وما يشبهها
هبوب ريح الأقبال
قد ركب من الإقبال مطية لم تقف به إلا على الغاية، وسلك من السعادة طريقًا لن يؤديه إلا إلى الزيادة. قد امتطى ظهر الإقبال، وشافه درك الآمال. هب عليه نسيم الثروة، وتمهد له فراش النعمة. زفت إليه الأيام أبكار النعم، وأتحفته ببواكير المنح. اقترن النجح بمطلبه، واقترب من مقصده. امتد عليه ظل النعمى، وجناح الغنى. ظهرت على أموره أمارات الإقبال، ورفرفت حوله طير حسن الحال. أفاق من سقم الفاقة، واتسع بعد الإضافة.
تباشير النجح والغنى
شارف نيل الإرادة، وشافه لسان السعادة، وابتسم له ثغر الأمل، وآذن بالنجاح في أقرب أمد. قد لاح النجاح وانتشر نوره، ولمعت تباشيره. إن ما يبدو من تباشير النجاح، يضاهي فلق الإصباح، الذي يتلوه طلوع الشمس وإشراقها، واستضاءة العيون والنفوس بها وارتفاقها، أو الغيث رش ثم قطر، ومبادي الشجر ورق ثم زهر. هل يرتجى الغيث إلا بمخائله، ويستدل على أواخر الأمر إلا بأوائله.
[ ١٧٥ ]
حسن الجال ووفور المال
سالمه الدهر وساعدة الجد، وحالفه السعد. قد نال ما لم يحتسبة إلا وهما، ولم يؤلمه إلا حدسا، فاز برغائب النعم، وغرائب القسم. خاض بحر الغنى، وركض في ميدان المنى. رأى من الإنعام، ما لم يره في المنان، فكيف من الأيام. قد أدر الله له أخلاف الرزق، ومهد له أكناف العيش، وآتاه أصناف الفضل، وأركبه أكتاف العز. اتسقت أحوال معيشته، وبسقت أغصان دولته. اتسعت مودا ماله، وتفرعت شعب حاله، تناول النعم فيضا، لا قبضًا، وورد منهلًا، عللًا لا نهلا. لا يمتد له طرف إلا إلى نعمى، ولا يصغي سمع إلا إلى نغمة بشرى. لا يلتوي عليه مطلوب، ولا ينزوي عنه محبوب. قد سخر له المقدار، وساعده الفلك المدار. نادى الآمال فإجابته مكثبة، ودعا الأماني فعاجلته مصحبة. رأت عيناه، ما لم تبلغه مناه، واتسعت نعمته، بحيث لم تنله همته. امتلأ ناديه من ثاغيه صباح، وراغيه رواح. تلاحقت حاشيته، وتلاحقت ماشيته.
ذكر المال الصامت
ورمت أكياسه فضة وتبرا. عنده من العين ما تقر به العين. العين للعين قره، وللقلب قوة. من ملك الصفر أبيض وجهه، واخضر عيشه. كم عنده من عدو في برده صديق. من نجاز الصفر، يدعو إلى الكفر، ويرقص على الظفر. كدارة العين، يحط ثقل الدين، وينافق بوجهين. فلان مستظهر بخبايا الحقائب، وسرائر الأخراج، وضمائر الصناديق. أموال اغتص بحسباناتها الديوان، وناء بثقلها الخزان.
تراجع الأمور وركود ريح النعمة
رفت حاشية حاله، ومالت دعامة ماله. قد أفل نجمه، وسقط سهمه،
[ ١٧٦ ]
وكثرت فتوقه، واتسعت خروقه. أخمدت ناره، ووضع مناره، خبا قبسه، وكبا فرسه. قد قعدت به نواهضه، وتساقطت خوافيه وقوادمه.
انحاء الخطوب والنوائب
حصل بين أنياب الزمان ومخالبه، وصلي بنار حوادثه ونوائبه. تصرفت به خطوب تتلو خطوبا، وشوائب تدع الولدان شيبا. حوادث أجحفت، وكوارث الحفت. عصفت به عواصف الثبور، وقواصف الدهور. بين محنة قاصدة، ونكبة راصدة. قد عاين شدة متعبة، وعانى أمورًا مستصعبة. مر به ما لو مر بالحديد لذاب، أو بالوليد لشاب. نشب في أعظم خطة، وأصعب ورطة. قد عضه ناب النائبة العظمى، ورمي بسهم الدامية الجلي، وحصل في أسر الطامة الكبرى. حرمسه الضر، وانحى عليه الزمن المر، ونشزت عليه البيض وشمست منه الصفر، وأكلته السود وحطمته الحمر. قد حلي بفم الدهر فما يشبع من أكله نهسًا ونهشا، وخضمًا وقضما.
سوء الحال واستحكام الحرقة
فلان يرتضع من الدهر ثدي عقيم، ويركب من الفقر ظهر بهيم. عاثر لا يستقل، سليم لا يبل، كسير لا ينجبر، مضيم لا ينتصر. قد زالت عنه الآلآء، وانثالت عليه اللأواء. لو بلغ الروق فاه، لولا قفاه. لا يأوي إلى ظل الدنيا إلا تقاربت أكنافها، ولا يمتري درها إلا أخلفت أخلافها.
سوء أثر الفقر والضر
جاء بوجه قد غبر فيه الفقر، وانتزف ماءه الدهر، وأمال قناته السقم، وقلم أظفاره العدم. وجه أكسف من باله، وزي أوحش من حاله. جاءنا ببدن ناحل، ووجه حائل، ورجل وحلة، ويد قحلة، وأنياب قد افتر عنها الضر، والعيش
[ ١٧٧ ]
المر. طريح ضعف ومتربة، وطليح ذل ومسكنه. جاءنا بوجه قد نضب ماؤه، وطال سقاؤه. لا يملك غير الجلدة بردة، ولا يلتقي بحياه رعدة. جاءنا فلان يضيق بالبرد ويسعه، ويأخذه القر ويدعه.
وصف ثياب الفقر
جاء في قميص قد أكل عليه الدهر وشرب. أطمار لعبت بها أيدي البلى. جبة تقرأ " إذا السماء انشقت " سواء لابسها والعريان. جبة لا تساوي تصحيفها. أطمار كالهواء الرقيق، وكالشراب الرقراق. رداء دب فيه الردى. أطمار كنسج العناكب، ونار الحباحب. رأيت فلانًا في ثياب أخلاق، لم يبق فيها من عمل الحائك باق. أطمار أرق من أكباد المحبين، إذا هب عليها النسيم امتزجت بالهواء، وانتظمت في سلك الهباء.
وصف المتناهي في الفقر
قد أحلت له الضرورة ما حرم الله عليه، قد حصل على أشد إضافة، وتكشفت عن أقبح فاقة، قد تناهت حاله في الانتشار والرزاحة إلى التكشف عن دار بلقع، وفقر مدقع. انتقل من سلخ جلد إلى تعرق لحم، ومن رض عظم إلى انتقاء مخ. فلان حي كميت، وفي بيت بلا بيت. ليس معه عقد، على نقد. يخرج خروج الحية من جحره، والطائر من وكره. حاله حال السليم مله عواده، والغريق أسلمته أعواده. هو بين أنياب الدهر تحطمه بصريفها، وتعتوره بصروفها، ويده صفر، ومنزله قفر، وغداؤه الخوى، وعشاؤه الطوى، ورطاؤه الغبراء، وغطاؤه الخضراء، وإدامه التشهي، وطعامه التمني، وفراشه المدر، ووساده الحجر. ثوبه جلده، ومركوبه رجله. خصيب العين. جديب البطن، واسع المنى. ضيق الغنى، أفرغ بيتًا من فؤاد أم موسى.
[ ١٧٨ ]
ذكر اليسر والعسر والإنتعاش من صرعة الدهر
تجلت عنه غمة الخطوب، ودارت له العواقب بالمحبوب. انقشعت ضبابة محنته، وتجلت غمرة كربته، وطلعت نجوم سعادته، وهطلت سحائب إرادته. صلح له الدهر الطالح، وملكه عنانه البخت الجامع، طلع سعده بعد الأفول، وبعد صيته بعد الخمول، صار كمن أحيي وهو رميم، وأنبت وهو هشيم. أنعم الله بإعادته، إلى أحسن عادته. أقبلت عقد أموره تتحلل، ومطالبه تتسهل، ووجوه مناجحه تتهلل. أخرجه من الضيق إلى السعة، ومن الانزعاج إلى الدعة. تماسكت حاله التي تخللها الخلل، وثبتت قدمه التي ملكها الزلل. صلحت حاله واستقلت، وثبتت قدمه واستقرت.
وصف عيش الناعم المغبوط
فلان في عيشة ندي ظلها، وسح وابلها وطلها. هو عيش رقيق الحواشي، مثمر النواحي. هو في نعمة صافية، ومنحة ضافية، وعيشة راضية. قد لاحظ العيش مخضر العود، ولابس الدهر متصل السعود. هو صائب سهم الأمل، وافر جناح الجذل. يفترع أبكار اللذات، ويجتني ثمار المسرات، يغازل الغزلان، ويقامر الأقمار، ويعاقر العقار. يهصر أغصان القدود، ويقطف ورد الخدود، ويجني رمان النهود. قد صحبته الأيام أحسن صحبة، وعاشرت الزمان أهنأ عشرة. غراب البين عن ربعه مطار، وغيم اللهو فيه مطير. هو في جانب منيع، وجناب مريع. ثمل في غناه، مستقل في كراه قد هنأه الله كل يوم إحسانًا أغر، وملأه عيشًا أغن. قد خفض الزمان له جناحًا، وآلان مهاده. فهو يأخذ ما يشاء ويدع، ويلعب ويرتع لذلة العيش وطاب، وولى رقيب الغم عنه وغاب. هو بين جاه عريض، وعيش غريض. هو بين نعمة سنية، وبلهنية هنية. تذل له الأيام أخادعها، وتدني إليه
[ ١٧٩ ]
المطالب مشارعها. عيش أخضر العود ناضره، مائل الغضن مائره. هو بين أنواء خير وخصب، وأنوار رياض وعشب.