الرجلُ: "ليس لي علمٌ بالذي تقول" فتقولُ له: "أنتَ تَعْلم أنَّ الأمرَ على ما أَقولُ، ولكنك تَميل إلى خصمي" وكقول الناس: "هو يَعلمُ ذاك وإنْ أَنْكَرَ، وهو يَعلمُ الكَذِبَ فيما قالَ وإنْ حلفَ عليه" وكقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ٧٥، ٧٨]، فهذا من أَبْيَنِ شيءٍ. وذاكَ أنَّ الكاذبَ، لا سيَّما في الدِّين، لا يَعْترف بأنه كاذبٌ، وإِذا لم يعترفْ بأنه كاذبٌ، كان أبْعَدَ مِن ذلك أنْ يعترِفَ بالعِلْم بأنه كاذبٌ.
أوْ يَجيء فيما اعترضَ فيه شكٌّ، نحوُ أَنْ يقولَ الرجلُ: "كأنَّك لا تعلمُ ما صَنعَ فلانٌ ولم يُبْلِغْك"، فيقولُ: "أنا أعلمُ، ولكني أداريه".
_________________
(١) ١ في المطبوعة وحدها "ثم بين"، ويريد أنه يبنى على الاسم ثم يأتي بالخبر. ٢ عطف على قوله في أول الفقرة: " وجدنا هذا الضرب من الكلام يجيء ".
[ ١٣٣ ]
أوْ في تكذيبِ مُدَّعٍ كقولهِ ﷿: ﴿وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ﴾ [المائدة: ٦١]، وذلك أنَّ قولَهم: "آمنَّا"، دعْوى منهم أَنَّهم لم يَخْرجوا بالكُفْر كما دَخلوا به، فالمَوضعُ موضعُ تكذيب.
أو١ فيما القياسُ في مِثْله أنْ لا يكونَ، كقولهِ تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لاَّ يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ [الفرقان: ٣]، وذلك أنَّ عبادتَهم لها تَقْتضي أنْ لا تكونَ مخلوقة.
وكذلك في كلَّ شيءٍ كان خبَرًا على خلافِ العادةِ، وعما يُسْتَغرب من الأمر نحو أن تقول: "ألا تَعْجَبُ من فلان؟ يَدَّعي العظيمَ، وهو يَعْيى باليسيرِ، ويَزْعمُ انّهُ شُجاعٌ، وهو يَفْزَع من أدنى شيء".
وجوه تقديم المحدث عنه، ومعانيها:
١٣١ - ومِمّا يَحْسنُ ذلك فيه ويَكْثُر، الوعدُ والضمانُ، كقولِ الرجل: "أنا أُعطيك، أنا أَكفيك، أنا أَقومُ بهذا الأمر"، وذلك أنَّ مِن شأنِ مَنْ تَعِدُهُ وتَضْمَنُ له، أن يَعْترضَه الشكُّ في تمامِ الوعدِ وفي الوفاءِ به، فهو مِنْ أَحْوج شيءٍ إلى التَّأكيد.
وكذلك يَكْثُر في المدحِ، كقولك: "أنت تُعطي الجزيلَ، أنتَ تَقْري في المَحْلِ، أنتَ تَجودُ حينَ لا يجود أحد"، وكما قال:
ولأنت تقري ما خلَقْتَ وبَعْـ ـضُ القَومِ يَخْلُقُ ثُمَّ لا يفري٢
_________________
(١) ١ معطوف على أول الفقرة السابقة. ٢ هو لزهير بن أبي سلمى في ديوانه. وهذا البيت ليس في "س".
[ ١٣٤ ]
وكقول الآخر:
نَحْنُ في المَشْتاةِ نَدْعُو الجفَلى١
وذلك أنَّ مِن شأنِ المادِح أنْ يَمْنعَ السَّامعينَ منَ الشَكَّ فيما يَمدح به، ويباعدَهُم مِن الشُّبهة، وكذلك المفتخر.
تقديم المحدث عنه بعد واو الحال:
١٣٢ - ويَزيدُكَ بَيانًا أَنه إذا كان الفعلُ مما لا يُشَكُّ فيه ولا يُنْكَر بحالٍ، لم يَكَدْ يجيءُ على هذا الوجه، ولكنْ يُؤتى به غيرَ مبنيٍّ على اسمٍ، فإِذا أَخبرْتَ بالخروج مثلًا عن رَجلٍ من عادته أَنْ يَخْرج في كلَّ غداةٍ قلتَ: "قد خرجَ"، ولم تَحتَجْ إلى أن تقولَ: "هو قد خرَجَ"، ذاك لأنه ليسَ بشيءٍ يَشُكُّ فيه السامعُ٢، فتحتاجُ أن تُحقِّقه، وإلى أن تُقدِّم فيه ذكْرَ المحدَّثِ عنه. وكذلك إذا علمَ السامعُ من حالِ رجلٍ أنه على نيَّة الركوبِ والمضيِّ إلى موضعٍ، ولم يكن شَكٌّ وتردُّدٌ أنه يَرْكَب أو لا يَركَبُ، كان خَبَّركَ فيه أن تقولَ: "قد رَكِبَ"، ولا تقولُ٣: "هو قد ركبَ". فإِن جئتَ بمثلِ هذا في صلةِ كلامٍ، ووضعْتَه بَعْدَ واوِ الحال، حسُنَ حينئذٍ، وذلك قولُك: "جئتُه وهو قد ركبَ"، وذاك أنَّ الحكْم يتغيرُ إذا صارتِ الجملةُ فيمثل هذا الموضع، ويصير الأمر بمعرض
_________________
(١) ١ هو من شعر طرفة، في ديوانه، وتمامه: لا ترى الآدب فينا ينتقر و"المشتاة"، زمن الشتاء والجدب، و"الجفلي"، الدعوة العامة، و"التقري"، الدعوة الخاصة، يختار من يدعوهم وينتقرهم. ٢ من أول قوله هنا: "فتحتاج"، إلى قوله بعد قليل "علم" ساقط في "ج" سهوًا. ٣ في "س": "ولم تقل".
[ ١٣٥ ]
الشكِّ، وذاك أنه إِنما يَقولُ هذا مَنْ ظَنَّ أنه يصادفه في منزله، وأنه يَصل إليه مِنْ قَبْل أنْ يَرْكَب١.
فإِن قُلْتَ: فإنكَ قد تقولُ: "جئتُه وقد رَكبَ" بهذا المعنى، ومع هذا الشكِّ.
٢ فإنَّ الشكَّ لا يَقْوى حينئذٍ قوَّتَه في الوجهِ الأول، أَفلا تَرى أَنكَ إِذا استبطأْتَ إنسانًا فقلْتَ: "أتانا والشمسُ قد طلعَتْ"، كان ذلك أبلغَ في استبطائكَ له من أن تقولَ: "أتانا وقد طلعتِ الشمسُ؟ " وعكسُ هذا أَنكَ إذا قلتَ: "أتَى والشمسُ لم تَطْلعْ"، كان أقوى في وصفك له بالعَجَلة والمَجيء قَبْل الوقتِ الذي ظُنَّ أنه يَجيءُ فيه، من أن تقول: "أَتى ولم تَطْلع الشمسُ بعدُ".
هذا، وهو كلامٌ لا يكادُ يَجيءُ إلاَّ نابيًا، وإنَّما الكلامُ البليغُ هو أنْ تبدأَ بالاسم وتَبني الفعلَ عليه كقوله:
قد أغتدي والطيرُ لم تَكَلَّمِ٣
فإِذا كانَ الفعلُ فيما بعْدَ هذهِ الواوِ التي يُراد بها الحالُ، مضارِعًا، لم يَصْلحُ إلا مبنيًا على اسم كقولك: "رأيتُه وهو يكْتُبُ"، و"دخلْتُ عليه وهو يملي الحديث"٤، وكقوله:
_________________
(١) ١ في المطبوعة: "أن يصادفه وأن يصل". ٢ "فإن الشك" جواب قوله قبل: "فإن قلت ". ٣ لم أقف عليه بهذا اللفظ. ٤ في المطبوعة: "وهو على الحديث".
[ ١٣٦ ]
تمزرنها والدين يَدعو صَبَاحَهُ إذا ما بَنُو نَعْشٍ دَنَوْا فَتَصَوَّبُوا١
ليس يَصلحُ شيءٌ من ذلك إلاَّ على ما تراهُ، لو قلتَ: "رأيتُه ويكتبُ" و"دخلت عليه ويملي الحديث"، و"تمززتها ويدْعو الديكُ صباحَه"، لم يكن شيئًا.
١٣٣ - ومما هو بهذهِ المنزلةِ في أنك تَجِدُ المعنى لا يستقيمُ إلاَّ على ما جاءَ عليه من بناءِ الفعلِ على الاسم قولُه تعالى: ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٦]، وقولُه تعالى: ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الفرقان: ٥]، وقولُه تعالى: ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ [النمل: ١٧]، فإِنَّه لا يَخْفى على مَنْ له ذوقٌ أَنه لاو جيءَ في ذلك بالفِعْل غيْرَ مَبْنيِّ على الاسم فقيلَ: ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ﴾، و﴿اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ﴾، و﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾، لوَجِدَ اللفظُ قد نَبَا عنِ المعنى، والمعنى قد زالَ عن صورتِه والحالِ التي يَنْبغي أن يكون عليها.
_________________
(١) ١ النابغة الجعدي في ديوانه، والضمير في "تمززتها" في البيت قبله: وهو: وصهباء لا تخفي القذى وهي دونه تصفق في راووقها ثم تقطب و"صفق الخمر" حولها من إناء إلى إناء لتصفو. و"الراووق"، الذي يصفي به الشرابو "تقطب" تمزج بالماء. و"تمززتها"، تمصصتها شيئًا بعد شيء. و"بنو نعش" يريد "بنات نعش" كواكب في منازل القمر الثمانية والعشرين. و"تصوبوا"، مالوا إلى الغروب عند الأفق.
[ ١٣٧ ]
تقديم المحدث عنه في الخبر المنفي:
١٣٤ - واعلمْ أَنَّ هذا الصنيعَ يقتضي في الفعل المنفيِّ ما اقتضاهُ في المُثْبَت، فإِذا قلتَ: "أنتَ لا تُحْسِن هذا"، كان أشَدَّ لنَفْي إحسانِ ذلك عنه من أن تقول: "لا تحسن هذا"، ويكون الكلام في الأول مَن هو أَشدُّ إعجابًا بنفسهِ، وأَعرَضُ دَعْوى في أنه يُحْسنُ، حتى إنك لو أتيتَ بـ "أنْتَ" فيما بعدَ "تُحسِن" فقلتَ: "لا تُحسِنُ أنتَ"، لم يكن له تلك القوة.
وكذلك قولُه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لاَ يُشْرِكُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٩]، يفيدُ مِنَ التأكيد في نَفْي الإِشراك عنهم، ما لو قيل: "والذين لا يُشْركون بربَّهم، أو: بربَّهم لا يشركون" لم يُفِدْ ذلك. وكذا قولُه تعالى: ﴿لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ [يس: ٧] وقولُه تعالى: ﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لاَ يَتَسَاءَلُون﴾ [القصص: ٦٦]، و﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنفال: ٥٥].
[ ١٣٨ ]