إذا نام هاله طيف، وإذا انتبه راعه سيف. طار قلبه بجناح الوجل، وطاش لبه في قبضة الوهل. الأرض عليه كفة حابل أو أشد تقاربا، وحلقة خاتم أو أتم تداخلا. قد ملكه خوف لا يريم، وذعر لا ينام ولا ينيم. قد طاح روعه فرقا، وطار قلبه فرقًا، كادت نفسه تطيح، وروحه تسري بها الريح.
ذكر الطاعة بعد الإمتناع واللين بعد القسوة
دان بعد طماحه، ولان بعد جماحه. سمح، بعد أن جمح، وتطوع، بعد أن تمنع. استأسر، بعد أن استأسد، وتذلل، بعد ما تدلل، وتأتى، بعد ما تأبى، وعنا، وبعد ما عتا، دان مقاده، ولانت شداده. ذلت أخادعه، وتسهلت مراتعه.
الضياع وما يجري من الألفاظ في ذكرها ووصف أحوالها
لفلان ضويعة يرتفق بها، ويرتزق منها. ضيعة أنفق عليها أيام عمره، وأراق فيها ماء شبيبته. ضيعة اقتناها يوطء الجمر، واستعمرها بانتعال العدم. ضيعة يحشد في عمارتها، ويحتمل في تثمير ارتفاعها، ويبيع ما يلوح له الحظ في بيعه من غلاتها. تلك الضياع على اتساع بقاعها، وعظم ارتفاعها، قد استغرقت غلاتها. نوائب السلطان، وتحيفت ثمراتها جوائح الزمان، فلا فضل فيها للإفضال على الإخوان. وقفت على ما عرض في تلك الضيعة من الضيعة، وفي تلك الغلة من الخلة. أربابها أرباب خلة وقلة، وأحوال
[ ١٨٢ ]
مضمحلة. إن الجراد العام قد جرد وأفسد. نوائب أناخت على صبابة معيشته لم تبق ولم تذر، وتركت نباتها كهشيم المحتظر، وذلك أن بردًا أتيح لها كبيض النعام كبرًا فأقعد قائمها، وغيب ناجمها، وتركها عافية تندب كما نذب الشعراء الأطلال، ثم تنشد أن الوقوف على المحيل محال. هو في تلك الضياع بين نصح يؤثره، وجميل يؤثره. قد حفر، وحرث وبذر، وقوم المائد، وأصلح الفاسد، وعمر الغامر، وتألف الناقر. كان من أثره الحميد توصله بيسير النفقة إلى عمارة القني حتى تفجرت عيونها، وغزرت مياهها. هاذ مع غيض الماء في عامة الأطراف، ويكثر الزروع على الجفاف. قد صار دخلها على الضعف، بعد عودة إلى النصف. قد أكد أساسها، وثمر غراسها، وأضحك رياضها، وملأ حياضها. جاهد أمورها حتى تيسر أكثرها، وتركها لا يتخللها خلل، ولا يميل بها ميل. قدم فيها ما هو أصلح وأنجح، وأوفق وأرفق. تلافي أمرها أعظم التلافي، وتفرد تفرد الكافي الوافي.
ذكر الفرس والبغلة والحمار
فرس يتعب سائسه، ويحمل فارسه. فرس رائع الخلق، تنطق عنه شواهد العتق. سفينة برية، وريح مجسمة. كأنه منتقب بالنجم، منتعل بالحجارة الصم. يباري طلق البزاة، ويفني أنفاس الفهود، كأنه طود موثق، أو سيل متدفق، كالكوكب المنقض، والبارق المنفض. كالجاحم المشبوب، والهاطل المصبوب. ولا يعين عليه سوط، كأنما أنعل بالرياح، وبرقع بالصباح. كأنه شيطان، في أشطان، وكأنما لطم الصباح جبينه. كالبحر إذا ماج، والسيل إذا هاج. بغلة تجمع بين حسن الشية، وطيب المشية. أما ذلك الحمار فالريح أسير يده، وشعل النار في أعضاء جسمه، وحسد الأفراس مقصور على حسنه، وكمد البغال لما فاتها من فضله.
[ ١٨٣ ]
وصف الأبام المشهودة والمشهورة
يوم هو عيد العمر، وموسم الدهر. وميسم الفجر. يوم من أعياد دهري، وأعيان عمري. يوم من أيام الدنيا ضاحك السن. طلق الوجه، شريف الصيت. رخيص الدرهم والدينار. كثير الفرح والاستبشار. يوم أبرزت فيه الدنيا زينتها، وجلت على النواظر في معرض الجمال صورتها. يوم هو يوم القيامة إلا أنه لا حشر، وعيد الدنيا إلا أنه لا فطر ولا نحر. يوم خرجت فيه العذراء من الخدر، والصبي من المهد، وسلب الرجل رداءه في غمار الزحمة، والمرأة سوارها فلم يسمع صراخها من الضجة. يوم تهافت فيه الناس حتى ضلت النعل، وسقط الرداء، ووطيء الشيخ، وديس الصبي، يوم تكاثرت فيه النظارة حتى حمل فيهم الصبي، ودلف الشيخ، ودبت العجوز، وخرجت العروس، وخلت الدور.
التأبيد
ما طلعت الثريا وغربت، وشرقت الشمس وغربت. ما لاح كوكب، وأقام يذبل وكبكب، ما حال حول، وعاد عيد، واخضر عود. ما طلعت شمس، وتكرر أمس، ما تردد نفس، وتكرر غلس. ما بل ريق فما، ومداد قلما. ما انتهى ظلام إلى فلق، وتأدى غروب إلى غسق. ما أخر المهل، وضرب المثل. ما بقي إنسان، ونطق لسان. ما طرد الليل النهار، واطرد النجم وسار. ما تعاقب الضياء والظلام، وتناسخت الشهور والأعوام.
آخر كتاب الشوارد والفوارد وما يشبهها، ولله الحمد
[ ١٨٤ ]
بسم الله الرحمن الرحيم