ذكر التشكي والمرض
عرض لي مرض أساء بالنجاة ظني، وكاد يصرف وجه الإفاقة عني. لو رآني لرآني خلالًا، ولو شئته لطرقته خيالًا. هو شورى بين أمراض أربعة: حمى لا تغب، وصداع لا يخف، وزكام يكد، وسعال لا يكف. علة هو في أسرها معتقل، وبقيدها مكبل. أمراض توالت علي، وأساءت بي وإلي، فأنا أشكوها وأشكر الله تعالى إذ جعلها عظة وتذكيرًا، ولم يبق منها حتى الآن إلا يسيرًا. أحسب الأمراض قد أقسمت على أن تجعل أعضائي مرابعها، وآلت على أن تصير جوارحي مراتعها. علل لا يصدر منها آت إلا لتكرير ورد، ولا يعزل فيها وال إلا بولي عهد. قد كرت تلك العلة فعادت عللا، وسقاني بعد نهل عللا، حليف علة أقعدتني عن الحركة، وألزمتني من المنزل عرصة العجزة. علة برته بري الأخلة، ونقصته نقص الأهلة. تركته حرضًا، وأوسعته مرضًا، وغادرته والخيال أكثف منه جثة، والطيف أوفر قوة.
اشتداد العلة وسوء الظن بها
عرض له من المرض ما صار له القنوط يغاديه ويراوحه، واليأس يخاطبه ويصافحه، ورد من سوء الظن أوخم المناهل، وبات من حسن الرجاء
[ ٨٦ ]
على مراحل. طالعت الكرم يترجح نجمه بين الإضاءة والأفول، وتتمثل شمسه بين الإشراق والغروب. أصبح فلان لا ينقل رأسه، ولا يجر ظله. ويد المنية تقرع بابه. ما هو إلا حرض، ولسهم المنية غرض. شاهدت نفسي وهي تخرج، ولقيت روحي وهي تعرج، وعرفت كيف تكون السكرة، وكيف تقع الغمرة، وكيف طعم البعد والفراق، وكيف يلتف الساق بالساق.
الانزعاج لعارض العلة
مرض فلحقتني روعة، وملكتني لوعة. وجدت في نفسي ألمًا مما مسه، وتخون أنسه، بلغني من شكاته ما أوحش جناب الأنس، وأراني الظلمة في مطلع الشمس. بلغني ما عرض له من المرض، وألم به من الألم، وتحامل على سواء صدري، وأقذى سواد طرفي. قد استنفذ القلق لعلتك ما أعده الصبر من ذخيرة، وأضعف ما قواه العزاء من بصيرة. أتقلب على حد السيف إلى أن أعرف انكشاف العارض وزواله، وأتحقق انحساره وانتقاله. انهي إلي من خبر العارض حسم الله مادته، وقصر مدته. ما أراني الأفق مظلما، وطريق العيش مبهما.
تهوين أمر العارض بحسن الرجاء
هذه هـ العوارض قد تكون، ثم تزول بإذن الله وتهون. إن الذي يبلغني من ضعفه قد أضعف المنة، وإن لم يضعف الظن بالله والثقة. قد استشف العافية من وراء ثوب رقيق، وبات منها على وعد قريب، ربما يشفى من أشفى، وحسبنا الله وكفى، ما أكثر ما رأينا هذه العلل جلت ثم جلت، وتوالت ثم تولت.
ذكر المشاركة في العلة
خبرني فلان بعلتك فأشركني فيها همًا وقلقًا، ولا أعل الله لك جسمًا ولا
[ ٨٧ ]
حالًا، ورد إليك العافية وأدامها لك. ليست نكاية الشغل في قلبي بأقل من نكاية الشكاية في جسدك، ولا استيلاء القلق على نفسي بأيسر من اعتراض السقام لبدنك، ومن ذا الذي يصح جسمه إذا تألمت إحدى يديه، ومن يحل محلها في القرب إليه. ما كنت أعلم خبر العارض لك حتى تحققت ذلك من مشاركتي إياك في علتك وصحتك. ما انفرد جسمك بألم العلة دون قلبي ولا اختصت نفسك بمعاناة المرض دون نفسي. ليعلم سيدي أني سقيم بسقمه، وواجد بقلبي ما يجده بجسمه.
الاهتمام للعلة ثم الاستبشار بزوالها
أنا منزعج لشكاتك، مبتهج لمعافاتك. إن كانت علتك قد قرحت وجرحت، فإن صحتك قد أست وآنست. بلغني شكاتك فارتعت، ثم عرفت خفتها فارتحت. الحمد لله على قرب المدة بين المحنة والمنحة، والبلوى والنعمة، على أنا لم نتهالك بأيدي المخافة، حتى تداركنا الله بحسن الرافة، ولم نستسلم لخطة الحذر، حتى سلم من ورطة القدر.
شكاة أهل الفضل والسؤدد
شكاته التي تتألم لها المروءة والفضل، ويسقط لها الكرم المحض. شكاته التي غصت بها حلوق المجد، وحرجت لها صدور الأدب، وبدا الشحوب معها على وجه الحرية، وحرم عندها البشر على غرة المروة، علته التي أعلت أكثر القلوب، وطيرت الأرواح عن جل النفوس، قد اعتل بعلته الكرم، وشكا بشكايته السيف والقلم. شكاة عرضت منه لشخص الكرم الغض، والشرف المحض، لو قبلت مهجتي فدية دون وعكة تجدها، وساعة أنس تفقدها، لبذلتها علمًا بأني أفدي الكرم لا غير، والفضل ولا ضير.
[ ٨٨ ]
أدعية العيادة
أغناك الله عن الطب والأطباء، بالسلامة والشفاء. كفاك الله بالسلامة، وشفاك بالطافه الخاصة والعامة. جعله الله عليك تمحيصا، ولا تنغيصا، وتذكيرا، لا تنكيرا، وأدبا، لا غضبا، والله يدر لك صوب العافية، ويضفي عليك ثوب الكفاية الوافية. أذن الله في شفائك، وتلقى داءك بدوائك، ومسحك بيد العافية، ووجه إليك وافد السلامة، وجعل علتك ماحية لذنوبك، مضاعفة لثوابك. أوصل الله إليك من برد الشفاء، ما يكفيك حر الأدواء.
تنسم الإقبال بعد اليأس
قد شمت بارقة العافية، وشممت رائحة الصحة. أقبل صنع الله من حيث لم أرتقب، وجاءني لطفه من حيث لم أحتسب، وتدرجت إلى الإبلال وقد حسبته حلما، ورضيت به دون الاستقلال غنما. قد تخلصت إلى شط العافية، وصافحت كف حسن العاقبة. كما تداركني الله بلطيفة من لطائفه، نوجعل هبة الروح عارفة من عوارفه. تنسمت روائح الحياة بعد أن أشفيت على الوفاة، وثنيت وجهي إلى الدنيا، بعد مواجهتي الدار الأخرى. تداركني صنع الله ولطفه فأقالا عثرة ما خلتني أقالها، وأزالا علة لم يحتسب زوالها.
ذكر الإبلال وحمد الله عليه والدعاء عنده
قد صافح الإقلال والإبلال، وقارب النهوض والإستقلال. سيرويك الله من العافية التي ذوقك ويسبغ ثوبها عليك، ولا عيد مكروهًا إليك. المرض قد انحسر، والألم قد انحسم. قد استقل استقلال السيف حودث حده، وأعيد فرنده، والقمر انكشف سراره، وذاعت أسراره. حين استقلت يدي بالقلم، بشرتك بانحسار الألم. قد أقال الله بالسلامة الفائضة، وأدال من الشكاية العارضة، فانشرحت الصدور، وشمل السرور. أبل فعادت به الصدور مثلوجة، والكرب مفروجة. الحمد لله الذي حرس جسمك وعافاه، ومحا عنه أثر السقم وعفاه. الحمد لله الذي جعل العافية عقبى ما تشكيت والسلامة عوضًا مما عانيت الحمد لله على أن أعفاك من معاناة الألم، وعافاك للفضل والكرم، ونظمني معك في سلك النعمة، وضمني إليك في مسلك الصحة، والله يجعل السلامة أطول برديك، وأشدهما سبوغًا عليك، ويدفع في صدور المكاره دون ربعك، وفي نحور المحاذر قبل الانتهاء إلى ظلك. لا زالت العافية شعارك، ما وصل ليلك ونهارك. سوغك الله العافية وهنأك العيشة الراضية.
الاستشفاء بكتب العيادة
كلامك قد أدى روح السلامة في أعضائي، وأوصل برد العافية إلى أحشائي، تركني كتابك والظليم ينتسب إلى صحتي بعد أمراض اكتنفت، وأسقام اختلفت. قد استبق كتابك والعافية إلى جسمي، حتى كأنهما فرسا رهان تباريا، ورسيلا مضمار تجاريا. أبدلني كتابك من حزون الشكاة، سهول المعافاة، ومن شدة التألم، رخاء التنعم، ومن ضيق الصدر باضطراب البدن، سعة الصدر باستقرار الجسد، حتى كأنه مسحة ملك منزل، أو سبحة نبي مرسل.
آخر كتاب العيادة، ولله الحمد والمنة
[ ٨٩ ]
بسم الله الرحمن الرحيم