سائله محروم، وماله مكتوم. لا يجيز إنفاقه، ولا يحل خناقه. خبزه كالأروى يسمع بها ولا ترى. خبزه في حالق، وأدمه في ساهق. غناه فقر، ومطبخه قفر. يملأ بكنه والجار جائع، ويحفظ ماله والعرض ضائع. قد أطاع سلطان البخل بجهده، وانخرط كيف شاء في سلكه. فلان لا يبض حجره، ولا يثمر شجره.
[ ٧٥ ]
ما هو إلا حجر لا يروي، وزند لا يوري. فلان لا يحلب إلا من ضرع بكي، ولا يسقى إلا من أنضب ركي. قد جعل ميزانه وكيله، وأسنانه أكيله، وكيسه، أنيسه، ورغيفة، أليفه، ويمينه، أمينه، ودرهمه شقيقه، ومفتاحه رفيقه، وخاتمه، خادمه، وصناديقه، صديقه.
القبح والدمامة والحقارة
وجه كهول المطلع، وزوال النعمة، وقضاء السوء، وموت الفجأة، ما هو إلا قذى العين، وشجى الصدر، وأذى القلب، وحمى الروح. وجه كأنه تبرقع بالحنادس، واكتسى قشور الخنافس. كأن النحس تطلع من جبهته، والخل يقطر من وجنته. وجه مسترق بالحسن، منتقب بالقبح. وجهه طلعة الهجر، ولفظه قطع الصخر. وجهه يشق على العين، وكلامه لا يسوغ في الأذنين. وجه كحضور الغريم وحصول الرقيب، وكتاب العزل وفراق الحبيب. خلقة الشيطان، وعقل الصبيان، قد لا يزيد فيه القيام. بيدق الشطرنج في القيمة والقامة. له من الدينار قصره، ومن الورد صفرته، ومن السحاب ظلمته، ومن الأسد نكهته.
الثقل والبغض والبرد
فلان ثقيل الطلعة، بغيض التفصيل والجملة. بارد السكون والحركة، قد خرج عن حد الاعتدال، وذهب ذات اليمين وذات الشمال، يحكي ثقل الحديث العاد، ويمشي على العيون والأكباد. لا أدري كيف لم تحمل الأمانة أرض حملته، وكيف اجتاحت إلى الجبال بعد ما أقلته. كأن وجهه أيام المصائب، وليالي النوائب، وكأنما قربه فقد الحبائب، وسوء العواقب، وكأنما وصله عدم الحياة، وموت الفجأة، وكأنما هجره قوت المنة، وريح
[ ٧٦ ]
الجنة. يا عجبي من جسم كالخيال، وروح كالجبال، كأنه ثقل الدين، على وجع العين. ما الحمام على الإصرار، ومواصلة الصوم في الأسفار، وحلول الدين على الإقتار، بأثقل من لقاء فلان. هو ثقيل السكون بغيض الحركة، كثير الشؤم قليل البركة. هو بين الجفن والعين قذاة، وبين النعل والأخمص حصاة. ما هو إلا غداة الفراق، وكتاب الطلاق، وموت الحبيب، وطلوع الرقيب. ما هو إلا الأربعاء الأخير في الصفر، والكابوس في وقت السحر. هو أثقل من خراج بلا غلة، ودواء بلا علة، وأبغض من مثل غير سائر، وأبرد من خشيف على خشيوم ميزاب، وأجمع للعيوب من بغل أبي دلامة، وحمار طياب، وطيلسان ابن حرب.
البخر وترك التنظف
لا يدري أفسا أن تنفس، وأحدث أم حدث. مدخل أكله أخبث من مخرج ثقله. لا فرق بين مجشاه، ومفساه، أنتن من هدهد ميت مكفن، في جورب عفن. مالي أرى الآباط حاشنة، والآناف معشبة، والعيون منورة، والأزرار مرعى، والأظفار حمى، واللحى لبودا، والأسنان خضرًا وسودا.
الجهل والخرق والسخف
جهل كثيف، وعقل سخيف، قالب جهل مستور بثوب. فلان جاهل لا يميز، وأهوج لا يتحرز، أخرق متخلف، أهوج متعجرف. لا يستتر من العقل بسجف، ولا يشتمل إلا على سخف. يمد يد المجون فيعرك بها أذن الحزم، ويفتح جراب السخف فيصفع بها قفا العقل. لا تزال الأخبار تورد سفاتج جهله وخرقه، والأنباء تنقل نتائج سخفه وحمقه، قد ظل يتعثر في فضول جهله، ويتساقط في ذيول خرقه. قد أتى ما دل على خرقه، وركاكة خلقه.
[ ٧٧ ]
الخسة مع الثروة
والاقتصار من الانعام والأفضال على التنعم والتجمل
وجمع المال وترك التطول
فلان سمين المال، مهزول النوال. عظيم الرواق، صغير الأخلاق. يصون فلسه، ويبذل نفسه. الدهر يرفعه، ونفسه تضعه. ثروة في الثريا، وهمة في الثري. لا يكدح إلا لتطييب الطعم، وتنعيم الجسم، ثم يرى المكارم، من المحارم. قد وفر همه على مطعم يجوده، وملبس يجدده، ومرقد يمهده، وبنيان يشيده، ثم ينجده، فما يشد للمكارم رحلًا، ولا يحمل للفضل كلا، همه أن يتشبع ويتضلع، ويكتسي ويتمشقع، ويتجلل ويتبرقع، ويتربع ويترفع، وقصاراه أن ينصب تخته، ويوطئ استه دسته، وحسبه من الشرف أن يصهرج أرضها، ويزبرج بعضها، ويكفيه من الكرم أن تعدو الحاشية أمامه، وتحمل الغاشية قدامه، ويجزيه من الفضل ألفاظ فقاعية، وثياب مشقاعية. يلبسها ملومًا، ويحشوها لومًا. ما اتسعت دورهم، إلا ضاقت صدورهم، ولا أوقدت نارهم، إلا انطفأ نورهم، ولا هملجت عتاقهم، إلا قطفت أخلاقهم، ولا صلحت أحوالهم، إلا فسدت أفعالهم، ولا كثر مالهم، إلا قل جمالهم.
القلة والذلة
ريح صيف، وطارق طيف. فوته غنيمة، والظفر به هزيمة. هو العود المركوب، والزند المضروب، يطأه الخف والحافر، ويستضيمه الوارد والصادر. هو كالعصفور إن تركته فات، وإن قبضت عليه مات. يغمض عن الذكر، ويصغر عن الفكر. ذلة لا توسم أغفالها، وضعة لا تنفرج أقفالها. نهزة الطالب، وفرصة المغالب، وعرضة القاذف والحاذف. أقل من تنبه، في
[ ٧٨ ]
لبنة، ومن قلامة، في قمامة.
خبث الطوية ومخالفة الباطن للظاهر
قلب نغل، وصدر دغل. طوية معلولة، وعقيدة مدخولة. ظاهر يسر الناظر، وباطن يسو الخابر. صديق العيان، عدو المغيب. ما أكذب سراب أخلاقه، وأكثر أسراب نفاقه. صفوه رنق، وبره ملق، ووده مذق. هو لابس من الغش ثوبًا لا ينضوه، ولازم من الفعل سمتًا لا يعدوه، ينتهز الفرصة كيف ينشر أجنحة الاحتيال، وكيف يعمل أسلحة الاغتيال. يدب الخمر، ويمشي الضراء، ويسر حسوًا في ارتغاء. قد ملئ قلبه رينا، وشحن صدره مينا. خبيث النية، فاسد الطوية، مقلب لسان الملق، ساتر بالتخلق وجه الخلق. عند الرجاء موجود، عند البلاء مفقود. يمشي الضراء في الغيلة، ويتنفق بالنفاق والحيلة. يبث حبائل الزور، وينصب أشراك الغرور، ويدعي ضروب الباطل، ويتحلى بما هو منه عاطل. يدعي الفضل وهو فيه دعي. يبدي وجه المطابق الموافق، ويخفي نظر المسارق المنافق. دأبه بث الخدائع، والنفث في عقد المكاره والمكائد. ضميره خبث، ويمينه حنث وعهده نكث.
ما يختص من هذا الباب بالمرائين من الفقهاء والعدول والقضاة
بيض لحيته ليسود صحيفته، وأظهر روعه، ليخفي طمعه، وقصر سباله ليطيل يده، وتغشى محرابه، ليملأ جرابه، ما ظنك بذئاب طلس، في ثياب ملس. قوم يحملون الأمانة على متونهم، ليأكلوا النار في بطونهم، حتى تغلظ قصراتهم من مال اليتامى، وتسمن أكفالهم من غزل الأيامى. عدل يبرز في ظاهر أهل السمت، وباطن أصحاب السبت. فعله الظلم البحت، وأكله الحرام السمت، سوس لا يقع إلا في صوف الأيتام، وجراد لا يسقط إلا على الزرع الحرام، وكردي لا يغير إلا على الضعاف، ولص لا ينقب إلا على
[ ٧٩ ]
خزانة الأوقاف، وذئب لا يفترس عباد الله إلا بين الركوع والسجود، وحارب لا ينهب مال الله إلا بين العهود والشهود. قاض لا شاهد عنده أعدل من السلة والجام، يدلي بهما إلى الحكام، ولا مزكي أصدق لديه من الصفر، الذي يرقص على الظفر، ولا وثيقة أحب إليه من غمزات الخصوم، على الكيس المختوم، ولا كفيل أوقع بوفاقه من خبنة الذيل، وحمال الليل، ولا خليل أعز إليه من المنديل والطبق، في وقت العشاء والفلق، ولا حكومة أبغض إليه من حكومة المجلس، وخصومة المفلس، ثم الويل للفقير إذا ظلم فما ينجيه مجلس القضاء، إلا بالنار من الرمضاء، وأقسم أن اليتيم إذا وقع إليه فقد وقع بين مخالب الأسود، وأنياب الحبات السود.
الكذب والبهتان
فلان منغمس في عيبه، يكذب لذيله على جيبه. يقول بهتًا، وزورًا بحتا. قد ملىء قلبه رينا، وقوله مينا، يدين بالكذب مذهبا، ويستلين الزور مركبا، الفاختة عنده أبو ذر. لا أضغي إلى ما يلفق وينمق، ويخلق ويزوق. أقاويل يتمشى الزور في مناكبها، ويتردد البهتان في مذاهبها. حسب الكاذب بفعله شتما، وبقلبه خصما، أما يخاف الكذوب، أن يذوب؟
خبث اللسان والفعل
لسانه مقراض، للأعراض. فلان يأكل خبزه بلحوم الناس. عرض دني، وفم بذي. لا يزال تخرج من فمه كلمة يقطر منها دمه، ويتبرأ منها لسانه ويده، وتطلقه نفسه. من أغمد فيه سيف الريبة، انسل منه لسان الغيبة، ومن طعن عجانه، طعن لسانه، ومن وارى سوءة أخيه صغيرا، تنقل بأعراض الكرام كبيرا. فلان مقصور الهمة على ما يستهجن ذكره، فكيف ارتكابه وفعله. فلان فيه بغي مشتق من البغاء، وبه وجع في الوجعاء. فلان لسهام
[ ٨٠ ]
الغائبين مستهدف، ولعصي الفاسقين متلقف. فلان يخبأ العصا، في الدهليز الأقصى. هو أبغى من إبر الخياطين، ومحابر الوراقين.
الاستهداف لسهام الغائبين
فلان عرض يرشق بسهام الريبة، وعلم يقصد بالوقيعة. قد تناولته الألسن العاذلة، وتناقلت حديثه الأندية الحافلة، قد لزمه عار لا يمحى رسمه، ولزبه شنار لا يزول وسمه. قد قلد نفسه عارًا لا يرحضه الاعتذار، ولا يعفيه الليل والنهار. قد أصبح نقل كل لسان، وضحكة كل إنسان، وحملت أمهاته سفاتج إلى البلدان. قد صار دولة الألسن، ومثلة الأعين. قد عرض عرضه لسهام الغائبين، وألسنة القاذفين والحاذفين. قد قلد نفسه عظيم العار والشنار، وألبسها اللبسة الخالدة على الليل والنهار.
التيه والكبر
قد أسكرته خمرة الكبر، واستهوته غرة التيه. كأن كسرى حامل غاشيته، وقارون وكيل نفقته، وبلقيس إحدى داياته، وكأن يوسف لم ينظر إلا بمقلته، ولقمان لم ينطق إلا بحكمته. كأن الشمس تطلع من جبهته، والغمام يندي من يمينه. كأنه امتطى السماكين، وانتعل الفرقدين، وتناول النيرين بيدين، وملك الخافقين، واستعبد الثقلين. كأن الخضراء له عرشت والغبراء باسمه فرشت.
الحسد
قد دبت عقارب الحسدة، وكمنت أفاعيهم بكل مرصدة. فلان معجون من طينة الحسد والمنافسة. مضروب في قالب الضيق والمناقشة. قد وكل بي لحظًا ينتضل بأسهم الحسد. فلان جسد، كله حسد، وعقل كله حقد.
[ ٨١ ]
الحاسد يعمى عن محاسن الصبح، بعين تدرك فائق الفتح. الحسود، لا يسود. الحسد، آفة الجسد.
دناءة النفس مع شرف الأبوة
فلان من الطاووس رجله، ومن الورد شوكه، ومن الماء زبده، ومن النار دخانها، ومن الخمر خمارها، ومن الدار كنيفها. يا عجبًا أيلد البهيم، وولد آزر إبراهيم.
النميمة
لعن الله من يفسد ذات البين، ويسعى بالنميمة بين المحبين. النمام يحارب بسيف كليل إلا أنه يقطع، ويضرب بعضد واهن إلا أنه يوجع. فلان لا يزال ينمنم حلة النمائم، وينفث في عقد المكاره. قد هبت سمائم نمائمه ودبت عقارب مكائده. النميمة من سلاح النساء، وحصون الضعفاء.
الجبن
ليست اليراعة الجوفاء إلا أثبت منه قوة، وأشد منة. فهو يحسب كل صيحة عليه، وكل هيعة عدوًا يقبض على يديه. فلان تمثال الجبن، وصورة الخوف، ومقر الرعب، ومن لو سميت له الشجاعة لخاف لفظها قبل معناها، وذكرها قبل فحواها، واسمها قبل مسماها. هو من تخوفه أضغاث الأحلام، فكيف مسموع الكلام. إذا ذكرت السيوف لمس رأسه هل ذهب، وإذا ذكرت الرماح مس جنبه هل ثقب. كأنه أسلم في كتاب الجبن صبيا ولقن كتاب الفشل أعجميا.
خلف الوعد وكثرة المطل
ما له من وعد أخذ من البرق الخلب خلقا، وتناول من العارض الجهام
[ ٨٢ ]
طبعا، وتركني أرعى رياض رجاء لا تنبت، وأجني ثمر أمل لا يورق. هو في ضمار الانتظار، وإسار عدة ضمار. جعل يلوذ بذمة المطل، ويرجي يومًا إلى غد. وعده برق خلب، وروغان ثعلب. غيم وعده جهام، وسيف بذله كهام. وعده مقرمط، ومطله مفرط. حصلت معه على مواعيد عرقوبية، وأحزان يعقوبية. قد حرمه ثمرة الوعد، وجره على شوك المطل. أنبت بوعده روض الآمال، ثم حصده بالخلف والمطال. وعد كالوعيد، بمطل شديد، يشيب الوليد. ولاية فلان وعد وصرفه اعتذار. وعده ضمار لا ينجز، وسحابه جهام لا يسكب. لا وعد نجيح، ويأس مريح. سحائب الصيف أثبت من قوله، والخط في صفحة الماء أقوى من عهده، ومواعيد عرقوب أقرب إلى الإنجاز من وعده. خلف الوعد، خلق الوغد. فلان يرسل برقه، ولا يسيل ودقه، ويقدم رعده، ولا يمطر بعده. وعده الخط في بسط الهواء، والرقم على بساط الماء.
صعوبة الجانب
صخرة خلقاء لا تستجيب للمرتقي، وحية صماء لا تسمع للراقي. كأني أستفز منه بالحداء عودا، وأهز بالدعاء طودا. كأني أنادي صخرة وأرقي حية. فلان ثاني العطف، نائي العطف. فلان صعب المعطف، بعيد المرجع، زحلي خطو العطف، جمادي حركة الصفح. لا تنحل عقده، ولا تتحافى عن فريسة يده.
العجز
فلان عاجز المنة، قاصر القوة. يتعلق بأذناب المعاذير، ويحيل على ذنوب المقادير. ما قطع في ذلك شعرة، ولا سقى قطرة، ولا فاه فيه بفصيح ولا أعجم. هو كالنعامة يكون جملًا إذا قيل طيري، وطائرًا إذا قيل سيري. الطير
[ ٨٣ ]
تغدو خماصًا، وتروح بطانًا، وهو عاجز عما يقتاته، قاصر عما تتماسك به حياته. يقام له نزل، ولا يفوض إليه شغل، ويملأ له وطب، ولا يرفع إليه خطب، وهذا والله عيش العجائز، والزمن العاجز.
آخر كتاب المساوئ والمقابح، ولله الحمد
[ ٨٤ ]
بسم الله الرحمن الرحيم