ظلم صريح، وجور فسيح، واعتداء قبيح. ظلم تراكمت مظالمه وظلمه
[ ١٥٠ ]
واتصلت غمائمه وغممه. قد ملكته الهزة للظلم، وأخذته العزة بالإثم. بسط يده في المظالم يحتقبها، والمحارم يرتكبها، وإذا رأيت ثم أملاكًا مغصوبة ومنهوبة، ورعايا مأكولة ومشروبة، وضرائب ضربت الأموال بالتمحيق، والبضائع بالتمزيق. تلك البلاد تلتهب بجمرات ظلمه، وتنتهب ببدرات غشمه. فالحرم منتهكة، والرعية محتنكة. رعية مدفوعون إلى فقد الرياش، وضيق المعاش. قد أداهم الغلاء إلى والبلاء، والبلاء إلى الجلاء والإضافة، إلى الفاقة، وصارت الخصاصة فوضى بين العامة والخاصة، أمراؤهم عجزة قعدة، وكتابهم خونة مرقة، فالأعراض بينهم منهوكة، والأستار مهتوكة. والدماء مسفوكة، والأموال مجتاحة، والديار مستباحة، والحر بالعراء منبوذ، والوغد مكرم مصفود. أولئك قوم رضيعهم قد غذي بالعدوان حتى دب، وصبيهم ربي بالطغيان حتى شب، وشابهم قد تدرب بالظلم والفسوق حتى شاب، وشيخهم قد أضب على الإثم والفسوق حتى افترش التراب. بلاد معالم الحق فيها درست، وألسنة العدل بينها خرست، ورياح القتل والنهب هبت فلا تركد، وأشخاص الظلم والإثم مثلت فلا تقعد. جعلوا يغيرون ويبيرون، ويثيرون من الفتنة ما يثيرون. لا عن الدماء كفوا، ولا عن الفروج عفوا. ما الذئب في الغنم بالقياس إليه إلا من الصالحين، ولا السوس في الصوف في الصيف عنده إلا بعض المحسنين، ولا الحجاج في أهل العراق معه إلا أول العادلين، ولا فرعون في بني إسرائيل إذا قابلته به إلا من الملائكة المقربين. ما ترك لرعيته فضة إلا فضها، ولا ذهبًا إلا ذهب به، ولا علقًا إلا اعتلقه، ولا عقارًا إلا عقره، ولا ضيعة إلا أضاعها، ولا غلة إلا غلها، ولا مالًا إلا مال عليه، ولا عرضًا إلا تعرض له، ولا حالًا إلا حال عليها، ولا ماشية إلا امتشها، ولا فرسًا إلا افترسه، ولا سبدًا إلا استبد به، ولا بزة إلا بزها، ولا خلعة إلا خلعها، ولا جليلًا إلا اجتله، ولا دقيقًا إلا دقه.
[ ١٥١ ]
ذكر الهرج وكثرة الفتنة
رفعت الفتن أجيادها، وجمعت للشر أجنادها، وأطالت سواعدها، وأعلت قواعدها، وآل ناجمها قادحًا، وعاد جذعها قارحًا. نيران الفتنة تشتعل اشتعالًا، ورايات الهرج تخفق يمينًا وشمالًا. في كل دار صرخة، وفي كل درب نعرة، وفي كل زاوية ظالم لا ينصف، ومظلوم لا يتنصف. فالنهار ليل بالدخان، والليل نهار بالنيران، ولم يبق من رسوم الإسلام غير شهادة الإيمان وإقامة الأذان. كم فشا فيهم من قتل ذريع، وضر وجيع، وهرب وجلاء، وضنك وبلاء، ونار مضطرمة، وفتنة محتدمة. كانوا كالغنم السارحة التي لا راعي لها، والإبل السائمة التي لا سائق معها. المملكة شاغرة، وأفواه الفتن فاغرة. قد شهروا سيوف الفتنة، وشبوا ضرام الخلاف والفرقة. قد كشفت الفتنة قناعها، وخلعت عذارها، فتحولت الرؤوس أذنابًا، والعبيد اربابا، والغنم ذئابا. أصبحت تلك البلاد وهي قنا تشظى، ونار تلظى، وناس يأكل بعضهم بعضا. نعرت الفتنة، ووقعت العثرة، وماج الأمر، وجمح الدهر، وانخرط سلك الأمنة، وشالت نعامة السلامة، وانقطع شريان السياسة، وتمزق ثوب المعيشة، وقامت سوق الدعارة، وانجر ذيل السرقة. نواح معالم الدين فيها مضاعة، ودواعي الشيطان بها مطاعة، أدى ذلك إلى هيج الرعاع، وتحزب الأشياع، وتأمر الأذناب والأتباع. البلدة نيران تضطرم، وجمرات تحتدم بين فتنة ثائرة، واضطراب نائرة، وأهلها سوام بلا رعاة، وجند بلا حماة. فلان ناتج تلك الإجن ومؤثرها، وموقد تلك الفتن ومورثها. كم من فتنة شبها، وغارة شنها. قد ألهب الفتنة وأثقب جمرها، وأرث نارها، وتولى كبرها. هو الذي هاج تلك الفتن وأباحها، وأثار تلك الإحن وصار لقاحها. كاد الإسلام يضعف ركنه، والشرك يصدق ظنه.
[ ١٥٢ ]
التحذير والأنذار والأهابة إلى الرشاد
رأى مولانا أن يأخذ بسنة الإعذار، ويحذر عاقبة الإصرار، ويقدم كلمة الاستظهار، ويلقي إليهم الإنذار، قبل الإنكار. من انقاذ لحكمه، ووقف عند رسمه، فقد حمى روحه وماله وأهله وحاله، ومن أضرم في الفتنة نارًا، ورفع لها منارًا، فقد أباح من نفسه المحذور، ومن ملكه الحجر المحجور، ولحقه ما يتركه سمعة رادعة، ومثلة وازعة. من تعدى طوره، وتخطى قدره، فلا انقباض بعد توقيفه، عن تثقيفه، وبعد الإعذار إليه، من الإنكار عليه، لا يألوهم نصحا، قد اعترضتهم سنة الغفلة دون تمثله، ولا يجزرهم وعظًا، قد خامرتهم سكرة الغرة قبل تقبله. قد قدم النذر، ونبذ العذر، زمجرة الليل قبل الإفتراس، ونضنضة الصل قبل الانتهاس، وإنباض النابل للنذير، وإيماض السائق للتحذير ابصروا رشدكم، واعرفوا قصدكم، قبل أن ينتقل معكم عن إنقاذ الكتب إلى تسريب الكتائب، وعن توجيه الرسل إلى إرسال المقانب. إن جعلت المراوغة حجابًا، وأصدرت بالمدافعة جوابًا، أبدلناك الحسام، من الأقلام، والأفواج، من الأدراج، ولم نرض بغير الرماح رسلًا تختلف، ولا بغير السهام وسائط تتردد.