ربط الله على قلبك بالتماسك الذي يؤمن من التهالك في القلق، والتمالك الذي يدفع عوادي الحرق. أفرغ الله على سيدي تجلدًا يضاهي اجتماع رأيه
[ ١١٩ ]
ولبه، وتصبرًا يحفظ عليه ذخائر حلمه، حتى يمنحه في الثواب ما لم يحتسبه كما امتحنه من المصاب ما لم يرتقبه. ورث الله مولاي عمره، واحضر سلوانه وصبره، وشرح بالتسليم صدره. اعظم الله لسيدي من الذخر، وجزيل المثوبة والأجر، ولا يحبطه، ويوفر الثواب، ولا يسقطه. ثقل الله به ميزانك، كما ضاعف بفوته أحزانك. أحسن الله لك العزاء وأجمله، ولقاك من الصبر أكمله. جبر الله مصابك، وعظم ثوابك. أتاك الله صبرًا يأسو كلوم المصاب، ويحل عقود الإكتئاب. كتب الله لك من جسيم الثواب، ما يصغر عنده عظيم المصاب. كتب الله لك من الأجر أفضل ما كتبه لمن سلم له أمره وحكمه، ولم يتسخط قدره وحتمه.
سائر الأدعية للمعزى
أطال الله مدتك، وجعل الشكر في النعمى مادتك، والصبر على البلوى عدتك. حرس الله مهجتك، وحرم على الحوادث أعزتك. وجعل ما عرض خاتمة الرزايا قبلك، وبلغك في دينك ودنياك أملك. ورث الله مولاي عمر من قدمه، وغفر لمن اختار له جواره فاستقدمه، جعل الله الأعمار صلة لعمره، وفقأ عنه عيون الصروف من دهره. وقاك الله في أعزتك ونفسك، وجعل مسرة غدك ماحية مساءة أمسك. لا أصبت إلا بمن الخيرة لك في البقاء بعده، وله في التقدم قبلك. مد الله في مدتك، وغض لواحظ الأيام عن عقوتك. لا نقص الله لك عددًا، ولا أثكلك ولدا، ولا أشمت بك أحدا.
ما يختص منها بالملوك
أبقى الله مولانا وارثًا للأعمار، مصرفًا للأقدار. وجعل ما عرض خاتمة ما
[ ١٢٠ ]
يوزع له فكرا، أو يجرح له صدرا، وقدم العالم عنه، فدية له. رغبت إلى الله في إطالة بقائه، كاشفًا بدوام مدته الغمم، وسادًا بنضارة دولته الثلم، والله يطيل بقاءه وارثًا للأعمار، مفسوحًا له في الامهال والإنظار. محصن الدولة عن النوائب اللاحقة، محمي العرصة عن المصائب الطارقة. أطال الله بقاءه، وارثًا للآجال، حائزا للأماني والآمال، ينسخ مدة الملوين، ويخلق جدة الجديدين، وعمره عمر النسرين، وأبقاه بقاء العصرين. عمره الله محوط النفس والساحة، مبشرًا للخيرات المتاحة. مصرفًا عنان الملوين، مقلبًا زمام الزمان بكلتا اليدين.
ما يختص منها بالاشراف
أحسن الله عزاء مولاي عن الشريف، وورثه عمره، كما ورثه فخره، وذخر الله له الأجر عليه، كما أعلى ذكره بالانتساب إليه، والله يجبر مصابه كما أكرم نصابه، ويقيه المحاذر، كما ورثه المفاخر، ويبارك له في إحسانه الجسيم، وفضله العميم، كما بارك على إبراهيم، وآل إبراهيم صلى الله عليه وعلى محمد وآله أجمعين.
مخاطبة العلماء والزهاد في التعزية
أحق الناس بالتسلي عند طروق المصائب، وأولاهم بالتسليم مع هجوم النوائب، من آتاه الله من العلم ذخيرة، وجعل على نفسه بصيرة، وهذه حال الشيخ في فقد فلان. ورثه الله عمره، وأبقاه ما شاء بعده. إذا كان الشيخ هو القدوة في العلم وما يقتضيه، والأسوة في الدين وما يجب فيه، لزم أن يتأدب في حالات الصبر والشكر بأدبه، ويؤخذ في تارات الأسى والأسى بمذهبه، فكيف لا بتعزيته عند حادث رزيئته، إلا إذا روينا له، بعض ما أخذناه عنه، وأعدنا إليه طائفة مما استفدنا منه. قد علم الشيخ أن من خلق للعرض
[ ١٢١ ]
العظيم، وعرض للثواب الجسيم. وطن نفسه على تحمل الحوادث، ومرن قلبه على تجرع النوائب، وكان تأسفه على ما يفقد من رياحين دنياه قليلا، وتصبره لما ينقل من موازين أجره جميلا.
ذكر موتهم وتأبينهم
قد فقدت عين الفضل منه قرة، وجبهة العلم منه غرة. للفجائع، اختلاف مواقع، وللمصائب، تباين مراتب، ومن أشدها لذعا، وأعظمها وقعا. فجيعة أحرجت صدور قوم مؤمنين، ومصيبة خصت العلم والدين كفقد فلان، فقد كان للإسلام جمالًا ممتدا، وللدين ركنا مشتدا، وللعلم شهابًا لا يخبو، وللأدب سهم لا ينبو. تمثلت كيف يضام العلى وتقام مآتم الحجى، وتبكي أعين الدين والتقوى. قد فجعنا بشيخ الفضل، وشهاب العلم، والناضح عن الدين ناظرًا لعقباه، والصادع بالحق رافضًا لرقباه. قد أخل ليث العلم بغيله، ومضى شيخ الدين لسبيله. فاضت عليه عيون المحاريب في جنح الظلام، وبكته عيون المحاسن في وضح النهار. رحم الله فلانًا وهل خلقت الرحمة إلا لأمثاله الذين خافوا الله، فخافهم الناس من دون ملك قاهر، ولا سلطان غالب، ولكنها هيبة العلماء. في نفوس الدهماء. اللهم محص عن سيئاته. فطال ما انتصب في الذب عن دينك، والناس في اشتغال بمعاشهم، عن معادهم، وبعقدهم، عن اعتقادهم.
ذكر موت الأدباء والكتاب
نجم من نجوم العلم هوى، وغصن من أغصان الأدب ذوى. قد عادت لفراقه الآداب شعثا، ووجوه الفضل غبرا. شابت بعده لمم الأقلام، وجفت غرر الكلام. قامت نوادب الأدب، وتعطلت حوالي الكتب. قد نضب ماء
[ ١٢٢ ]
الفضل، وركدت ريح العقل، وصدئ رونق التبيين والبيان، وانثلم حد القلم واللسان.
ذكر موت الأولاد الصغار والكبار
بلغني خبر مصابك بالريحانة التي اختار الله لك المثوبة عنها، على المتعة بها. لما قوي فيه الأمل، عاجله الأجل، فكسفته أيدي الأيام، هلالًا استسر قبل التمام. أطلت التلهف على ظل عاجلته الأيام أن يكون فناء زائلا، وأكثرت التأسف على هلال فاجأته الليالي أن يصير بدرًا كاملا. يا لهفي على غصن هصر قبل أن يورق، وكوكب أفل قبل أن يشرق. هلال استسر قبل التمام، وثمرة اجتنتها يد الحمام. فجعله الله أجرًا مذخورا، وثوابًا موفورا. كيف يستقر على الأرض وفلذته في بطنها، ويراجع الأيام ومهجته في كفها. يا أسفي على غصن مهصور بالموت، معصور في الترب. قد كنت فيه قوي الأمل، لو لم تطاولني يد الأجل، ومستحكم الرجاء، لو لم تغالبني يمين القضاء. تصورت حالك وقد أخذت من قبلك ثمرته، ومن نفسك زهرتها، ومن ناظرك قوته، ومن كبدك فلذتها. عارية سرك الله بمدتها، وأثابك عند ارتجاعها. فأبشر بعاجل من صنعه وإخلافه، وآجل من مثوبته وجزائه. لئن حرم الأجر ببدك، لقد كفي الإثم بعقوقك، ولئن فجعت بفقده، لقد أمنت الفتنة به. الرزء ما كان أوجع، كان الأجر عليه أوسع، وأنت وإن احتجت إلى الأولاد، فحاجتك العظمى إلى حسن المعاد. أسأل الله أن يجعل لوعة مفارقته، أنفع لك من فتنة مقاربته، وحسرة الرزية فيه، أجدى عليك من حبرة الإمتاع به.
ما يختص من ذلك بأولاد الملوك
كتبت والأحزان مستولية على الخلق والزمان، والأرواح متبرمة بالأجسام
[ ١٢٣ ]
والأبدان. منذ أفل النجم الزاهر في أفق الملك وذوي الغصن الناضر من دوحة المجد، خوى نجم طلع في أفق الملك. وهوى بيد القضاء، عند انتهاء العمر، فاستوحش ربع مولانا بفقده، وذوى عود النجابة من بعده. على حين قويت فيه الظنون، وقرت به العيون. عرفت نادرة الزمان، في قرة عين الدهر، وثمرة فؤاد الملك، وقد خانت فيه يد الدهر واختطفته من حمى الملك وإنما نقله الله إلى جوار كرامته مثوبة بمولانا مقدمة، واعد له معوضة مسومة. وجعله فرطًا صالحا، ومتجرًا رابحا. قد خبا ذلك الشهاب المضيء، وخوى ذلك الكوكب الدريء، فأغبرت وجوه النجابة، واستوحشت معاهد الإمارة.
ذكر احتضار الشبان
يا أسفي على فلان، وقد احتضر شبابه، ولم تغن عنه طراوته في العيون، وحلاوته في القلوب. قد احتضر فلان أنضر ما كان غصنا، واكمل ما كان حسنا، ما أتذكر إقبال شبابه مع اكتهال فضله، وجدة أيامه مع وفور عقله، إلا رأيت التعزي مستقبحا، والتسلي مستهجنا. يا لهفي على شباب مقتبل احتضر، وفضل مكتهل فقد، وجانب من المجد اختل وانتشر، ونجم من فلك الفخر هوى وغرب. قد اخترم عنفوان شبابه اختراما، نبهنا من سنة الاغترار وهدانا لوجه الاعتبار. انتقل إلى جوار ربه نقي الصحيفة من سواد الذنوب، بري الساحة من درن العيوب. لم تطل في الدنيا مدته، ولا اسودت في جرائدها صحيفته، ولا علقت به أجرامها، ولا جذبته أشطانها، لكنه وردها نجيبًا رشيدا، وانصرف عنها مهديًا سعيدًا. قد صانه الاحتضار، عن ملابسة الأوزار، وحاطه الاخترام، عن مقارفة الآثام. لو كان هذا الحمام يبدأ بإدارة كأسه في الأسلاف، ويتجافى عن الأخلاف، لخفت أعباؤه، بل طاب لقاؤه، ولكنه يدنو فينا ويبعد، ويهتصر منا ويحتطب.
[ ١٢٤ ]