وما يأخذ مأخذها
ذكر المودة
مودة سكنت سواء الصدر، وحلت سواد القلب. مودة تلوح عليها غرر الخلوص، وتبدو فيها آثار الخصوص. مودة طالت بها المدة، واستحكم غرسها، وتمهد في القلب أسها. صحيفة ود يمليها علي الملوان، وأنطق فيها بلسان الزمان. مودة لا يضطرب حبلها، ولا ينحسر ظلها. ود سليم الصفحة، أملس الجلدة، مشرق السحنة، واضح الجبهة. مودة أدين بها عن خالصة النفس، وأودعها واسطة القلب، وأجمع عليها نواحي الصدر، وأحرسها عن لواحظ الدهر. قد اتخذنا المودة بيننا دينًا وخليقة، ورأيناها بين الناس مجازًا، فأعدناها حقيقة. صدر الود سليم، وطريق العهد مستقيم. ود انتهى الصفاء إليه وقد بلغ أقصاه، وعهد خيم الوفاء عليه فألقى عصاه. قد ملك مودتي عذارء، حين القلب فارغ، وحاز طاعتي بكرا، وظل الصبي سابغ. بيننا مودة تتصل مدتها، ولا تنقطع مادتها.
حسن المخالصة
لا أحول عن عهدك وإن حالت النجوم عن ممارها، ولا أزول عن ودك وإن زالت الجبال عن مقارها. عهدك سجير فكري، وودك سمير ذكري. عهد
[ ١٢٧ ]
كعهده لا يميل، وود كحاله لا يستحيل. نفسي وقاء نفسك، كما صدري وعاء ودك، ولساني ناشر فضلك، وضميري وقف على عهدك. بيننا عصم لا تنقض، وذمم لا ترفض. الله يعلم أن مودتك شعار ضميري، والاعتصام بعهدك بنية معتقدي. نلي قلب قريح، حشوة ود صحيح، وكبد دامية، كلها محبة نامية.
لطف الحال وتشبهها بالقرابة
حال هي القربى أو أخص، وامتزاج النفوس أو أمس. الحال بيننا أربت على المودة والحرمة، وأرمت على المشاركة والخلة، وعدت في شواجر الرحم واللحمة، ومزجت الدم بالدم، والمهجة بالمهجة. المودة إذا استمرت قواها، واستحصفت عراها، لم تبعد أن تزيد على الرحم وقرباها. قربي لا كقربى خالصة الوداد، ولا رحم أصدق وأدنى من صدق النية والاعتقاد، وبيننا من ذلك ما يضمنه الدوام والتأبيد. وتفتقر إليه القربات والمواليد. رب طارف مودة يفوق في الخلوص والصفاء، منازل التشابك في القربى والإخاء. المعرفة عند الكرام ذمة، والمودة لحمة. زاد في أمري على ما يبلغه الأخ وابن العم، والمتناسبون باللحم والدم. صورته لدي صورة الأخ، ووده أرسخ، ومحله محل العم، أو اشتراكة أعم.
الاختصاص والاتحاد
محبة لا تتميز معها الأرواح، إذا ميزت الأشباح، ومخالصة لا تتباين بها النفوس والمهج، وإن تباينت الأشخاص والصور. نحن كالنفس الواحدة لا تجزؤ ولا انقسام، ولا تميز ولا انفصام. النفوس ممتزجة، ولأملاك مشتركة، والنعم متفاوضة، وذات البين صافية، ودخائل الصدور خالصة. نحن نرتضع لبان الممازجة، ونأوي إلى ولاء المودة، ووراثة الإخاء والمشاركة، أرى به
[ ١٢٨ ]
القمرين، وأعده ظهيرًا على الملوين، ولا أعظم كحق مودته حقا، ولا أرى بين النفسين فكيف بين المالين فرقا. أنت جار مني مجرى أبعاض جسمي وأعشار قلبي. أنت جزء من نفسي، وناظم شمل أنسي. أنت تحل مني محل العضو من الجسد، واللب من الكبد. فلان يعز علي، يكبر لدي، ويحل مني محل عيني ويدي. أنت مني كالعين الناظرة التي تصان عما يقذيها، واليد الباطشة التي تحفظ مما يدويها. هو شقيق روحه، وعديل حياته، وشريك دولته، وقسيم نعمته. ما زال مستودع سري وجهري، ومشتكى بثي وحزني. هو مني بمنزلة الولد، والعضو من الجسد. قد أحله الله مني محلًا بعيدًا في رفعته، قريبًا في أثرته.
المنادمة والمؤانسة
له مدخل في المداخلة، يثبت في مواقف الأنس قدمه. هم إخوان كما انفرج المشط وندماء كما انتظم السمط. إذا اعتقت المنادمة، صارت نسبًا دانيا، وكانت رضاعًا ثانيا. العشرة رضاع تثبت حرمته، والمودة لبان تلزم ذمته. قد تقلبنا في أعطاف العيش بين الوقار والطيش، وارتضعنا ثدي العشرة، إذ الزمان رقيق القشرة. كلفة الود هنية، وفروضه متعينة وأرض العشرة لينة، وطريقها بينة. أفضنا في العشرة، من القشرة. انسي به أنس من نشد الضالة فوجد، وناهض الأمل فبلغ ما قصد. المرء مقيس بقرينه وسميره، ومحمول على حكم جليسه وعشيره. إخوان متوافقون، قد تطابقوا في الآراء، وتآلفوا في الاهواء، وتمالحوا في الطعام، وتراضعوا بالمدام.
التودد والافصاح عن صدق المحبة والموالاة
أنا اتهم عليك عيني وإن كنت لا أتهم قلبي. وأرضي لمودتك نيتي، وإن كنت لا أرضى لها طاقتي. أنا ما غبت كالمضل الناشد، وإذا رجعت فكالغانم
[ ١٢٩ ]
الواجد. أنا أودك بأجزاء قلبي، وأحبك من سواء نفسي. لا مرحبًا بعيش أتفرد به عنك، ويوم لا أكتحل فيه بك، ووددت أن أضرب بحضرتك أطناب عمري، وأنفق على خدمتك أيام دهري. لا أزال أحن إليك، وأحنو عليك. يا ليت قلبي يتراءى لك، فتقرأ فيه سطور ودي لك، وتقف منها على رأيي فيك. إني لآسف على كل يوم فارغ منك، وكل لحظة لا تؤنسها برؤيتك. يعز علي أن ينوب في خدمتك قلمي، قبل قدمي، وخطي دون خطوي، ويسعد برؤيتك رسولي، قبل وصولي، ويرد مشرع الأنس بك كتابي قبل ركابي. أنت من لا يسافر ودي إلا إليه، ولا يرفرف طير محبتي إلا عليه. لو التبست بك التباسا، يجعل رأسينا رأسًا، ما زدتك ودا. ولو حال بيني وبينك سور الاعراف ما نقصتك حبا. قد ملت إليك فما أعتدل، ونزلت بك فما أرتحل، ووقفت عليك فما أنتقل، مسكنك الشغاف وحبة القلب، وخلب الكبد وسواد العين. أنت سابق الإخوان البررة، وصاحب بيعة الرضوان والشجرة. أنا أتصبح باسمك، وأتفأل بذكرك، وأحلم بوجهك، واحتلب ضرع الشعر بذكرك. أنا أعد نفسي بعض إخوانك في العدد، وأفوقهم بالتودد. ما في نفسي بقعة أعمر من محلك، وأنضر من مسكنك، ولا في قلبي مكان إلا موشي بذكرك، مطرز باسمك. المحبة ثمن لكل شيء وإن غلا، وسلم إلى كل شيء وإن علا. أنا والله أجتني قربك، وأجتوي بعدك. دوري، هي دورك وحللك، ووكلائي هم وكلاؤك وخولك. والله ما تظل الخضراء، ولا تقل الغبراء. عبدًا هو أشد مني لك محالفة، وأقل مخالفة. عهدي لك أكرم العهود، ووفائي لك وفاء العرق للعود. أسباب المودة بيننا موصولة، وطرق الإخلاص عامرة مأهولة.
العبودية والخدمة
عبده حقا، ومملوكه رقا. عبده الصريح، وخادمه المشيح، ووليه
[ ١٣٠ ]
النصيح. عبده الذي سبق له رقه، ولا يجوز بيعه ولا عتقه. ستجدني متصرفًا مع أمرك حتى تقول خادم، وطوعًا ليدك حتى تقول خاتم. هو له المملوك والوكيل المكترى، والعبد المخلص، والخادم المتخصص. ما أنزع عن عنقي رباق الرق، ولا أخرج إلا اتساع العتق كذا.
المناسبة بالعلم والأدب والمذهب
كلمة الأدب جمعتنا، ولحمة العلم نظمتنا. قد اشتركنا في العقيدة، واستهمنا في السريرة. فأكثر من تراه من إخواني، بنو علات أنا وهو من بني الأعيان الأدب نسب واشج، والعلم سبب ممازج. الأدب أقرب الأنساب، والعلم أوكد الأسباب، الشكول أقارب، وإن تباعدت بهم المناسب. فرحة الأديب بالأديب، كفرحة المحب بالمحبوب، والعليل بالطبيب.
وصف الشوق
الشوق إليك سمير ذكري، ونديم فكري. شوقي إليك زادي في سفري، وعتادي في حضري. شوق لا يعد عليه صبر، ولا يستقل به صدر. شوق يكاد يكون لزاما، ويعد غراما. الشوق إليك أمامي وورائي، وحشو ثوبي وردائي. شوق جرح جوانحي وجنح على جوانحي. شوق استخف نفسي واستفزها، وحرك جوانحي وهزها. شوق قد استنفد جلدي، وملك خلدي شوق لو أعلجه الأعرابي لما صبا إلى رمل عالج، أو كابده الخلي لا نثني على كبد ذات حرق ولواعج. شوق تركني أرى الصبر حسرة، والوجد يمنة ويسرة. شوق يتلهب في الأحشاء قدحه، ولا يبرح الجوانح برحه. قلبي على جمرة الغضا يتقلب، وكجناح الطير يضطرب. شوق لو خوف المجرمون بحره، وتوعد المشركون بجمره. لما عبد صنم، ولا نقلت في الضلال قدم. شوق يجيل قداحه، ويديم اقتداحه. شوقي إليك شوق الروض إلى الغيث
[ ١٣١ ]
والملهوف إلى الغوث.
سوء آثار الفراق والاشتياق وما يتصل بذلك
حالي بعدك حال عود ذوى بعد ارتوائه، ونجم هوى بعد اعتلائه. ما حال ذاوي نبت أمسك مطره، وساري ليل غاب قمره. قد تركني فراقك وأنا أشتاقك، وغادرني بعدك، أقاسي بعدك. قد تحملت مع يسير الفرقة عظيم الحرقة، ومع قليل البعد، كثير الوجد. قد أثنيت بجسم ناحل، وبت من صبري على مراحل. فارقتني فأرقتني، وفرقت جمع صبري، واستصبحت فريقا من قلبي. فارقتك وقد تفرق عني شمل أنس منتظم، وتمكن مني برح شوق مضطرم. فارقتني ففرقت بين الروح والبدن، وتركتني والنزاع في قرن. ما فارقتك بعيدًا، حتى أصحبتك من نفسي فريقا، ولا سرت ميلًا حتى مال صبري جميعا. فارقتني ففرقت بين جنبي والمهاد، وجمعت بين عيني والسهاد. من شاهدني شهدت له حيرتي، دون محاورتي بما ألاقيه، وأخبرته عبرتي، دون عبارتي عما أعانيه. ما أعول إلا على العويل لو كان يغني، ولا استنصر غير الوجد لو كان يجدي. لولا حصانة الأجل، لخرجت روحي على عجل. قد صرت حليف وحشة وإن كنت ثاويًا في وطن. وقرين كربة وإن كنت بين جيرة وسكن. لا آنس بسكنى دار عنك بعيدة، تولا أستوطنها وهي منك غير قريبة.
ذكر الوداع
أودعتني إذ ودعتني شوقًا يجور حكمه، وقلقًا ينفذ سهمه. قد ودعت بوداعك العافية، وفارقت مع فراقك العيشة الراضية، لا أقول إنه بان مني بينك سيد وعضد وعميد وسند، ولكني أقول ودعت أيام وداعك دنياي التي كنت أستمتع بها، وحياتي التي كنت أنتفع بعوائد النعم معها. ودعت بوداعك
[ ١٣٢ ]
الدعة، والروح والسعة. ملكتني حرقة تتغلغل بين اللهاة والتراقي، وخنقتني بوداعك عبرة تتحير بين الجفون والمآقي.
تذكر أيام اللقاء وصفوها
يا أسفي على غفلات العيش، ولحظات الأنس. إذ ظهائرنا أسحار، وليالينا نهار، وشهورنا أيام، وسنونا قصار. يا أسفي على رداء من الأيام دقيق ما لبسناه، حتى خلعناه، وروض من الزمان مريع، ما حللناه حتى فارقناه. أيامنا والدهر غافل، والباع قاصر، وروض التلاقي ناضر، حين الدهر غلام، والحلم حرام. كانت أيامنا من غرر العمر، وغرر الدهر. كيف أنسى تلك اللمعة من عمري، والصفوة من شربي، وهما غرة في أدهم، وشهاب في ليل مظلم. سقى الله أيامًا لو كان دهري عقدًا كانت واسطته، أو كان عمري جيدًا لكانت قلادته. أيامنا وطرف البعد أرمد لا يطرف، ويد الزمان مغلولة لا تعسف. أيامنا، والدهر كال المنسر، لين المكسر لا يسود اعتنانه، ولا يجمع عنانه. أيام طابت مشارعها، ولانت أخادعها. أيام في عود النوى خور، وليال في باع الدجى قصر. أيام حسنت فكأنها أعراس، وقصرت فكأنها أنفاس. أيام مغم رياها، وطاب جناها، وصفا نسيمها، وخلص نعيمها، وقد خفض الدهر جناحه لنا، ولين الزمان مهاوة بيننا، نأخذ ما نشاء وندع، ونلعب كيف شئنا ونرتع، أيامنا التي حازت أيام الشباب حسنا ورقة، وفاتت أعلام المطارف لينا ودقة، التي تخجل خدود الرياض وتفضح حواشي الحلل، وساعاتنا التي هي ألطف من مسارقة النظر، ومخالسة القبل.
الأدعية الاخوانية
أعادنا الله للإلتقاء فما أرق نسيمه، وألذ نعيمه. أسأل الله أن ينتقم من أيام
[ ١٣٣ ]
النزاع، برد أيام الاستمتاع بالاجتماع. جمع الله شمل سروري بك، وعمر عمري بالنظر إليك، وجعل باقي عيشي معك، والله يطيل مدتك، ويحرس مودتك، ويصل جناحي بما ينشره عليك من جناح العز، ويمد على ساتك من ظل الكفاية والوقاية. أغناك الله عن إخوانك، ولا أغناهم عنك. إن من أباح لي ودك وهو أكرم موهوب، قادر على أن ييسر لي قربك وهو أنفس مطلوب. لا وكل الله إلى الزمان ما جمعنا عليه من إخاء ومصادقة وصفاء ومخالصة فتبعث بنا أحكامه، وتعيث فينا أيامه. أعاذ الله سيدي من الأسواء، وسقى ربعه غرر الأنواء.
ألفاظ الجواب عن شكوى الشوق
شكوت الشوق فكأنما عبرت عن قلبي، وقرأت وصفه من صحيفة ودي. ذكرت يا مولاي الشوق فهيجت ما يهيجه تغريد الأطيار بالأسحار، والوقوف بعد الأحباب على الديار. أما ما شكاه مولاي من الشوق واستطالة سلطانه، والبين واستطالة زمانه. فهو عبارة أحشاي لو نطقت، وتعبير رؤياي إذا صدقت. أما ما شكوت من الشوق فأحلف بالله إنك صادق فيه، مستغن عندي عن إقامة شاهده، بما أجده من مثله. أما شكوى الشوق فقد شكوت إلى شاك، وتوجعت إلى متوجع.
اهداء السلام
أهدي له السلام غصنا طريا، ووردًا جنيا، وأحمله أنفاس الشمال. فطالما ترددت بين محب ومحبوب، واستودعه نسيم الصبا، فنعم السفير بين شائق ومشوق. سلام كأنفاس الأحباب، وأيام الشباب. فلان مخصوص بالسلام الراهن، كما هو مخصوص بالمحاسن. سلام عليه ملء عراصه، وتحية بحسب إخلاصي وإخلاصه. أخص من السلام بأوفر الأقسام، وأجزل
[ ١٣٤ ]
السهام، وأستديم الله مدته بقاء الليالي والأيام. أخصه من السلام بما يضاهي محاسنه كثرة، وأشكو قلقًا لفراقه وحسرة. سلام كأيامي عنده نضرة، وأياديه عندي كثرة. أهدي له من السلام عدد محاسنه ومعاليه، وآثاره الحميدة ومساعيه. أهدي له من السلام ما يفوت العد، ولا يقف عند حد. سلام عليه كأخلاقه العذاب، ومحاسنه الرحاب.
ذكر العتاب
العتاب جلاء للمودة، وصيقل للأخوة، يستثار رونقها، ويستخرج فرندهما. بيننا عتاب جحطة، كعتاب لحظة. من منافع العتاب إنه يطري خلق الود، ويجلو غبرة العهد، ويداوي أدواء القلوب، ويترجم عن خفيات الغيوب. العتاب حديقة المتحابين. وروضة المتصافيين. العتاب نعم الدواء إذا عرض في الود داء ولكنه إذا لم يصادف العلة، أفسد الصحة، ومعاتبة البريء والسليم، كمعالجة الصحيح غير السقيم.
شكوى الاعراض والجفاء وسوء العهد
قد رميت بسوء إعراضه، ونصبني جفاءه أقرب أغراضه. صرت عندك من محا النسيان صورته من صدرك، واسمه من صحيفة حفظك. ادرجتني في أثناء الغفلة، وطويتني في أدراج الجفوة. نسيتني وما كان من حقي أن أنسى، وطويتني في صحف إبراهيم وموسى. بعتني بيع الخلق، وليس فيمن زاد، ولكن فيمن نقص. أظن الدهر قد فطن لصفائك فكدره، واهتدى لإخائك فأفسده. قد هجرني هجرة مرة، وقطعني قطيعة فظيعة. أنت تتذكر إخوانك مع أهلة الأعوام، وتظهر لأصدقائك مع ظهور الإمام. أأنزلت عليك في الصدود آية؟ أم رفعت لك في النبو راية؟. فلان على قدر علو سنه، انخفاض وده. وبحسب عبالة جسمه، نحافة عهده. قد تركني بدار ضياع،
[ ١٣٥ ]
ومدرجة اتضاع. أدرجني في أثناء الغفلة، كما طوي ثوب على غرة، وأهملني إهمال النسي الذي نهي عن ذكره، صد صدود المخمور عن الخمر، وأعرض إعراض الغواني عن بياض الشعر أراني كلما بعدت صحبة، رجعت ركبة، وكلما طالت خدمة، قصرت حشمة حر شوقي لا يصبر على برد جفائك، ورقة قلبي لا تقاوم غلظة إعراضك. كأن الزمان يستملي أنواع الجفوة من طبعك، ويستقي أصناف القسوة من بحرك لا أدري هل أشكوك إلى الدهر أم أشكوه إليك؟ فإنكما في قطيعة الصديق رضيعا لبان، وفي استيطاء مركب العقوق شريكا عنان.
سائر ألفاظ العتاب والاستزازة
لا يكاد خيالك يغبني نوما، فما لكتابك لا يسرني يوما. أنت سخي بمالك على من يطالبك. بخيل بكتابك، على من يكاتبك. تتوسع في ألوف فتضايق في حروف. قد طواني منذ نشرته، وجفاني حين بررته، وترك أن يطالع بحرف، أو يطيل المودة إلا على حرف. إن لم يكن لنا مطمع، في درك درك، فاعفنا من شرك. في الأرض مجال إن ضاقت ظلالك، وفي الناس واصل إن رثت حبالك. كنت أحسبك تهتز إذ لوحت فصرت ترتز وإن صرحت. قد قام بيني وبين أصلك حاجز من فعلك، سيستحي لك فضلك من فعلك، وكفى بك نائب عني في عدلك. هنيئًا لك من حمانا ما تحله، ومن عرانا ما تحله، ومن أعراضنا ما تستحله. أين يا سيدي ذمار العشرة، وذمام الصحبة. أتميل عمن يميل إليك، وتصرف وجهك عمن وجهه لك، وتولي عمن قبلته أنت. هذا الفناء خصب المراد، فما بالي فيه عسر المراد، وتوفر مولاي على غير مستزاذ، فما بالي حصلت على غير زاد. ما بالك تبخل علي بالألف من خط قلمك، وتجود على سائليك بالألف من كرمك، وتناقشني بالسطر من حوارك، وأنت تسامح الإخوان بشطر يسارك.
[ ١٣٦ ]
وصف العتاب عند الجواب عنه
عتاب سماؤه تمور، ومراجله تفور. تعتاب يهز الفوارع، وتقريع يحكي القواريع. قد قرع سمعي من عذله، ما جاوز خفق الرعود، وصك قلبي من توبيخه. ما أنسى زئير الأسود. وصل كتابك بعتب كالعضب، وملام كالحسام. عتاب يفلق الحجر، ويقطع الماء العد. عتب مقانبه تكر كرة الأقدار، وعذل كتائبه تصول كالفلك المدار، حتام هذا التوبيخ والتهجين والعتاب الهجين. وصل كتابك الذي كله عتب وليس ذنب، وعذل وليس عدل، وتقريع وليس تضجيج، وتأنيب وليس تثريب، وتظلم وليس تألم وشكاية وليست نكاية.
لبس الصديق على علاته والاغضاء عن هناته
قاربته إذا جاذب، وواصلته إذا جانب، وشربته على كدورته، ولبسته على خشونته، وكاتبته أستمد وداده، وأستلين قياده، وأستميل فؤاده. قد تركته بعرة، وطويته على غرة. جررت أذيال التغافل دون فرطته، وسترت بأجنحة التجاوز على سقطته. أعرته أذنًا صماء وهي سميعة، وعينًا عمياء وهي بصيرة. سحبت عليه ذيل التغافل، وغضضت دونه طرف التساهل.
وصف الغيظ والحرد
اضطرب واضطرم، واحتد واحتدم. جاء بأوداج لا يسعها الزران، وعيناه في رأسه تذرانه. فلان يتصلى بنار الصبر ويتصلب، ويتلقى على جمر الغيظ ويتقلب. يفور غيظا، ويتميز حقدا، ويتلظى غضبا، ويتزيد حنقا. غالب غيظه وهو يغلبه، وكظمه وهو يشغله. قد التهبت جمرة الغيظ في صدره، ونطقت ترجمة الحقد عن عينه. يغالب نفسه على الغضاء، ويتلوى تلوي الحية في الرمضاء. فلان غضبان حتى ما تنفع فيه حيلة، ولا تصلحه رقية، ولا تهزه
[ ١٣٧ ]
نادرة، ولا تبسطه مضحكة. إن أقبلت عليه أعرض عني، وإن حدثته ازور عني، وإن قبلت في عينه دفع في صدري.
الاعتذار والاستصفاح والاستعطاف
الكريم إذا قدر غفر، وإذا أوثق أطلق، وإذا أسر أعتق. قد هربت منك إليك، واستعنت بعفوك عليك، فأذقني حلاوة رضاك عني، كما أذقتني مرارة انتقامك مني. الحر كريم الظفر. إذا نال أقال، واللئيم إذا نال استطال. قد هابك من استتر، ولم يذنب إليك من اعتذر. تكلف الاعتذار بلا زلة، كتكلف الدواء بلا علة. لا تضيقن عني سعة خلقك، ولا تكدرن علي صفوة ودك، مثل بين يديه، وأذرى مطامع الاستعطاف لديه. إذا شاهدت تلك الشمائل لم تهب بيننا شمال موجدة، ولم يسكب علينا سحاب معتبه. مولاي يوجب الصفح عند الزلة، كما يلتزم البذل عند الخلة. مولاي يوليني صفحة صفحه، ويوليني العفو من عفوه. مالي ذنب يضيق عنه عفوك، ولا جرم يتجافى عنه تجافيك وصفحك، قد زللت وقد يزل العلم الذي لا أساويه، وعثرت وقد يعثر الجواد الذي لا أجاريه. ينبغي أن يكتفي في من التأديب بما لا يتجاوز حد الإصلاح والتهذيب. العفو عن المجرم من مواجب الكرم، وقبول المعذرة من محاسن الشيم. أعيذ مولاي من أن يغلط وقد لاطفته، ويقسو وقد استعطفته.
ذكر العذر الضعيف النافذ
هذا عذر إن كنت عولت عليه، واسترحت إليه. فقد قطع بك وقت الحاجة قطعك في موقف المحاجة. عذرك ما زال ينقبض فأبسطه، ويقلق فأمهده ويتأخر فأقدمه، ويعثر فأنعشه. تلقاني بعذر كنار الحباحب، ونسج العناكب. عذر يتعذر قبوله، ويتلاشى محصوله. عذر متضائل الشخص، تلوح عليه
[ ١٣٨ ]
سمة النقص. هذا عذر منمق، واحتجاج ملفق. كم هذا التعثر في أذيال المعاذير، والتعلق بأسباب المقادير. معاذير تتعثر في أذيالها، وتنكص على أعقابها، وتطمس وجوهها على أدبارها، وترد رؤوسها إلى أذنابها. عذر لكنه لسان الزور، وحاكته يد الغرور. أتاني عذر يتعثر في ذيل الخجل، ويتلقع بقناع العي والوجل. عذر لم يتول الحق نسجه، ولم يوضح الصدق نهجة.
ذكر القبول المعذرة وزوال الوحشة والموجدة
قد نزع الله ما كان في صدري من غل، وجعلت فلانًا مما سلف في حل. قد انطفأت تلك الوقدة، وانحلت تلك العقدة، وزال سكر الغيظ، وسكت لسان الغضب. كم ناب بعطفه أناب، ومزور بجانبه تاب. وصل فلان حبل الأخوة، ورم أسباب المودة، وطوى بساط الوحشة، وطرى ما كان ينهج من ثوب الثقة. قد رأيت بأن أطوي بساط الوحشة، وأخفض عماد النبوة، وأخرجه وأخرج معه عن ضيق المناقشة، إلى فسحة المسامحة، وعن حزونة المعاسرة، إلى سهولة المعاشرة. قد زال عتبنا، وانقطع ملامنا، وصرنا إلى الحسنى ورق كلامنا. قد انطفأت نار عتبه، وسكنت شقشقة سبه. أما سورة الغضب فقد بردت، وفورة الغيظ فقد خمدت. أما العذر فقد تصرفت منه فيما لو أتى الدهر بمثله، لصفح عن صروفه، وأمن المحذور من مخوفه. لا جرم أنه عفى معالم الجرم، ولم يبق من العتب على رسم ولا اسم.
أخر كتاب الإخوانيات وما يأخذ مأخذها، ولله الحمد والمنة
[ ١٣٩ ]
بسم الله الرحمن الرحيم