قد نكب عن وجه الرشاد على عين بصيرته بالأسداد. صم عن النذير، وقد أسمعه ووعظه، وأتى على النصيح وقد حذره وذكره، أبي له ضعف العقل والنحيزة، ولؤم الطبع والغريزة إلا إصرارًا على طيشه وسفهه، واستمرارًا في غيه وعمهه حتى كأن الوعظ أغراه، والرشاد أغواه. فلان جامح لا يرجع، ومضب لا ينزع، ومضر لا يقلع، أخذت العزة بسمعه وبصره، واقتطعته الحيرة عن تدبره وتبصره. يلقى الوصية بالاطراح، ويدفع الطاعة بالراح.
[ ١٥٣ ]
توقظه العبر فلا يستيقظ وتعظه الآيات والذر فلا يتعظ. هو من لا تكف الموعظة غرب جهالته، ولا تفل النصيحة حد ضلالته. يصغي إلى الرشاد بمسمع أصم، ويعطس في العناد بأنف أشم. قد غطى الخذلان على سمعه وعينه، وحال بين قلبه وصدره، وملك عليه الشيطان مسارب عزمه، ومساري فكره. قد تحولته بالموعظة هاديًا من حيرته، ومستشليًا من غمرته، فنادغاه الخذلان بأن صمم فأصر، قال له الشيطان تمم فاستمر. كأني أغريته، فناداه حين نهيته، وأغويته حين هديته، وأعميته حين بصرته، وخذلته حين نصرته. أولئك قوم قد أخذ الله بأسماعهم وأنصارهم وقرن الخذلان بأعوانهم وأبصارهم. جهالة عموا بها عمياء، وغشاوة مدت على دهمائهم دهماء.
إبراز صفحة المنابذة
أبرز صفحة المكاشفة، وكشف قناع المخالفة، وسار على مدارج الغرور، وأثار كوامن الثبور. ما ظننت الجهل يستمر كل هذا الاستمرار، حتى يستوفي كتاب الخذلان، ويستغرق صحيفة الإدبار. قد هتك حجاب نفاقه، وأظهر مكنون شقاقه، فانحرف وخالف، وجاهر وكاشف، واظهر مكنون سره، وأبدى كامن شره، واقدم على العظمى، وصرح بجحد النعمى. كشف قناع الحشمة، وخرق حجاب الهيبة. بارز سلطانه بالمحادة، وجاهره بالمضادة، مستبدلًا بعز تذلله، ذل تعززه عليه، ومعتاضًا من أمنة سعيه في رضاه، خيفة مخالفته إياه.
استيجاب التكبر والمعاقبة
أما الكبائر التي تحكي عنه فالواحدة منها ترفع رخصة الحكم، وتبدي الهجنة في الصفح. قد جرت منه هنات اقتضت أن تعرف قدره، وتلقي بما يشجي صدره. قد أوجب مروقه من الطاعة، وفسوقه بغاية الاستطاعة، إن ترتجع عواري النعم من يديه، وتفاض ملابس النقم عليه. لا يغني فيه
[ ١٥٤ ]
التوقيف دون التثقيف والتعليم، دون التقويم، والإعذار والإنذار دون الإيقاع والإيجاع. هو بعرض إنكار يسيل دموعه، ويقيم ضلوعه. قد استحق أن يحمل أثقال المعاقبة، ويعرف آيات سوء العاقبة. أنزله منزلة مثله ممن أساء حفظ الوديعة، وجوار الصنيعة، فاستوجب نزعهما منه، وتحويلهما عنه. ضاق به كنف العفو، وحقت عليه كلمة الطو. قد اسودت صحيفته، وأغلق باب التوبة دونه، وحيل بين العفو وبينه. عثراته محظورة على الإقالة وهناته تجني له ثمر الضلالة.
الأبراق والأرعاد
سيعلم المخذول كيف يرمي بحجره، وتشبع الوحوش من جيفته ونفره، الأهب لا ستيصاله مأخوذة، والسيوف لقتاله مشحوذة. سيبلغ في بابه ما يتأدب به كل جامع في عنائه، وطامح إلى ما ليس من شأنه. ستراه وليست له عينى طارفة، ولا جثة واقفة لأكشفنه لكل ليل بارد، ونهار واقد. سينزل بأولئك الأغمار قاطعات الأعمار. إما ذل واستكان، وإما هلك قتل قد كان. قد تكون للباطل جولة، وللفساد مهلة. ثم تأتي من الإنتقام والاصطلام، ما يسقط الهام على الاقدام. أما فلان فسيراق على الضلال دمه، وتتطاير على الجذوع رممه. لم يدر أن العزيمة من مولانا تترك أمثاله مثلا، وتجعله لأهل الشقاق مثلا. أما علم أن مولانا إذا رماه بشعبة من أفكاره ومسه بجذوة من ناره. عاد حرصه ندما. وصار وجوده عدما، وغودر أشياعه بددا، بل طرائق قداد. أتدرون ويحكم في أي حتف تورطتم وأي شر تأبطتم. إما فطمكم عن رضاع الحيف، وإما حسمكم بغرار السيف، تمثل هذه المقانب وتصور هذه الكتائب، وأخطر ببالك قلبها، فإن قلبك يدل على حالك، وميمنتها فإن يمينك تتقاصر عن شمالك؛ وميسرتها فإن اليسرى تتراجع عن أمورك، وجناحها فإنك تجنح عن كافة شؤونك.
[ ١٥٥ ]
احتشاد العدو
حشر وحشد، واستمد واستنجد واستعد، كاشف وبادى، وحشر فنادى، حشد وحشر، وضم ونشر، وجمع أطرافه، وألف ألفافه. قد استنفذوا قواهم في تكثير العدد، وتوفير العدد. وتقديم المراصد، وتوكيد المكائد. جمعوا شوكهم وشجرهم، وجروا مدرهم ووبرهم، واستنفذوا قواهم وقدرهم. نفضت تلك البلاد أحرارها وعبيدها، وأخرجت عدتها وعديدها. رمت تلك البلدة بأفلاذ كبدها، وأخرجت أرضها أثقالها من عديدها وعددها. أسألت تلك البلاد سيلها، وجمعت من أسلحتها نهارها، ومن سوادها ليلها.
ذم جيش العدو
زحق إليه بما احتطب في ليله، وقمش من غثاء سيله. نهض بمن جمع من فراش النار، وأوباش الأمصار. اغتر بما اجتمع إليه من فل الخيول، وغثاء السيول، ورذايا الملاحم، وبقايا الصوارم. تنابحت إليه كلاب الغارة الشعواء، وتعاوت لديه ذئاب الصيلم الصماء. خرج بمن لف لفه، وصافح على الضلال كفه من أشياع الغوايا، وأتباع الغواية. جمع من جمع من فراش النار، وخشاش البوار. أولئك الكلاب الغاوية، والذئاب العاوية. عصبة الضلال وعصبة الخبال. تلك العصبة المعصوبة بالثياب، المغصوبة على الألباب. كل من معه من أصناف الأتباع، والعوم الرعاع. من لا يقيم له وزنًا، ولا يتمثل له أمرًا، وإنهم نصبوه سلمًا لهم إلى الأموال المستهلكة، والمآكل الموبئة، والموارد المردية.
استهانة الأعداء واستحقارهم والتفاؤل عليهم
سحائب صيف عن قليل تقشع، وعروق باطل لا تمهل أو تقطع. لا تهولنك كثرة الارجاس فإنهم أزواد الضباع، وآكال السباع، ومشارع
[ ١٥٦ ]
السيوف، ومراتع الحتوف. ما هي إلا صيحة واحدة، وزجرة راصدة، حتى تراهم كأن لم يغنوا في ديارهم، ولم يسمع بأخبارهم. وهو غرض الجوائح، وهدف الخواطف، واتباعه رجل جراد في ريح يوم عاصف. اقبل في شرذمة هي لجيوش السلطان بمنزلة البغاث للجوارح التي تعتدها لحمة، وتتخذها طعمة. هم فرائس الحمام، وأهداف السهام. ما منهم إلا جراد مجرود، وقنص مصيد أو مطرود، المتالف لهم راصده، وإليهم قاصده. ما منهم إلا نهزة الطالب، وفرصة الغالب، وطعمة الأكل، وجرعة الشارب. جاء في أقل لمة، وأضعف شرذمة. ونوازل الغير بهم محدقة، وسهام النقم لهم مفوقة.
قرب العدو من الهلاك
هو محاط به وكالمأخوذ بناصيته. قد أذن الله في قطع أكله، وأدناه من حاضر أجله. ما هو إلا فرصة اليوم أو غد، والهلك واقف له بكل مرصد. قد رصده ضوء الصباح وظلام الليل. لتجنه أرحام الأرض، أو ينشر من بطون السباع. والطير قد حص جناحه، ودنا اجتياحه. ما هو إلا صفاة آن قرعها بل قلعها، وقناة قد حان صدعها بل قطعها. دعائمه مخفوضة، ومرائره منقوضة واللعنة به مصعوبة، والهلكة عليه مكتوبة، قد احتفت به النوائب تصرف أنيابها، وصمدت له الحوادث تفتح أبوابها، وانحت عليه الخطوب تخطب بحتفه، ولذت به الصروف تأخذه من بين يديه ومن خلفه.