استنقذ الأجل ذماءه من ظبى السيوف وقد شارفته، وشبا الحتوف وقد شافهته. عرض على الموت عرض المحتضر، ثم أخر لأجل منتظر. نكص على عقبيه وقد كادت صروف الايام تفترسه، وانياب الحمام تنتهسه. نجا برأسه وقد فغرت المنايا أفواهها إليه، وكادت أظفارها تنشب فيه. فأخر لأجل مضروب، وانسئ لأمد مكتوب. استنقذه تاخر أجله من أنياب القواضب، ومخالب النوائب، ونجا بحشاشته وذماؤه على تلف، وشفافته على شرف.
[ ١٦٧ ]
نجا بروحه التي هي رهينة غيها، وصريعة بغيها. لم يبق منه إلا شفافة أخطأت براثن الأسد، وبقية هي هامة اليوم أو غد.
ذكر المنهزمين ووصف أحوالهم
طاروا بأجنحة الرعب لا ينثني آباؤهم على أبنائهم، ولا يلوي سراعهم على بطائهم. طاروا بأجنحة الوجل، وتصوروا حاضر الأجل. نكصوا على الأعقاب، وطاروا بخوافي العقاب. اجفلوا إجفال النعام، واقشعوا إقشاع الغمام. سبقوا الطلب باقدام الفرار، وتوقوا مواقع السيوف بملابس من العار. تمزقوا في البلاد كما يمزق الريح رجل الجراد. عاينوا هول المطلع فولوا الادبار، وتجللوا الإدبار، وطاروا كل مطار. تتقلب بهم المزال والمداحض، وتساقطت بهم قواهم النواهض. لم يشعر به حتى صار جنينًا قد واراه بطن الليل، طار كهباء الريح وغثاء السيلز نفض يده بالخميس، وأعرب ببرد الهرب عن حر الوطيس. تشتتوا أيدي سبا، وتفرقوا جنوبًا وصبا. فلت شباتهم، وجمع على الذل شتاتهم، وحاق البلاء بهم، وحقت كلمة العذاب عليهم، ونكصوا خائبين، وانهزموا خائفين. تفرقوا في جهات المهارب، واعتصموا بالأنهار والمسارب. نفتهم الأرض من مناكبها، وضاقت عليهم من جوانبها. جعلوا يتسللون من أثناء الأنهار، وكل ينهار في جرف هار. طار بين سمع الارض وبصرها. لا يدري ما يطا من حجرها ومدرها. هام على وجهه لا يدري أفي الأرض يطلب مدخلا، أو في السماء يلتمس معقلًا وكلًا كذا فإن تخومك الأرض تسلمه، ونجوم السماء ترجمه. تطاير حشدهم الفجرة، كأنهم حمر مستنفرة، فرت من قسورة. طاحوا كل مطاح، وطاروا بأجنحة الرياح. لا يجدون في الخضراء مصعدا، ولا على الغبراء مقعدا. لم تلقهم أرض، ولم يسعهم طول ولا عرض. لفظتهم البلاد، ومجتهم البقاع، إلى حيث لا استواء قدم، ولا اهتداء بعلم، ولا سماء تظلهم أو تجنهم، ولا
[ ١٦٨ ]
أرض تقلهم أو تكنهم. طاروا بقوادم وجل، وطاحوا بين سقوط أمل، ودنو أجل. استبدوا بمسكة العزائم، هتكة الهزائم. نكصوا على الأعقاب يرون الأشخاص كتائب تختطفهم، والأشباح مقانب تنتسفهم. لما ترامت بهم البلاد تآمروا بينهم يتعاذلون، وأقبل بعضهم على بعض يتلاومون. هزيمة قوض الله بها عروشه، وفض جيوشه، وضلل وساوسه، وأبطل هواجسه. هزيمة فرق الله بها جمعه، وبدد شمله، وعجل قمعه. غاض في بعض الغياض مخفيًا لشخصه، مشفقًا على نفسه. صفراء لم يصحبه صافر، ولم ينج معه طارف ولا باصر. كلما هبت عليه هابة ريح حسبها خيلًا تكر عليهم، أو رجلًا تبتدر إليهم، وكلما عنت عليه عانة أرض ظنها برًا ينخسف به، أو بحرًا يحيط به. لو وجد في الأرض نفقًا لأولجه فيه شدة روعه، أو في السماء مرتقى لأعرجه إليه نخب روعه. الحمد لله الذي ردهم في أكفان من المذلة، وقبرهم في لحود من الخوف والوحشة.
ذكر ركوب الأولياء أكتاف المنهزمين وقرب متناولهم على الهلاك
ركب الأولياء أكتافهم يشلونهم شل النعم، ويفرونهم فري الأدم، ويذكونهم كهدايا الحرم. لم يزل الطالب راكبًا أكتافه، وقابضًا أطرافه، حتى زخ به الحذار في يوم وليلة، إلى موضع كذا بعد أن انتظمت الطرق إليه بجيف أصحابه ورذايا خيله وركابه، ركب الأولياء أكتافهم وعيون المنايا ترصدهم، وأيدي الحتوف تحصدهم. أمر فلان بأن يبعد في آثارهم فلا ينهههم، ويجد في طلبهم فلا يرفههم. لتعجلهم صدمته عن التوصل إلى الاستراشة، والتمكن من الاستجاشة. هاموا على وجوههم يرجون الخلاص ولا خلاص، وياملون النجاة ولات حين مناص. فإن الطلب من ورائهم على أحشاد، وما أعد الله لأمثالهم بمرصاد. طار فلان بجناح الفرار، متلفعًا بالذل متقنعًا بالعار، والخيل مغذة في طلبه، وموعودة الظفر به. فإن قضاء الله
[ ١٦٩ ]
كالليل الذي هو مدركه، ومفاجئه فمهلكه. ركب الأولياء أكتافهم، وتحيفوا أوساطهم وأطرافهم، وغنموا أثاثهم وأسبابهم، وظهورهم ودوابهم. ما هو إلا دريئة الهرب، وفريسة الطلب. أنى له المقام ورماح الطلب نحوه مشرعة، وخيوله إليه مسرعة.
ذكر الغنائم
غنموا أموالهم التي لم يؤدوا فيها حقًا معلوما، ولم يغنوا بها سائلًا محروما. غنموا أموالهم التي احتجنوها فاختزنوها. استولى الأولياء وغنموا، وكلموا وما كلموا. غنموا ذلك الحطام، المجموع من الحرام، المثمر من الآثام، المقتطع من فيء الإسلام. غنموا أموالًا إن ذكر قدرها، استشرف أمرها، وكيف بذلك والذهب حتى الآن يكال بين الأولياء كيلا، ويهال بين الغانمين هيلا. غنم الأولياء ما بقت لهم الحوادث، وأسأرت عندهم النوائب من أمهات الذخائر والعقد النفائس. قد صارت أموال الأعداء غنائم لهم لا تحصى كثرة، وعادت على الفاسقين مظالم وحسرة.
ذكر موت العدو
أفضى به سوء العاقبة إلى العذاب الأليم، والمال الذميم، وسكنى الجحيم، وسقيا الحميم. قضى نحبه، ولقي بأسود صحيفة ربه. جراحة أتت على نفسه، ووسدته في رمسه. آل أمره إلى وبال، وانحلال واضمحلال، قبض إلى أخراه على النفاق، كما عاش في دنياه على الشقاق. مضى لسبيله يقدمه الخزي، ويتبعه اللعن، ولا تبكي عليه السماء ولا الأرض. قبضت. نفسه الخبيثة على ضلال وخبال، وسوء حال ومال. تقطعت وسائل بقائه، واتصلت حبائل فنائه.
[ ١٧٠ ]
سلامة الأولياء على الحرب
عادوا منصورين موفورين لم تمسسهم جراح، ولا عضهم سلاح. لم يمسسهم قرح، ولم ينلهم جرح. لم يصبهم ثلم، ولا مسهم كلم. لم يمسسهم سوء، ولم يشمت بهم عدو.
جلالة شأن الفتح وعظم موقعه وحسن آثاره
كتابي والزمان ضاحك السن، متظاهر البشر، والدنيا مشرقة الجو، مضيئة الأفق، للفتح الذي تفتحت له أبواب الشرف والمجد، وتفتقت أنوار الملك والعدل. كتبت والأرض ريا ضاحكة، والدنيا خضراء ناضرة، وفجر الإسلام عال ساطع، وسيف الإيمان ماض قاطع، والبلدان ملأى تهانيء وبشارات، والأولياء شورى بين أفراح ومسرات، لما بشر به كتاب مولانا من الفتح الذي نطقت به ألسنة الشكر، وارتاحت له أندية الفضل. قد جل هذا الفتح عن تطلب نعوته بتصريف الأقوال، وتفخيم شؤونه بضرب الأمثال، وصار التمويل على ما قد تمكن في القلوب من حاله، واستقر في النفوس من جلاله. لأن آثاره تنظم حاشيتي الشرق والغرب. الفتح الذي أصبح الإسلام به متسع النطاق، والعدل ممدود الرواق، والسلطان ساطع الإشراق. محروسًا من عدوه المراق، ونزغة الشقاق. الفتح الذي تفتحت له عيون الزمان، وأشرق بأنواره الخافقان. الفتح الواضح قدمه على ناصية الشمس، الماحق بضيائه أنوار البدر، الضارب برواقه من فوق النجم، الجاثم بجلاله على رقاب الدهر، الماد يديه إلى الشرق، ينظمه إلى أقاصي الغرب. الفتح المبسوط بين المشرقين شعاعه، الممدود على الخافقين شراعه. أجل بشرى أسفرت عنها الأيام والليالي، وسفرت فيها البيض والعوالي.
؟ إشاعة خبر الفتح
أشيع خبر إشاعة اهتزت لها أعواد المنابر، وعرفها البادي معرفة الحاضر
[ ١٧١ ]
كتبت في إشاعته بما يملأ المسامع، ويشحن المجامع، ويعمر المحاضر، فيملك المنابر. قد أشعناه حتى لو عرفه الخاص من أخص المحاضر، وسمعه العام من صدور المنابر. شهر خبره في الخاص والعام، بين ألسنة المنابر وأسنة الأقلام. اهتزت له المجامع، وأصغت إليه المسامع، ووعاه الحاضر، وتزوده المسافر. طالعته بنبإ هذا الفتح الذي ينشر في المواسم، ويؤرخ في الملاحم، ويؤثر بين الغائب والحاضر، ويذاع على ألسنة المنابر.
؟ حسن حال البلدة المفتوحة والتخفيف عن رعيتها طهرها من شوائب الفساد، وأطلع فيها كواكب السداد، وأرخى من خناق الرعية، واستنقذها من أنياب الأذية. ابتسمت بلاد كذا عن ثغور الأمنة، وطالت فيها أنواع النصفة، وامحت دونها سمات الخونة، وجمع الله أهلها على مسالمة كشفت المحن، وعفت الإحن. استبدلت الرعية بشدة الوجل، قوة الأمل، وبانبساط الأبواع والأيدي عليها، انقباض الأطماع والعوادي عنها. سكنت الرعية، وانحسمت الأذية، ورتب العمال، وهذبت الأعمال. أطلع فيها كوكب العدل وكان خافيا، وأوضح لهم منهاج الأمن وكان عافيا. كأنما بدلوا من ظلمات نورا، وأعقبوا من موت نشورا. وصل إليهم برد الأمن وقد صلوا بحر الذعر. فرش النصفة وأفاضها، وبسط الرعية وأزال انقباضها، ووهب سقيمها لبريها، وظنينها لنقيها. أراح تلك البلاد من جامعة الضر والبوس، وظلمات الظلم العبوس. علمت الرعية أن العدل قد امتدت أبواعه، والجور قد نفدت أنواعه. فأيقنت بالخير الموفور، والانتقال من الظلمات إلى النور.
الأدعية السلطانية عند الفتوح والبشائر وغيرها
سألت الله أن يطيل بقاء مولانا موصول السلطان بالدوام، مكنوف الراية بالنصر
[ ١٧٢ ]
والانتقام، مظفر الألوية والأعلام. ممدود الظلال على الخاص والعام. أدام الله أيامه مصرفًا أزمة الأرض، مالكًا أعنة البسط والقبض. أدام الله سلطانه مستوليًا على الإيراد والإصدار، مخدومًا بأيدي الأقضية والأقدار. لا ينهد عزمه لأمر، إلا أسفر عن عز ونصر، ولا ينهض همه لأرب، إلا تجلى عن استظهار وغلب. لا زال يتناول أقاصي المراد، بقريب السعي والارتياد، ويبلغ مرامي المرام، بداني العزيمة والاهتمام، والله يديم له الفتوح يمينًا ويسارا، ويزيد أعداءه ذلا وخسارا. لا زالت البشائر وفود سمعه يطرق بابه، وبرفع لها حجابه. أطال الله بقاءه مستوليًا على ما تخطبه عزمته، وتقتضيه نعمته. أبقاه الله نافذ المكائد والعزائم، ماضي الآراء والصوارم. عالي اليد والراية، شامل الملك والولاية. حتى تجتمع له الأرض برًا وبحرًا في عقدة ملكه وتنتظم الخلق شرقًا وغربًا في صفقة ملكه، والله يبقيه لتذليل الخطوب إذا صعرت خدودها وأمالت أجيادها، وكثرت أعوانها ووفرت أعدادها، حتى يملك ما طلعت الشمس عليه، وانتهى هبوب الريح إليه. هنأه الله علو صيته في تدبير المقانب، وتحصيل المناقب. لا زال النصر يقدمه، والدهر يخدمه، والفتوح تصافحه، والمناجح تغاديه وتراوحه. أدام الله أيامه لحسم المعار عن الدنيا بأسرها، وقطع المضار عن الأرض وأهلها. منبسط الظل على النهار حتى لا تشب نوائبه، وعلى الليل فلا تدب عقاربه. أبقاه الله للدنيا والدين، وأخذ راية المجد باليمين، ولا زالت الأرض تحت تصريفه وتدبيره، والناس بين تقديمه وتأخيره. أدام الله له النجم صاعدا، والزمان مسعدًا ومساعدا، مالكًا رقاب الخافقين، ومذللا صعاب المشرقين، ومصرفًا أزمة الملوين، ومستغرقًا جديد النصر على كر الجديدين، ليعم الأقاليم السبعة بسلطانه وإحسانه فيغمرها، ويملكها بأعوانه وأوليائه فيعمرها.
الدعاء على أعداء الدولة
سألت الله أن يصرف وجوه الرزايا، ويعكس رقاب المنايا، إلى أضداد دولته،
[ ١٧٣ ]
وكفار نعمته، فلا يخلو أحد منهم من فجيعة وجيعة، وملمة أليمة، تشغلانه بنفسه، وتكلانه إلى خذلانه ونحسه، وتغنيان مولانا عن أن ينزع سهمًا من كنانته، أو يشهر سيفًا من أسياف نقمته. لا زال مولانا واطئًا بسنابك خيله قمم منابذيه. مغمدًا سيوفه في رقاب مخالفيه، زاد الله أعداءه سقوط مواقع، وهبوط مواضع، ونحوس طوالع، وحتم على كل مشاق لكلمته، محاد لدعوته، أن يكون الموت في رق الذل أهنأ مشارعه، وأقرب موارده، والله يجعل أعداء دولته، صرعى صولته، ومشاقي كلمته، جزر نقمته. لا زال أعداؤه تلفظهم ظهور الأرض، وتقبلهم بطون الترب. لا زال منابذوه حصائد سيوفه، ورهائن خطوب الدهر وصروفه.
استقرار الدار بالسلطان وما يتصل بذكر ذلك من الأدعية
أقبل مولانا فأقبلت به الدنيا المولية، وامجلت الظلمة المستولية. كأن حلوله بمركز عزه ومقر ملكه. حلول الديمة الوطفاء، غب السنة الشهباء، والنور المنتشر، بعد الظلام المعتكر. انحسرت الغمة بلألاء جبينه، ودرت النعم من أخلاف يمينه. عاد إلى سرير ملكه، ومقر عزه، على الطائر الأسعد، والجد الأصعد. فتوجهت الرغبات إلى الله في أن تقرن بذلك من الحبرة بأخضرها، ومن السعادة بأنضرها. هنأ الله مولانا أوبته إلى منشإ عزه، ومستقر ملكه. على أفضل ما وعدت به الطوالع السعيدة عند نهضته، ودلت عليه البشائر الحميدة في سفرته. أتت البشائر بعود مولانا إلى دار سلطانه المعمورة بنضارة أيامه. قد أعطته المطالب قيادها، ووطأت له المناجح مهادها عاد مولانا إلى السرير مستقرًا على غاربه، حاميًا لجوانبه، قد دانت له الطوائف، وأمن به الخائف، وضم النشر، ولم الشعث وأشرقت الأرض وتباشر البشر.
آخر كتاب السلطانيات وما يقع في أبوابها، ولله الحمد.
[ ١٧٤ ]
بسم الله الرحمن الرحيم