وصف الخبر الهائل المزعج
خبر عز علي مسمعه، وأثر في القلب موقعه. خبر تستك له المسامع، وترتج له الأضالع. خبر تسقط منه الحبالى، وتصحو له السكارى. خبر ما تلتقي شفتاي بذكره، ولا يثبت بالي بخطره. خبر يهد الرواسي، ويفلق الحجر القاسي. خبر كادت له القلوب تطير، والعقول تطيش، والنفوس تطيح. خبر يخفض الناظر ويقذيه، ويقبض الأمل ويقدح فيه. خبر أحرج الصدر، وأحل البكاء وحرم الصبر، وأطار واقع السكون، وأثار كامن الوجوم، وثقلت وطأته على أجزاء النفس، وتأدت معرته إلى سواء القلب. خبر يشيب الوليد، ويذيب الحديد.
الكناية عن موت الرؤساء والأعزة
انقضت أيامه، استأثر الله به. انتقل إلى جوار ربه. انقلب إلى كرامة الله وعفوه. خانه عمره. لم تسمح النوائب بالتجافي عن مهجته. أجاب داعي ربه. نفذ قضاء الله فيه. لحق بالسبيل التي لا احتزار منها، ولا مجاز عنها. قبضه الله إليه. أسعده الله بجواره. دعاه الله فأجاب دعاءه، ولبى نداه. نقله الله إلى دار رضوانه، ومحل غفرانه. ناداه الله فلباه وفارق دنياه. قضت عليه
[ ١٠٥ ]
المشيئة، فارتجعت تفي العطية، وخانته الأمنية، واستأثرت به المنية. كتبت له سعادة المحتضر، وانتهى به الأمر إلى الأجل المنتظر. علة ترامت به إلى انقضاء نحبه، ولقاء ربه. طرقه طارق المقدار، واختار الله له النقلة من دار البوار إلى دار القرار. تداولته العلل المتطاولة، وآلت به إلى ما كل نفس إليه آيله. أفضى من غضارة هذه الدنيا، إلى قرارة داره بالأخرى.
؟؟ ذكر النعي بالفقد
قد كان من الحق أن تنقبض الألسن عن هذا النعي لفادح وتخرس، وتقصر الأيدي عن التعزية بهذا الرزء الفادح وتيبس، يا سوء صباح أتى فيه الخبر فرأينا الرجاء قد انقطع، وأصم به الناعي وقد أسمع. نعي ورد فأكمد وفجع. ناعي الفضائل قائم، وأنف المحاسن راغم. نعي من لا أسميه إكبارًا، ولا أكنيه إعظاما. فحقيق هو بأن تخرس نعاة فقده، وتحرم رسوم التعازي من بعده.
نعي الملوك والأجلة وذكر سوء آثار المصائب فيهم
أتى الناعي بانهداد الطود المنيع، وزوال الجبل الرفيع. قد نعته السماء صائحة، والأرض نائحة. كتبت والأرض راجفة، والشمس كاسفة، للرزء العظيم، والمصاب الجسيم، في فلك الملك، وركن المجد، وقريع الشرق والغرب. ما عسى أن يقال في الفلك الأعلى إذا انهار من جوانبه، وتهافت من مناكبه. أتى الناعي، وندبت المساعي، وقامت بواكي المجد، وكسفت شمس الفضل، وعاد النهار أسود، والعيش أنكد. غرب بموته نجم الفضل، وكسدت سوق الأدب، وقامت نوادب السماحة، ووقف فلك الكرم، ولطمت عليه المحاسن خدودها، وشقت عليه المناقب جيوبها. قد كانت الرزية بحيث مارت السماء مورا، وسارت الجبال سيرا، حتى شوهدت الكواكب
[ ١٠٦ ]
ظهرا، ثم تهافتت شفعًا ووترا. قبضه الله فارتاعت الأمة، وانبسطت الظلمة، ووقفت الرحمة واضطربت الملة، وقامت نوادب المجد، وأصبح الناس من القيامة على وعد. إن المصاب به فت الأعضاد، وفتت الأكباد. إن المجد بعده لجاري الدمع، وإن الفضل لمزعج النفس، وإن الكرم لحرج الصدر، وإن الملك لواهي الظهر. كتابي وأنا من الحياة متذمم، وبالعيش متبرم. بعد ما هوى الطود الشامخ، وزال الجبل الباذخ، ونطقت نوادب المجد، وأقيمت مآتم الفضل. نعي فلان فتنكر وجه الدهر، وقبضت مهجة العز والفخر. فلا قلب إلا قد تبين صدعه، ولا عين إلا وهي ترشح بالدم.
ما يختص من ذلك بأبناء النبوة
قد نعي سليل من سلالة النبوة، وفرع من شجرة الرسالة، وعضو من أعضاء الرسول، وجزء من أجزاء الوصي والبتول، كتبت وليتني ما كتبت فإني ناعي الفضل من أقطاره، وداعي المجد إلى شق ثوبه وصداره، ومخبر بأن شمس الشرف كاسفة، وأرض الكرم راجفة، والمآثر مودعة، وبقايا النبوة مرتفعة، وآمال الإمامة منقطعة، والدين منخزل واجم، وللتقوى دمعان هام وساجم. كتابي وقد شلت يمين الدهر، وفقئت عين المجد، وقصر باع الفضل، وكسفت شمس المساعي، وخسفت قمر المعالي، وتجدد في بيت الرسالة رزء جدد المصائب، واستعاد النوائب، كل هذا لفقد من حط الكرم بربعه ثم أدرج في برده، وامتزج المجد فدفن بدفنه. إنها المصيبة عمت بيت الرسالة، وغضت طرف الإمامة، وتحيفت جانب الوحي المنزل، وأذكرت بموت النبي المرسل. كتبت تنعي مهجته والمجد يندب بهجته، ومهابط الوحي والرسالة تحني ظهورها أسفًا، ومعادن الوصية والإمامة تذري دموعها لهفًا، وذاك لأن حادث قضاء الله استأثر بفرع النبوة، وعنصر الدين والمروة.
[ ١٠٧ ]
ذكر البكاء
كتبت والأحشاء محترقة، والأجفان بمائها غرقة. الدمع واكف، والحزن عاكف. مصاب أطلق أسراب الدموع وفرقها، وأقلق أعشار القلوب وأحرقها. مصاب فض عقود الدموع، وشب النار بين الضلوع. مصاب أذاب الدموع الجامدة، وألهب الهموم الخامدة. تحلبت سحائب الدموع الغزار، وانسدت مسالك السكون والاستقرار. كنبت عن عين تدمع، وقلب يجزع. ونفس تهلع. قد أذلت حصون البرة، وحجبت وافد الحبرة. قد مد الهم إلى جسمي يد السقم، وجر الدمع على خدي ذيول الدم. لولا أن العين بالدمع والدم انطق من كل لسان وقلم، لأخبرت عن بعض ما أوهن ظهري، وأوهى ازري.
ذكر الاستراحة بالبكاء والجزع
إن الفجيعة إذا لم تحارب بجيش من البكاء، ولم يخفف من أثقالها بالنشيج والاشتكاء تضاعف داؤها، وزادت أعياؤها، وعز وأعوز دواؤها. قد شفيت غليلي بما استدررته من أسراب الدموع المتحيرة، وخففت عني بعض البرجاء بما امتريته من أخلاقها المتحدرة. إن في إسبال العبرة، وإطلاق الزفرة، والاجهاش بالبكاء والنشيج، وإعلان الصياح والضجيج تنفيسًا من برحاء القلوب، وتخفيفًا من أثقال الكروب.
وصف عظم المصيبة وثقل وطأتها
أتى الدهر بما هد الأصلاب، وأطار الألباب من النازلة الهائلة، والفجيعة الفظيعة. يا لها من حادثة كارثة حسنت لي الغلو في الاعتمام، وأذكرتني بفقد الأعزة والأعمام. رزء أضعف العزائم القوية، وأبكى العيون البكية، مصيبة زلزلت الأرض، وهدمت الكرم المحض. مصيبة سلبت الأجفان كراها، والأبدان قواها. فجيعة لا يداوي كلمها آس، ولا يسد ثلمها تناس. مصيبة
[ ١٠٨ ]
ألمت فآلمت، وثملت فكلمت، وتركت النفوس مولهة، والعقول مدلهة. رزء هض وهاض، وأطال الانخزال والانخفاض، ولم يرض بأن فض الأعضاء حتى أفاض الدماء. رزء ملأ الصدور ارتياعًا، وقسم الألباب شعاعا، وترك العقول مجروحة، والدموع مسفوحة، والقوى مهدودة، وطرق العزاء مسدودة، ورزء نكأ القلوب وجرحها، وأحر الأكباد وأقرحها. مصيبة أقرحت الأكباد، وأوهنت الأعضاد، وسودت وجوه المكارم والمعالي، وأعادت الأيام في صور الليالي.
ذكر الانخزال وكسوف البال والجزع والتوجع والاكتئاب لحادث المصاب
كتبت عن أجفان شرقة بالدموع، ونيران متقدة بين الأحشاء والضلوع، وبنان تود لو بانت قبل أن تخط بذكر نازل الخطة، ونفس أشاطت بها بلابل الهموم المشتطة. كتبت والنفس في شدة الانخزال والكمد، وفقد الاصطبار والجلد، على ما لا يستطاع ذكره، فكيف يتحمل ثقله. ما لي يد تخط إلا بكلفة، ولا نفس تتردد إلا على غصة، ولا عين تنظر إلا من وراء قذى، ولا صدر ينطوي إلا على أذى. الدموع واكفة، والقلوب واجفة، والهم وارد، والأنس شارد، والناس مأتمهم عليه واحد، أين مني كندة تأسف على حجر، أم الخنساء تبكي على صخر. كم عبرة وزفرة، وأنة وحسرة، وكم تململ واضطراب، وكم اشتعال والتهاب. مصيبة أصبحت لها وقيذ غمة، وأخيذ كربة، ما أم سبعة ركبوا الجياد، وشهروا السيوف الحداد نعوا إليها قتيلا بعد قتيل، وعرضوا عليها صريعًا بعد صريع، بأشد مني انخزالا وأضعف بالا، وأدق تقلقلا، وأكثر تململا. ملك الجزع صبري وعزائي، وجعل ناظري في إسار بكائي، فالقلب دهش، والبنان مرتعش، وأنا من البقاء مستوحش. كتبت عن قلق يزيد ولا يفتر، وجزع يتضاعف ولا يضعف. انتهى بن الهلع إلى حيث لا التأسي مصحب، ولا التناسي مصاحب. انزعاج يحل عقود
[ ١٠٩ ]
الحزم، واكتئاب ينقض شروط العزم. قد بلغ الحزن مني مبلغًا لم أبتذله للنوائب وإن جلت وقعًا، وبلغ مني منالًا لم يؤمله طروق المصائب وإن عظمت فجعًا. كتبت عن اضطراب نفس، واضطرام صدر، والتهاب قلب، وانتهاب صبر.
التأبين والندبة
ما أعظمه مفقودا، وأكرمه ملحودا. إني لأنوح عليه بنوح المناقب، وأرثيه مع النجوم الثواقب، وابكيه مع المحاسن والمعالي، وأثني عليه بثناء المآثر والمساعي. ليت يمين الدهر شلت قبل أن فتكت بمهجة الفضل، وعين الزمان كفت قبل أن رأت مصرع الفخر. لقد رزئنا من فلان عالمًا في شخص، وأمة في نفس. مضى والمحاسن تبكيه، ومناقب تعزي فيه، لما قرت به العيون، أسخنت فيه المنون، ولما انشرحت به الصدور، قبضها لفقده المقدور. على المحاسن من بعده العفاء، ولا أنبتت الأرض ولا جادت السماء. قد ركب الأعناق، بعد العتاق، وعلا أجياد، بعد الجياد، وفاح فتيت المسك من مآثره، كما كان يفوح من مجامره. كان منزلهم ألف الأضياف، ومأنس الأشراف، ومنتجع الركب. ومقصد الوفد. فاستبدل بالأنس وحشة، وبالنضارة عبرة، وبالضياء ظلمة، واعتاض من تزاحم المواكب تلادم المآتم، ومن ضجيج النداء والصهيل، عجيج البكاء والعويل. هذي المكارم تبكي شجوها لفقده، وتلبس حدادها من بعده، وهذه المحاسن قد قامت نوادبها مع نوادبه، واقترنت مصائبها بمصائبه. ما أقبح العيش من بعده، وما أنكر العمر مع بعده.