لو قبلت في فلان الفدية لوقيته بنفسي، وأيام عمري. علما بأن العيش
[ ١١٠ ]
بمثله من إخوان الصفاء يصفو، وبظعنه عن الدنيا يكدر ويجفو. لو أمكن افتداؤه بأنفس الذخائر، وأعز الأملاك والممالك لكنا أحقاء بإرخاص كل علق نفيس، وبذل كل ملك كريم. لو وقي منه عزيز قوم لعزته، أو كبير أهل بيت بولده وأسرته، أو قوي سلطان باستطالته وقدرته، أو زعيم دولة بحشده وعدده لكان الماضي أولى من فدي، وأحق من وقي، وكنا أقدر الناس على دفع ما حدث وطرق، وذب ما كرث وأرهق، لكنه الأمر المسوى فيه بين من عز جانبه وذل، وكثر ماله وقل، حتى تأسى المفضول بالفاضل، والناقص بالكامل.
ما يقع من كتب التعازي من وصف الدهر
هو الدهر فلا تعجب من طوارقه، ولا تنكر هجوم بوائقه، عطاؤه في ضمان الارتجاع، وحباؤه في قران الانتزاع. الدهر ما عرفت، وعلى ما خبرت، فلا نكر إذا فجع بالذخائر، ولا غرو إذا استأثر بالأخاير. هو الدهر وعلاجه الصبر لا تهنأ فيه المواهب، حتى تتخللها المصائب، ولا تصفو فيه المشارب، حتى تكدرها الشوائب. من عرف الزمان، لم يستشعر منه الأمان، وتصور تصرف الحوادث بين الموروث والوارث. الدهر مشحون بطوارق الغير مشوب صفو أيامه بالكدر، مجروح صابه بالعسل، موصولة حبال الأمل فيه بأسباب الأجل، يفطم أمام تكامل الرضاع، ويفرق قبل الامتاع بحسن الاجتماع. هي الأيام ترتع العارية، وتتلقى بالمنية الأمنية.
ما يقع فيها من ذكر الدنيا وذمها
قد جعل الله الدنيا دار قلعة، ومحل نقلة. فمن راحل ليومه، ومن مدعو لغده، وكل مستوف لأجله، وجار لأمله. ما الدنيا إلا دار النقلة، وما المقام فيها إلا للرحلة. إن المرء حقيق إذا طرقه ما يتحيف صبره، ويتطرف صدره أن يعود إلى علمه بالدنيا، كيف نصبت على النقلة، وجنبت طول المهلة،
[ ١١١ ]
وابتدئت للنفاد، وشفع كونها بالفساد، وإن الثاوي بها راحل، والأيام فيها مراحل. موهوب الدنيا مسلوب، وإن أرجئ إلى مهل، وممدودها محروب، وإن أخر إلى أجل. لو خلد من سبق لما وسعت الأرض من لحق، ولذلك جعلت الدار الأولى منزل قلعة، ومحل نجعة، ومجازًا إلى أخرى تزيد، ولا تبيد. خيرها عتيد، وعمرها تأبيد. نحن في الدنيا على وفاز، ومجاز وحذار وانتظار. الحازم من لم يفرح بمواهبها، ولم يتضاءل لنوائبها، ولم ير شياكلها كذا إلا كالخيال الملم، والفيء المنتقل، والعارية المرتجعة، والسحائب المتقشعة، ما تصنع بهذه الغدارة الغرارة؟ وهي ترتجع أعز ما تعطي، وتنتزع أحب ما تولي. قد تنكرت الدنيا حتى صار الموت أخف خطوبها، واصغر ذنوبها فلينظر المرء يمنة هل يرى إلا محنة؟ ثم ليعطف يسرة هل يرى إلا حسرة؟
الأمر بالصبر والنهي عن الجزع
لو كان في الجزع فضل لما تقدمت فيه ذوات الحجول والحجال، على الفحول من الرجال. ما تضع والقضاء نازل، والموت حكم شامل، وإن لم نلذ بعصمة الصبر، فقد اعترضنا على مالك الأمر. اعلم أن الجزع للرب مسخطة، وللأجر محبطة. عليك عزيمة الصبر، وصريمة الجلد، فإنهما في العين حتم، وفي الرأي حزم، وليس في خلافهما للحي انتفاع، ولا للميت ارتجاع. اعلم أن المتوفي لا ترده نار تلهبها من الهم على كبدك، ولا يرجعه انزعاج تسلطه بالحزن على جسدك، وخير لك من ذلك أن تفعل ما يفعله الذاكرون، وتقول إنا لله وإنا إليه راجعون. أنت تعلم أن شوائب الدهر لا تدفع إلا بعزائم الصبر. اجعل بين هذه اللوعة الغالبة، والدمعة الساكبة، حاجبًا من فضلك، وحاجزًا من عقلك، ومانعًا من يقينك. أنت أعرف بالدهر ومصارفه، والزمان ومخاوفه، من أن تدع التماسك وهو مرجع اللبيب ومثواه،
[ ١١٢ ]
وتتهالك في الجزع وهو منزع الجهول ومغزاه. أن المحن إذا لم تعالج بالصبر، كانت كالمنح إذا لم تعالج بالشكر. إذا رأيت أن تأتي في توخي الصبر، واحراز الأجر ما يوجبه الحجا، فإنه أحرى بك وأحجى، صبرًا صبرا ففحول الرجال لا تستفزها الأيام بخطوبها، كما أن متون الجبال لا تهزها العواصف بهبوبها. المرء لا بد سال، ولو بعد أحوال وأحوال. فما عليك أن تعجل ما يغتنمه البررة، وتقدم ما يؤخره الفجرة؟
ذكر الموت
إن الله قد سوى بين البرية، في ورود حوض المنية، وحملهم فيها على عدل الحكومة والقضية، لينظر كل أحد إلى نفسه، ويعلم أنه مستثمر ما أنبت من غرسه. ما حيلة الإنسان وقد خانه أمله، وجاءه أجله، فبينا هو في رجاء، فسيح الأرجاء، إذا به قد دعي فأجاب من دون تعريج على استعداد، ولا تنفيس لأخذ زاد. الموت مشرع لا بد مورود، وكل وإن طال المدى مفقود. ما دوام أمر آخره انقطاع، واتصال عطاء عاقبته انتزاع؟ معلوم أن الموت كل شارب بكأسه، ومكتس من لباسه، وإنما هو تقدم أيام، وتأخر أعوام. كل ذي نهاية يصير كأن قد قطعت مراحله، ولحق بعاجله آجله. الموت خطب عظم حتى هان، ومس خشن حتى لان، فطن أنه مؤخر لتمام، ومنسأ لأيام وأعوام، والمنون تطلبه حثًا وحضًا، حتى تدركه خببًا وركضًا. هذه سبيل، فيها تعجيل وتأجيل، وإلا فالدهر كله أمس، والنفوس في مصافحة المنية كنفس، لله ما أغوص الموت على حبات القلوب، وأعرفه بمودات الصدور، وأخلصه إلى مكامن الروح، وايقظه لناسي العيون، فإنا لله وإنا إليه راجعون. معلوم أن المورد فيه واحد، وسيان فيه ولد ووالد. هذه فرقة محتومة على كل شمل منتظم، ومكتوبة على كل حبل متصل وقديمًا نعيت على الناس غربانها، وطارت في دورهم عقبانها.
[ ١١٣ ]