قد طار بجناحه، إلى مواضع اجتياحه. يمشي إلى حتفه بأخمصيه، ويبحث عن مديته بيده. تحفزه إلى مصرعه الأضاليل، وتعجله إلى هلكه الأباطيل. استخفهم الحين المتاح، واستحثهم القدر المجتاح. جد بهم
[ ١٥٧ ]
استعجال الآجال، وتصورت لهم المنايا في صور الأماني والآمال. ساروا وآجالهم تفسح لهم في مطامعهم، ومناياهم تحث مطاياهم إلى مصارعهم. أقدموا راكبين للغرر، مستسلمين للغير. تجذبهم كواذب الأطماع بمقاود نفوسهم، إلى مقاطع رؤوسهم، وتسوقهم بأزمة معاطسهم، إلى مظان متاعسهم. نقلهم الله بأقدامهم، إلى مصارع حمامهم. توجهت تلك العساكر المخذولة يسوقها راهن ضلالها، إلى انتهاء آجالها، ويقودها حاضر دمارها، إلى انقضاء أعمارها.
ذكر انخزال الأعداء ووهلهم واستيلاء الرعب عليهم قبل المحاربة
نصرنا بالرعب عليهم، حتى أصبحت المهابة سيوفًا خواطر في قلوبهم، وراحت المخافة رماحًا خواطف لنفوسهم، ملكه ذعر أراه دورة متسفة، وجيوشه مختطفة، وبلاده ممتلكة، ومعاقله منتهكة. أحواله قد تداعت، ونفوس أصحابه قد ارتاعت، تمثل له الأجل، فملكه الوجل، واستطاره الوهل، فلن يطول به المهل. ناوشوا بقلوب غمرها الوجل، وأيد قد أضعفها الوهل. فالسواعد غير مساعدة والأعضاد غير معاضدة. أخذت مبانيهم تتنقض، ودعائمهم تتقوص، وزنادهم تصلد، ورياحهم تركد. فلم يطو مولانا إليهم منزلًا إلا تضاعفوا ضعفًا وتخلخلًا، ولم يدن منهم منهلًا إلا ازدادوا وهنًا وتزلزلًا. لا يمرون حبلًا إلا أوثقوا بقواه، وخنقوا بعراه، ولا يلهبون نارًا إلا عوجلوا بضررها، وأبيدوا بشررها. ساء صباحهم، وقرب اجتياحهم، وتطايرت فرقًا أرواحهم. أشعرت نفوسهم التلاقي، فبلغت التراقي، علموا أن القراع لا يثمر إلا قرع صفاتهم، والنزاع لا ينتج إلا نزع شباتهم. استبدلوا بالتطاول تضاؤلا، وبالتجلد تباعدا، ورأوا الأنوار ظلما، والأشخاص بهما، والآكام رجالا، والجبال خيلًا عجالا. لما رأوا الرايات المنصورة تخفق خفقت عليها قلوبها، وتمثل لها أن قد وجدت جنوبها. انزعج من مكانه بقلب هلوع،
[ ١٥٨ ]
وروع مروع. أحس قرب الموت وضيق العيش، وضعف الجأش واضطراب الجيش. تقدمهم الأخبار وهم يتأخرون، كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون.
مسير الملك في جيوشه والتفؤل له
سار مولانا والسماء تحسد الأرض لسيره، والنجوم تود لو سرت مع سنابك خيله. اقبل مسعود الكواكب، منصور المواكب. سارت تخرج معه الأرض أثقالها، وتسير الغبراء جبالها. نهض مولانا والأرض سائرة بمسيره، والأقدار صائرة إلى تدبيره. نهض والسعود تواكبه، والمناجح تصاحبه، ومعونة الله تقدمه، وصوائب العزمات تخدمه. جلل مولانا هذا الخطب عظم حركته، وغشاه كبر مسيره عن دار مملكته. فكادت السماء تميد إعظامًا لنهوضه، والأرض تسير مع خيوله. نهض مجردًا عزمه لقصدهم، ومحصدًا رأيه في حصدهم. ركب في أنصار حقه، وأعوان ملكه، فكادت الأرض ترجف، والجبال تزحف، والأفلاك تقف، والكواكب تكف. سار بأسعد الطوالع والفواتح، وأحمد الميامن والمناجح، بجيوشه التي لا تحصرها الاعداد، ولا يقاس بها الأجناد، فحسبت الأرض ترحل برحيلها، وتسير مع حوافر خيولها. سار مولانا في جيوشه فخيلت الأرض مائجة، والبحار هائجة، والنجوم منكدرة، والسماء منفطرة، خرج والمناجح تطرق بين يديه، والميامن تسير حواليه، وآيات الظفر تقرأ من ذوائب أعلامه وبنوده، ورايات النصر تخفق على مراكبه وجنوده. أقبل والإقبال حاجبه، والنصر صاحبه، والصنع مصاحبه والظفر يقدم أعلامه، والقدر يخدم أيامه. نهض والسيول تقصر عن دهماء جيوشه وجنوده، والنجوم تغمض من ضياء ألويته وبنوده، والنجح يقرأ من نواصي خيله، والأرض تضحك عن آثار عدله وخيره. سار معبي الجيش، رابط الجأش، أصيل الرأي والحزم، ملتئم التدبير والعزم. زحف إليهم رحفًا، ملأ قلوبهم رجفا، استقل به الميسر شائمًا بروق العز، مقدمًا كتائب
[ ١٥٩ ]
الرعب، مستصحبًا مفاتح النصر. أقبل والدنيا تسير بسيره، وخدود النجوم في سنابك خيله. سار يقدمه جند من الرعب والذعر، ويتبعه مدد من الصنع والنصر. اقبل في مراكب أعلامها تخفق بالنجح، وطبولها تنطق بالفتح. برز وقد جهز أود الملك من حماته، واعيان الأرض من كماته، وراياته تكاد تنطق بالنجح، ويملي بأسنتها كتاب الفتح.
وصف الجيش بالكثرة والشوكة والنصرة
خيل، كقطع الليل، ورجال، خلقوا لقطع الآجال. جيوش ترجف لها الأرض، ويستوي بها النشر والخفض، خفت الجيوش فخلت الجبال سائرة، والبحار ثائرة. جيوش يرون من الكثرة قطع ليل أسفع، ومن الحديد وجه نهار قد متع. مواكب ضاقت عنها مناكب الأرض، ذات الطول والعرض. جيوش يغض بها الفضاء، ويستكين بها القضاء، وتضيق عنها الأوطار، وتخشع لها الأقدار. جيش كالليل، بكثرة الخيل، وكالنهار، بوضوح الآثار. عساكر تتتابع أفواجها، وتتدافع أمواجها. جر إليهم جبال الحديد، وأطلق أعنة الأسود السود. عساكرهم آساد وبحار، وأقضية وأقدار، وجبال أطوادها همم ونفوس، ونجوم أسلحتها أقمار وشموس. ملأ الملا خيلًا ورجالا، تحمل أوجالًا وآجالا حسبت الأرض ترتحل برحيلهم، وتسير مع حوافر خيولهم. طلعت على أعداء الله المطايا، عليها المنايا، والسيوف، في ظباها الحتوف. بادروا أفواجًا وأرسالًا، وانفروا خفافًا وثقالًا. عسكر وافر المدد، كثير العدد كثيف العدد.
وصف الأبطال والشجعان وأبناء الحروب
كل باسل قد تعود الأقدام، حيث تزل الأقدام، وشجاع الإحجام، عارًا لا تمحوه الأيام. سيفه أم الآجال، ورمحه يتم الأطفال. ما لسيفه غير الرقاب، قراب إذا أفاض قداح القتال قمر آجال الرجال. قد ملأ الأرض
[ ١٦٠ ]
دماء، والسماء هباء. حجل الخيل بدماء أعاديه، وجعل هاماتهم قلانس رماحه. نهض كالليث الحادر، والشجاع الثائر، والحسام الباتر. عقبان خيول فوقها اسد جنود. ابناء الحروب الذين نشأوا فيها، وارتضعوا لبانها، وعرفوا مراسها، وألفو مساسها، كالأسود إقداما، والنيران اضطراما. بأمثالهم تشحن أطراف الصفوف، وعن قسيهم تصدر رسل الحتوف. رماحهم ظماء، وشرابها دماء، وسيوفهم هيام، ومشارعها نحور وهام، خيولهم سوابق الفوت، وسهامهم برد الموت، وحملاتهم آتي السيل، ومجيئهم مجيء الليل. لا يملون الشر إذا خرست الأبطال، ونطقت الرماح الطوال. أبناء الغايات، وليوث الغابات. اقبلوا كالليوث الخوادر على العقبان الكواسر. ما منهم إلا سيف الضريبة، وليث الكتيبة. آحادهم نفر، وأفرادهم زمر. الحرب دأبهم، والجد آدابهم، والنصر طعمهم، والعدو غنمهم. قلوب أسود في صدور رجال، ورياح زعازع في ثبات جبال. هم على الأعداء بلاء واقع، وسم ناقع. يصيبون الثغر من بعيد، ويدخلون بين زبر الحديد. يقرون والأقدام زيال، ويخفون وهم على الأقران ثقال. انياب الدولة وأعضادها، وكماتها وأنجادها.
ذكر الاولياء والأعداء معًا
التقوا فقلبت ريح الإقبال لأولياء الله، ودبرت ريح الإدبار على أعداء الله أولياء الله معتمدون بالمنائح الزهر، واعداؤه مترصدون بالمنايا الحمر. كانت للأولياء الأثرة، وعلى الأعداء الدبرة. جد الأولياء بقلوب قد غمرها اليقين، وأيد قد بسطها التمكين، وبيت الاعداء وقد بسط لهم الغرور آمالهم، وزين لهم الشيطان أعمالهم. فاز أولياء الله بأجر المجاهدين، وباء أعداء الله بوزر المعاندين. ازداد الأولياء شدة مراس، وقوة باس، وثبات مقام، وصدق انتقام. وابتدأت أعداء الله تنثلم مواكبها، وتضعف مناكبها، وتنخفض
[ ١٦١ ]
أعلامها، ونتنتقض أبرامها، وترى بأسلحتها أغلالًا توثقها وتوبقها، وأنكالًا ترهقها وتزهقها.
تعبية الجيوش وترتيبها
رتب مولانا المقادم عمومًا وخصوصًا، وعبى المقانب بنيانًا موصوصًا. أمر بتسوية الصفوف التي لا خلل بها، وانتضاء السيوف التي لا خلل لها. عبى جيوشه ميامن تضمنت اليمن، ومياسر اتبعت اليسر، ووقف في القلب بقلب يسع الرمال، ويرجح الجبال. رتب فلانًا ومن برسمه في ميمنته التي يقارنها اليمن والنجاح، وفلانًا في ميسرته التي يصاحبها اليسر والفلاح، وصار هو وقواده قلبًا قالبًا لما قالبه، ناكسًا لما واجهه.
تلاقي الجيشين وكشف الحرب عن ساقها
تلاقى الجيشان فاصطف الجيل والرجل، وامتلأ الحزن والسهل، وبرقت الأبصار بشعاع السيوف، وسفرت رسل الحتوف بين الصفوف. تراءى الجمعان، وأفضى قرب العيان، إلى قرب العنان، والتهبت جمرة الضراب والطعان. اشتبكت الحرب تصرف نابها، وتكشف ساقها، وتضرم نارها، ويشد نطاقها. التقى الجمع بالجمع، وقرع النبع بالنبع. دنا العنان من العنان، وأفضى الخبر إلى العيان. سارت الجموع إلى الجموع، وبرق البصر بلمعان الدروع، وحمي وطيس المراس، ودنت التراس من التراس.
اشتداد الحرب وحمى وطيسها
دارت كأس الموت دهاقا، وعاد القرن للقرن عناقا. بلغت القلوب الحناجر، وشافهت السيوف المناحر. هاجت الهيجاء، وعز النجاء، وصار الترامي عناقا. التلاقي اعتلاقا. صمتت الألسنة، ونطقت الأسنة، وخطبت
[ ١٦٢ ]
السيوف على منابر الرقاب، وأقدمت الرماح على الخطط الصعاب. اعتنقت الصوارم والمناصل، وتلاحقت القنا والقنابل، واشتد أزر المصاع، وتكايل الشجعان صاعًا بصاع. قدحت نار القراع، وجالت قداح المصاع، تلاقت الفرق، واشتد الفرق، وصار الفارس إلى الفارس أقرب من ظله، والسيف أدنى إلى الوريد من حبله. استعرت الملحمة، وعلت الغمغمة. فدارت رحى الحرب، واستحرت جمرة الطعن والضرب، واشتجرت سمر الرماح، وتصافحت بيض الصفاح. احمرت الحلق، من العلق. ضاق المجال، وتحكمت الآجال. لم ير إلا رؤوس تندر، ودماء تهدر، وأعضاء تتطاير، وأجسام تتزايل. التقى الصفان، وبرزت الأقران للأقران، وخطبت الصوارم على منابر الأعناق، وسفرت السهام بين القسي والأحداق.
أعمال الأسلحة
رشق شبه فيه ترادف النبل، باتصال الوبل، وزرق أعاد الدعج زرقا، وأوسع الأهب خرقا. رشقوهم بنبال، تتحمل قطع الآجال. واتخذوا النبل رسلًا مؤدية ما حملت، ورسائل مبلغة ما أودعت. ما منهم إلا رام لا يخطيء الأهداف، ولا يتجاوز الشغاف، تجوز نبالهم الدرق إلى الحدق، وتنفذ إلى الحلوق من خلل الحلق. أتتهم السهام كرجل الجراد، والزانات الجداد كذا صادرة عن السواعد الشداد. أوسعوهم ضربًا ومشقا، وطعنًا ورشقا، وجرحًا وزرقا. ضربه بعض الغلمان ضربًا رعلا، وثناهم بعض العرب بطعنة نجلا. تواصت الضربات، بين زرق بالزانات لا يعرف إنصافا، وضرب بالمرهفات يفلق الهام أنصافا. أخذت الرماح تطير شررها، والرؤوس تفارق قصرها. ثملت الرماح من الدماء فتعثرت في النحور، وتكسرت في الصدور. اشتجرت سمر الرماح، وتصافحت بيض الصفاح. سيوف أغمادها الرؤوس
[ ١٦٣ ]
والطلى، وجفونها القلوب والكلى. قد أخذت السيوف نفوسهم، وأثمرت القنا رؤوسهم.
حسن الغناء في الحرب والإيقاع بالأعداء وشدة النكاية فيهم
قابلوا الجلاد بالجلد، ونابوا عن أنياب الأسد، وأعطوا الجهاد، أوفى حظوظ الاجتهاد. أجملوا البلاء، واحسنوا الغناء. بلغوا في اقتناص الأعداء أقصى المبالغ، ووطئوهم وطء القامع الدامغ. أبلوا بلاء الأبطال، وابطلوا كيد الأعداء. إن الأبطال زحموا الأعداء من جوانبهم، وتمكنوا من فض مواكبهم، وطئوهم بسنابك الخيول، وتركوهم كجفاء السيول. صبوا عليهم سوط عذاب، وأسلموهم لعوادي تبار وتباب. وقائع هدت قواعد بنيانهم، واشابت نواصي ولدانهم. طحنوهم طحن الحب، وجعلوهم داريا الطعن والضرب. وثبوا عليهم وثوب الأسود، وتركوهم كالزرع المحصود. نكوا فيهم نكاية القضاء والقدر، وأثروا فيهم تأثير النار في يبيس الشجر. شربوهم شرب الهيم، وحطموهم حطم الهشيم، وتركوهم كالرميم. تجردوا لهم فحطوهم وحطموهم، وهزوهم وهزموهم، تركوهم موطيء الحوافر، ومورد الكواسر، ومغدى الضباع، ومراح السباع. قصدوهم فأقصدوهم بأيدي الغير، وحصدوهم حصد الشوك والشجر. طفقوا ينقضون عليهم كالأجادل، ويقذفونهم بالجنادل. أقدموا عليهم إقدام السيل، ونسخوهم نسخ النهار لليل.
هبوب ريح النصر
حتى إذا ضاق المجال، وتحكمت الآجال. أهب الله لمولانا ريح النصر، وحكم لحزبه باللعلو والقهر، ولما بلغ كتاب المهل آخره، أجرى الله للواء المنصور طائره. برقت لامعة النصر، وحانت ساعة القهر. ما انتصف النهار
[ ١٦٤ ]
إلا وقد انتصف الله للحق من الباطل، وكنفنا بالأيد القاهر، والنصر الشامل. هبت ريح النصر فأنجز الله لمولانا وعده، وأظفر جنده، وحفظ عاداته عنده. لاحت غرة الفتح، ووضحت وضوح الصبح، واشرقت صفحة الظفر، إشراق الشمس والقمر، ولما هبت لأشياع الدولة ريح النصرة، علت بهم يد القدرة فأتبعوا أدبار المارقين، وآووهم دار الفاسقين. جاء نصر الله والفتح، ونزل الظفر والنجح.
انجلاء المعركة عن القتلى والجرحى والأسرى والهزمى
انجلت غبرة المعركة، وقد أحاطت بالشقي يد المهلكة. اقتسم شيع الطغيان بين اجتياح سريع، وقتل ذريع، واسر موثق، وحصر موبق، ولم ينج إلا شرذمة لاذت بذمة الهرب، ولن تفوت يد الطلب. بين قتيل قد عجل الله بروحه إلى دار جزائه. واسير قد أوثقه ما ارتكبه بسوء رأيه، ومنهزم أطار الرعب قلبه، وسلب الخوف لبه. بين قتيل استأثر به الحمام، وأتى عليه الاصطلام، وجريح قد عاين طروق المنية، دون بلوغ الأمنية، ومنهزم لا يستبقيه الهرب، إلا بمقدار ما يناله الطلب. قسمهم أولياء الله بين قتيل تبوأ من النار محبسه، ومول جعل ثوب العار ملبسه، واسير حبس على حكم الشريعة، ومستأمن ألحق بأهل الصنيعة بن قتيل موسد، واسير مصفد، وهارب مطرد، ومستأمن مقيد، بين قتيل متشحط بدمائه، وجريح متقلب بذمائه، بين قتيل مرمل، وجريح مجدل، واسير مكبل. لم ير من أشياع المخذول إلا أسير موثق، وجريح مرهق، وقتيل مطرح، وشريد مطوح. إلا أسير وحسير، وقتيل وعقير وجريح وقريح، ومرمل ومزمل، ومقبور ومثبور. تقرقوا بين أسر أحاطت بالرقاب جوامعه، وجرح تحكمت في الأجساد لواذعه، وقتل دنت من الأشقياء مشارعه. قيل لأولئك الأغماز، القصار الأعمار: شاهت الوجوه
[ ١٦٥ ]
وهبت لهم الدبور بين هشيم ورميم، وقتيل وأميم، وجريح ورهين، وأسير مع قرين.
ذكر القتل والقتلى
انكشف الهبوة عن فلان وقد سبقت الصفاح، فيه موضع الاستفتاح. قضت منهم الرماح أوطارها، وبردت السيوف أوارها. سكنت النفوس بقتله كما سكنت نفس الإسلام، بقتل أبي جهل بن هشام. مقتلة نقعت ظمأ الأرض، وأزالت سغب السباع والطير، صلي قبل حر النار بحر المناصل، وسقى الأرض من دمه بطل ووابل. استبدل من أمله، حضور أجله، واستعاض من شهامته، تسليم هامته. قد غضت يقتلاهم حلوق الأرض، واحمرت من دمائهم متون الترب، بطون الأرض اعمر بهم من ظهورها، وحواصل الطير والسباع أحصن قبورها. عدم برد الحياة، وذاق حر المرهفات. جرت من دمائهم أنهار، ولم يطلع عليهم نهار. اريق من دمائهم ما احمرت منه الأرض وجرت به الأودية، ودارت عليه الارحية.
سوء أحوال المنكوبين والمحاط بهم
أوحى الله إلى أرضه أن تنخسف، وإلى فرسه أن يقف. قص جناحه، وأنهر جراحه. ألقاه الله في الشبكة، ورماه بالهلكة. رماه الله بالقارعة المبيدة لجمعه، البليغة في قمعه. قلعت شأفته، وقطعت آفته. لم يبق له مفحص قطاة، ولا مغرز قناة. أنزلهم الله من آمال، إلى آجال، وأوردهم من مطالع، إلى مصارع عليهم الدبرة، وعلى وجوههم الغبرة. مكبوب على مناخره، مطعون في مناحره، قد طال حصاره، وغاب أنصاره، وسقطت دعامته، وقامت قيامته. قد بلغت روحه التراقي، ووعدته منيته التلاقي. ضرب عليه الإدبار سرادق الدمار، ومد عليه الخذلان رواق سوء الاختبار هو جزر
[ ١٦٦ ]
السيوف القواضب ولقى بين أنياب النوائب.
الأسر والاسرى وتشهيدهم
لم ينج من ودائع الأغماد، إلا من حصل في جوامع الأصفاد. حصلوا في قبضة الإسار، وكفة الخسار. نشب في حبالة الانتقام، وشرك الاصطلام. يا حسنه في زوال النعمة، وركوب النقمة، بوجه قد علس، ورأي قد برنس كذا قد أركبوا الفوالج، وتركوا بالتشهير عبرة الناظر، ولعنة الماقت. أوردوا مقرنين في الاصفاد، وتركوا عبرة للساعين في الأرض بالفساد.
هلاك الأعداء وفناؤهم
صاروا كرميم وهشيم، طاح في ريح عقيم. اصبحوا كالزرع المحصود، وصاروا حديثًا مثل عاد وثمود. صاروا جزر السباع والطيور، ورهن الدمار والثبور. لمم يبق لهم جثة واقفة، ولا عين طارفة، ولا روح تسري في جسد، ولا شخص خلق على كبد. حصدوا حصدا، وخبطوا بالسيوف خبطا. فلم يبق منهم صافر، ولا نجا منهم أول ولا آخر. أخذتهم الصاعقة، وحلت بهم البائقة، فلم يبق منهم نافخ نار، ولا رافع منار.