قد لزمنا رفع اليدين إلى الله: واحدة تستنزل الصبر، وأخرى تتحمل الشكر. الحمد لله الذي لما ارتجع أكرم العواري، بلغ أفضل الأماني، ولما امتحن بأعظم الأهوال، تطول بأشرف الابدال. ما اكتأبنا للمنعي إلينا، حتى اغتبطنا بالمستخلف علينا، ولا أجهش باكيا عند الرزية حتى استهل ضاحكًا للعطية. الفجيعة فظيعة وجيعة. كادت تذهل العقول، وتحبس الألسنة عن أن تقول، والأقلام عن أن تجول. إلا أن الله لطف فجعل سيدنا وارث الماضي كابرًا عن كابر، وحافظًا بعده لغر الآثار والمآثر. فلم يحسر الظل حتى مده،
[ ١١٦ ]
ولا مكن الثلم حتى سده، ولا نقل الإحسان حتى رده، ولا أوهن العقل حتى شده. قد كان الرزء أعظم من أن يوصف هدا للاركان، وإفاضة للأحزان، في كل قطر ومكان. إلا أن الله بلطفه كشف الظلمة، واحيا الأمة، وأنزل الرحمة، وحسم النقمة بعود مولانا إلى سرير سلطانه، واستقراره في عالي مكانه. لئن كانت المصيبة أصابت سويداء القلب، فقد تدارك الله العالم بما أقر سواد العين. يا لها من رزيئة ناحت لها السماء على الأرض، وأفل معها قمر الملك والمجد، حتى تلافى الله الملك بمولانا فأعاد به الشمل جميعا، والعاصي مطيعا، فقر الأمر قراره، ولزم فلك التدبير مداره.
استظهار المشاركة والمساهمة
أنا قاسم مولاي الهموم والمسار، وأساهمه المكاره والمحاب. فلا يعرض له ما يشغل فكره إلا أزعج قلبي، كما لا يتفق عنده ما يشرح صدره إلا وفر أنسي. قد شاركت سيدي في المصيبة مشاركة من لا يتميز عنه في منحه ومحنه، وسروره وحزنه. كتابي وأنا لا أعلم أعزيك أم نفسي فليس المصاب عندك بأعظم منه عندي. أنا وإن كنت أقاسمك المسار، وأساهمك المضار، فإني لا أحاسب الأيام إذا تخطتك، ولا أناقش سهامها إذا أخطأتك. لئن فقدت من فلان أبًا وعما. لقد أوفيت عليك أسفا، وعليه هما. أنا أقاسمك مصارف الأحوال ومجاريها، وعوائد الأيام وعواديها، فآخذ مما شرح صدرك بحظ المبتهج، ومما شغل قلبك بقسط المنزعج. قد تحملت لمشاركتك أثقالًا من الوحشة تنقص الصبر، وتنقض الظهر، وما أعزيك إلا والعزاء لي معجز، ولا أسليك إلا والسلو عندي معوز، لاشتراكنا في الأفراح والأحزان، وتعادل أقساطنا من الزيادة والنقصان.
عظات التعزية
لا مصيبة مع الإيمان، ولا معزي مع القرآن، وكفى بكتاب الله معزيا،
[ ١١٧ ]
وبعموم الموت مسليا. إن الذي يخفف ثقل النوائب، ويحدث السلو عند المصائب، تذكر حكم الله في سيد المرسلين، وخاتم النبيين محمد صلوات الله عليه وعلى آله أجمعين. ليذكر مولاي فقد الرسول والوصي والبتول والحسنين من مسموم ومقتول، ثم ليحصن الأجر المسوق إليه وليحصله، ولينصب أدب الله إزاء قلبه وليمتثله. الخلود في الدنيا لا يؤمل والفناء لا يؤمن، ولا سخط على حكم الله ولا وحشة مع خلافته، والأنس بطاعته، فأدما استرد صابرا، واسمح بما استرجع مسلما. أنت تعرف من شروط الزمان وعاداته، وتخبر من شؤونه وتاراته وتملك معه حلمك، وتراجع له حزمك، متى أتت الليالي بما تعاقبت القرون على مثله، وأعيت الحيل دون دفعه. حمدًا لإله بتفضل فيهب، ويسترد فيأجرن ويبقى الثواب، ويفنى الحزن. كل مصيبة وإن عظمت فصغيرة في جنب ثواب الله، ضئيلة بين نعم الله قبلها وبعدها.
الادعية للمتوفي
غفر الله ذنبهن وخفف حسابه، وجعل رحمته حسبه تغمده الله بغفرانه، ومهد له في أعلى جنانه. تغمده الله من عفوه بما يفوت آمال المؤملين، ويوجب له مرافقة الأنبياء والمرسلين. جعل الله فرطاته مغفورة وحسناته مشكورة. قدس الله ثراه، واكرم مأواه. أكرم الله مرجعه، ورحم مصرعه، وبرد مضجعه. ﵀ رحمته للأبرار، وحط عنه ثقل الأوزار. نور الله برهانه، والبسه رضوانه، وفسح له جنانه. غفر الله له مغفرة تحف بالروح والسلام، وتفسح له في دار المقام. جعل الله ما نقله إليه، خيرًا مما نقله عنه. قدس الله ضريحه، وبرد صفيحه، وأفاض الرحمة السابغة عليه، ولقنه الحجة البالغة بين يديه. سقى الله ضريحه ولقي كذا.
ما يختص منها بالملوك
والله يبوئه من جنات عدنه، ومقار أمنه أعلى منزلة رفع إليه عبدًا مخلصًا
[ ١١٨ ]
هداه، ومؤمنًا اجتباه ووليًا مكن له في أرضه، فقام فيها بفرضه، وأصلحها بعدله، وغمر أهلها بفضله. نسأل الله أن يرحمه أتم رحمة وأوسعها، ويلقيه أفضل مغفرة وأفسحها، ويبوئه جنات النعيم التي أعدها لأمثاله دارا، ولأشكاله قرارا، ممن أحسن السيرة في عباده وبلاده، وانتهى إلى رضاه بوسعه واجتهاده.
ما يختص منها بالاشراف
اللهم صل على شجرة هذا الغصن من كرائم أغصانها، وخصائص أفنانها، صلاة ترفع الذخر، وتعلي القدر، وتمهد في جنة المأوى، والدرجات العلى. قدس الله تلك التربة الزكية، والأرض المرضية. إذ أودعت نفس الشرف والأشراف، وسر هاشم بن عبد مناف، وكيف استسقي لها الغمام، وبحر المكارم في بطنها، وغيث الأمحال في ضمنها، وثم القبر الذي لو كتم لنم عليه عرف الكرم، وريا حسن الشيم. نقله الله إلى خطة الغفران، وعرصة الرضوان، حيث الرسول، والوصي والبتول، والحسنان، وسائر شجر الجنان. صلوات الله عليهم ما طلع الفرقدان، وتعاقب الملوان. اقر الله عينه في عرصة الموقف المحذور، والصباح المشهود المشهود بلقاء جده، وخيرة الله من خلقه، وامينه على وحيه، وأداء حقه، ووفاه من حظوظ شفاعته، ما يزيده في علو الدرجات وسبوغ الكرامات، وشرف الوقوف على الحوض المورود، وعز النشور في اليوم الموعود. رضي الله عن شقيق الكرم والمجد وعقيد الشرف المحض، وسلالة الرسالة، وسليل الإمامة. وقدس روحه وقد قدس، والبسه الغفران وقد ألبس.